السباق إلى العقول الحلقة (28)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 505   الردود : 0    ‏2002-07-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-07-04
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (28)

    نماذج من قساة القلوب في عصر حقوق الإنسان!

    النموذج الثاني: قساة النصارى في العصور الماضية.

    من الصعب جدا تتبع الأمثلة الدالة على أن الرحمة قد نزعت من قلوب زعماء النصارى وكثير من مفكريهم، وأن القسوة والغلظة والوحشية قد حلت محلها، ويكفي المرء دليلا على ذلك أن يتتبع ممارساتهم في هذا العصر، في مشارق الأرض ومغاربها، عن طريق أجهزة إعلام النصارى أنفسهم-وما يخفونه أكبر-وبخاصة ما يسومون به المسلمين من قتل وتشريد وظلم متعمد.

    وسأكتفي بمثالين بارزين قديمين دالين على قسوة كثير من النصارى ووحشيتهم وغلظ قلوبهم وخلو قلوبهم تلك من الرحمة، قبل أن أنتقل إلى ذكر بعض الأمثلة المعاصرة الدالة على ذلك.

    المثال الأول:
    معاملة النصارى في الأندلس للمسلمين الذين أسسوا في بلادهم-عندما فتحوها-حضارة لم تعهدها أوروبا ولا غيرها من بلاد العالم، حتى أشرقت أنوار تلك الحضارة على أوروبا، وكانت هي منطلق التقدم المادي الذي نشاهده الآن في الغرب، ولو أن أهل الغرب أخذوا بتوجيه المنهج الإسلامي كله، لكانوا حملة راية الإسلام وقادة المسلمين في العالم كله.

    وشهد شاهد من أهلها‍‍.

    وسأنقل نصا فيه شيء من الطول لهذا المثال، من كتاب لمؤلف غربي حتى ينطبق عليه المثل القرآني السائر: ((وشهد شاهد من أهلها...))[يوسف: 36].

    قال غوستاف لوبون:
    (وعاهد فرديناند [نصراني أسباني كاثوليكي استولى على أخر مملكة إسلامية وهي غرناطة سنة 1492م.] العرب على منحهم حرية التدين واللغة، ولكنه في سنة 1499م، لم تكد تحل حتى حل بالعرب دور الاضطهاد والتعذيب الذي دام قرونا، والذي لم ينته إلا بطرد العرب من أسبانية، وكان تعميد العرب كرها فاتحة ذلك الدور، ثم صارت محاكم التفتيش تأمر بإحراق كثير من المعمدين على أنهم من النصارى، ولم تتم عملية التطهر بالنار إلا بالتدريج، لتعذر إحراق الملايين من العرب دفعة واحدة.

    ونصح كردينال طليطلة التقي! الذي كان رئيسا لمحاكم التفتيش، بقطع رؤوس جميع من لم يتنصر من العرب رجالا ونساء وشيوخا وولدانا، ولم ير الراهب الدومينيكي "بليدا" الكفاية في ذلك، فأشار بضرب رقاب من تنصر من العرب، ومن بقي على دينه منهم، وحجته في ذلك أن من المستحيل معرفة صدق إيمان من تنصر من العرب، فمن المستحب إذن، قتل جميع العرب بحد السيف، لكي يحكم الرب بينهم في الحياة الأخرى ويُدخِل النار من لم يكن صادق النصرانية منهم.

    ولم تر الحكومة الأسبانية أن تعمل بما أشار به هذا الدومينيكي الذي أيده الأكليروس في رأيه، لما قد يبديه الضحايا من مقاومة، وإنما أمرت في سنة 1610م بإجلاء العرب عن أسبانية، فقتل أكثر مهاجري العرب في الطريق، وأبدى ذلك الراهب البارع "بليدا" ارتياحه لقتل ثلاثة أرباع هؤلاء المهاجرين في أثناء هجرتهم، وهو الذي قتل مائة آلف مهاجر من قافلة واحدة، كانت مؤلفة من أربعين ألفا ومائة ألف مهاجر (140000)مسلم حينما كانت متجهة إلى إفريقية.

    وخسرت أسبانية بذلك مليون مسلم من رعاياها في بضعة أشهر، ويقدر كثير من العلماء، ومنهم "سيديو" عدد المسلمين الذين خسرتهم أسبانية منذ أن فتح "فرديناند" غرناطة حتى إجلائهم الأخير بثلاثة ملايين، ولا تعد ملحمة سان باتلمي إزاء تلك المذابح سوى حادث تافه لا يؤبه له.

    ولا يسعنا سوى الاعتراف بأننا لم نجد بين وحوش الفاتحين من يؤاخذ على اقترافه مظالم قتل كتلك التي اقترفت ضد المسلمين.

    ومما يرثى له أن حرمت أسبانية عمدا، هؤلاء الملايين الثلاثة الذين كانت لهم إمامة السكان الثقافية.. والصناعية..

