انتكاسات ثقافية في زمن الحرب .. من يتحدث عن الإصلاح الآن ؟

الكاتب : alsenani   المشاهدات : 430   الردود : 0    ‏2006-08-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-08-16
  1. alsenani

    alsenani عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    74
    الإعجاب :
    0
    تُرى.. من يتحدث عن الإصلاح هذه الأيام، أو من يبحث قضايا الحريات الشخصية وحقوق المرأة وحرية التعبير والموقف الثقافي من العولمة وحالة الحريات في الشرق الأوسط؟ بكل بساطة: لا أحد.
    بعد الحادي عشر من سبتمبر ارتفعت حدة التناولات الإعلامية والنخبوية للحالة الثقافية العامة في المنطقة، وأخذت الدعوات إلى الإصلاح تتصدر مختلف الخطابات في المنطقة، لكن الوضع تراجع كثيراً حين بدأت الحرب مع العراق، وتحولت العناصر العالمية التي كان يفترض بها أن تكون معينة على ايقاد الحركة الإصلاحية إلى متهمة باستغلال المستجد الدولي وفتح الأرض العربية لتحقيق مصالح محددة، وليست إصلاحات بنيوية، إلا أن الأوضاع الداخلية في المنطقة العربية لم تظل رهينة المؤثر الخارجي في عملية الإصلاح الثقافي، والذي لم يكن في الأساس دافعاً بقدر ما كان يثير من القضايا ما تلامس احتياجات قائمة في المنطقة، حيث ان الكوادر الثقافية والتنويرية العربية رغم أخطاء كثير من عناصرها وأفكارها ظلت منشغلة بالحالة الثقافية للمنطقة وتداعياتها على الأصعدة الوطنية والاجتماعية.

    مع كل حالة حرب تمر بها المنطقة يتراجع الوعي التقليدي المتراجع أصلاً إلى حالات شديدة المحافظة يعود معها أحياناً إلى مواقف كان قد انتهى منها وفارقها ذلك أن للأزمات وعياً واحداً وموقفاً واحداً وشكلاً واحداً، وكل الأزمات التي مرت بالمنطقة تمت ادارتها ثقافياً وشعبياً بذات التراجع والانكفاء (باستثناء حرب الخليج العام 1990 حيث كان العدو والخصم من ذات الثقافة والمنطقة مما جعل جمع المواقف حول رأي الادانة والتحرك باتجاه التحرير).

    رغم ان الحركات الشيوعية التي عرفتها المنطقة العربية فكانت تنطلق من أيدلوجيا ربما رأت العنف سبيلاً لها إلا ان الامتداد العالمي لتلك الحركات أمدها بحالة يسيرة من الوعي بالتحولات جعل التمرحل جزءاً من سماتها الفكرية، وأسهم في خروجها من الحركي إلى الفكري، لكن المشكلة في تلك الحركات ذات الامتدادات العروبية والتراثية والتي يمثل لها الثبات ومرادفاته أبرز عنصر في ادارة قضاياها فليس أسهل لديها من التراجع غير المدروس ولا المتعمد أحياناً، وبالنظر إلى كثير من الكتّاب والمثقفين الذين عرفوا بطرح تنويري في السنوات الأخيرة فإن الحرب قد أعادتهم إلى أفكار ومقولات وآراء تستند للعاطفي والشعبي والراديكالي والمنبري أكثر من استنادها إلى نتاجهم المعرفي ومقوماتهم العلمية وتجاربهم الشخصية، ليس هذا فقط، بل يتحول موقفهم من كثير من القضايا التي مثلت بالنسبة لهم شاغلاً معرفياً وتنظيرياً إلى موقف الرفض والاستعداء والتعامل معها على انها منجز من منجزات الأزمة أو شكل من أشكال الحصار والاستعمار الذي يقوده (الغرب).

    لا يمكن أن تمر خمس ساعات كحد أدنى دون أن تستمع في فضائية أو تقرأ في صحيفة أن أمريكا تريد تقسيم المنطقة وفق سايكس بيكو جديدة، وأن الصمود الذي مثله حزب الله يشجع كل المتخاذلين على الانطلاق في مسيرة المواجهة المسلحة، وأن كل مشاريع الديمقراطية والإصلاح إنما هي أكاذيب لا أصل لها، وأن الحكومات العربية إنما هي مجرد توابع لأمريكا ومنفذة لأوامرها في المنطقة وبالتالي فكل ما يقال من إصلاح أو تعددية أو توسع في حرية الرأي مجرد ذر للرماد في العيون.

