مذكرات الجاسوس البريطاني همفر

الكاتب : الباز الأشهب   المشاهدات : 506   الردود : 0    ‏2002-07-04
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-04
  1. الباز الأشهب

    الباز الأشهب عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-04-15
    المشاركات:
    802
    الإعجاب :
    0
    الحلقة الاولى

    يقول همفر في مذكراته:

    كانت دولة بريطانيا العظمى تفكر منذ وقت طويل حول إبقاء الإمبراطورية وسيعة كبيرة كما هي عليها الأن من إشراق الشمس على بحارها حين تشرق و غروب الشمس في بحارها حين تغرب فإن دولتنا كانت صغيرة بالنسبة إلى المستعمرات الكثيرة التي كنا نسيطر عليها في الهند و في الصين و في الشرق الأوسط و غيرها. صحيح إنا لم نكن نسيطر سيطرة فعلية على أجزاء كبيرة من هذه البلاد لأنها كانت بيد أهاليها إلا أن سياستنا فيها كانت سياسة ناجحة و فعالة و كانت في طريق سقوطها بأيدينا كلية فكان اللازم علينا أن نفكر مرتين:
    1- مرة لأجل إبقاء السيطرة على ما تم السيطرة عليه فعلاً.
    2- و مرة لأجل ضم ما لم تتم السيطرة عليه فعلاً إلى ممتلكاتنا و مستعمراتنا.

    و قد خصصت وزارة المستعمرات لكل قسم من أقسام هذه البلاد لجاناً خاصة لأجل دراسة هذ المهمة و كنت أنا من حسن الحظ مورد ثقة الوزير منذ دخلنا هذه الوزارة. و عهد إلي بمهمة ( شركة الهند الشرقية) التي كانت مهمتها في الظاهر تجارية بحتة و في الباطن تعزيز سبل السيطرة على الهند و على طرقها الموصلة إلى هذه الأراضي الشاسعة شبه القارة.
    و كانت الحكومة واثقة من الهند حيث القوميات المختلفة و الأديان المتشتتة، و اللغات المتباينة، و المصالح المتضاربة، كما كانت الحكومة واثقة من الصين حيث أن البوذية و الكنفوشيوسية الغالبة على هذه البلاد لم تكونا بحيث يخشى من قيامهما لأنهما دينان ميتان يهتمان بجانب الروح فلا صلة لهما بجانب الحياة فكان من المستبعد أن يسري الشعور بالوطنية في أهالي هاتين المنطقتين. و لذلك لم يكن يقلق بال حكومة بريطانيا العظمى هاتان المنطقتان ( نعم) لم نكن غافلين عن إمكان تطور المستقبل و لذا كنا نضع الخطط الطويلة الأمد لأجل سيطرة التفرقة و الجهل و الفقر و أحياناً المرض- أيضاً- على هذه البلاد و كنا لا نجد صعوبة في تغطية نوايانا بغطاء من المشتهيات النفسية لأهالي هذه البلاد براق في ظاهره متين في واقعه فكنا بذلك نطبق المثل البوذي القديم ( دع المريض يشعر بحبه للدواء و إن كان مر المذاق).

    يقول همفر في مذكراته:

    لكن الذي كان يقلق بالنا هي البلاد الإسلامية. فإنا و إن كنا قد عقدنا مع الرجل المريض ( يقصد الإمبراطورية العثمانية) عدة من المعاهدات كلها في صالحنا و كان تقديرات خبراء وزارة المستعمرات أن الرجل يلفظ نفسه الأخير في أقل من قرن، و كذلك كنا قد عقدنا مع حكومة الفرس- سراً- عدة معاهدات، و كنا قد زرعنا الجواسيس و العملاء في هذين البلدين، و كانت الرشوة، و فساد الإدارة، و إنشغال ملوكها بالنساء الحسناوات قد نخرت في جسم هذين البلدين إلا أنا لم نكن نثق بالنتائج و ذلك لعدة أسباب أهمها:
    1- قوة الإسلام في نفوس أبنائه فإن الرجل المسلم يلقي قياده إلى الإسلام بكل صلابة حتى إنك ترى الإسلام في نفس المسلم بمنزلة المسيحية في نفوس القساوسة و الرهبان، و تزهق نفوسهم و لا تخرج المسيحية منها و كان المسلمون ( الشيعة) في البلاد الفارسية أخطر حيث إنهم يرون المسيحية كفاراً نجسين فإن المسيحي عند الشيعة بمنزلة القذارة المتعفنة في يد أحدنا حيث يصرف همته في إزالته، و ذات مرة سألت عن أحدهم: لماذا ينظرون إلى المسيحي بهذا المنظار؟ قال: إن نبي الإسلام كان رجلاً حكيماً و أراد أن يطوق كل كافر بدائرة من الضغط الأدبي لكي يحس بالضيق و الوحشة ليكون من أسباب هدايته إلى الله و إلى الدين الصحيح كما أن الحكومة إذا أحست من إنسان الخطر طوقته بدائرة من المقاطعة حتى يرجع إلى الطاعة و الإنقياد، و النجاسة التي ذكرتها هي نجاسة معنوية لا مادية ظاهرية و هي ليست خاصة بالمسيحية بل تشمل كل كافر حتى المجوس الذين هم فارسيون من القديم هم نجس في منطق الإسلام.
    ( قلت له) حسنا و لكن لماذا المسيحيون نجس و هم يعتقدون بالله و الرسالة و يوم المعاد؟ قال: لأمرين ( الأول) أنهم ينكرون نبينا محمداً و هذا يعني أنهم يقولون أن محمدا كاذب و نحن في قبال هذا الإتهام نقول أنتم أيها المسيحيون نجس طبقاً لقانون العقل الحاكم بأن من آذاك فلك أن تؤذيه ( الثاني) أنهم ينسبون إلى أنبياء الله نسباً غير لائقة مثل أنهم يقولون: المسيح كان يشرب الخمر، و كان ملعونا لأنه علق على الخشبة.
    ( قلت له) في دهشة: لا يقول المسيحيون هكذا قال: أنت لا تعلم أنهم في ( الكتاب المقدس) عندهم يقولون ذلك........