    وسيرى القارئ في الفصل الذي خصصناه للبحث في وارثي العرب، مقدار الانحطاط الذي أسفر عن إبادة العرب، وإذا كنت قد أشرت إلى هذا هنا فلأن شأن العرب المدني لم يبد في قطر ملكوه كما أبيد في أسبانية، التي لم تكن ذات حضارة تذكر قبل الفتح العربي، فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب، ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب، وهذا مثال بارز على ما يمكن أن يتفق لعرق من التأثير...)[ كتاب حضارة العرب، للدكتور غوستاف لوبون، ترجمة عادل زعيتر، الطبعة الرابعة ص 270، 272 وراجع الفصل الذي يليه لمعرفة أثر الحضارة الإسلامية في أوروبا.].

    المثال الثاني:
    ومما يدل على قسوة كثير من النصارى ووحشيتهم وخلو قلوبهم من الرحمة، ما عاملوا به المسلمين في بعض الحروب الصليبية.

    وأنقل في ذلك نصا فيه شيء من الطول كذلك لنفس الكاتب: "غوستاف لوبون".

    الذي قال:
    (ويدل سلوك الصليبيين في جميع المعارك على أنهم من أشد الوحوش حماقة، فقد كانوا لا يفرقون بين الحلفاء والأعداء، والأهلين الْعُزل والمحاربين، والنساء والشيوخ والأطفال، وقد كانوا يقتلون وينهبون على غير هدى.

    ونرى في كل صفحة من الكتب التي ألفها النصارى في ذلك الزمن براهين على توحش الصليبيين، ويكفي لبيان ذلك أن ننقل الخبر الآتي الذي رواه الشاهد الراهب "روبرت" عن سلوك الصليبيين الحربية [الصواب أن يقال: (الحربي) لأنه نعت حقيقي لسلوك، وهو مفرد، ونعت المفرد يكون مفردا.] وذلك بالإضافة إلى ما حدث حين الاستيلاء على القدس.

    قال المؤرخ الراهب التقي! روبرت:
    "وكان قومنا يجوبون الشوارع والميادين وسطوح البيوت، ليرووا غليلهم من التقتيل، وذلك كاللبؤات التي خطفت صغارها، وكانوا يذبحون الأولاد والشبان والشيوخ ويقطعونهم إرْبا إرْبا، وكانوا لا يستبقون إنسانا، وكانوا يشنقون أناسا كثيرين بحبل واحد بغية السرعة، فيا للعجب ويا للغرابة أن تذبح تلك الجماعة الكبيرة المسلحة بأمضى سلاح من غير أن تقاوم! [ يبدو أنه يستبعد أن يكون هؤلاء الضحايا مسلحين، لأنهم لو كانوا مسلحين لدافعوا عن أنفسهم.]

    وكان قومنا يقبضون على كل شيء يجدونه، فيبقرون بطون الموتى، ليخرجوا منها قطعا ذهبية، فيا للشره وحب الذهب! وكانت الدماء تسيل كالأنهار في طرق المدينة المغطاة بالجثث فيا لتلك الشعوب العمي المعدة للقتل! ولم يكن بين تلك الجماعة الكبرى واحد ليرضى بالنصرانية دينا، ثم أحضر "بوهيموند" جميع الذين أعتقلهم في برج القصر، وأمر بضرب رقاب عجائزهم وشيوخهم وضعفائهم، وبسوق فتيانهم وكهولهم إلى إنطاكية لكي يباعوا فيها...".

    إلى أن قال:
    "وكان سلوك الصليبيين حين دخلوا القدس غير سلوك الخليفة عمر بن الخطاب نحو النصارى حين دخلها منذ بضعة قرون، قال كاهن مدينة "لوبوي" "ريموند داجي": حدث ما هو عجب بيد العرب عندما استولى قومنا على أسوار القدس وبروجها، فقد قطعت رؤوس بعضهم.فكان هذا أقل ما يمكن أن يصيبهم(!) وبقرت بطون بعضهم فكانوا يضطرون إلى القذف بأنفسهم من على الأسوار، وحرق بعضهم في النار، فكان ذلك بعد عذاب طويل، وكان لا يرى في شوارع القدس وميادينها سوى أكداس من رؤوس العرب وأيديهم وأرجلهم، فلا يمر المرء إلا على جثث قتلاهم، ولكن كل هذا لم يكن سوى بعض ما نالوا...".

    وروى ذلك الكاهن الحليم خبر ذبح عشرة آلاف مسلم في مسجد عمر، فعرض الوصف اللطيف الآتي:
    "لقد أفرط قومنا في سفك الدماء في هيكل سليمان، وكانت جثث القتلى تعوم في الساحة هنا وهناك، وكانت الأيدي والأذرع المبتورة تسبح كأنها تريد أن تتصل بجثث غريبة عنها، فإذا ما اتصلت ذراع بجسم لم يعرف أصلها، وكان الجنود الذي أحدثوا تلك الملحمة لا يطيقون رائحة البخار المنبعثة من ذلك إلا بمشقة..."[ المرجع السابق: ص325، 327.]
     

مشاركة هذه الصفحة