    هذه النبرة تساهم كثيراً في تغيب ما يعيش حالة غياب كبرى، فرغم أن حركة كبرى من التحديث والإصلاح الثقافي والسياسي عاشتها المنطقة إلا ان الأزمات غالباً ما تؤجل أو تلغي كل تلك الملفات وتستبدلها بملفات ومقولات لا تؤمن بكل ذلك، وإنما تتفرغ لمقاومته ورفضه، فمن يتحدث الآن عن الإصلاح، وهل أبقت الظروف القائمة الآن في المنطقة حيزاً للبحث في قضايا التنوير والتحديث.

    ربما يكون ربيع التفكير الثقافي الإصلاحي والتنويري في المنطقة موشك على الرحيل، ودوائر الدمار التي تنتجها الحروب تظل مقفلة على ذاتها و....

    ربما مثل التحول من مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد نوعاً من التداخل الذي بدأ يستوعب الحالة الثقافية في المنطقة العربية، خاصة أن كثيراً من بنود ومستلزمات مشروع الشرق الأوسط الكبير لم تسهم إلا في اضافة كثير من الأزمات والمخاوف حول المستقبل الثقافي والسياسي للمنطقة، ولعل فشل التجارب الديمقراطية في المنطقة العربية، وما تلاها من صعود للتيارات الراديكالية جعل من هذا المراجعة، لا التراجع، موقفاً أقرب ما يكون إلى استيعاب أمريكي جديد للظروف الثقافية للمنطقة، وما يعنيه إقامة حراك ديمقراطي في ثقافات تفتقد إلى حرية الاختيار والتصويت وبراءته من العوالق التقليدية والايديولوجية ما يتبع ذلك من حالات ارتداد كبرى تحدث في الثقافة العامة حين يؤدي اختلال التجربة الانتخابية إلى عودة أفكار ومواقف تؤمن بالشمولية والحلول المستقاة من الجاهز المعرفي والنصوصي والتراثي، ومن الثبات والمحافظة، وما عاشته المنطقة مؤخراً بعد صعود الإخوان المسلمين في مصر من عودة شعارات وهتافات كانت المنطقة قد غادرتها إلا دليل واضح على التراجع الذي ينتج عن صعود تيارات هي الأقل في منح الحرية والحقوق لكنها الأبرز في تلبية العاطفي والوجداني والشعبي.

    الحرب تتجاوز كل تلك الوقائع، ولو أن التحول من مشروع الشرق الأوسط الكبير إلى مشروع الشرق الأوسط الجديد جاء في غير هذه الظروف التي تعيشها المنطقة لحظي بقراءة وتمعن وربما بقبول أكبر من مجيئه في هذا الظرف الذي تملأه الانتكاسات الثقافية التي تقودها الحرب وتدفع إليها.

    الآن.. الحديث مؤجل عن كل شيء جيد ونافع ومفيد وتنويري، ولا صوت يعلو الآن فوق صوت النقد ورفض ما يحدث على الأرض من دمار وتجاوزات، ومثلما مثلت حرب الخليج تراجعاً كبيراً لحركات إصلاحية واسعة في منطقة الخليج، ومثلما ساهمت تلك الحرب في تعرّج المسلك الطبيعي للحياة الذي كانت ستسلكه ودول المنطقة فإن هذا ما تقوم به الآن هذه الحرب، بالتأكيد فليس أثقل على السمع والعين الآن من حديث عن الدفع بالحريات العامة وسط تدافع الآراء في المنطقة بين مؤيد ورافض ومتحفظ.

    ان الحديث عن الإصلاح والتطوير مرتبط أولاً بمدى حالة الاستقرار التي تعيشها الثقافات التي تبحث إصلاح ذاتها، وهذا المتطلب الحيوي غائب الآن بين خطب الحرب ومظاهرات الشوارع
     

مشاركة هذه الصفحة