    يقول همفر في مذكراته:

    فسكت. و أنا واثق بأن الرجل كان كاذباً في الأمر الثاني و إن كان صادقاً في الأمر الأول و لم أرد ان أطاول معه النقاش لأني خشيت أن تثار حولي شبهة ( حيث كنت أنا في الزي الإسلامي و كنت أتجنب الزاوية الحادة دائماً).

    2- أن الإسلام كان ذات يوم دين حياة و سيطرة و من الصعب عليك أن تقول للسادة أنتم عبيد فإن نخوة السيادة تدفع بالإنسان إلى التعالي مهما كان في ضعف و انحطاط و لم يكن بإمكاننا أن نزيف تاريخ الإسلام حتى نشعر المسلمين بأن السيادة التي حازوها كانت بفعل ظروف خاصة قد ولت إلى غير رجعة.

    3- لم نكن نأمن من تحرك الوعي في نفوس ( آل عثمان) و ( حكام فارس) بما يوجب فشل خططنا الرامية إلى السيطرة، صحيح أن الحكومتين قد بلغتا من الضعف مبلغاً كبيراً كما ألمحنا إلا أن وجود حكومة مركزية يواليها الناس و بيدها السيادة و المال و السلاح يجعل الإنسان غير آمن.

    4- كنا شديدي القلق من علماء المسلمين فعلماء الأزهر و علماء العراق و علماء فارس كانوا أمنع سد أمام آمالنا فإنهم كانوا في غاية الجهل بمبادىء الحياة العصرية و قد جعلوا نصب أعينهم ( الجنة التي وعدهم بها القرآن) فكانوا لا يتنازلون قدر شعرة عن مبادئهم و كان الشعب يتبعهم و السلطان يخشاهم خوف الفئران من الهرة، صحيح أن أهل السنة كانوا أقل إتباعاً لعلمائهم فإنهم يقيمون الولاء بين السلطان و بين شيخ الإسلام و أهل الشيعة كانوا أشد ولاءاً للعلماء لأنهم يخلصون الولاء للعالم فقط و لا يعيرون السلطان أهمية كافية إلا أن هذا الفرق لم يكن ليخفف شيئاً من القلق الذي كان يساور وزارة المستعمرات بل كل حكام بريطانيا العظمى.
    و قد عقدنا المؤتمرات الكثيرة لنلتمس الحلول الكافية لهذه المشاكل المقلقة لكنا في كل مرة لم نجد أمامنا إلا الطريق المسدود و كانت التقارير التي تأتينا بإنتظام عن العملاء و الجواسيس مخيبة للآمال كما كانت نتائج المؤتمرات كلها صفرا أو تحت الصفر لكنا لم ندع المجال لليأس فينا حيث عودنا أنفسنا النفس الطويل و الصبر اللامتناهي.....

    يقول همفر في مذكراته:


    و أذكر ذات مرة عقدنا مؤتمراً حضره الوزير بشخصه و أكبر القساوسة و عدد من الخبراء و كان عددنا جميعاً عشرين شخصاً و طال النقاش أكثر من ثلاث ساعات و انتهينا بدون نتيجة إلا أن القس قال: ( لا تنزعجوا فإن المسيح لم يصل إلى الحكم إلا بعد ثلاثمائة سنة من الإضطهاد و التشريد و القتل له و لأتباعه و عسى أن ينظر إلينا المسيح نظرة من ملكوته فيمنحنا إزالة الكفار عن مراكزهم و لو بعد ثلاثمائة سنة فعلينا أن نتسلح بالإيمان الراسخ و الصبر الطويل و اتخاذ كافة الوسائل و السبل للسيطرة و نشر المسيحية في ربوع المحمديين و لو وصلنا إلى النتيجة بعد قرون فإن الأباء يزرعون للأبناء).

    و حتى أنه ذات مرة عقد في الوزارة مؤتمر حضره ممثلون من كل بريطانيا العظمى و فرنسا و روسيا و كان مؤتمراً في أعلى المستويات و كان الحاضرون لفيفاً من الهيئات الدبلوماسية و رجال الدين و كان من حسن حظي أن حضرت ذلك المؤتمر لعلاقتي الوطيدة بالوزير و عرض المؤتمرون مشاكل المحمديين عرضاً وافياً، ذكروا فيه سبل تمزيقهم و سلخهم عن عقيدتهم و إرجاعهم إلى حظيرة الإيمان كما رجعت إسبانيا إليها بعد قرون من غزو المحمديين البرابرة لها لكن النتائج لم تكن بالمستوى المطلوب. و قد كتبت أنا كلما دار من نقاش في ذلك المؤتمر في كتابي ( إلى ملكوت المسيح).
    إنه من الصعب أن تقلع جذور شجرة امتدت إلى شرق الأرض و غربها لكن الإنسان يجب عليه أن يذلل الصعاب مهما كان الثمن. ان المسيحية لم تأت إلا لتنتشر و قد وعدنا بذلك المسيح نفسه أما محمد فقد ساعده ظرف انحطاط العالمين الشرقي و الغربي و ظرف الأنحطاط إذا ولى فقد يذهب معه أيضاً ما رافقه من ويلات و من حسن الظن أن الأمر قد انعكس فقد انحط المحمديون و ارتفعت بلاد المسيح فآن الوقت لأن نطلب الثأر و نسترجع ما فقدناه طيلة قرون و ها هي دولة قوية عصرية هي بريطانيا العظمى تأخذ بزمام هذه المبادرة المباركة......

    يقول همفر في مذكراته:


    أوفدتني وزارة المستعمرات عام (1710) إلى كل من مصر و العراق و طهران و الحجاز و الأستانة لأجمع المعلومات الكافية التي تعزز سبل تمزيقنا للمسلمين و نشر السيطرة على بلاد الإسلام. و بُعث في نفس الوقت تسعة أخرين من خيرة الموظفين لدى الوزارة ممن تكتمل فيهم الحيوية و النشاط و التحمس لسيطرة الحكومة إلى سائر الأجزاء للإمبراطورية و سائر بلاد المسلمين و قد زودتنا الوزارة بالمال الكافي و المعلومات اللازمة و الخرائط الممكنة و أسماء الحكام و العلماء و رؤساء القبائل و لم أنس كلمة السكرتير حين ودعنا باسم السيد المسيح و قال: ( ان على نجاحكم يتوقف مستقبل بلادنا فابدوا ما عندكم من طاقات للنجاح).
    فأخذت أنا ميمماً وجهة الأستانة مركز الخلافة الإسلامية و كانت مهمتي مزدوجة. و حيث كان من المفروض أن أكمل تعلمي للغة التركية لغة المسلمين هناك، فقد كنت تعلمت شيئاً كثيراً من ثلاث لغات في لندن اللغة التركية و لغة العرب ( لغة القرآن) و لغة أهل فارس. لكن تعلم اللغة شيء و السيطرة على اللغة حتى يتمكن الإنسان أن يتكلم مثل لغة أهل البلاد شيء آخر، فبينما لا يستغرق الأول إلا سنوات قلائل، يستغرق الثاني أضعاف ذلك الوقت فإن المفروض أن أتعلم اللغة بكافة دقائقها حتى لا يثار حولي شبهة.
    و لكني لم أكن أقلق لهذه الجهة لأن المسلمين عندهم تسامح و رحابة صدر و حسن ظن كما علمهم نبيهم فالشبهة عندهم لا تكون كالشبهة عندنا. و من طرف أخر فإن حكومة الأتراك لم تكن في المستوى اللائق لكشف الجواسيس و العملاء فقد كانت حكومة آخذة في الضعف و الهزال مما يؤمن جانبنا.
    و بعد سفرة مضنية وصلت إلى آستانة و سميت نفسي ( محمداً) و أخذت أحضر المسجد ( مكان اجتماع المسلمين لعبادتهم) و راقني النظام و النظافة و الطاعة التي وجدتها عندهم و قلت في نفسي: لماذا نحارب هؤلاء البشر؟ و لماذا نعمل من أجل تمزيقهم و سلب نعمتهم؟ هل أوصانا المسيح بذلك ؟ لكني رجعت فوراً و استنفرت من هذا التفكير الشيطاني. و جددت العزم على أن أشرب إلى أخر الكأس.......
    ------------------------------------------------------------

    يتبع
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة