جمال عبدالناصر وخطاباته التاريخية في أرض الجنتين عام 1964

الكاتب : مـــــدْرَم   المشاهدات : 585   الردود : 6    ‏2006-08-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-08-09
  1. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,314
    الإعجاب :
    1,592
    عندما قام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر حسين بزيارة اليمن في 22 إبريل 1964
    ترجل رحمهُ الله في اليوم الثاني من زيارته التاريخية
    بميدان التحرير وبجواره الزعيم المشيرعبدالله السلال فقال ....



    أيها الإخوة:

    الحمد لله الذى جمعنا اليوم فى هذا المكان تحت علم الحرية.. علم الثورة اليمنية، الحمد لله الذى أراد لهذا الشعب أن يتحرر، وأراد لهذه الأمة أن تشق طريقها من أجل الحياة الحرة الكريمة، الحمد لله الذى كتب لكم النصر، الحمد لله الذى أراد لكم أن تعيشوا أعزاء كرماء، الحمد لله الذى نصركم ونصر ثورتكم، ومكننا اليوم من أن نجتمع فى هذا المكان، ونلتقى لقاء الأحرار ولقاء الثوار؛ الذين أرادوا لأمتهم العزة فنصرهم الله.

    أيها الإخوة.. أيها الإخوة المواطنون:

    كانت اليمن دائماً يمن الثورة ضد الطغيان وضد الاستبداد، وضد التحكم وضد السيطرة؛ فبعد الثورة الإسلامية الكبرى سارت اليمن فى هذا الطريق، ونشرت اليمن.. نشرت الإسلام فى ربوع آسيا وفى كل بلاد آسيا، وحينما كنت أزور آسيا منذ عدة سنوات، وكنت ألتقى بالمسلمين كانوا يقولون إن الإسلام وصل إلى هنا بواسطة أبناء اليمن الأعزاء.

    كانت هذه - أيها الإخوة - رسالتكم.. رسالتكم شعب اليمن الحر... شعب اليمن الثائر الذى تلقى رسالة محمد بن عبد الله، وسار بها بين مشارق الأرض ومغاربها ليبشر من أجل الدين، وليعمل من أجل الدين، فنجح فى رفع راية الدين، ونجح فى رفع راية الإسلام، حتى أتت فترة من الزمان وتحكمت فيها - فى هذه البلاد - فئة من الطغاة، أرادوا أن يحولوا حريتكم إلى إذلال، وأرادوا أن يحولوا كرامتكم وعزتكم إلى تكبيل بالحديد، فقاومتم.. فإن اليمن الثائر اليوم ليس بالجديد على الثورة؛ لأنه كان دائماً اليمن الثائر من أجل حريته، ومن أجل عزته، ومن أجل كرامته.

    إن الثورات لم تنقطع دائماً من أرض هذا البلد الطاهر.. إن الشهداء ضحوا دائماً على مر السنين بأرواحهم ودمائهم، ودخلوا السجون من أجل أن تتحرر هذه الأمة.

    واليوم نحمد الله الذى مكن هذا الشعب ومكن قادته، وعلى رأسهم الرئيس السلال، من أن يحققوا الحرية والعزة والكرامة. إن الثمن الذى دفع من أجل العزة والحرية والكرامة ليس بالثمن اليسير، ولكنه كان الثمن الغالى؛ لأنه كان من دمائكم وأرواحكم وقلوبكم، وحريتكم وعزتكم وكرامتكم، فكم منكم من الرجال أمضوا الأيام والسنين فى سجون حجة، وأنا قد قابلت من أبناء الشعب اليمنى الثائر الكثيرين فى مصر، وكانوا جميعاً خريجين سجن حجة... خريجين السجون، كانوا جميعاً ثواراً، وكنت أشعر دائماً أن هذا الشعب الذى يستهين بالسجون، ويستهين بقطع الرقاب، ويستهين بالتضحية، لابد له أن ينتصر، فالحمد لله الذى نصركم، الحمد لله حمداً كبيراً.

    أيها الإخوة المواطنون:

    أحمل إليكم أيها الإخوة الأعزاء.. أيها الشعب اليمنى المقاتل الباسل الثائر.. أحمل إليك من أشقائك فى مصر فى الجمهورية العربية المتحدة كل تحية وكل تقدير، وكل إجلال وكل تأييد؛ من أجل تثبيت هذه الثورة، ومن أجل تدعيم هذه الثورة.

    أيها الشعب الباسل:

    إن العرب جميعاً وقفوا بجانبك من أجل تدعيم هذه الثورة، كل العرب فى كل مكان وقفوا بجانب هذه الثورة؛ لأنها ثورة الأحرار الذين أرادوا أن يقضوا على حكم الاستبداد، وعلى حكم الأئمة الذى اتخذ من الدين شعاراً، وكانوا فى الحقيقة يعملون من أجل الدين، فما هو الدين؟ ما هى رسالة محمد؟ رسالة محمد هى الحرية وهى المساواة.. رسالة محمد هى العدالة الاجتماعية.. رسالة محمد هى أن يكون الأمر شورى بينكم جميعاً، لا أئمة ولا ملكية، ولكن جمهورية.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية يشعر بحقه فى الحرية والحياة.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية له الحق فى أن يكون رئيساً للجمهورية.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية له الحق فى أن يتولى أى منصب من المناصب.

    لقد انتهت أيام التفرقة وبدأت أيام المساواة، وكان هذا نتيجة العمل الكبير؛ عمل الثورة وعمل الثوار. وبعد الثورة - أيها الإخوة - وبعد الثورة تعرضت اليمن للعدوان الرجعى والعدوان الاستعمارى، وكان واجباً علينا أن نهب لنجدتكم.. أن يهب أشقاؤكم فى الجمهورية العربية المتحدة ليقفوا إلى جانب الثورة وإلى جانب الثوار، ليقفوا إلى جانب الحق، وإلى جانب العزة والكرامة، ليقفوا إلى جانب الحرية؛ لأنهم فى مصر من ٢٣ يوليو، وقبل ٢٣ يوليو، نادوا بالحرية، وضحوا أيضاً مثلكم من أجل الحرية، وحضر إليكم إخوتكم من مصر.

    وأنا اليوم حينما أنظر إليكم أرى الشعب اليمنى الثائر.. الشعب اليمنى الباسل، والجيش المصرى المقاتل؛ الذى ساند إخوته فى اليمن جنباً إلى جنب، أراكم وأشعر أن الوحدة العربية فيكم قد تحققت؛ هذه الوحدة التى نادينا بها طويلاً، هذه الوحدة التى شعرنا بها فى قلوبنا. وكنت - أيها الإخوة - حينما أسمع عن المعارك وعن القتال، وكيف تسير قواتنا المسلحة المصرية جنباً إلى جنب مع الجيش اليمنى، ومع القبائل اليمنية؛ لتصد غارات الرجعية، وتصد غارات الاستعمار.. كنت أشعر فى كل قلبى أن الوحدة العربية قد حققتموها أنتم حينما امتزجت دماؤكم وأنتم تقاتلون من أجل الحرية، وحينما امتزجت أجسادكم على هذه الأرض الطاهرة.. كنت أشعر أن الوحدة العربية حقيقة واقعة، لا تحتاج إلى مواد تكتب لأنها كتبت بالدماء، ولا تحتاج إلى دساتير تعلن لأنها أعلنت باستشهادكم وبتضحيتكم بأرواحكم من أجل الوحدة العربية.

    أيها الإخوة المواطنون:

    الحمد لله الذى نصرنا.. الحمد لله الذى نصر ثورتنا.. الحمد لله الذى هزم الرجعية والاستعمار، الحمد لله...

    إننا - أيها الإخوة - ونحن نلتقى اليوم هنا فى بلد الثوار، فى بلد الأحرار، نذكر الجنوب المحتل، والعدوان البريطانى على أرض اليمن، ونقول إننا حينما صممنا على الحرية، فإننا كنا نعنى ما نقول.. إن الحرية التى دفعنا فى سبيلها الدماء والأرواح عزيزة علينا، وإننا سنقابل العدوان بالقوة، ولن نمكن الاستعمار من أن يبقى فى أى جزء من أرض الأمة العربية، ولابد للاستعمار؛ لابد لبريطانيا التى تنظر إلى ثورتكم بحقد، التى تنظر إلى ثورتكم بكراهية.. لابد أن تحمل عصاها وتخرج من عدن، لابد أن تحمل عصاها وتخرج من الجنوب؛ فإن عدن عربية والجنوب عربية، ولا يمكن بأى حال لبريطانيا أن تفرق بين العربى والعربى، أو بين اليمنى واليمنى. لقد استطاعوا فى الماضى حينما فرقوا بيننا أن يتمكنوا فى أجزاء من الأمة العربية، ولكنا نعاهد الله فى هذه الأرض الطاهرة؛ أرض الثوار.. أرض الأحرار.. أن نخرج بريطانيا من جميع أجزاء الأمة العربية.

    إننا - أيها الإخوة - بذلنا الدم وبذلنا الروح وانتصرنا، بذلنا الدم وبذلنا الروح فانتصرنا، وسنبذل الدم، وسنبذل الروح، وسننتصر بعون الله، وكما انتصرنا فى مصر، وكما انتصرنا هنا فى اليمن، وكما هزمنا الرجعية، وكما هزمنا الاستعمار، إنا نرجو الله ونعاهد الله أن نتصدى للصهيونية عميلة الاستعمار. من الذى أقام الصهيونية؟ من الذى أقام إسرائيل؟ من الذى كان متولى أمور فلسطين؟ بريطانيا هى التى تولت أمور فلسطين، بريطانيا هى التى تآمرت دائماً على العرب، بريطانيا هى التى تآمرت دائماً على عزتكم وعلى كرامتكم، وبريطانيا هى التى سلمت فلسطين لإسرائيل، وسلمت فلسطين للصهيونية، والاستعمار عاون بريطانيا من أجل تثبيت إسرائيل، وأمريكا أيضاً عاونت إسرائيل؛ عاونت إسرائيل من أجل أن تقضى على القومية العربية فى فلسطين. وإنا نعاهد الله فى هذا المكان؛ فى بلد الثوار وبلد الأحرار، ألا يرتاح لنا بال حتى نعيد القومية العربية إلى فلسطين، حتى نعيد فلسطين إلى الأمة العربية. إن الأمة العربية قد تحررت، إن الأمة العربية قد تحررت، إن الأمة العربية قد شعرت بقوتها، إن الأمة العربية قد انطلقت، لا مكان للاستعمار، لا مكان لبريطانيا فى ربوع الأمة العربية، ولا مكان لإسرائيل بين أرجاء الأمة العربية. والله ينصركم.

    والسلام عليكم ورحمة الله


    وفي يوم 25 إبريل ترجل خطابه التاريخي إمام عُلما اليمن فقال ..
    [align=right]
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أيها العلماء الأحرار:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لقد كان اليمن دائماً منذ قامت الدعوة الإسلامية رافع رسالة الإسلام ورسالة الحرية فى كل مكان، لم يكن هذا فى اليمن فقط ولكنه تعدى اليمن إلى جميع أنحاء العالم، فاليمنى مشهور عنه الذكاء، ومشهور عنه المعرفة، ومشهور عنه حبه للجهاد فى سبيل الله، وكما قلت لكم أول أمس حينما ذهبت فى زيارتى إلى آسيا وكنت ألتقى بالمسلمين فى كل بلد من بلدان آسيا، وكنت أسأل من الذى أحضر الاسلام؟ من الذى رفع دعوة الاسلام فى هذه البلاد؟ فكانوا يقولون لى إنهم أهل اليمن، أهل حضرموت، وحضرموت كانت دائماً جزء لا يتجزأ من اليمن. وكنت أشعر فى هذه الأيام بالفارق الكبير بين اليمن الذى تلقف دعوة الاسلام وتلقف دعوة محمد لينشرها بين ربوع الأرض واليمن تحت حكم الأئمة، وكنت أذكر قول الله "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة...".

    وكانوا دائماً الأحرار هنا، يقاومون الذلة ويعملون على رفع راية الحرية، استمر اليمن يرفع راية الحرية ويرفع راية الاسلام حتى تمكنت منه الإمامة، الإمامة تحت اسم الدين وتحت اسم الإسلام، واستطاعت أن تغلق اليمن وتعزله عن العالم وتجعله دولة متأخرة تعيش فى غياهب الظلام. ولكن هل استكان اليمن، واستكان رجال اليمن الأحرار، وعلماء الدين الأحرار إلى هذه الذلة؟‍! أبداً ثاروا دائماً، وكما قلتم الآن إن السجون كانت دائماً تحوى الأحرار من العلماء والشرفاء ورجال الجيش والمجاهدين، فى كل سنة وفى كل عام. أردتم أن تؤلفوا بين القلوب بثوراتكم، ولكن الإمامة كانت دائماً تعمل على زرع البغضاء والفرقة بينكم، أردتم أن تؤلفوا بين القلوب حتى أراد الله: (ولو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بين قلوبهم...).

    إن دين الإسلام هو دين الحرية وأنتم العلماء رسل الإسلام فى الأرض واجب عليكم الجهاد من أجل الحرية، الجهاد من أجل المساواة. إن دين الإسلام هو دين الحرية ودين المساواة، هو الدين الذى رفع راية الحرية وانطلقت من شبه الجزيرة العربية حتى عمت مشارق الأرض ومغاربها، ويحرر الإنسان، يحرره من الرق ويحرره من العبودية، يحرره من التفرقة ويحرره من الإقطاع، يحرره من كل المساوئ التى حلت بالأرض.

    وحينما قام محمد عليه الصلاة والسلام لينادى برسالة الله وينادى بالإسلام، كان يعنى القضاء على الإقطاع والقضاء على الاستبداد والقضاء على الإمامة التى تمكنت فى هذه الأيام تحت اسم الأسر، اسم أسرة أبى سفيان وأسر قريش التى تعرفونها جميعاً، تصدى لها محمد العبد الضعيف، ولكنه كان قوى لأنه كان يحمل رسالة الله التى كانت تهدف إلى التأليف بين قلوب المؤمنين جميعاً، التأليف بين قلوب العرب جميعاً لأن عزة العرب هى عزة الإسلام.

    سرتم وحملتم هذه الرسالة حتى استطاعت الإمامة أن تكبلكم وأن تعزلكم عن العالم، وحتى استطاعت الخلافات الأخرى تحت اسم الدين أن تكبل العالم الإسلامى فعادت الرجعية، عادت الرجعية تحت اسم الحكم العثمانى وقد قاسيتم هنا من الحكم العثمانى الذى كان يدعى أنه يحكم باسم الدين، ولم يكن الدين فى هذا إلا وسيلة أو ذريعة لاستعبادكم واستعبادنا أيضاً فى مصر؛ لأن الإمبراطورية العثمانية كانت تحمل اسم الدين بالاسم فقط، ولم تكن تعمل من أجل الدين أبداً لأنها كانت تؤكد الإقطاع، وتثبت الإقطاع وتثبت السيطرة، وتثبت سيطرة الأسر، وكانت تفرق بين الناس، وكانت تبيح الرق وكانت تبيح العبودية، لكن الإسلام ينادى من أجل المساواة بين الناس، ينادى من أجل حرية الإنسان، ينادى من أجل القضاء على العبودية.

    قامت ثورتنا فى ٢٣ يوليو سنة ٥٢ فى مصر وهى تحمل الشعارات التى خرج بها الاسلام إلى العالم، أول هذه الشعارات هى الحرية، حرية الفرد وحرية الوطن، ولا يمكن للوطن أن يكون حراً إذا لم يكن الفرد حراً، فكان لابد لنا أن نحرر الفرد من سيطرة الإقطاع ومن سيطرة رأس المال ومن كل أنواع السيطرة حتى يكون الفرد حراً يستطيع أن يقول "نعم" حينما يشاء ويستطيع أن يقول "لا" حينما يشاء.

    سرنا فى هذا وكنا نؤمن فى قلوبنا أننا نثبت دعائم الاسلام التى استطاعت الخلافة فى سنين طويلة أن تكبتها، وأن تحجبها عن المسلمين، فحررنا الإنسان، وحررنا الفرد، وحررنا الوطن من الاستعمار البريطانى، وكنا نعتبر أن هذا هو الجهاد الذى نادى به القرآن والذى نادى به محمد عليه الصلاة والسلام. كنا نجاهد فى سبيل الوطن، كنا نجاهد فى سبيل الله، وكان كل فرد منا يجاهد لا ابتغاء أى شىء إلا مرضاة الله، لا ابتغاء ثروة، ولا ابتغاء جاه، ولا ابتغاء أى شىء إلا حرية الوطن وحرية المواطن.

    والحمد لله الذى مكننا من أن نحقق كل هذه الأهداف فى مصر. وكنا نشعر أيضاً أن علينا رسالةً نحو إخوتنا العرب ونحو إخوتنا المسلمين أن نشد من أزرهم وأن نساعدهم على أن يرسوا فى وطنهم وفى بلادهم دعائم الاسلام الحقيقية التى قامت على الحرية، والتى قامت على المساواة، والتى مكنها الله فانتصرت فى فتره قليلة فجابت ربوع الأرض فى مشارقها ومغاربها. ولهذا فلا غرابة أبداً حينما نصركم الله - يوم ٢٦ سبتمبر - حينما قامت هذه الثورة، وحينما تعرضتم لتحالف الاستعمار مع الرجعية ضد ثورتكم التى أرادوا لها أن تنتكس لتعودوا أذلةً مرة أخرى، والتى أرادوا لها أن تنتكس حتى تفسد بلادكم مرة أخرى، حينما رأينا هذا التحالف وهذا العدوان عليكم، انبرينا لنجدتكم، وكنا فى هذا ننفذ قول الله، وننفذ كلام الله؛ المؤمنون أخوة.. كل منهم للآخر.. يشد بعضهم بعضاً.

    ولم نكن نشعر أننا نحارب فى بلد غريب أبداً، إننا نحارب فى بلد عربى، إننا نحارب فى بلد إسلامى، إننا فى مصر.. فى مصر.. تجدوا عائلات وبلاد أتت من اليمن، وأتت من شبه الجزيرة العربية واستقرت فى مصر، وعندنا فى الصعيد هناك بنى مر من قبائل بنى مر، وهناك بنى محمد، وهناك بنى حسن وهناك بنى عدى. وإننا نمثل بهذا الوحدة العربية الحقيقية لا فرق بين بلد عربى وبلد عربى، لا فرق بين مواطن عربى ومواطن عربى. ولقد كنت أخاف فى أول الأمر أن يشعر رجال قواتنا المسلحة بشىء من التململ إذا طلبنا منهم أن يحاربوا إلى جوار اليمن، ولهذا طلبنا منهم متطوعين، ولم نبدأ الأمر بأوامر فتطوع الجميع، تطوع كل فرد من أفراد الوحدات.

    إن دل هذا على شىء فعلى أن أمة العرب أمة واحدة، وعلى أننا كلنا شعب واحد نعمل من أجل هدف واحد، نعمل من أجل تثبيت الحرية فى كل مكان. ولما رأينا الاستعمار البريطانى.. رأينا بريطانيا والرجعية تتصدى لثورتكم، كان واجباً علينا أن نهب لمعاونتكم وأن نهب لشد أزركم، وكلنا نعلم أن بريطانيا كانت دائماً أشد الناس عداوة للذين آمنوا، بريطانيا فى السنين الماضية، لو نأخذ اليمن مثلاً، ماذا عملت بريطانيا لليمن؟ قبل الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت بريطانيا باحتلال عدن، وكانت عدن دائماً جزءاً لا يتجزأ من اليمن، واستغلت بريطانيا فساد حكم الأئمة، واستغلت بريطانيا إرهاب الأئمة، واستغلت بريطانيا قطع الرؤوس، واستغلت بريطانيا حالة الفقر التى وصلت إليها اليمن، واستغلت بريطانيا حالة التأخر التى وصلت إليها اليمن، وكل يمنى منكم برئ من هذه الحالات جميعاً؛ لأنها لم تكن إلا بسبب الأئمة الذين أرادوا أن يضعفوكم حتى يتمكنوا فيكم ويذلوكم.

    استغلت بريطانيا كل هذا واحتلت عدن ثم بدأت تزحف لتحتل من اليمن شبراً شبراً حتى أصبح الجزء الذى احتلته الآن أكبر من اليمن فى المساحة، وأكبر من اليمن فى الحجم وكان سلاحها فى هذا ضعفكم، وكان سلاحها فى هذا الاستضعاف الذى نشرته الإمامة فوق اليمن، وكان سلاحهم فى هذا تأخركم، وكان سلاحهم فى هذا غلق حدودكم عن العالم، وكان سلاحهم فى هذا عزلتكم عن العالم، وكان سلاحهم فى هذا أن اليمن الذى رفع راية الاسلام والذى رفع راية الدين والذى رفع راية الحرية، نسى الاسلام ونسى الدين ونسى الحرية لأن الإمامة ضغطت عليه، وضغطت على رقبته، وضغطت على صوته، وضغطت على روحه، إنه لم يقبل هذا الضغط، ولم يقبل هذا الكبت، ولكنه جاهد وجاهد وكافح وثار. وعلى مر الأيام ثرتم، وعلى مر الأيام جاهدتم، وعلى مر الأيام كافحتم، وعلى مر الأيام استشهد منكم الآباء والأجداد حتى أراد الله لكم النصر فنصركم يوم ٢٦ سبتمبر.

    وحينما خرج الأخ الرئيس السلال مع إخوته من الضباط الأحرار يوم ٢٦ سبتمبر، أنا أعلم أنهم خرجوا ليدعوا بالرسالة وينفذوا ما أمرهم الله، خرجوا ليقضوا على الإمامة، وكانوا فئة قليلة، ولكنهم كانوا يعلمون أنكم من ورائهم، وأن شعب اليمن جميعاً من ورائهم، وأن الأمة اليمنية والأمة العربية كلها من ورائهم. ولكنهم كانوا يعلمون أيضاً أن الثورات التى خرجت قبلهم لم تستطع أن تعيش إلا بضعة أيام؛ لأن الإمامة استطاعت دائماً أن تؤلب الرجعية العربية وتتحالف معها ضد الأحرار وضد الحرية. خرجوا ليبرؤوا ذمتهم أمام الله وأمام التاريخ ولو استشهدوا، ولكنهم لم يقبلوا أبداً أن يعيشوا تحت ذل الإمامة، أن يعيشوا تحت عبودية الإمامة، أن يعيشوا تحت ظل التأخر، أن يعيشوا فى هذا البلد الذى أغلق عن العالم وعزل عن العالم وأصبح متأخراً عن العالم بأكثر من ألف عام. خرجوا ليؤدوا الرسالة ويستشهدوا ويموتوا؛ حتى يبذروا بين بذور اليمن وأبناء اليمن راية الحرية وبذور الحرية، راية الثورة وبذور الثورة، ولكن الله العلى الكبير نصركم وانتصرت ثورتكم فى ٢٦ سبتمبر.

    أردتم على مر السنين وعلى مر الأيام أن تنتصروا فى ثوراتكم، ولكن الله أراد لكم أن تنتصروا يوم ٢٦ سبتمبر، وإرادة الله فوق كل إرادة، فانتصرتم رغم تصدى الاستعمار لكم ورغم تصدى الرجعية لكم ورغم تحالف الإمامة مع الإنجليز الذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للمؤمنين، والذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للمسلمين، والذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للإسلام. فإن بريطانيا طوال القرنين الماضيين تصدت للمسلمين والإسلام فى جميع بقاع العالم؛ حتى تضعفه وحتى تقضى على قوتهم، وحتى تقضى على راية الحرية التى يرفعها الإسلام، وحتى تقضى على راية الثورة التى نادى بها الإسلام، فالإسلام دين الثورة. إن الإمامة اليوم تتحالف مع الرجعية وتتحالف مع الاستعمار البريطانى، ولكنكم اليوم بعد أن أراد الله لكم النصر يوم ٢٦ سبتمبر ستنتصرون بإذنه تعالى على الاستعمار وعلى الرجعية وعلى الإمامة وستحققون فى بلدكم دين الحرية، دين الإسلام.. دين المساواة.. دين الرفعة.. دين التقدم.. دين العمل الثورى.. دين العمل السليم.
    هذه هى الحرية التى نادينا بها فى بلدنا، الحرية كانت أول مبدأ من مبادئ ثورتنا طبقناه فى بلدنا وطبقناه فى أى بلد من البلاد العربية. نحن نساند الأحرار فى كل جزء من أجزاء الأمة العربية، وإننا بهذا لا نمن على أحد، بل بالعكس إننا نشعر أن هذا واجب علينا. إن الذين حضروا إليكم من جنودنا واستشهدوا هنا إنما مصيرهم الجنة؛ لأنهم استشهدوا فى سبيل الله من أجل رسالة الله. لم يحضر جندى إلى هذا البلد من أجل منفعة أو من أجل غنيمة أو من أجل مطلب شخصى، ولكنهم حضروا جميعاً لملاقاة الله من أجل رفعة راية الحرية ومن أجل رفعة راية الاسلام ورفعة راية الدين، لهم جزاؤهم عند الله، لهم جزاؤهم عند الله.. ليس فى وسعنا وليس فى يدنا أن نجزيهم عن عملهم هذا، ولكن جزاؤهم عند الله فمصيرهم الجنة.

    إننا حينما نذكرهم إنما نذكر جنود الاسلام الأوائل الذين خرجوا ليقاتلوا من أجل الاستشهاد، ومن أجل أن يذهبوا إلى الجنة، ومن أجل ملاقاة ربهم فى رفع رسالته. هؤلاء هم جنودنا الذين حضروا إليكم.. أبناؤكم وإخوتكم حضروا إليكم ليقاتلوا جنباً إلى جنب معكم من أجل رفع راية الاسلام ومن أجل رفع راية الحرية ومن أجل تثبيت دعائم الدين. هم أولادكم وهم إخوتكم، كما أننا نشعر فى مصر أن أولادكم أولادنا وأنكم اخوتنا، وأننا جميعاً لنا نفس المصير، وأن الله الذى وحد بين أمتنا لن يمكن أى دولة مهما كبرت وأى فرد مهما كان أن يفرق بين أبناء هذه الأمة.

    كان هذا هو المبدأ الأول لثورتنا، الحرية.. حرية الوطن.. حرية المواطن.. حرية الأمة العربية.. حرية الأمة الإسلامية.. حريتنا جميعاً، مساعدة الحرية فى كل مكان فى العالم، مساعدة الثورات التحريرية فى كل مكان فى العالم. ومن أجل هذا ساعدنا كل الثورات، وكل الحركات التحررية فى العالم، وكنا نعتقد أننا بهذا إنما نرسى دعائم الدين ونرفع راية الاسلام التى نادت بالحرية لكل وطن والتى نادت بالحرية لكل مواطن.

    وكانت الرسالة الأخرى أو المبدأ الآخر الذى نادينا به هو الاشتراكية، والاشتراكية هى أساس المساواة، الاشتراكية هى ألا يتحكم فرد فى فرد، وكان أول دين نادى بالاشتراكية هو دين الاسلام، وقال صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء فى ثلاث؛ الماء؛ والكلأ، والنار" وكان بهذا يعبر عن أهم مصادر الثروة فى الجزيرة العربية فى هذا الوقت.

    وبهذا اعتبر دين الاسلام أول دين يدعو إلى الاشتراكية، أول دين يدعو إلى المساواة، أول دين يدعو إلى القضاء على التحكم، أول دين يدعو إلى القضاء على السيطرة، وبهذا قال شوقى وهو يصف رسول الله: "الاشتراكيون أنت إمامهم". فعلاً كان محمد عليه الصلاة والسلام إمام الاشتراكيين؛ لأنه لم يكن يجمع الثروة ولم يكن يجمع المال ولم يكن يعمل لجاه، ولم يكن يعمل لمنصب ولم يكن يعمل إلا لإرساء قواعد الإسلام، ولم تكن الأئمة، ولم تكن الإمامة أبداً تمثل مبدأ الشورى بين المسلمين، ولكنها كانت تمثل مبدأ الحكم الفردى ومبدأ السيطرة ومبدأ التحكم، ومبدأ السيف فى قطع الرقاب، وأنتم تعلمون هذا خيراً منى.. لم يكن هناك أساس للشورى.

    أما اليوم فإن ثورتنا فى مصر قامت على الإسلام "الأمر شورى بينهم" هناك مجلس للأمة وهناك حركات شعبية، هناك حق لكل فرد أن يقول رأيه. ولقد عرفت من الرئيس السلال أنه يسعى إلى أن يقيم بينكم هناك مجلس للشورى حتى يكون الأمر شورى بينهم وبهذا ترسو دعائم الإسلام.

    أنتم الأمناء على الاسلام، وأنتم الأمناء على مبادئ الاسلام الحقيقية، والإسلام لم يكن دين فقط ولكنه دين ودنيا، وكان ينظم لنا الشرائع فى الأرض وينظم لنا العبادات، ينظم لنا الشرائع فى الأرض فى المساواة وفى الحرية وفى العدالة الاجتماعية وفى تكافؤ الفرص.

    هذا كله عبرنا عنه نحن بكلمة واحدة هى الاشتراكية؛ الاشتراكية التى بدأها الاسلام، التى بدأها محمد عليه الصلاة والسلام، الاشتراكية التى سنها عمر بن الخطاب الذى كان يخرج بين الناس وكان يخاطبهم، وكان يقول لهم: "من رأى فى اعوجاجاً فليقومنى" وكانوا يقولون له بكل جرأة وكل شجاعة: "إننا إذا رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيفنا هذا"، كانت هذه هى الحرية وكانت هذه هى الاشتراكية، وهذا هو الاسلام الصحيح، هذا هو الاسلام الحقيقى.

    أما المبدأ الثالث الذى نادينا به فهو الوحدة، وكما قلت لكم إن الاسلام وحد بين العرب جميعاً؛ لأن هذه إرادة الله، أما الاستعمار ففرق بين العرب، ولابد أن تعلو إرادة الله على إرادة الاستعمار، ولابد أن تعود الوحدة لتجمع بين العرب مرة أخرى كما جمعهم محمد عليه الصلاة والسلام وكما جمعهم حكم الإسلام، لابد أن تعود الوحدة مرة أخرى ولا يكون هناك يمنى ومصرى وسورى وعراقى بل نكون كلنا عرب. وإنى كما قلت لكم فى أيام الاسلام الأولى لم يكن هناك موطن ليمنى فى اليمن، وموطن لمصرى فى مصر، فإن كثيرين من أبناء اليمن هاجروا إلى مصر، وكثيرين من أبناء الجزيرة العربية هاجروا إلى مصر فأصبحوا مصريين؛ لأن الإسلام كان ينادى بتوحيد الأمة العربية فوحدت الأمة العربية. أما بعد هذا فقد أقام الاستعمار بيننا السدود، وأقامت الرجعية بيننا الحدود وأقامت الولايات والملكيات - التى أرادت أن تستأثر كل منها بجزء من الأمة العربية - الحدود والسدود والفوارق، وفرقوا بين المسلم والمسلم، وفرقوا بين العربى والعربى.

    أما اليوم فبعد أن انتصرتم فعليكم أن تعيدوا راية الإسلام الأولى، بعد أن نصركم الله يوم ٢٦ سبتمبر، عليكم أن تعودوا كما كان أجدادكم حينما رفعوا راية الإسلام واتجهوا إلى مشارق الأرض ومغاربها لينشروا دين الإسلام، ونجحوا فى نشر دين الإسلام. عليكم أن ترفعوا اليوم راية الإسلام وراية الحرية، وراية الحرية هى راية الإسلام، عليكم أن ترفعوا راية الحرية كما رفعها أجدادكم وتسيروا فى مشارق الأرض ومغاربها. وعليكم أولاً أن تساعدوا إخوتكم الذين اغتصب بلادهم الاستعمار البريطانى، أن تساعدوا إخوتكم فى عدن وأن تساعدوا إخوتكم فى الجنوب المحتل، عليكم أولاً أن تساعدوهم بأموالكم، وأن تساعدوهم بأرواحكم، وأن تساعدوهم بكل قواكم حتى يتحرروا، لأنهم وقعوا فى قبضة الاستعمار البريطانى، حينما استضعفتم وحينما استكنتم وحينما قبلتم حكم الأئمة الذى أراد لكم الذلة.

    واليوم بعد أن نفضتم عن رؤوسكم هذا الذل، وبعد أن رفعتم عن رؤوسكم هذا الفساد، أصبحتم تشعرون بالقوة وها هو الرئيس السلال يقول لكم اليوم: لا فرق بين كبير وصغير، لا فرق بين رئيس الجمهورية وأى فرد من أبناء هذا الوطن، جميعاً نبنى من أجل رفعة الوطن، وجميعاً نبنى من أجل رفعة الإسلام، وبهذا أراد الله لكم القوة، أراد الله أن يؤلف بين قلوبكم فألف بين قلوبكم، عليكم أن تحافظوا على ما أعطاكم الله، فحافظوا على هذا التآلف بين القلوب؛ لأن الاستعمار والرجعية والإمامة ستحاول دائماً بكل الوسائل أن تفسد بين نفوسكم وأن تفسد هذا التآلف بين قلوبكم، وكما قلت لكم كان سلاح الاستعمار فى الماضى الفرقة بينكم والقضاء على التآلف بينكم واستضعافكم.

    فعليكم - أيها العلماء الأحرار - أن تكونوا دائماً أحرار، وعليكم - أيها العلماء الثوار - أن تكونوا دائماً ثواراً، وتعملوا من أجل رسالة الله التى تحققت يوم ٢٦ سبتمبر حينما ألف بين قلوبكم فانتصرتم. بالتآلف بين القلوب يمكن لكم أن تنتصروا دائماً، بالتآلف بين القلوب الذى أعطاكم الله إياه يمكن أن تهزموا بريطانيا وتطردوها خارج الجزيرة العربية، وكنتم دائماً - وحينما ائتلفت قلوبكم - كنتم دائماً الأقوياء الأعزاء الذين لا يبخلون بالمال وبالروح، كانت ثوراتكم الأولى منذ ثورة سيف بن ذى يزن كانت هذه الثورة ثورة تمثل الأمة القوية، الأمة التى ائتلفت قلوبها، ثم كانت ثورتكم الثانية ثورة الاسلام تمثل الأمة التى ائتلفت قلوبها والأمة التى رفعت راية الاسلام وراية الحرية.

    واليوم ثورتكم الثالثة التى أرادها لكم الله حينما ألف بين قلوبكم، فستستطيعون بهذه الثورة وبهذا النصر وبمؤازرة الله تعالى أن تقضوا على الاستعمار البريطانى وتحرروا عدن، وتحرروا جنوب الجزيرة المحتل.

    هذه هى رسالتكم وهذه هى رسالة الدين، وكما قال أخ لكم من قبل: إن محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن يتخصص فى الدين فقط، ولكنه كان يحقق الدين بالجهاد، فعليكم أن تحققوا الدين بالجهاد، أن تحققوا الإسلام بالجهاد. والله ناصركم.

    والسلام عليكم ورحمة الله


    وفي يوم 26 إبريل 1964
    ترجل الخطاب التاريخي إمام الجماهير الغفيرة في مدينة (تعز)
    فقال



    [align=right]الأيها الإخوة الأعزاء.. أيها الإخوة الأحرار.. أيها الإخوة الثوار:

    رأيت الشعب اليمنى فيكم اليوم فى تعز كما رأيته بالأمس فى صنعاء تتمثل فيه القوة والعزة والثورة والحرية، هذا الشعب اليمنى الذى صمم على الحرية فثار ونصره الله وحقق له العزة والكرامة والحرية.

    أيها الإخوة الأعزاء:

    كان اليمنى دائماً رافعاً لواء الإسلام ورافع لواء الحرية فى مشارق الأرض ومغاربها حتى تكتل عليه الأئمة وأذاقوه ثوب الذل والعذاب، وحبسوه بين حدوده، ومنعوه من أن ينشر رسالة الحرية والإسلام فى العالم، فهل استكان الشعب اليمنى؟ أبداً.. لم يستكن الشعب اليمنى، بل ثار دائماً على الذل وعلى العبودية وعلى حكم الاستبداد وعلى حكم الإرهاب، ثار دائماً ولم ترهبه تقطيع الرؤوس ولم يرهبه الموت، ولم ترهبه السجون، ثار لأنه الشعب الأبى الحر، والشعب الأبى الحر لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يقبل الذل والعبودية حتى قامت طليعة الشعب اليمنى بقيادة الرئيس الحر السلال فى يوم ٢٦ سبتمبر سنة ٦٢، قامت لتدك معالم الذل ولتدك الرجعية والاستبداد، وأراد الله لها أن تنتصر فانتصرت، وكان انتصارها انتصار لكم جميعاً أنتم شعب اليمن الحر الذى صمم دائماً على الحرية، وكافح وقاتل دائماً من أجل الحرية.

    وإنى اليوم إذ رأيت فيكم القوة كما رأيتها بالأمس فى إخوتكم فى صنعاء، أشعر أن شعب اليمن لم يضعف أبداً ولم يستكن أبداً طوال مئات السنين من الذل والعبودية لأنه فى كفاحه كان يزداد قوة وكان يشتد إيمانه، ورأيت فيكم اليوم من المطار حتى هذا المكان القوة العربية الأصيلة والقوة الإسلامية الأصيلة، كما رأيت هذا بالأمس فى إخوانكم فى صنعاء؛ رأيت فيهم روح الحرية وروح الثورة.

    أيها الإخوة:

    أنتم شعب يمنى واحد أراد الاستعمار أن يفرق بينكم، وأراد الاستعمار أن يقسمكم شيعاً وأحزاباً، ولكن إرادة الله وإرادتكم كانت فوق إرادة الاستعمار فلم يفلح الاستعمار ولم تفلح الرجعية فى أن تقسمكم وأن تفرق بينكم؛ لأن ما أراه هنا اليوم هو ما رأيته بالأمس فى صنعاء، الشعب القوى.. الشعب المتحد.. الشعب الحر.. الشعب الثائر.

    أيها الإخوة المواطنون.. أيها الإخوة الأعزاء:

    حينما قامت ثورتكم فى ٢٦ سبتمبر هزت عروش الرجعية وهزت معاقل الاستعمار وتصدت لكم الرجعية وتصدى لكم الاستعمار؛ حتى يهزموكم وحتى يقضوا على ثورتكم، ولكن قوتكم وإيمانكم بالله وبوطنكم وإيمانكم بحريتكم وحياتكم العزيزة الكريمة؛ استطاع هذا كله أن يقضى على مؤامرات الرجعية، وأن يقضى على مؤامرات الاستعمار فتصدت الرجعية واحتضنت البدر، وتصدى لكم الاستعمار واحتضن الأئمة الذين حكمتم عليهم بالنفى، وحكمتم عليهم بالموت، وحكمتم عليهم بأن يخرجوا من دياركم لأنهم أفسدوا بين أرضكم، تصدى لكم الاستعمار وهو يعتقد أنه بث بينكم الفرقة فسينتصر، وهو يعتقد أنه بث بينكم الحزبية فسينتصر، وهو يعتقد أنه بث بينكم الضعف فسينتصر، ولكن قوتكم - أيها الإخوة الأحرار - استطاعت أن تتغلب على معاقل الرجعية وعلى معاقل الاستعمار.

    لقد تصدت لكم بريطانيا.. بريطانيا العظمى - كما يقولون - لماذا تصدت لكم؟ لأنها خافت منكم أنتم ومن ثورتكم؛ لأن ثورتكم ونجاح ثورتكم إنما يقضى على الاستعمار وألاعيب الاستعمار. كانت بريطانيا تتصدى لثورتكم ونحن نعلم - ونعلنها اليوم على الملأ جميعاً - أن بريطانيا منذ عدة أشهر ترسل الأسلحة لكى تضرب ثورتكم، ولكن الأسلحة لم تستخدم ضدكم بل ارتدت إلى صدور الاستعمار وإلى أعوان الاستعمار فى عدن.

    إنكم - أيها الإخوة - الشعب الحر، الشعب الموحد، الشعب القوى، الشعب الثائر الذى لا يرفع فيه فرد السلاح على أخيه ولكن الإستعمار أراد منكم أن تحملوا السلاح ضد بعضكم البعض؛ حتى يؤمن لنفسه البقاء فى عدن والبقاء فى الجنوب المحتل. لقد اغتصبت بريطانيا عدن منكم، واغتصبت بريطانيا الجنوب المحتل من اليمن بالقوة وبالخديعة وبالتآمر وبالمساومات مع الأئمة السابقين، ولكن بريطانيا تعلم علم اليقين أن الأمة اليمنية إذا تحررت وأن الشعب اليمنى الثائر إذا نفض عن نفسه لباس الذل والهوان بطرده للأئمة وللخونة؛ إن الشعب اليمنى القوى لن يمكن لبريطانيا - التى يقولون عليها العظمى - بأن تبقى فى عدن أو أن تبقى فى الأجزاء المغتصبة من الجنوب.

    إن الشعب اليمنى الذى ثار فى ٢٦ سبتمبر والذى ثار قبل ٢٦ سبتمبر والذى ضحى بالأرواح وضحى بالدماء، الشعب اليمنى الذى كتب الله النصر له يوم ٢٦ سبتمبر، يعلم علم اليقين أن هذا النصر معناه دين عليه لإخوة له وقعوا تحت ربقة الاستعمار ووقعوا تحت ذل الاستعمار فى عدن وفى الجنوب المحتل.

    إن الشعب اليمنى الذى ذاق طعم الحرية والذى ذاق طعم الثورة لن يتخلى عن إخوة له فى عدن يذوقون طعم الذل وطعم الاستعباد من الاستعمار البريطانى، وفى الجنوب المحتل يذوقون طعم الإرهاب ويذوقون السجون من الاستعمار البريطانى. إن الأمة العربية كلها تؤيد عدن وتؤيد الجنوب المحتل من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال.

    وإننى حينما سمعت بيان وزارة الخارجية البريطانية أول أمس وهى تحتج إلى الأمم المتحدة على الكلمة التى قلتها لإخوتكم فى صنعاء، وهى تحتج على هذه الكلمة وتبلغ السكرتير العام للأمم المتحدة أن ما قاله عبد الناصر فى اليمن بخصوص استقلال عدن وبخصوص استقلال الجنوب المحتل إنما يسبب نقضاً لقرار مجلس الأمن.

    إن بريطانيا تغالط وإنها لا تشعر بالحياء، إنها تغالط - أيها الإخوة الأعزاء - لماذا تغالط بريطانيا؟ إن ما قاله عبد الناصر فى اليمن هو ما قالته الأمم المتحدة، وإن ما قاله عبد الناصر فى اليمن هو ما قالته لجنة تصفية الاستعمار فى الأمم المتحدة، إن ما قاله عبد الناصر هو ما قررته الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار فى الأمم المتحدة، لقد قررت الأمم المتحدة أن تستقل عدن والجنوب المحتل وأن يعلن فيها تقرير المصير.

    لقد أعلنت الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار أن تستقل عدن والجنوب المحتل، وأن يطبق فيها مبدأ تقرير المصير، وأن تصفى قاعدة الاستعمار البريطانى فى عدن، وأن ترسل لجنة من الأمم المتحدة إلى عدن والى الجنوب المحتل لكى تستقصى الحقائق، فماذا كان تصرف بريطانيا؟ رفضت بريطانيا توصيات الأمم المتحدة، ورفضت بريطانيا استقبال اللجنة التى قررتها الأمم المتحدة، وبالأمس تتناسى بريطانيا كل ذلك، وتفقد كل شىء حتى الحياء، وتحاول أن تخدع العالم أجمع بأن تقول أن ما قاله عبد الناصر فى اليمن يتنافى مع ما قالته الأمم المتحدة.

    إننا نقول لهم: إن تصرفكم الاستعمارى فى الجنوب المحتل وفى عدن، وفى البقاء على قاعدة بريطانية فى عدن يتنافى مع ما قررته الأمم المتحدة، إن تصميمكم على حجب الاستقلال عن عدن والجنوب المحتل يتنافى عن ما قررته الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار، فشىء من الحياء يا بريطانيا العظمى.. شىء من الحياء حتى لا نشعر نحوكم بشىء من الاستعمار.

    إن إذاعة لندن منذ عدة أيام - من ٤٨ ساعة - نادت بضرورة انسحاب القوات المصرية من اليمن، لماذا؟ حتى تستطيع بريطانيا أن تتسلل بأفرادها. إننا نقول لهم إننا هنا شعب واحد لا فرق بين يمنى ومصرى، إننا أمة عربية واحدة.. إننا نقول لهم إننا أمة عربية واحدة أراد لنا الاستعمار التفرقة وخلق الاستعمار الحدود بيننا، أراد لنا الاستعمار أن يضرب بنا الآخر، وأراد لنا الاستعمار أن يفرق الصفوف وأن يفرق بين الأهداف، ولكنا اليوم نشعر بقوتنا، نشعر بأننا نستطيع أن نهزم الدول الكبرى.

    وفى سنة ٥٦ كان هناك إخوة لكم فى بورسعيد وفى مصر استطاعوا أن يهزموا الدول الكبرى، وأن يردوها على أعقابها مندحرة.. هذا - أيها الإخوة - ما نعرفه عن أنفسنا الآن، هذا - أيها الإخوة - ما نعرفه عن بلادنا الآن، نحن العرب أمة واحدة كل بلد منا يشد أزر الآخر. وحينما قامت الثورة فى ٢٦ سبتمبر أيدناكم منذ أول دقيقة، ولكن حينما تصدت الرجعية وتصدى الاستعمار لكم؛ صممنا على أن نقف بجانبكم وصممنا على أن نشد أزركم ضد الرجعية وضد الاستعمار؛ لأننا كلنا نشعر أن حريتكم حرية لنا، وأن ثورتكم ثورة لنا، وأن قوتكم قوة لنا. كنا نشعر هذا وأن ثورتكم ثورة العرب جميعاً وقوتكم قوة العرب جميعاً، كنا نشعر أن حريتكم إنما هى حرية للعرب جميعاً، كنا نشعر أن اليمن الذى كافح دائماً ولم يقف عن الكفاح، والذى ثار دائماً ولم يقف عن الثورة؛ أراد الله له أن ينتصر وأراد الله له أن يؤيده حينما يتصدى له الاستعمار وحينما تتصدى له الرجعية.

    إننا - أيها الإخوة - معكم هنا بإذن الله ومعكم هنا بعون الله لتنتصر ثورتكم ولتقوموا بدوركم الأبدى بين الأمة العربية لترفعوا رسالة الإسلام، ولترفعوا رسالة الحرية التى رفعتموها دائماً على مر السنين. منذ آلاف السنين، منذ الدعوة الإسلامية كان اليمن هو رافع راية الإسلام وهو رافع راية الحرية، واليوم بعد عام ونصف من الثورة أشعر أنكم انتصرتم وستعودون كما كنتم سيرتكم الأولى، ترفعون راية الإسلام وترفعون راية الحرية فى كل مكان، وترفعون راية الوحدة الوطنية، ولن تمكنوا أبداً الاستعمار ولن تمكنوا أبداً الرجعية من أن تفرق بينكم تحت أى اسم من الأسماء؛ تحت أسماء الحرية أو أسماء الطائفية، كلنا عرب لن يستطيع أى فرد أن يفرق بيننا، كلنا عرب نعرف واجبنا، كلنا عرب نعرف هدفنا، إن هدفنا هو الحرية.. إن هدفنا هو الحرية وإن هدفنا هو الاستقلال، وأراد الله لنا أن نحقق الحرية وأراد الله لنا أن نحقق الاستقلال فانتصرنا.

    واليوم بعد عام ونصف من الثورة نشكر الله من كل قلوبنا أنه نصرنا على الرجعية، ونصرنا على الاستعمار، ونعاهد الله أن نسير فى طريق الحرية، وأن نسير فى طريق الثورة، وأن نسير فى طريق الوحدة العربية؛ من أجل عزة العرب جميعاً، ومن أجل رفعة العرب جميعاً.
    هذا - أيها الإخوة - هو واجبنا جميعاً نحو الأمة العربية، هذا - أيها الإخوة - هو ما دعانا إلى أن ندعو إلى مؤتمر القمة العربية لندعو الأمة العربية كلها.. رؤساء وملوك الأمة العربية كلها ليجتمعوا فى القاهرة حتى نوحد الجهود ضد إسرائيل، وحتى نوحد الجهود ضد الاستعمار، فإن الاستعمار هو الذى خلق إسرائيل، فلولا بريطانيا ما كانت إسرائيل؛ فبعد الحرب العالمية الأولى أعطت بريطانيا الانتداب على فلسطين ومكنت بريطانيا اليهود من الهجرة إلى فلسطين، فحينما دخلت بريطانيا إلى فلسطين كان اليهود فيها لا يزيدون عن ٥%، وفى سنة ٤٨ وصل اليهود فى فلسطين إلى أكثر من ٥٠%، بفعل بريطانيا التى أعطتهم وعد "بلفور" فى سنة ١٧ بأن تجعل من فلسطين وطناً قومياً لليهود.

    بريطانيا تآمرت عليكم كما تآمرت على المسلمين فى جميع أنحاء العالم، تآمرت على العرب وأرادت أن تذل العرب لأنها كانت تعتقد أن ذلة العرب إنما تذل الإسلام فى جميع أنحاء العالم، وأعطت بريطانيا فلسطين لليهود، وخرجت فى ١٥ مايو سنة ٤٨ وتركت الفلسطينيين الذين وكلت بالانتداب عليهم بواسطة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.. تركتهم لقمة سائغة للصهيونية العالمية يأخذون فيها تقتيلاً وتشريداً حتى خرج من فلسطين أكثر من مليون عربى.

    إن بريطانيا هى المسئولة الأولى عن هذا، إن بريطانيا هى التى أرادت أن تضعف العالم العربى، ولكنا اليوم بعد أن هزمنا بريطانيا نعرف ما هى قوتنا ونعرف أن العالم العربى فى كل مكان وفى كل بقعة منه يستطيع أن يتآزر ويتحد وأن يتصدى للاستعمار؛ لهذا كان مؤتمر القمة الذى نص على أن نتصدى لإسرائيل، ونص على أن نقيم قيادة موحدة للجيوش العربية، ونص على أن تزيل الخلافات بين الأمة العربية، ونص على أن تمنع الإذاعات وتمنع المهاجمات بين الدول العربية، وكنا قد التزمنا بهذا، وكنا قد التزمنا بكل ما جاء فى مؤتمر رؤساء وملوك الأمة العربية.

    قام الرئيس أحمد بيلا والرئيس عبد السلام عارف بخطوات موفقة. إن انتصار عبد السلام عارف فى العراق كان نصراً لكم.. كان نصراً للقومية العربية.. كان نصراً للثورة العربية.. كان نصراً للحرية العربية.

    وحينما قام عبد السلام عارف بثورة الأحرار الأخيرة يوم ١٨ نوفمبر فى العراق شعرنا أن قوة العرب قد ازدادت بعبد السلام عارف وثورة عبد السلام عارف، وحينما نصر الله عبد السلام عارف وإخوة عبد السلام عارف شعرنا أن الله ينصرنا فى مصر وأن الله ينصرنا فى اليمن؛ لأن البعثيين كانوا قد تصدوا لنا واتبعوا مخطط الاستعمار ضد القومية العربية وضد الأمة العربية وضد الثورة العربية، وحينما انتصر عبد السلام عارف وهزم البعث فى العراق، كان هذا - أيها الإخوة - نصر من الله لكم فى كل مكان.

    وأنا أحب أن أقول لكم إن انتصار عبد السلام عارف البطل الحر الثائر.. البطل المسلم العربى.. الرجل الذى رفع راية القومية العربية فى سنة ٤٨، يوم انتصر عبد السلام عارف فى نوفمبر حمدت الله من كل قلبى؛ لأنى كنت أعلم أن نصر عبد السلام عارف هو نصر للأحرار فى كل مكان، نصر للثورة فى كل مكان، نصر لكم هنا فى تعز.. نصر لكم هنا فى صنعاء.. نصر لكم هنا فى اليمن الثائر الحر.. نصر لنا فى مصر.

    وسار عبد السلام عارف فى طريق القومية العربية وفى طريق الحرية وفى طريق الاستقلال، وكان الله قد نصرنا قبل ذلك بنصرة أحمد بن بيلا فى الجزائر فحينما استقل الجزائر وانتصر بن بيلا فى الجزائر حمدنا الله من كل قلوبنا؛ لأننا كنا نشعر أن نصر الجزائر هو نصر لنا، وأن ثورة بن بيلا فى الجزائر هى ثورة لكم هنا فى اليمن وهى ثورة لنا هناك فى مصر، وهى ثورة للثوار العرب جميعاً وللأحرار العرب جميعاً.

    ولهذا التقينا فى مؤتمر القمة، وبعد مؤتمر القمة أرسل عبد السلام عارف، وأرسل أحمد بن بيلا مندوبان لهما إلى القاهرة ثم إلى مكة والى الرياض لكى يحلا سوء التفاهم بين مصر والسعودية، ولكى نقضى على المؤامرات التى أراد الاستعمار أن يبثها بين النفوس. واستطاع هذا المسعى الحميد من أحمد بن بيلا وعبد السلام عارف أن يجد صداً فى قلوبنا وأن يجد صداً فى قلوب الأمير فيصل فى السعودية، وبعد هذا ذهب المشير عبد الحكيم عامر والسيد أنور السادات إلى السعودية، وكان هدفهم من هذا أن يطمئنوا السعودية إننا لا ننوى شراً بأبناء السعودية فإنهم إخوة لنا.. إنهم عرب.. إنهم مسلمون، ونحن لهم دائماً.. نحن لهم القوة التى تسندهم فى جميع الظروف وفى جميع الأحوال، وأنتم أيضاً.. أنتم اليمن القوة التى تقف على حدودهم وتسندهم فى جميع الظروف وفى جميع الأحيان. ونحن أيضاً - أيها الإخوة - لا نضمر لأى عربى أى شر بل نريد للعرب جميعاً الخير والعزة والكرامة، ولكنا نتصدى لأعوان الاستعمار؛ لأن أعوان الاستعمار إنما هم خوارج على الأمة العربية، إننا نريد أن يقوم بيننا وبين السعودية عهد جديد من المحبة ومن التآخى ومن الوفاق حتى لا نعطى الاستعمار البريطانى فرصة لكى يبث الفرقة والخلاف بين الأمة العربية.

    إننى - أيها الإخوة - بالأمس قد استغربت أشد الاستغراب حينما استمعت لخطاب للحكام البعثيين فى دمشق، يقولون فيه: إن مصر مسئولة عن الثورة التى تجتاح سوريا الآن؛ كأنما شعب سوريا ليس بالشعب البطل، إن الشعب السورى كان دائماً الشعب البطل الذى لا يخاف الرصاص ولا يخاف الموت ولا يهاب العذاب، إن الشعب السورى لم يكن أبداً فى حاجة إلى من يدفعه إلى الثورة، إن الشعب السورى كان دائماً هو الشعب الحر، هو الشعب الثائر، لا ينتظر مالاً لكى يقوم بالثورة ولا ينتظر تحريضاً لكى يقوم بالثورة، إن الشعب السورى لم يقبل أبداً الذل ولم يقبل الهوان، إن الشعب السورى الذى راح منه مئات الضحايا فى الأسابيع الماضية هو الذى ثار؛ لأنه لا يقبل الذل البعثى ولا يقبل هوان البعثيين، إن الشعب السورى الأبى الذى هزم فرنسا، وتصدى لها بالصدور العزلاء لا يخاف أبداً ولا ينتظر من يموله بالمال ولا ينتظر من يموله بالسلاح.
    وأنا أعلم عن الأيام الماضية أن الشعب السورى الأعزل خرج وتلقى رصاص الدبابات فى الصدور، وتلقى رصاص الدبابات فى أرواحه، وتلقى قنابل الدبابات فى منازله، لم يكن هناك من يعينه ولم يكن هناك من يشد أزره إلا الله وإلا قوة إيمانه بحقه فى الحرية والحياة، وحقه فى أن يقوم بدوره الحر، ولكن حكام سوريا من البعثيين أرادوا أن يهينوا الشعب السورى إهانة أخرى فقالوا بالأمس إن مصر أعطت لهم الأموال وهم بهذا يكذبون؛ يكذبون على الله ويكذبون على أنفسهم ويكذبون على الشعب السورى، إن الشعب السورى ليس بالشعب الذى يقبض الأموال؛ لأنه شعب من الأحرار، إن الثورة فى أى مكان لا يمكن أن تقوم بالمال، إن الثورة فى أى مكان لا يمكن أن تقوم إلا بالإيمان؛ الإيمان بالله والإيمان بالوطن والإيمان بالحرية.

    إن سوريا حينما ثارت فى حماة وحينما تصدت للدبابات، وحينما قامت فى حمص وحينما تصدت للدبابات، وحينما ثارت فى حلب وحينما تصدت للدبابات، وحينما ثارت فى دمشق وفى درعا وفى دير الزور وتصدت للدبابات وللطائرات لم تكن تفعل هذا لقاء أجر معلوم كما يقول الحكام البعثيين؛ لكنهم فعلوا هذا لأنهم يؤمنون بالله ويؤمنون بأنفسهم ويؤمنون بحقهم فى الحرية والحياة.

    إننى اليوم لأول مرة أتكلم لأن الحكام البعثيين فى سوريا نقضوا بالأمس ما قرره مؤتمر القمة لرؤساء وملوك العرب واتهمونا علانية وسبوا عبد السلام عارف. وإننا كنا نسمع الحوادث فى سوريا وقلوبنا تقطر دماً، ولكننا كنا نسكت على مضض لأننا كنا نلتزم بما قرر مؤتمر القمة. أما بعد أن نقض هؤلاء الحكام البعثيين - فى هذه الأيام أو بالأمس - هذا القرار الذى قرره مؤتمر القمة فإننا نتساءل: لماذا نقضوه؟ هل لأنهم يتعاونون مع بريطانيا؟ إننا فى معركة مع بريطانيا، فهل هم عملاء لبريطانيا حتى يقومون فى هذا الوقت ليساندوا بريطانيا وليبثوا بين ربوع الأمة العربية الفتنة والفرقة، وليقضوا على مقررات مؤتمر القمة العربى؟

    إننى بالأمس حينما تلقيت هذا البيان، وهذا الاتهام وهذا السب فى مصر وفى عبد السلام عارف وفى العراق شعرت لأول وهلة أن هناك علاقة بما يدبر فى عدن وبين ما يدبر فى دمشق‍، وأن هناك علاقة بين ما يدبره البريطانيون الاستعماريون مع حكام الجنوب المحتل العملاء، علاقة بما أذاعته بالأمس بيانات حكام دمشق من البعثيين، هل هناك عمالة فى الأمر؟ هل هناك عمالة فى الموضوع؟ أو هل يريد حكام سوريا من البعثيين أن يضللوا ويغروا بالشعب السورى؟ إن الشعب السورى لا يمكن أن يضلل، إن الشعب العربى لا يمكن أن يضلل، هل استطاعت الإمامة أن تضللكم؟ أبداً، لقد صممتم وثرتم، هل ثرتم إلا لأنكم تؤمنون بالله وتؤمنون بحقكم فى الحرية والحياة؟

    هذا هو نهج ثوار سوريا.. وإنا نرجوا لسوريا.. سوريا الشقيقة.. سوريا العزيزة.. سوريا الحبيبة أن يجنبها الله هذا الإرهاب وهذا الذل وهذا الهوان. إننا نساند الشعب السورى الحر البطل بكل قوانا وبكل أرواحنا، إنا نسانده معنوياً ولكنا لا ندفع له الأموال؛ لأننا نعلم أن من يأخذون الأموال لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكونوا ثواراً.

    أيها الإخوة الأحرار:

    لقد ناديتم بالوحدة العربية وأحب أن أقول لكم: إن الوحدة قائمة فعلاً.. إن الوحدة قائمة بيننا وبينكم.. هذه الوحدة قائمة بيننا وبينكم.

    أيها الإخوة.. أيها الإخوة الأعزاء:

    هذه الوحدة قائمة فعلاً بيننا وبينكم من أول يوم لأيام ثورتكم، ولكنها ليست وحدة مواثيق وليست وحدة دساتير، بل هى وحدة الدم، لقد سفك الدم المصرى مع الدم اليمنى هنا على الجبال وفى الوديان وعلى الحدود، هذه هى وحدتنا وحدة القلوب.. وحدة الدم.. وحدة العقيدة.. وحدة الهدف. وأنا قد قلت قبل الآن إننا لن نستطيع أن نصل إلى وحدة مكتوبة قبل أن تنتهى العمليات العسكرية، وقبل أن تعود القوات المصرية، ولكنى أقول لكم إن الوحدة قائمة فعلاً، لقد قلت هذا بالأمس للرئيس السلال.

    أيها الإخوة.. أيها الأحرار.. أيها المواطنون الأعزاء.. أيها الإخوة الثوار.. أيها الإخوة الأحرار:

    لقد رأيت اليوم قوتكم كما رأيت بالأمس قوة إخوانكم فى صنعاء، رأيت قوة الشعب اليمنى وأنا أشد اطمئناناً عليكم وعلى ثورتكم فسيروا على بركة الله، والله ناصركم، والله موفقكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله.



    هذا هوا زعيم الأمة الراحل جمال عبدالناصر حسين يا ابناء اليمن
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-08-09
  3. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,314
    الإعجاب :
    1,592
    عندما قام الزعيم الراحل جمال عبدالناصر حسين بزيارة اليمن في 22 إبريل 1964
    ترجل رحمهُ الله في اليوم الثاني من زيارته التاريخية
    بميدان التحرير وبجواره الزعيم المشيرعبدالله السلال فقال ....



    أيها الإخوة:

    الحمد لله الذى جمعنا اليوم فى هذا المكان تحت علم الحرية.. علم الثورة اليمنية، الحمد لله الذى أراد لهذا الشعب أن يتحرر، وأراد لهذه الأمة أن تشق طريقها من أجل الحياة الحرة الكريمة، الحمد لله الذى كتب لكم النصر، الحمد لله الذى أراد لكم أن تعيشوا أعزاء كرماء، الحمد لله الذى نصركم ونصر ثورتكم، ومكننا اليوم من أن نجتمع فى هذا المكان، ونلتقى لقاء الأحرار ولقاء الثوار؛ الذين أرادوا لأمتهم العزة فنصرهم الله.

    أيها الإخوة.. أيها الإخوة المواطنون:

    كانت اليمن دائماً يمن الثورة ضد الطغيان وضد الاستبداد، وضد التحكم وضد السيطرة؛ فبعد الثورة الإسلامية الكبرى سارت اليمن فى هذا الطريق، ونشرت اليمن.. نشرت الإسلام فى ربوع آسيا وفى كل بلاد آسيا، وحينما كنت أزور آسيا منذ عدة سنوات، وكنت ألتقى بالمسلمين كانوا يقولون إن الإسلام وصل إلى هنا بواسطة أبناء اليمن الأعزاء.

    كانت هذه - أيها الإخوة - رسالتكم.. رسالتكم شعب اليمن الحر... شعب اليمن الثائر الذى تلقى رسالة محمد بن عبد الله، وسار بها بين مشارق الأرض ومغاربها ليبشر من أجل الدين، وليعمل من أجل الدين، فنجح فى رفع راية الدين، ونجح فى رفع راية الإسلام، حتى أتت فترة من الزمان وتحكمت فيها - فى هذه البلاد - فئة من الطغاة، أرادوا أن يحولوا حريتكم إلى إذلال، وأرادوا أن يحولوا كرامتكم وعزتكم إلى تكبيل بالحديد، فقاومتم.. فإن اليمن الثائر اليوم ليس بالجديد على الثورة؛ لأنه كان دائماً اليمن الثائر من أجل حريته، ومن أجل عزته، ومن أجل كرامته.

    إن الثورات لم تنقطع دائماً من أرض هذا البلد الطاهر.. إن الشهداء ضحوا دائماً على مر السنين بأرواحهم ودمائهم، ودخلوا السجون من أجل أن تتحرر هذه الأمة.

    واليوم نحمد الله الذى مكن هذا الشعب ومكن قادته، وعلى رأسهم الرئيس السلال، من أن يحققوا الحرية والعزة والكرامة. إن الثمن الذى دفع من أجل العزة والحرية والكرامة ليس بالثمن اليسير، ولكنه كان الثمن الغالى؛ لأنه كان من دمائكم وأرواحكم وقلوبكم، وحريتكم وعزتكم وكرامتكم، فكم منكم من الرجال أمضوا الأيام والسنين فى سجون حجة، وأنا قد قابلت من أبناء الشعب اليمنى الثائر الكثيرين فى مصر، وكانوا جميعاً خريجين سجن حجة... خريجين السجون، كانوا جميعاً ثواراً، وكنت أشعر دائماً أن هذا الشعب الذى يستهين بالسجون، ويستهين بقطع الرقاب، ويستهين بالتضحية، لابد له أن ينتصر، فالحمد لله الذى نصركم، الحمد لله حمداً كبيراً.

    أيها الإخوة المواطنون:

    أحمل إليكم أيها الإخوة الأعزاء.. أيها الشعب اليمنى المقاتل الباسل الثائر.. أحمل إليك من أشقائك فى مصر فى الجمهورية العربية المتحدة كل تحية وكل تقدير، وكل إجلال وكل تأييد؛ من أجل تثبيت هذه الثورة، ومن أجل تدعيم هذه الثورة.

    أيها الشعب الباسل:

    إن العرب جميعاً وقفوا بجانبك من أجل تدعيم هذه الثورة، كل العرب فى كل مكان وقفوا بجانب هذه الثورة؛ لأنها ثورة الأحرار الذين أرادوا أن يقضوا على حكم الاستبداد، وعلى حكم الأئمة الذى اتخذ من الدين شعاراً، وكانوا فى الحقيقة يعملون من أجل الدين، فما هو الدين؟ ما هى رسالة محمد؟ رسالة محمد هى الحرية وهى المساواة.. رسالة محمد هى العدالة الاجتماعية.. رسالة محمد هى أن يكون الأمر شورى بينكم جميعاً، لا أئمة ولا ملكية، ولكن جمهورية.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية يشعر بحقه فى الحرية والحياة.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية له الحق فى أن يكون رئيساً للجمهورية.. كل فرد من أبناء هذه الجمهورية له الحق فى أن يتولى أى منصب من المناصب.

    لقد انتهت أيام التفرقة وبدأت أيام المساواة، وكان هذا نتيجة العمل الكبير؛ عمل الثورة وعمل الثوار. وبعد الثورة - أيها الإخوة - وبعد الثورة تعرضت اليمن للعدوان الرجعى والعدوان الاستعمارى، وكان واجباً علينا أن نهب لنجدتكم.. أن يهب أشقاؤكم فى الجمهورية العربية المتحدة ليقفوا إلى جانب الثورة وإلى جانب الثوار، ليقفوا إلى جانب الحق، وإلى جانب العزة والكرامة، ليقفوا إلى جانب الحرية؛ لأنهم فى مصر من ٢٣ يوليو، وقبل ٢٣ يوليو، نادوا بالحرية، وضحوا أيضاً مثلكم من أجل الحرية، وحضر إليكم إخوتكم من مصر.

    وأنا اليوم حينما أنظر إليكم أرى الشعب اليمنى الثائر.. الشعب اليمنى الباسل، والجيش المصرى المقاتل؛ الذى ساند إخوته فى اليمن جنباً إلى جنب، أراكم وأشعر أن الوحدة العربية فيكم قد تحققت؛ هذه الوحدة التى نادينا بها طويلاً، هذه الوحدة التى شعرنا بها فى قلوبنا. وكنت - أيها الإخوة - حينما أسمع عن المعارك وعن القتال، وكيف تسير قواتنا المسلحة المصرية جنباً إلى جنب مع الجيش اليمنى، ومع القبائل اليمنية؛ لتصد غارات الرجعية، وتصد غارات الاستعمار.. كنت أشعر فى كل قلبى أن الوحدة العربية قد حققتموها أنتم حينما امتزجت دماؤكم وأنتم تقاتلون من أجل الحرية، وحينما امتزجت أجسادكم على هذه الأرض الطاهرة.. كنت أشعر أن الوحدة العربية حقيقة واقعة، لا تحتاج إلى مواد تكتب لأنها كتبت بالدماء، ولا تحتاج إلى دساتير تعلن لأنها أعلنت باستشهادكم وبتضحيتكم بأرواحكم من أجل الوحدة العربية.

    أيها الإخوة المواطنون:

    الحمد لله الذى نصرنا.. الحمد لله الذى نصر ثورتنا.. الحمد لله الذى هزم الرجعية والاستعمار، الحمد لله...

    إننا - أيها الإخوة - ونحن نلتقى اليوم هنا فى بلد الثوار، فى بلد الأحرار، نذكر الجنوب المحتل، والعدوان البريطانى على أرض اليمن، ونقول إننا حينما صممنا على الحرية، فإننا كنا نعنى ما نقول.. إن الحرية التى دفعنا فى سبيلها الدماء والأرواح عزيزة علينا، وإننا سنقابل العدوان بالقوة، ولن نمكن الاستعمار من أن يبقى فى أى جزء من أرض الأمة العربية، ولابد للاستعمار؛ لابد لبريطانيا التى تنظر إلى ثورتكم بحقد، التى تنظر إلى ثورتكم بكراهية.. لابد أن تحمل عصاها وتخرج من عدن، لابد أن تحمل عصاها وتخرج من الجنوب؛ فإن عدن عربية والجنوب عربية، ولا يمكن بأى حال لبريطانيا أن تفرق بين العربى والعربى، أو بين اليمنى واليمنى. لقد استطاعوا فى الماضى حينما فرقوا بيننا أن يتمكنوا فى أجزاء من الأمة العربية، ولكنا نعاهد الله فى هذه الأرض الطاهرة؛ أرض الثوار.. أرض الأحرار.. أن نخرج بريطانيا من جميع أجزاء الأمة العربية.

    إننا - أيها الإخوة - بذلنا الدم وبذلنا الروح وانتصرنا، بذلنا الدم وبذلنا الروح فانتصرنا، وسنبذل الدم، وسنبذل الروح، وسننتصر بعون الله، وكما انتصرنا فى مصر، وكما انتصرنا هنا فى اليمن، وكما هزمنا الرجعية، وكما هزمنا الاستعمار، إنا نرجو الله ونعاهد الله أن نتصدى للصهيونية عميلة الاستعمار. من الذى أقام الصهيونية؟ من الذى أقام إسرائيل؟ من الذى كان متولى أمور فلسطين؟ بريطانيا هى التى تولت أمور فلسطين، بريطانيا هى التى تآمرت دائماً على العرب، بريطانيا هى التى تآمرت دائماً على عزتكم وعلى كرامتكم، وبريطانيا هى التى سلمت فلسطين لإسرائيل، وسلمت فلسطين للصهيونية، والاستعمار عاون بريطانيا من أجل تثبيت إسرائيل، وأمريكا أيضاً عاونت إسرائيل؛ عاونت إسرائيل من أجل أن تقضى على القومية العربية فى فلسطين. وإنا نعاهد الله فى هذا المكان؛ فى بلد الثوار وبلد الأحرار، ألا يرتاح لنا بال حتى نعيد القومية العربية إلى فلسطين، حتى نعيد فلسطين إلى الأمة العربية. إن الأمة العربية قد تحررت، إن الأمة العربية قد تحررت، إن الأمة العربية قد شعرت بقوتها، إن الأمة العربية قد انطلقت، لا مكان للاستعمار، لا مكان لبريطانيا فى ربوع الأمة العربية، ولا مكان لإسرائيل بين أرجاء الأمة العربية. والله ينصركم.

    والسلام عليكم ورحمة الله


    وفي يوم 25 إبريل ترجل خطابه التاريخي إمام عُلما اليمن فقال ..
    [align=right]
    بسم الله الرحمن الرحيم
    أيها العلماء الأحرار:
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    لقد كان اليمن دائماً منذ قامت الدعوة الإسلامية رافع رسالة الإسلام ورسالة الحرية فى كل مكان، لم يكن هذا فى اليمن فقط ولكنه تعدى اليمن إلى جميع أنحاء العالم، فاليمنى مشهور عنه الذكاء، ومشهور عنه المعرفة، ومشهور عنه حبه للجهاد فى سبيل الله، وكما قلت لكم أول أمس حينما ذهبت فى زيارتى إلى آسيا وكنت ألتقى بالمسلمين فى كل بلد من بلدان آسيا، وكنت أسأل من الذى أحضر الاسلام؟ من الذى رفع دعوة الاسلام فى هذه البلاد؟ فكانوا يقولون لى إنهم أهل اليمن، أهل حضرموت، وحضرموت كانت دائماً جزء لا يتجزأ من اليمن. وكنت أشعر فى هذه الأيام بالفارق الكبير بين اليمن الذى تلقف دعوة الاسلام وتلقف دعوة محمد لينشرها بين ربوع الأرض واليمن تحت حكم الأئمة، وكنت أذكر قول الله "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة...".

    وكانوا دائماً الأحرار هنا، يقاومون الذلة ويعملون على رفع راية الحرية، استمر اليمن يرفع راية الحرية ويرفع راية الاسلام حتى تمكنت منه الإمامة، الإمامة تحت اسم الدين وتحت اسم الإسلام، واستطاعت أن تغلق اليمن وتعزله عن العالم وتجعله دولة متأخرة تعيش فى غياهب الظلام. ولكن هل استكان اليمن، واستكان رجال اليمن الأحرار، وعلماء الدين الأحرار إلى هذه الذلة؟‍! أبداً ثاروا دائماً، وكما قلتم الآن إن السجون كانت دائماً تحوى الأحرار من العلماء والشرفاء ورجال الجيش والمجاهدين، فى كل سنة وفى كل عام. أردتم أن تؤلفوا بين القلوب بثوراتكم، ولكن الإمامة كانت دائماً تعمل على زرع البغضاء والفرقة بينكم، أردتم أن تؤلفوا بين القلوب حتى أراد الله: (ولو أنفقت ما فى الأرض جميعاً ما ألَّفت بين قلوبهم ولكن الله ألَّف بين قلوبهم...).

    إن دين الإسلام هو دين الحرية وأنتم العلماء رسل الإسلام فى الأرض واجب عليكم الجهاد من أجل الحرية، الجهاد من أجل المساواة. إن دين الإسلام هو دين الحرية ودين المساواة، هو الدين الذى رفع راية الحرية وانطلقت من شبه الجزيرة العربية حتى عمت مشارق الأرض ومغاربها، ويحرر الإنسان، يحرره من الرق ويحرره من العبودية، يحرره من التفرقة ويحرره من الإقطاع، يحرره من كل المساوئ التى حلت بالأرض.

    وحينما قام محمد عليه الصلاة والسلام لينادى برسالة الله وينادى بالإسلام، كان يعنى القضاء على الإقطاع والقضاء على الاستبداد والقضاء على الإمامة التى تمكنت فى هذه الأيام تحت اسم الأسر، اسم أسرة أبى سفيان وأسر قريش التى تعرفونها جميعاً، تصدى لها محمد العبد الضعيف، ولكنه كان قوى لأنه كان يحمل رسالة الله التى كانت تهدف إلى التأليف بين قلوب المؤمنين جميعاً، التأليف بين قلوب العرب جميعاً لأن عزة العرب هى عزة الإسلام.

    سرتم وحملتم هذه الرسالة حتى استطاعت الإمامة أن تكبلكم وأن تعزلكم عن العالم، وحتى استطاعت الخلافات الأخرى تحت اسم الدين أن تكبل العالم الإسلامى فعادت الرجعية، عادت الرجعية تحت اسم الحكم العثمانى وقد قاسيتم هنا من الحكم العثمانى الذى كان يدعى أنه يحكم باسم الدين، ولم يكن الدين فى هذا إلا وسيلة أو ذريعة لاستعبادكم واستعبادنا أيضاً فى مصر؛ لأن الإمبراطورية العثمانية كانت تحمل اسم الدين بالاسم فقط، ولم تكن تعمل من أجل الدين أبداً لأنها كانت تؤكد الإقطاع، وتثبت الإقطاع وتثبت السيطرة، وتثبت سيطرة الأسر، وكانت تفرق بين الناس، وكانت تبيح الرق وكانت تبيح العبودية، لكن الإسلام ينادى من أجل المساواة بين الناس، ينادى من أجل حرية الإنسان، ينادى من أجل القضاء على العبودية.

    قامت ثورتنا فى ٢٣ يوليو سنة ٥٢ فى مصر وهى تحمل الشعارات التى خرج بها الاسلام إلى العالم، أول هذه الشعارات هى الحرية، حرية الفرد وحرية الوطن، ولا يمكن للوطن أن يكون حراً إذا لم يكن الفرد حراً، فكان لابد لنا أن نحرر الفرد من سيطرة الإقطاع ومن سيطرة رأس المال ومن كل أنواع السيطرة حتى يكون الفرد حراً يستطيع أن يقول "نعم" حينما يشاء ويستطيع أن يقول "لا" حينما يشاء.

    سرنا فى هذا وكنا نؤمن فى قلوبنا أننا نثبت دعائم الاسلام التى استطاعت الخلافة فى سنين طويلة أن تكبتها، وأن تحجبها عن المسلمين، فحررنا الإنسان، وحررنا الفرد، وحررنا الوطن من الاستعمار البريطانى، وكنا نعتبر أن هذا هو الجهاد الذى نادى به القرآن والذى نادى به محمد عليه الصلاة والسلام. كنا نجاهد فى سبيل الوطن، كنا نجاهد فى سبيل الله، وكان كل فرد منا يجاهد لا ابتغاء أى شىء إلا مرضاة الله، لا ابتغاء ثروة، ولا ابتغاء جاه، ولا ابتغاء أى شىء إلا حرية الوطن وحرية المواطن.

    والحمد لله الذى مكننا من أن نحقق كل هذه الأهداف فى مصر. وكنا نشعر أيضاً أن علينا رسالةً نحو إخوتنا العرب ونحو إخوتنا المسلمين أن نشد من أزرهم وأن نساعدهم على أن يرسوا فى وطنهم وفى بلادهم دعائم الاسلام الحقيقية التى قامت على الحرية، والتى قامت على المساواة، والتى مكنها الله فانتصرت فى فتره قليلة فجابت ربوع الأرض فى مشارقها ومغاربها. ولهذا فلا غرابة أبداً حينما نصركم الله - يوم ٢٦ سبتمبر - حينما قامت هذه الثورة، وحينما تعرضتم لتحالف الاستعمار مع الرجعية ضد ثورتكم التى أرادوا لها أن تنتكس لتعودوا أذلةً مرة أخرى، والتى أرادوا لها أن تنتكس حتى تفسد بلادكم مرة أخرى، حينما رأينا هذا التحالف وهذا العدوان عليكم، انبرينا لنجدتكم، وكنا فى هذا ننفذ قول الله، وننفذ كلام الله؛ المؤمنون أخوة.. كل منهم للآخر.. يشد بعضهم بعضاً.

    ولم نكن نشعر أننا نحارب فى بلد غريب أبداً، إننا نحارب فى بلد عربى، إننا نحارب فى بلد إسلامى، إننا فى مصر.. فى مصر.. تجدوا عائلات وبلاد أتت من اليمن، وأتت من شبه الجزيرة العربية واستقرت فى مصر، وعندنا فى الصعيد هناك بنى مر من قبائل بنى مر، وهناك بنى محمد، وهناك بنى حسن وهناك بنى عدى. وإننا نمثل بهذا الوحدة العربية الحقيقية لا فرق بين بلد عربى وبلد عربى، لا فرق بين مواطن عربى ومواطن عربى. ولقد كنت أخاف فى أول الأمر أن يشعر رجال قواتنا المسلحة بشىء من التململ إذا طلبنا منهم أن يحاربوا إلى جوار اليمن، ولهذا طلبنا منهم متطوعين، ولم نبدأ الأمر بأوامر فتطوع الجميع، تطوع كل فرد من أفراد الوحدات.

    إن دل هذا على شىء فعلى أن أمة العرب أمة واحدة، وعلى أننا كلنا شعب واحد نعمل من أجل هدف واحد، نعمل من أجل تثبيت الحرية فى كل مكان. ولما رأينا الاستعمار البريطانى.. رأينا بريطانيا والرجعية تتصدى لثورتكم، كان واجباً علينا أن نهب لمعاونتكم وأن نهب لشد أزركم، وكلنا نعلم أن بريطانيا كانت دائماً أشد الناس عداوة للذين آمنوا، بريطانيا فى السنين الماضية، لو نأخذ اليمن مثلاً، ماذا عملت بريطانيا لليمن؟ قبل الحرب العالمية الأولى وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت بريطانيا باحتلال عدن، وكانت عدن دائماً جزءاً لا يتجزأ من اليمن، واستغلت بريطانيا فساد حكم الأئمة، واستغلت بريطانيا إرهاب الأئمة، واستغلت بريطانيا قطع الرؤوس، واستغلت بريطانيا حالة الفقر التى وصلت إليها اليمن، واستغلت بريطانيا حالة التأخر التى وصلت إليها اليمن، وكل يمنى منكم برئ من هذه الحالات جميعاً؛ لأنها لم تكن إلا بسبب الأئمة الذين أرادوا أن يضعفوكم حتى يتمكنوا فيكم ويذلوكم.

    استغلت بريطانيا كل هذا واحتلت عدن ثم بدأت تزحف لتحتل من اليمن شبراً شبراً حتى أصبح الجزء الذى احتلته الآن أكبر من اليمن فى المساحة، وأكبر من اليمن فى الحجم وكان سلاحها فى هذا ضعفكم، وكان سلاحها فى هذا الاستضعاف الذى نشرته الإمامة فوق اليمن، وكان سلاحهم فى هذا تأخركم، وكان سلاحهم فى هذا غلق حدودكم عن العالم، وكان سلاحهم فى هذا عزلتكم عن العالم، وكان سلاحهم فى هذا أن اليمن الذى رفع راية الاسلام والذى رفع راية الدين والذى رفع راية الحرية، نسى الاسلام ونسى الدين ونسى الحرية لأن الإمامة ضغطت عليه، وضغطت على رقبته، وضغطت على صوته، وضغطت على روحه، إنه لم يقبل هذا الضغط، ولم يقبل هذا الكبت، ولكنه جاهد وجاهد وكافح وثار. وعلى مر الأيام ثرتم، وعلى مر الأيام جاهدتم، وعلى مر الأيام كافحتم، وعلى مر الأيام استشهد منكم الآباء والأجداد حتى أراد الله لكم النصر فنصركم يوم ٢٦ سبتمبر.

    وحينما خرج الأخ الرئيس السلال مع إخوته من الضباط الأحرار يوم ٢٦ سبتمبر، أنا أعلم أنهم خرجوا ليدعوا بالرسالة وينفذوا ما أمرهم الله، خرجوا ليقضوا على الإمامة، وكانوا فئة قليلة، ولكنهم كانوا يعلمون أنكم من ورائهم، وأن شعب اليمن جميعاً من ورائهم، وأن الأمة اليمنية والأمة العربية كلها من ورائهم. ولكنهم كانوا يعلمون أيضاً أن الثورات التى خرجت قبلهم لم تستطع أن تعيش إلا بضعة أيام؛ لأن الإمامة استطاعت دائماً أن تؤلب الرجعية العربية وتتحالف معها ضد الأحرار وضد الحرية. خرجوا ليبرؤوا ذمتهم أمام الله وأمام التاريخ ولو استشهدوا، ولكنهم لم يقبلوا أبداً أن يعيشوا تحت ذل الإمامة، أن يعيشوا تحت عبودية الإمامة، أن يعيشوا تحت ظل التأخر، أن يعيشوا فى هذا البلد الذى أغلق عن العالم وعزل عن العالم وأصبح متأخراً عن العالم بأكثر من ألف عام. خرجوا ليؤدوا الرسالة ويستشهدوا ويموتوا؛ حتى يبذروا بين بذور اليمن وأبناء اليمن راية الحرية وبذور الحرية، راية الثورة وبذور الثورة، ولكن الله العلى الكبير نصركم وانتصرت ثورتكم فى ٢٦ سبتمبر.

    أردتم على مر السنين وعلى مر الأيام أن تنتصروا فى ثوراتكم، ولكن الله أراد لكم أن تنتصروا يوم ٢٦ سبتمبر، وإرادة الله فوق كل إرادة، فانتصرتم رغم تصدى الاستعمار لكم ورغم تصدى الرجعية لكم ورغم تحالف الإمامة مع الإنجليز الذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للمؤمنين، والذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للمسلمين، والذين كانوا دائماً أشد الناس عداوة للإسلام. فإن بريطانيا طوال القرنين الماضيين تصدت للمسلمين والإسلام فى جميع بقاع العالم؛ حتى تضعفه وحتى تقضى على قوتهم، وحتى تقضى على راية الحرية التى يرفعها الإسلام، وحتى تقضى على راية الثورة التى نادى بها الإسلام، فالإسلام دين الثورة. إن الإمامة اليوم تتحالف مع الرجعية وتتحالف مع الاستعمار البريطانى، ولكنكم اليوم بعد أن أراد الله لكم النصر يوم ٢٦ سبتمبر ستنتصرون بإذنه تعالى على الاستعمار وعلى الرجعية وعلى الإمامة وستحققون فى بلدكم دين الحرية، دين الإسلام.. دين المساواة.. دين الرفعة.. دين التقدم.. دين العمل الثورى.. دين العمل السليم.
    هذه هى الحرية التى نادينا بها فى بلدنا، الحرية كانت أول مبدأ من مبادئ ثورتنا طبقناه فى بلدنا وطبقناه فى أى بلد من البلاد العربية. نحن نساند الأحرار فى كل جزء من أجزاء الأمة العربية، وإننا بهذا لا نمن على أحد، بل بالعكس إننا نشعر أن هذا واجب علينا. إن الذين حضروا إليكم من جنودنا واستشهدوا هنا إنما مصيرهم الجنة؛ لأنهم استشهدوا فى سبيل الله من أجل رسالة الله. لم يحضر جندى إلى هذا البلد من أجل منفعة أو من أجل غنيمة أو من أجل مطلب شخصى، ولكنهم حضروا جميعاً لملاقاة الله من أجل رفعة راية الحرية ومن أجل رفعة راية الاسلام ورفعة راية الدين، لهم جزاؤهم عند الله، لهم جزاؤهم عند الله.. ليس فى وسعنا وليس فى يدنا أن نجزيهم عن عملهم هذا، ولكن جزاؤهم عند الله فمصيرهم الجنة.

    إننا حينما نذكرهم إنما نذكر جنود الاسلام الأوائل الذين خرجوا ليقاتلوا من أجل الاستشهاد، ومن أجل أن يذهبوا إلى الجنة، ومن أجل ملاقاة ربهم فى رفع رسالته. هؤلاء هم جنودنا الذين حضروا إليكم.. أبناؤكم وإخوتكم حضروا إليكم ليقاتلوا جنباً إلى جنب معكم من أجل رفع راية الاسلام ومن أجل رفع راية الحرية ومن أجل تثبيت دعائم الدين. هم أولادكم وهم إخوتكم، كما أننا نشعر فى مصر أن أولادكم أولادنا وأنكم اخوتنا، وأننا جميعاً لنا نفس المصير، وأن الله الذى وحد بين أمتنا لن يمكن أى دولة مهما كبرت وأى فرد مهما كان أن يفرق بين أبناء هذه الأمة.

    كان هذا هو المبدأ الأول لثورتنا، الحرية.. حرية الوطن.. حرية المواطن.. حرية الأمة العربية.. حرية الأمة الإسلامية.. حريتنا جميعاً، مساعدة الحرية فى كل مكان فى العالم، مساعدة الثورات التحريرية فى كل مكان فى العالم. ومن أجل هذا ساعدنا كل الثورات، وكل الحركات التحررية فى العالم، وكنا نعتقد أننا بهذا إنما نرسى دعائم الدين ونرفع راية الاسلام التى نادت بالحرية لكل وطن والتى نادت بالحرية لكل مواطن.

    وكانت الرسالة الأخرى أو المبدأ الآخر الذى نادينا به هو الاشتراكية، والاشتراكية هى أساس المساواة، الاشتراكية هى ألا يتحكم فرد فى فرد، وكان أول دين نادى بالاشتراكية هو دين الاسلام، وقال صلى الله عليه وسلم: "الناس شركاء فى ثلاث؛ الماء؛ والكلأ، والنار" وكان بهذا يعبر عن أهم مصادر الثروة فى الجزيرة العربية فى هذا الوقت.

    وبهذا اعتبر دين الاسلام أول دين يدعو إلى الاشتراكية، أول دين يدعو إلى المساواة، أول دين يدعو إلى القضاء على التحكم، أول دين يدعو إلى القضاء على السيطرة، وبهذا قال شوقى وهو يصف رسول الله: "الاشتراكيون أنت إمامهم". فعلاً كان محمد عليه الصلاة والسلام إمام الاشتراكيين؛ لأنه لم يكن يجمع الثروة ولم يكن يجمع المال ولم يكن يعمل لجاه، ولم يكن يعمل لمنصب ولم يكن يعمل إلا لإرساء قواعد الإسلام، ولم تكن الأئمة، ولم تكن الإمامة أبداً تمثل مبدأ الشورى بين المسلمين، ولكنها كانت تمثل مبدأ الحكم الفردى ومبدأ السيطرة ومبدأ التحكم، ومبدأ السيف فى قطع الرقاب، وأنتم تعلمون هذا خيراً منى.. لم يكن هناك أساس للشورى.

    أما اليوم فإن ثورتنا فى مصر قامت على الإسلام "الأمر شورى بينهم" هناك مجلس للأمة وهناك حركات شعبية، هناك حق لكل فرد أن يقول رأيه. ولقد عرفت من الرئيس السلال أنه يسعى إلى أن يقيم بينكم هناك مجلس للشورى حتى يكون الأمر شورى بينهم وبهذا ترسو دعائم الإسلام.

    أنتم الأمناء على الاسلام، وأنتم الأمناء على مبادئ الاسلام الحقيقية، والإسلام لم يكن دين فقط ولكنه دين ودنيا، وكان ينظم لنا الشرائع فى الأرض وينظم لنا العبادات، ينظم لنا الشرائع فى الأرض فى المساواة وفى الحرية وفى العدالة الاجتماعية وفى تكافؤ الفرص.

    هذا كله عبرنا عنه نحن بكلمة واحدة هى الاشتراكية؛ الاشتراكية التى بدأها الاسلام، التى بدأها محمد عليه الصلاة والسلام، الاشتراكية التى سنها عمر بن الخطاب الذى كان يخرج بين الناس وكان يخاطبهم، وكان يقول لهم: "من رأى فى اعوجاجاً فليقومنى" وكانوا يقولون له بكل جرأة وكل شجاعة: "إننا إذا رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيفنا هذا"، كانت هذه هى الحرية وكانت هذه هى الاشتراكية، وهذا هو الاسلام الصحيح، هذا هو الاسلام الحقيقى.

    أما المبدأ الثالث الذى نادينا به فهو الوحدة، وكما قلت لكم إن الاسلام وحد بين العرب جميعاً؛ لأن هذه إرادة الله، أما الاستعمار ففرق بين العرب، ولابد أن تعلو إرادة الله على إرادة الاستعمار، ولابد أن تعود الوحدة لتجمع بين العرب مرة أخرى كما جمعهم محمد عليه الصلاة والسلام وكما جمعهم حكم الإسلام، لابد أن تعود الوحدة مرة أخرى ولا يكون هناك يمنى ومصرى وسورى وعراقى بل نكون كلنا عرب. وإنى كما قلت لكم فى أيام الاسلام الأولى لم يكن هناك موطن ليمنى فى اليمن، وموطن لمصرى فى مصر، فإن كثيرين من أبناء اليمن هاجروا إلى مصر، وكثيرين من أبناء الجزيرة العربية هاجروا إلى مصر فأصبحوا مصريين؛ لأن الإسلام كان ينادى بتوحيد الأمة العربية فوحدت الأمة العربية. أما بعد هذا فقد أقام الاستعمار بيننا السدود، وأقامت الرجعية بيننا الحدود وأقامت الولايات والملكيات - التى أرادت أن تستأثر كل منها بجزء من الأمة العربية - الحدود والسدود والفوارق، وفرقوا بين المسلم والمسلم، وفرقوا بين العربى والعربى.

    أما اليوم فبعد أن انتصرتم فعليكم أن تعيدوا راية الإسلام الأولى، بعد أن نصركم الله يوم ٢٦ سبتمبر، عليكم أن تعودوا كما كان أجدادكم حينما رفعوا راية الإسلام واتجهوا إلى مشارق الأرض ومغاربها لينشروا دين الإسلام، ونجحوا فى نشر دين الإسلام. عليكم أن ترفعوا اليوم راية الإسلام وراية الحرية، وراية الحرية هى راية الإسلام، عليكم أن ترفعوا راية الحرية كما رفعها أجدادكم وتسيروا فى مشارق الأرض ومغاربها. وعليكم أولاً أن تساعدوا إخوتكم الذين اغتصب بلادهم الاستعمار البريطانى، أن تساعدوا إخوتكم فى عدن وأن تساعدوا إخوتكم فى الجنوب المحتل، عليكم أولاً أن تساعدوهم بأموالكم، وأن تساعدوهم بأرواحكم، وأن تساعدوهم بكل قواكم حتى يتحرروا، لأنهم وقعوا فى قبضة الاستعمار البريطانى، حينما استضعفتم وحينما استكنتم وحينما قبلتم حكم الأئمة الذى أراد لكم الذلة.

    واليوم بعد أن نفضتم عن رؤوسكم هذا الذل، وبعد أن رفعتم عن رؤوسكم هذا الفساد، أصبحتم تشعرون بالقوة وها هو الرئيس السلال يقول لكم اليوم: لا فرق بين كبير وصغير، لا فرق بين رئيس الجمهورية وأى فرد من أبناء هذا الوطن، جميعاً نبنى من أجل رفعة الوطن، وجميعاً نبنى من أجل رفعة الإسلام، وبهذا أراد الله لكم القوة، أراد الله أن يؤلف بين قلوبكم فألف بين قلوبكم، عليكم أن تحافظوا على ما أعطاكم الله، فحافظوا على هذا التآلف بين القلوب؛ لأن الاستعمار والرجعية والإمامة ستحاول دائماً بكل الوسائل أن تفسد بين نفوسكم وأن تفسد هذا التآلف بين قلوبكم، وكما قلت لكم كان سلاح الاستعمار فى الماضى الفرقة بينكم والقضاء على التآلف بينكم واستضعافكم.

    فعليكم - أيها العلماء الأحرار - أن تكونوا دائماً أحرار، وعليكم - أيها العلماء الثوار - أن تكونوا دائماً ثواراً، وتعملوا من أجل رسالة الله التى تحققت يوم ٢٦ سبتمبر حينما ألف بين قلوبكم فانتصرتم. بالتآلف بين القلوب يمكن لكم أن تنتصروا دائماً، بالتآلف بين القلوب الذى أعطاكم الله إياه يمكن أن تهزموا بريطانيا وتطردوها خارج الجزيرة العربية، وكنتم دائماً - وحينما ائتلفت قلوبكم - كنتم دائماً الأقوياء الأعزاء الذين لا يبخلون بالمال وبالروح، كانت ثوراتكم الأولى منذ ثورة سيف بن ذى يزن كانت هذه الثورة ثورة تمثل الأمة القوية، الأمة التى ائتلفت قلوبها، ثم كانت ثورتكم الثانية ثورة الاسلام تمثل الأمة التى ائتلفت قلوبها والأمة التى رفعت راية الاسلام وراية الحرية.

    واليوم ثورتكم الثالثة التى أرادها لكم الله حينما ألف بين قلوبكم، فستستطيعون بهذه الثورة وبهذا النصر وبمؤازرة الله تعالى أن تقضوا على الاستعمار البريطانى وتحرروا عدن، وتحرروا جنوب الجزيرة المحتل.

    هذه هى رسالتكم وهذه هى رسالة الدين، وكما قال أخ لكم من قبل: إن محمد عليه الصلاة والسلام لم يكن يتخصص فى الدين فقط، ولكنه كان يحقق الدين بالجهاد، فعليكم أن تحققوا الدين بالجهاد، أن تحققوا الإسلام بالجهاد. والله ناصركم.

    والسلام عليكم ورحمة الله


    وفي يوم 26 إبريل 1964
    ترجل الخطاب التاريخي إمام الجماهير الغفيرة في مدينة (تعز)
    فقال



    [align=right]الأيها الإخوة الأعزاء.. أيها الإخوة الأحرار.. أيها الإخوة الثوار:

    رأيت الشعب اليمنى فيكم اليوم فى تعز كما رأيته بالأمس فى صنعاء تتمثل فيه القوة والعزة والثورة والحرية، هذا الشعب اليمنى الذى صمم على الحرية فثار ونصره الله وحقق له العزة والكرامة والحرية.

    أيها الإخوة الأعزاء:

    كان اليمنى دائماً رافعاً لواء الإسلام ورافع لواء الحرية فى مشارق الأرض ومغاربها حتى تكتل عليه الأئمة وأذاقوه ثوب الذل والعذاب، وحبسوه بين حدوده، ومنعوه من أن ينشر رسالة الحرية والإسلام فى العالم، فهل استكان الشعب اليمنى؟ أبداً.. لم يستكن الشعب اليمنى، بل ثار دائماً على الذل وعلى العبودية وعلى حكم الاستبداد وعلى حكم الإرهاب، ثار دائماً ولم ترهبه تقطيع الرؤوس ولم يرهبه الموت، ولم ترهبه السجون، ثار لأنه الشعب الأبى الحر، والشعب الأبى الحر لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يقبل الذل والعبودية حتى قامت طليعة الشعب اليمنى بقيادة الرئيس الحر السلال فى يوم ٢٦ سبتمبر سنة ٦٢، قامت لتدك معالم الذل ولتدك الرجعية والاستبداد، وأراد الله لها أن تنتصر فانتصرت، وكان انتصارها انتصار لكم جميعاً أنتم شعب اليمن الحر الذى صمم دائماً على الحرية، وكافح وقاتل دائماً من أجل الحرية.

    وإنى اليوم إذ رأيت فيكم القوة كما رأيتها بالأمس فى إخوتكم فى صنعاء، أشعر أن شعب اليمن لم يضعف أبداً ولم يستكن أبداً طوال مئات السنين من الذل والعبودية لأنه فى كفاحه كان يزداد قوة وكان يشتد إيمانه، ورأيت فيكم اليوم من المطار حتى هذا المكان القوة العربية الأصيلة والقوة الإسلامية الأصيلة، كما رأيت هذا بالأمس فى إخوانكم فى صنعاء؛ رأيت فيهم روح الحرية وروح الثورة.

    أيها الإخوة:

    أنتم شعب يمنى واحد أراد الاستعمار أن يفرق بينكم، وأراد الاستعمار أن يقسمكم شيعاً وأحزاباً، ولكن إرادة الله وإرادتكم كانت فوق إرادة الاستعمار فلم يفلح الاستعمار ولم تفلح الرجعية فى أن تقسمكم وأن تفرق بينكم؛ لأن ما أراه هنا اليوم هو ما رأيته بالأمس فى صنعاء، الشعب القوى.. الشعب المتحد.. الشعب الحر.. الشعب الثائر.

    أيها الإخوة المواطنون.. أيها الإخوة الأعزاء:

    حينما قامت ثورتكم فى ٢٦ سبتمبر هزت عروش الرجعية وهزت معاقل الاستعمار وتصدت لكم الرجعية وتصدى لكم الاستعمار؛ حتى يهزموكم وحتى يقضوا على ثورتكم، ولكن قوتكم وإيمانكم بالله وبوطنكم وإيمانكم بحريتكم وحياتكم العزيزة الكريمة؛ استطاع هذا كله أن يقضى على مؤامرات الرجعية، وأن يقضى على مؤامرات الاستعمار فتصدت الرجعية واحتضنت البدر، وتصدى لكم الاستعمار واحتضن الأئمة الذين حكمتم عليهم بالنفى، وحكمتم عليهم بالموت، وحكمتم عليهم بأن يخرجوا من دياركم لأنهم أفسدوا بين أرضكم، تصدى لكم الاستعمار وهو يعتقد أنه بث بينكم الفرقة فسينتصر، وهو يعتقد أنه بث بينكم الحزبية فسينتصر، وهو يعتقد أنه بث بينكم الضعف فسينتصر، ولكن قوتكم - أيها الإخوة الأحرار - استطاعت أن تتغلب على معاقل الرجعية وعلى معاقل الاستعمار.

    لقد تصدت لكم بريطانيا.. بريطانيا العظمى - كما يقولون - لماذا تصدت لكم؟ لأنها خافت منكم أنتم ومن ثورتكم؛ لأن ثورتكم ونجاح ثورتكم إنما يقضى على الاستعمار وألاعيب الاستعمار. كانت بريطانيا تتصدى لثورتكم ونحن نعلم - ونعلنها اليوم على الملأ جميعاً - أن بريطانيا منذ عدة أشهر ترسل الأسلحة لكى تضرب ثورتكم، ولكن الأسلحة لم تستخدم ضدكم بل ارتدت إلى صدور الاستعمار وإلى أعوان الاستعمار فى عدن.

    إنكم - أيها الإخوة - الشعب الحر، الشعب الموحد، الشعب القوى، الشعب الثائر الذى لا يرفع فيه فرد السلاح على أخيه ولكن الإستعمار أراد منكم أن تحملوا السلاح ضد بعضكم البعض؛ حتى يؤمن لنفسه البقاء فى عدن والبقاء فى الجنوب المحتل. لقد اغتصبت بريطانيا عدن منكم، واغتصبت بريطانيا الجنوب المحتل من اليمن بالقوة وبالخديعة وبالتآمر وبالمساومات مع الأئمة السابقين، ولكن بريطانيا تعلم علم اليقين أن الأمة اليمنية إذا تحررت وأن الشعب اليمنى الثائر إذا نفض عن نفسه لباس الذل والهوان بطرده للأئمة وللخونة؛ إن الشعب اليمنى القوى لن يمكن لبريطانيا - التى يقولون عليها العظمى - بأن تبقى فى عدن أو أن تبقى فى الأجزاء المغتصبة من الجنوب.

    إن الشعب اليمنى الذى ثار فى ٢٦ سبتمبر والذى ثار قبل ٢٦ سبتمبر والذى ضحى بالأرواح وضحى بالدماء، الشعب اليمنى الذى كتب الله النصر له يوم ٢٦ سبتمبر، يعلم علم اليقين أن هذا النصر معناه دين عليه لإخوة له وقعوا تحت ربقة الاستعمار ووقعوا تحت ذل الاستعمار فى عدن وفى الجنوب المحتل.

    إن الشعب اليمنى الذى ذاق طعم الحرية والذى ذاق طعم الثورة لن يتخلى عن إخوة له فى عدن يذوقون طعم الذل وطعم الاستعباد من الاستعمار البريطانى، وفى الجنوب المحتل يذوقون طعم الإرهاب ويذوقون السجون من الاستعمار البريطانى. إن الأمة العربية كلها تؤيد عدن وتؤيد الجنوب المحتل من أجل الحرية ومن أجل الاستقلال.

    وإننى حينما سمعت بيان وزارة الخارجية البريطانية أول أمس وهى تحتج إلى الأمم المتحدة على الكلمة التى قلتها لإخوتكم فى صنعاء، وهى تحتج على هذه الكلمة وتبلغ السكرتير العام للأمم المتحدة أن ما قاله عبد الناصر فى اليمن بخصوص استقلال عدن وبخصوص استقلال الجنوب المحتل إنما يسبب نقضاً لقرار مجلس الأمن.

    إن بريطانيا تغالط وإنها لا تشعر بالحياء، إنها تغالط - أيها الإخوة الأعزاء - لماذا تغالط بريطانيا؟ إن ما قاله عبد الناصر فى اليمن هو ما قالته الأمم المتحدة، وإن ما قاله عبد الناصر فى اليمن هو ما قالته لجنة تصفية الاستعمار فى الأمم المتحدة، إن ما قاله عبد الناصر هو ما قررته الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار فى الأمم المتحدة، لقد قررت الأمم المتحدة أن تستقل عدن والجنوب المحتل وأن يعلن فيها تقرير المصير.

    لقد أعلنت الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار أن تستقل عدن والجنوب المحتل، وأن يطبق فيها مبدأ تقرير المصير، وأن تصفى قاعدة الاستعمار البريطانى فى عدن، وأن ترسل لجنة من الأمم المتحدة إلى عدن والى الجنوب المحتل لكى تستقصى الحقائق، فماذا كان تصرف بريطانيا؟ رفضت بريطانيا توصيات الأمم المتحدة، ورفضت بريطانيا استقبال اللجنة التى قررتها الأمم المتحدة، وبالأمس تتناسى بريطانيا كل ذلك، وتفقد كل شىء حتى الحياء، وتحاول أن تخدع العالم أجمع بأن تقول أن ما قاله عبد الناصر فى اليمن يتنافى مع ما قالته الأمم المتحدة.

    إننا نقول لهم: إن تصرفكم الاستعمارى فى الجنوب المحتل وفى عدن، وفى البقاء على قاعدة بريطانية فى عدن يتنافى مع ما قررته الأمم المتحدة، إن تصميمكم على حجب الاستقلال عن عدن والجنوب المحتل يتنافى عن ما قررته الأمم المتحدة ولجنة تصفية الاستعمار، فشىء من الحياء يا بريطانيا العظمى.. شىء من الحياء حتى لا نشعر نحوكم بشىء من الاستعمار.

    إن إذاعة لندن منذ عدة أيام - من ٤٨ ساعة - نادت بضرورة انسحاب القوات المصرية من اليمن، لماذا؟ حتى تستطيع بريطانيا أن تتسلل بأفرادها. إننا نقول لهم إننا هنا شعب واحد لا فرق بين يمنى ومصرى، إننا أمة عربية واحدة.. إننا نقول لهم إننا أمة عربية واحدة أراد لنا الاستعمار التفرقة وخلق الاستعمار الحدود بيننا، أراد لنا الاستعمار أن يضرب بنا الآخر، وأراد لنا الاستعمار أن يفرق الصفوف وأن يفرق بين الأهداف، ولكنا اليوم نشعر بقوتنا، نشعر بأننا نستطيع أن نهزم الدول الكبرى.

    وفى سنة ٥٦ كان هناك إخوة لكم فى بورسعيد وفى مصر استطاعوا أن يهزموا الدول الكبرى، وأن يردوها على أعقابها مندحرة.. هذا - أيها الإخوة - ما نعرفه عن أنفسنا الآن، هذا - أيها الإخوة - ما نعرفه عن بلادنا الآن، نحن العرب أمة واحدة كل بلد منا يشد أزر الآخر. وحينما قامت الثورة فى ٢٦ سبتمبر أيدناكم منذ أول دقيقة، ولكن حينما تصدت الرجعية وتصدى الاستعمار لكم؛ صممنا على أن نقف بجانبكم وصممنا على أن نشد أزركم ضد الرجعية وضد الاستعمار؛ لأننا كلنا نشعر أن حريتكم حرية لنا، وأن ثورتكم ثورة لنا، وأن قوتكم قوة لنا. كنا نشعر هذا وأن ثورتكم ثورة العرب جميعاً وقوتكم قوة العرب جميعاً، كنا نشعر أن حريتكم إنما هى حرية للعرب جميعاً، كنا نشعر أن اليمن الذى كافح دائماً ولم يقف عن الكفاح، والذى ثار دائماً ولم يقف عن الثورة؛ أراد الله له أن ينتصر وأراد الله له أن يؤيده حينما يتصدى له الاستعمار وحينما تتصدى له الرجعية.

    إننا - أيها الإخوة - معكم هنا بإذن الله ومعكم هنا بعون الله لتنتصر ثورتكم ولتقوموا بدوركم الأبدى بين الأمة العربية لترفعوا رسالة الإسلام، ولترفعوا رسالة الحرية التى رفعتموها دائماً على مر السنين. منذ آلاف السنين، منذ الدعوة الإسلامية كان اليمن هو رافع راية الإسلام وهو رافع راية الحرية، واليوم بعد عام ونصف من الثورة أشعر أنكم انتصرتم وستعودون كما كنتم سيرتكم الأولى، ترفعون راية الإسلام وترفعون راية الحرية فى كل مكان، وترفعون راية الوحدة الوطنية، ولن تمكنوا أبداً الاستعمار ولن تمكنوا أبداً الرجعية من أن تفرق بينكم تحت أى اسم من الأسماء؛ تحت أسماء الحرية أو أسماء الطائفية، كلنا عرب لن يستطيع أى فرد أن يفرق بيننا، كلنا عرب نعرف واجبنا، كلنا عرب نعرف هدفنا، إن هدفنا هو الحرية.. إن هدفنا هو الحرية وإن هدفنا هو الاستقلال، وأراد الله لنا أن نحقق الحرية وأراد الله لنا أن نحقق الاستقلال فانتصرنا.

    واليوم بعد عام ونصف من الثورة نشكر الله من كل قلوبنا أنه نصرنا على الرجعية، ونصرنا على الاستعمار، ونعاهد الله أن نسير فى طريق الحرية، وأن نسير فى طريق الثورة، وأن نسير فى طريق الوحدة العربية؛ من أجل عزة العرب جميعاً، ومن أجل رفعة العرب جميعاً.
    هذا - أيها الإخوة - هو واجبنا جميعاً نحو الأمة العربية، هذا - أيها الإخوة - هو ما دعانا إلى أن ندعو إلى مؤتمر القمة العربية لندعو الأمة العربية كلها.. رؤساء وملوك الأمة العربية كلها ليجتمعوا فى القاهرة حتى نوحد الجهود ضد إسرائيل، وحتى نوحد الجهود ضد الاستعمار، فإن الاستعمار هو الذى خلق إسرائيل، فلولا بريطانيا ما كانت إسرائيل؛ فبعد الحرب العالمية الأولى أعطت بريطانيا الانتداب على فلسطين ومكنت بريطانيا اليهود من الهجرة إلى فلسطين، فحينما دخلت بريطانيا إلى فلسطين كان اليهود فيها لا يزيدون عن ٥%، وفى سنة ٤٨ وصل اليهود فى فلسطين إلى أكثر من ٥٠%، بفعل بريطانيا التى أعطتهم وعد "بلفور" فى سنة ١٧ بأن تجعل من فلسطين وطناً قومياً لليهود.

    بريطانيا تآمرت عليكم كما تآمرت على المسلمين فى جميع أنحاء العالم، تآمرت على العرب وأرادت أن تذل العرب لأنها كانت تعتقد أن ذلة العرب إنما تذل الإسلام فى جميع أنحاء العالم، وأعطت بريطانيا فلسطين لليهود، وخرجت فى ١٥ مايو سنة ٤٨ وتركت الفلسطينيين الذين وكلت بالانتداب عليهم بواسطة عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى.. تركتهم لقمة سائغة للصهيونية العالمية يأخذون فيها تقتيلاً وتشريداً حتى خرج من فلسطين أكثر من مليون عربى.

    إن بريطانيا هى المسئولة الأولى عن هذا، إن بريطانيا هى التى أرادت أن تضعف العالم العربى، ولكنا اليوم بعد أن هزمنا بريطانيا نعرف ما هى قوتنا ونعرف أن العالم العربى فى كل مكان وفى كل بقعة منه يستطيع أن يتآزر ويتحد وأن يتصدى للاستعمار؛ لهذا كان مؤتمر القمة الذى نص على أن نتصدى لإسرائيل، ونص على أن نقيم قيادة موحدة للجيوش العربية، ونص على أن تزيل الخلافات بين الأمة العربية، ونص على أن تمنع الإذاعات وتمنع المهاجمات بين الدول العربية، وكنا قد التزمنا بهذا، وكنا قد التزمنا بكل ما جاء فى مؤتمر رؤساء وملوك الأمة العربية.

    قام الرئيس أحمد بيلا والرئيس عبد السلام عارف بخطوات موفقة. إن انتصار عبد السلام عارف فى العراق كان نصراً لكم.. كان نصراً للقومية العربية.. كان نصراً للثورة العربية.. كان نصراً للحرية العربية.

    وحينما قام عبد السلام عارف بثورة الأحرار الأخيرة يوم ١٨ نوفمبر فى العراق شعرنا أن قوة العرب قد ازدادت بعبد السلام عارف وثورة عبد السلام عارف، وحينما نصر الله عبد السلام عارف وإخوة عبد السلام عارف شعرنا أن الله ينصرنا فى مصر وأن الله ينصرنا فى اليمن؛ لأن البعثيين كانوا قد تصدوا لنا واتبعوا مخطط الاستعمار ضد القومية العربية وضد الأمة العربية وضد الثورة العربية، وحينما انتصر عبد السلام عارف وهزم البعث فى العراق، كان هذا - أيها الإخوة - نصر من الله لكم فى كل مكان.

    وأنا أحب أن أقول لكم إن انتصار عبد السلام عارف البطل الحر الثائر.. البطل المسلم العربى.. الرجل الذى رفع راية القومية العربية فى سنة ٤٨، يوم انتصر عبد السلام عارف فى نوفمبر حمدت الله من كل قلبى؛ لأنى كنت أعلم أن نصر عبد السلام عارف هو نصر للأحرار فى كل مكان، نصر للثورة فى كل مكان، نصر لكم هنا فى تعز.. نصر لكم هنا فى صنعاء.. نصر لكم هنا فى اليمن الثائر الحر.. نصر لنا فى مصر.

    وسار عبد السلام عارف فى طريق القومية العربية وفى طريق الحرية وفى طريق الاستقلال، وكان الله قد نصرنا قبل ذلك بنصرة أحمد بن بيلا فى الجزائر فحينما استقل الجزائر وانتصر بن بيلا فى الجزائر حمدنا الله من كل قلوبنا؛ لأننا كنا نشعر أن نصر الجزائر هو نصر لنا، وأن ثورة بن بيلا فى الجزائر هى ثورة لكم هنا فى اليمن وهى ثورة لنا هناك فى مصر، وهى ثورة للثوار العرب جميعاً وللأحرار العرب جميعاً.

    ولهذا التقينا فى مؤتمر القمة، وبعد مؤتمر القمة أرسل عبد السلام عارف، وأرسل أحمد بن بيلا مندوبان لهما إلى القاهرة ثم إلى مكة والى الرياض لكى يحلا سوء التفاهم بين مصر والسعودية، ولكى نقضى على المؤامرات التى أراد الاستعمار أن يبثها بين النفوس. واستطاع هذا المسعى الحميد من أحمد بن بيلا وعبد السلام عارف أن يجد صداً فى قلوبنا وأن يجد صداً فى قلوب الأمير فيصل فى السعودية، وبعد هذا ذهب المشير عبد الحكيم عامر والسيد أنور السادات إلى السعودية، وكان هدفهم من هذا أن يطمئنوا السعودية إننا لا ننوى شراً بأبناء السعودية فإنهم إخوة لنا.. إنهم عرب.. إنهم مسلمون، ونحن لهم دائماً.. نحن لهم القوة التى تسندهم فى جميع الظروف وفى جميع الأحوال، وأنتم أيضاً.. أنتم اليمن القوة التى تقف على حدودهم وتسندهم فى جميع الظروف وفى جميع الأحيان. ونحن أيضاً - أيها الإخوة - لا نضمر لأى عربى أى شر بل نريد للعرب جميعاً الخير والعزة والكرامة، ولكنا نتصدى لأعوان الاستعمار؛ لأن أعوان الاستعمار إنما هم خوارج على الأمة العربية، إننا نريد أن يقوم بيننا وبين السعودية عهد جديد من المحبة ومن التآخى ومن الوفاق حتى لا نعطى الاستعمار البريطانى فرصة لكى يبث الفرقة والخلاف بين الأمة العربية.

    إننى - أيها الإخوة - بالأمس قد استغربت أشد الاستغراب حينما استمعت لخطاب للحكام البعثيين فى دمشق، يقولون فيه: إن مصر مسئولة عن الثورة التى تجتاح سوريا الآن؛ كأنما شعب سوريا ليس بالشعب البطل، إن الشعب السورى كان دائماً الشعب البطل الذى لا يخاف الرصاص ولا يخاف الموت ولا يهاب العذاب، إن الشعب السورى لم يكن أبداً فى حاجة إلى من يدفعه إلى الثورة، إن الشعب السورى كان دائماً هو الشعب الحر، هو الشعب الثائر، لا ينتظر مالاً لكى يقوم بالثورة ولا ينتظر تحريضاً لكى يقوم بالثورة، إن الشعب السورى لم يقبل أبداً الذل ولم يقبل الهوان، إن الشعب السورى الذى راح منه مئات الضحايا فى الأسابيع الماضية هو الذى ثار؛ لأنه لا يقبل الذل البعثى ولا يقبل هوان البعثيين، إن الشعب السورى الأبى الذى هزم فرنسا، وتصدى لها بالصدور العزلاء لا يخاف أبداً ولا ينتظر من يموله بالمال ولا ينتظر من يموله بالسلاح.
    وأنا أعلم عن الأيام الماضية أن الشعب السورى الأعزل خرج وتلقى رصاص الدبابات فى الصدور، وتلقى رصاص الدبابات فى أرواحه، وتلقى قنابل الدبابات فى منازله، لم يكن هناك من يعينه ولم يكن هناك من يشد أزره إلا الله وإلا قوة إيمانه بحقه فى الحرية والحياة، وحقه فى أن يقوم بدوره الحر، ولكن حكام سوريا من البعثيين أرادوا أن يهينوا الشعب السورى إهانة أخرى فقالوا بالأمس إن مصر أعطت لهم الأموال وهم بهذا يكذبون؛ يكذبون على الله ويكذبون على أنفسهم ويكذبون على الشعب السورى، إن الشعب السورى ليس بالشعب الذى يقبض الأموال؛ لأنه شعب من الأحرار، إن الثورة فى أى مكان لا يمكن أن تقوم بالمال، إن الثورة فى أى مكان لا يمكن أن تقوم إلا بالإيمان؛ الإيمان بالله والإيمان بالوطن والإيمان بالحرية.

    إن سوريا حينما ثارت فى حماة وحينما تصدت للدبابات، وحينما قامت فى حمص وحينما تصدت للدبابات، وحينما ثارت فى حلب وحينما تصدت للدبابات، وحينما ثارت فى دمشق وفى درعا وفى دير الزور وتصدت للدبابات وللطائرات لم تكن تفعل هذا لقاء أجر معلوم كما يقول الحكام البعثيين؛ لكنهم فعلوا هذا لأنهم يؤمنون بالله ويؤمنون بأنفسهم ويؤمنون بحقهم فى الحرية والحياة.

    إننى اليوم لأول مرة أتكلم لأن الحكام البعثيين فى سوريا نقضوا بالأمس ما قرره مؤتمر القمة لرؤساء وملوك العرب واتهمونا علانية وسبوا عبد السلام عارف. وإننا كنا نسمع الحوادث فى سوريا وقلوبنا تقطر دماً، ولكننا كنا نسكت على مضض لأننا كنا نلتزم بما قرر مؤتمر القمة. أما بعد أن نقض هؤلاء الحكام البعثيين - فى هذه الأيام أو بالأمس - هذا القرار الذى قرره مؤتمر القمة فإننا نتساءل: لماذا نقضوه؟ هل لأنهم يتعاونون مع بريطانيا؟ إننا فى معركة مع بريطانيا، فهل هم عملاء لبريطانيا حتى يقومون فى هذا الوقت ليساندوا بريطانيا وليبثوا بين ربوع الأمة العربية الفتنة والفرقة، وليقضوا على مقررات مؤتمر القمة العربى؟

    إننى بالأمس حينما تلقيت هذا البيان، وهذا الاتهام وهذا السب فى مصر وفى عبد السلام عارف وفى العراق شعرت لأول وهلة أن هناك علاقة بما يدبر فى عدن وبين ما يدبر فى دمشق‍، وأن هناك علاقة بين ما يدبره البريطانيون الاستعماريون مع حكام الجنوب المحتل العملاء، علاقة بما أذاعته بالأمس بيانات حكام دمشق من البعثيين، هل هناك عمالة فى الأمر؟ هل هناك عمالة فى الموضوع؟ أو هل يريد حكام سوريا من البعثيين أن يضللوا ويغروا بالشعب السورى؟ إن الشعب السورى لا يمكن أن يضلل، إن الشعب العربى لا يمكن أن يضلل، هل استطاعت الإمامة أن تضللكم؟ أبداً، لقد صممتم وثرتم، هل ثرتم إلا لأنكم تؤمنون بالله وتؤمنون بحقكم فى الحرية والحياة؟

    هذا هو نهج ثوار سوريا.. وإنا نرجوا لسوريا.. سوريا الشقيقة.. سوريا العزيزة.. سوريا الحبيبة أن يجنبها الله هذا الإرهاب وهذا الذل وهذا الهوان. إننا نساند الشعب السورى الحر البطل بكل قوانا وبكل أرواحنا، إنا نسانده معنوياً ولكنا لا ندفع له الأموال؛ لأننا نعلم أن من يأخذون الأموال لا يمكن بأى حال من الأحوال أن يكونوا ثواراً.

    أيها الإخوة الأحرار:

    لقد ناديتم بالوحدة العربية وأحب أن أقول لكم: إن الوحدة قائمة فعلاً.. إن الوحدة قائمة بيننا وبينكم.. هذه الوحدة قائمة بيننا وبينكم.

    أيها الإخوة.. أيها الإخوة الأعزاء:

    هذه الوحدة قائمة فعلاً بيننا وبينكم من أول يوم لأيام ثورتكم، ولكنها ليست وحدة مواثيق وليست وحدة دساتير، بل هى وحدة الدم، لقد سفك الدم المصرى مع الدم اليمنى هنا على الجبال وفى الوديان وعلى الحدود، هذه هى وحدتنا وحدة القلوب.. وحدة الدم.. وحدة العقيدة.. وحدة الهدف. وأنا قد قلت قبل الآن إننا لن نستطيع أن نصل إلى وحدة مكتوبة قبل أن تنتهى العمليات العسكرية، وقبل أن تعود القوات المصرية، ولكنى أقول لكم إن الوحدة قائمة فعلاً، لقد قلت هذا بالأمس للرئيس السلال.

    أيها الإخوة.. أيها الأحرار.. أيها المواطنون الأعزاء.. أيها الإخوة الثوار.. أيها الإخوة الأحرار:

    لقد رأيت اليوم قوتكم كما رأيت بالأمس قوة إخوانكم فى صنعاء، رأيت قوة الشعب اليمنى وأنا أشد اطمئناناً عليكم وعلى ثورتكم فسيروا على بركة الله، والله ناصركم، والله موفقكم.

    والسلام عليكم ورحمة الله.



    هذا هوا زعيم الأمة الراحل جمال عبدالناصر حسين يا ابناء اليمن
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-08-09
  5. عرب برس

    عرب برس مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-02-03
    المشاركات:
    42,356
    الإعجاب :
    1,902
    رحمة الله عليه
    لقد رأيت هذا الخطاب يتكرر هذا اليوم إحياء للقومية العربية على لسان (حسن نصر الله في لبنان في كلمته هذا اليوم) ،
    تحياتي لكم
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-08-09
  7. عرب برس

    عرب برس مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-02-03
    المشاركات:
    42,356
    الإعجاب :
    1,902
    رحمة الله عليه
    لقد رأيت هذا الخطاب يتكرر هذا اليوم إحياء للقومية العربية على لسان (حسن نصر الله في لبنان في كلمته هذا اليوم) ،
    تحياتي لكم
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-08-09
  9. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,314
    الإعجاب :
    1,592

    أهلآ بالغالي (الصحاف)
    سعيد بمرورك
    فالف اهلآ وسهلآ
    ويسرني أن أقدم لك ولجميع الأخوة الأعضاء والمشرفين والإداريين
    هذا المقال .. في ذكرى وفاته رحمه الله


    اليوم الثامن والعشرون من سبتمبر عام 1970، وفي ذهول من المفاجأة الحزينة التي عصرت قلب كل عربي من المحيط إلى الخليج، كان الزعيم الخالد يعتبر الشعب هو القائد، وهو صانع الحضارة، كان عبدالناصر صاحب مواقف وطنية في طفولته ودراسته وتوليه وظائف متعددة في الجيش المصري، إلى قيام الثورة (ثورة 23 يوليو 1952) ومن المواقف التي تشهد له إبان الثورة وبالتحديد عام 1955 أسبوع التسليح، عندما فتح باب التبرعات أمام الشعب لتسليح الجيش ونجح أسبوع التسليح، واستطاعت مصر ومن خلفها الأمة العربية تجميع أربعة ملايين ونصف مليون من الجنيهات. إن ثورة 23 يوليو كانت ثورة بيضاء ناصعة، وفي الحقيقة كانت بمثابة تصحيح لثورة 1919، هذا الزعيم الذي فقدناه استطاع ان يطرد الاستعمار من نفس الباب الذي دخله ومعروف لدى الجميع أن العدو الاستعماري حاول عام 1956 وشن العدوان الثلاثي على مصر، والتسلل من النوافذ، لقد ترك الزعيم الخالد الأمة العربية وهي في أشد الحاجة إليه، كما هو اليوم، تهديد واحتلال للبلاد العربية ثم يعقبه سكوت ونوم عميق، ان هذا الرجل الإنسان بمعنى الكلمة ضحى بآخر قطره من حياته في سبيل الأمة العربية ولا أدل على ذلك من وقف نزيف الدم في أيلول الأسود بين الإخوة من الأردن وفلسطين، ان الزعيم الخالد حينما ودعته الأمة العربية، ترك مصر، ليس له فيها أرض ولا مال ولا عقار، ولكنه ترك مصر والأمة العربية، وهو يملك ما هو أكبر وأبقى من ذلك كله في قلوب الملايين من حب، لقد كان إلى آخر ما يمكن ان يقول فيه كل فرد عربي، كان بمثابة الأب الحنون والأخ الأكبر والمعلم الهادي والقائد الرائد والزعيم المسلم، لقد كان الزعيم الخالد يقدس العمل، ويقرب العاملين، ويقيس الرجال بالأعمال وكان يقول: «العمل حق، العمل واجب، العمل شرف، العمل حياة«. وللتاريخ كلمات للذين عاصروه وعملوا معه وسهروا الليالي لينفذوا تعاليمه، ننقلها للقارىء حتى يكون ملما تماما بهذا الزعيم الخالد، كيف كان نضاله وثورته وحكمه، وفي هذا أوفى كتاب وخير كلمات وأفضل ما قيل في ذكرى رحيله الذي مضى عليه 34 عاما. الأستاذ صدقي سليمان ــ وزير الكهرباء والسد العالي: إن قصة جمال مع السد العالي، هي قصة التصميم الذي لا يعرف الضعف، والعزيمة التي لا تعرف الاستسلام، هي كفاح جمال، هي إيمانه بالله والوطن والشعب، ولقد بدأت القصة كما نعرف جميعا بقرار من مجلس قيادة الثورة في 8 أكتوبر 1952، وكان القرار ايذانا ببدء الدراسات الخاصة بمشروع السد العالي، ثم عرض المشروع على البنك الدولي فأقره، ثم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من التمويل وتأميم القناة وحرب 1956 . لقد كنا نعرف ان تنفيذ هذا المشروع ومحطته الكهربائية وخطوط الضغط الفائق ومحطات المحولات ستتكلف 300 مليون جنيه، كما أن المشروعات الأخرى المترتبة عليه كتحويل الحياض واستصلاح الأراضي وتهجير أهالي النوبة، كل هذه المشروعات ستتكلف ما يزيد على 300 مليون جنيه أخرى. وأوضح أن الهدف عسير يفوق إمكانيات الدولة ماليا واقتصاديا، ولقد تم استعراض الموقف في اجتماع عقد برئاسة الرئيس عبدالناصر، وابرز الفنيون ضخامة الاعتمادات المطلوبة وأوضحوا أنه يجب ألا نبدأ إلا إذا كنا على ثقة من أننا يمكننا المضي في المشروع دون توقف، وقال عبدالناصر يومها: المهم ان نبدأ.. وفورا.. والله معنا، ورصدت الاعتمادات اللازمة للأعمال التحضيرية فورا حتى قبل الاتفاق على مصادر التمويل الخارجية.

    وفي فبراير الماضي اصطحب الرئيس معه الرئيس تيتو لزيارة السد العالي، وعندما شاهد البناء وقد اكتمل، والمحطة وقد قاربت الاكتمال قال لي بفرحة: الحمد لله.. لقد تم المشروع.. أخيراً.. لقد انقضى بين هذين الحدثين 15 عاما.. ولنا ان نستنتج الآن لماذا كان الرئيس يتعجل البداية.. ربما شعر بأنه على موعد مع القدر.. وكان يأمل.. ان يدرك النهاية، ولقد ادركها بحمد الله... سلام عليك يا جمال.. سيذكر التاريخ في قمة امجاد عبدالناصر بناء السد العالي من أجل الملايين من الحفاة العراة من الفلاحين الذين كان يتدفق الحنان من قلبه عندما يراهم يجاهدون في سبيل لقمة العيش. الدكتور حكمت أبوزيد: لم يحدث في تاريخ البشرية أن أحب شعب ولي أمره بمثل هذا العمق كما أحب شعب مصر جمال عبدالناصر، ولم يحدث ان نبض قلب قائد بحب شعبه كما نبض قلب عبدالناصر بحب شعب مصر، لقد استطاع جمال ان يحرك كل فرد في هذا الشعب، وان يثير طاقاته الإنسانية الخلاقة ويحيي في نفسه الآمال الدفينة ويلوح له براية المجد، ويمهد أمامه الطريق حتى يندفع بكل قوته لتحقيق رسالته المقدسة.. رسالة الحرية والاشتراكية والعدل والبناء والسلام، هذه العملية الخلاقة من أخذ وعطاء بين القائد والشعب هي التي كان لها فضل إنجاز المسيرة الكبرى لثورة 23 يوليو، وسيظل التاريخ يوما حائرا في تفسير هذه الظاهرة الإنسانية الكبرى وهي: كيف أمكن ان يبنى مثل هذا السد المنيع، وفي هذا الموقع بالذات بعد تحويل مجرى النيل وبالسواعد السمراء التي كان لها فضل بناء حضارة مصر القديمة؟ كيف أمكن لجيل الثورة أن يقتحم حدود المستحيل وان يتفوق على آمال آبائه وأجداده، وان يتطلع إلى اللحاق بعصر الذرة والفضاء؟ كيف أمكن للمرأة التي ظلت في أسر الحجاب فترة طويلة من الدهر ان تشق طريقها؟ كيف أمكن للفلاح ان يرفع رأسه عاليا.. كيف أمكن للعامل ان يدير الالة وان يتحرر.. كيف أمكن للمقاتل ان يضرب الأمثال في الشجاعة والأقدام.. كيف أمكن للجامعات أن تصبح مراكز اشعاع ومصدر الهام للتقدم العلمي؟ كيف أمكن للفن ان يصبح غذاء ثقافيا لكل فرد؟ كيف أمكن للقيم الجديدة ان تنتصر؟ تلك هي بعض جوانب المعجزة الكونية التي تمت في هذا العصر، والتي حملت لواءها شخصية عبدالناصر.. كيف لا يتحدث التاريخ في مستقبل الأيام عن هذه المسيرة الكبرى التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين؟ الدكتور حسن مصطفى - وزير الإسكان: كان الراحل الخالد يحس باحساس المواطن العادي وفيما يختص بالخدمات كان آخر عمل للرئيس الراحل في آخر جلسة من جلسات مجلس الوزراء الموافقة على اعتماد المبالغ اللازمة لحل مشاكل المياه والمجاري في القاهرة الكبرى والاسكندرية، كان رحمه الله يشعر بمشاكل كل مواطن حتى المسائل البسيطة.. كان يعطي ملاحظاته بشأنها رغم انشغاله بالمعركة ومسئولياتها، وفي مجال الإسكان.. كانت توجيهات الرئيس الراحل تقضي بالحد من مشكلة عدم وفاء الوحدات السكنية باحتياجات الأعداد المتزايدة من جماهير الشعب، وخاصة ذوي الدخل المحدود منهم.. الحقيقة.. ان الحديث عن عبدالناصر لا ينتهي.. واحب أن أوضح أن وزارة الإسكان من الوزارات التي كان يرعاها الزعيم الراحل بوصفها إحدى جهات الخدمات، وترتبط ارتباطا وثيقا بمصالح الجماهير.. وأخيرا يجب أن نتذكر الإنجازات العديدة والعظيمة التي حققها.. وما تركه الرئيس الراحل يجل عن الوصف.. وستظل الأمة تسير على نفس الطريق، رافعة أعلامها خلف رفيق جهاده، وزميل عمره الرئيس أنور السادات. الدكتور عبدالقادر حاتم: لقد رسمت زعامته لأمتنا أسلوبا جديدا من السياسة جعلها نموذجا ومثلا أعلى، وعلى قدر ما كانت تعتمد على الاخلاص، وعلى وضوح الرؤية وبعد النظر والواقعية في تحديد أهدافها واتخاذ الوسائل لبلوغها، على قدر ما كانت إنسانية رحيمة رفيقة بالسائرين على الدرب الطويل، يحيط بها إيمان عميق بالله، وتحف من حولها روح شفافة لا تعرف الا طريقها إلى الخير، كانت تلك هي معالم الاشتراكية التي اتخذها طريقا لإقامة العدالة الاجتماعية، والقضاء على الاستغلال والاحتكار، وبناء مجتمع الرفاهية الحقيقية على أرضنا، بعد أن اخرجت ثورته الاستعمار من بلادنا.. وكانت هي معالم سياسته العربية التي استهدف بها تحقيق الحرية والاشتراكية والوحدة لأمتنا، واستعادة حقوق شعب فلسطين.. من جمال عبدالناصر تعلم العالم وتعلمنا الكثير.. ومن فكر جمال عبدالناصر، ومن سياسته، ومن أسلوبه في معالجة المشاكل والتصدي للأزمات، أصبح في العالم الآن مذهب سياسي متميز، يعتنقه الملايين وينتسب إلى عبدالناصر، انه مذهب الكرامة والتجمع العالمي من أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبناء مستقبلها، واستخلاص ثرواتها المغتصبة، وبناء سلام قائم على العدل.

    الأستاذ حسين الشافعي - نائب رئيس الجمهورية: إن جمال عبدالناصر باق معنا بإيمانه، برسالته ومبادئه، وان من الواجب علينا أن نكون أمناء لهذه الرسالة، وان على كل فرد من هذه الأمة الا يتحول إلى طاقة نضال فحسب.. بل عليه أن يكون حارسا أمينا بعد أن بلغنا مع جمال مبلغ الرجال.. ان كان للموت كرامات واقدار فكذلك الأيام لها كرامات واقدار، وان الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وزعيمنا جمال عبدالناصر، لا أقول كان فهو باق معنا بإيمانه وبرسالته ومبادئه وأخلاقه، من بين أولئك الذين اصطفاهم ربهم فعاش بيننا ومن أجلنا اثنتين وخمسين سنة يشير بعمره الذي عاشه إلى عام ثورتنا التي وهبها عمره، ثم يقضي هنا وبيننا ثماني عشرة سنة هي عمر الثورة نفسها، إشارة أخرى إلى عام مولده سنة 18، وليس أدل على اصطفاء الله له من يوم انتقاله إلى رحاب ربه، فقد أبت الاقدار إلا أن يكون ذلك في يوم 27 رجب.. ولهذا اليوم جلاله وقدره وكرامته، فتجسدت معانيه في موكب وداعه الزاخر بأحاسيس البشرية بفقدها هذا العظيم وفاء لإخلاصه وجهده وتفانيه، بل هو إشارة صريحة إلى القدس التي اجترأ عليها المعتدون فحرقوا مسجدها الأقصى الذي بارك الله حوله، ومضى هذا الحادث المروع بغير قصاص أو عقاب.. واننا لنذكر اليوم، وسوف نذكر دائما ما قاله الزعيم والقائد، وهو يوجه الحديث إلى قواتنا المسلحة: «سوف نحارب من أجل المسجد الأقصى.. لن نلقي السلاح حتى ينصر الله جنده ويعلي حقه ويعز بيته ويعود السلام الحقيقي إلى مدينة السلام«، ليكن هدفنا في هذه المرحلة الدقيقة هو الحفاظ على نظام جمال عبدالناصر، وضمان استمرار ثورة 23 يوليو 1952 حتى نبني سويا الدولة النموذج، ونحقق للأب والزعيم والقائد ما كان يرجوه لنا من مكانة تحت الشمس. الأستاذ خالد محيي الدين: بعد عبدالناصر.. هناك طريق عبدالناصر.. الكل يتحدث عنه: من كان يؤيد عبدالناصر، ومن كان يعارضه.. غير ان الحقيقة الكبرى هي ان عبدالناصر عاش عصره، لأنه فهم عصره، وفهم علاقات القوى وموازينها، فحدد مكانه في هذا العالم واختار طريقه، طريق التحرر الوطني الكامل، طريق السلام، وهو طريق تناضل من أجله كل شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والملونون في كل أمريكا الشمالية، وكل هذه الشعوب تريد الحرية، وتريد بناء حياتها الجديدة على أساس من التقدم والعلم، بعيدا عن الاستغلال وفي ظل السلام. ولهذا فإن طريق عبدالناصر قد اجتذب إليه ملايين الناس لوضوحه، ولأن حاجة الحياة والكفاح في عالمنا، وخاصة في القارات الثلاث، مازالت في حاجة إليه، ومن هنا فإن فكر وطريق عبدالناصر هما ملك لكل الثوريين والوطنيين في مصر والوطن العربي، بل في العالم كله.. انه فكر حي يتجدد دوما.. لأنه يهدف أول ما يهدف إلى تحرير الإنسان. الدكتور حافظ غانم - وزير التربية والتعليم: رسم عبدالناصر بفكره ونضاله وثورته طريقا واضح المعالم.. سار فيه الشعب المصري، والأمة العربية منذ سنة 1952، وسوف يستمر شعبنا وأمتنا في السير في هذا الطريق بخطوات ثابتة، وبثقة كاملة في المستقبل، وبعزم أكيد على تخطي الصعوبات، ان هذا الطريق هو طريق الاستقلال الوطني، والتحرر القومي، وهو طريق الحرية السياسية والاقتصادية للملايين التي قاست من السيطرة والقهر والاستغلال، انه طريق الديمقراطية السليمة التي تجعل الحكم بالشعب وللشعب الذي يكون له الحق في تقرير مصيره ومستقبله، وفي العمل الخلاق من أجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع في إطار تنظيمات سياسية وشعبية منتخبة، ان طريق عبدالناصر هو التقدم، هو الاشتراكية، هو الطريق الذي يصل بنا من مجتمع قديم متخلف إلى مجتمع عصري قوي، مجتمع جديد، تتم تنميته اقتصاديا وفقا لخطط وبرامج مدروسة، كما يتم تحريره من الاستغلال.. نعاهدك يا عبدالناصر ان نسير على طريقك، مهتدين بفكرك، وبأسطورة نضالك من أجل وطن حر، وأمة ناهضة، وغد سعيد، وعالم أفضل. الدكتور عزيز صدقي- وزير الصناعة: إن جمال عبدالناصر بالنسبة لنا الآن هو كل ما عمله لنا، هو الكفاية والعدل، هو الاشتراكية، هو الإصلاح الزراعي، هو التأميم لصالح الشعب، هو مئات المصانع التي حققت الخير للملايين من العمال، هو المكاسب الاشتراكية التي ينعم بها كل عامل وفلاح، وكل فرد من أبناء هذا الشعب العامل، ان جمال عبدالناصر هو كل هذا، وقد ترك كل هذا أمانة بين أيدينا لنحافظ عليها، بل ان نزيد منها، على نفس المبادىء التي طبقها، لأنها إرادة الشعب، واليوم لا يمكن لهذه المسيرة العظيمة التي قادها البطل الراحل أن تقف، بل إن علينا واجبا يجب أن نؤديه وفاء منا للراحل العظيم. وإيمانا بكل القيم التي ضحى بحياته من أجلها، يجب أن نستمر في نفس الطريق الذي سرنا فيه وراء جمال، وأن نتمسك بالمبادىء والمكاسب التي حققها لنا. إن العمل لا بد أن يستمر والإنتاج لابد أن ينطلق والحياة يجب أن تسير في ظل من التطبيق الاشتراكي السليم. لقد عاهدنا الرئيس الحبيب الراحل في حياته على أشياء كثيرة. نفذنا منها الكثير وهو معنا والآن علينا أن نحافظ على الأمانة، فذلك هو عهد الأوفياء. ونحن لجمال عبدالناصر ومبادىء جمال عبدالناصر وآمال جمال عبدالناصر.. أوفياء. الدكتور ثروت عكاشة - وزير الثقافة: قال الفقيد العظيم في كتابه فلسفة الثورة... إذاً فنحن أقوياء وليس في علو صوتنا حين نولول ولا حين نصرخ، ولا حين نستغيث، إنما أقوياء حين نهجأ، وحين نحسب بالأرقام مدى قدرتنا على آلعمل. ومن هذا المنطلق العلمي أنشأ الفقيد العظيم وزارة الثقافة ومجالسها وأجهزتها لأول مرة في تاريخ مصر المعاصرة. في أول لقاء لي معه بعد تعييني وزيرا للثقافة في 1958 رحت استوضحه أهدافه من إنشاء هذه الوزارة الجديدة، فقام رحمه الله من مقعده والتقط من مكتبه كتابا للشاعر الفرنسي «بول ايلوار« تحت عنوان «اعطهم ليروا« وقدمه إلي قائلا: «عنوان هذا الكتاب هو وجهة نظري في الثقافة ودورها المنشود«، ثم أردف: أنا أريد للناس غذاء روحيا وفكريا على مستوى يليق بالشعب المصري العريق، فليست المشكلة هي مشكلة الغذاء والكساء والبناء والتعليم فقط، وإنما المشكلة في إبداع الثقافة المصرية المتطورة التي تبني شخصية الإنسان المصري. ولقد أكد رحمه الله هذا الكلام في الباب السابع من الميثاق حين نص على حق الفرد في ثقافة وطنية حرة تفجر ينابيع الإحساس بالجمال في حياة الإنسان الحر.. ولست أنسى اهتمامه الدائم بتتبع وتقييم النهضة الثقافية، الذي عبر فيه في أحد خطاباته الهامة قائلا: تقدمت الجهود إلى مدى يبعث على الرضا تحت شعار الثقافة للشعب. ولقد ظهرت خلال السنوات الماضية طلائع كبيرة بدأت تصوغ فنا جديدا للشعب يعكس حياته الجديدة ويرفع قيمتها وليس من شك في أن الثورة الثقافية تستحق أعظم الجهود وأكثرها عمقا. الأستاذ سامي شرف - وزير الدولة: يا قائد هذه الأمة ومحرك طاقتها.. في حياتك وبعد حياتك.. يا أستاذي ومعلمي.. وأستاذ هذا الجيل ومعلمه.. يا أمل هذه الأمة في حضورك.. وفي غيابك.. ماذا أقول، وقد جاء يوم لم تعد فيه بيننا؟! لم تعد هناك في غرفتك المطلة علينا.. والضوء فيها ساهر معك.. ومع أوراقك ولم تعد هناك في مكتبك حيث اكداس المسئولية تدخل عليك.. لتخرج وقد وجدت حلولا.. كنا كلنا نتوقف عند الحدود.. حتى نأخذ بأيدينا معك.. وإنما مازلنا أحياء.. أصحاء.. وأنت هناك في خلدك بعيد هنا.. وكنا نتصور أن أنفاسنا ستتوقف معك.. وان نبض العروق سيكف عندما لا نكون.. حتى جاء ذلك اليوم.. وكأنك كنت تعرف.. فقد عملت لك حسابا.. ولم يكن فينا من أمد له مدته.. وكنت تعرف أن غيابك هنا سيعصف بنا.. و ان هذا العصف سيخلق عند أعدائنا المطامع.. فصفيت الأمر كله.. ليكون الأمر سدا في وجه كل طامع.. وكأنك كنت بيننا يوم غبت عنا! الأستاذ كمال رفعت - وزير العمل: استطاع جمال عبدالناصر ان يجد نضال شعبنا من واقع تجاربه الغنية وتقاليد حضارته العريقة وفكره الثوري مع حركة الثورة العالمية المعاصرة ضد الامبريالية والاستعمار.. وان يحقق الكثير من الانتصارات في طريق الحرية والاشتراكية والوحدة. لقد كرس جمال عبدالناصر حياته من أجل القضية الثورية لجماهير شعبنا العربي في كل مكان.. وكانت حياته العظيمة زاخرة بالصعاب والتضحيات، ولكن كانت حياة نبيلة وغنية ونقية استطاعت ان تطبع بصماتها على حياة الملايين من البشر.. وكانت إرادته الثورية انعكاسا لإرادة الجماهير وتصميمها على تحقيق النصر في كافة الميادين. إننا في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا يجب أن نتعلم من صفات جمال عبدالناصر لنحقق مزيدا من الثورية ولنواجه بلا تردد كافة المصاعب والتضحيات المفروضة علينا، لنكون مناضلين أوفياء لقضية شعبنا العظيم، وان نعمل لبناء مزيد من الرجال والسواعد القوية لتكون أعمدة راسخة لبناء الوطن والمجتمع الجديد يجب أن نبرهن أننا جديرون بالانتماء إلى هذا الوطن الذي نعيش فيه. حقا كان حزنا في كل بيت، كان بكاء الرجال والنسوة قبل بكاء الأطفال، تحولت القاهرة وجدرانها إلى لون أسود يكتسبها هذا اللون من كل جانب وكل الأمة العربية في ذلك اليوم خرجت وهي تودع القائد والزعيم والحبيب، هكذا كان عبدالناصر ولد بطلا وانتقل إلى جوار ربه بطلا كسبته الأمة العربية يوم ثورته في 23 يوليو 1952 وخسرته يوم رحيله، كان رحيله كسبا للاستعمار ولكن هذه إرادة الله سبحانه ولا اعتراض عليها، رحمه الله رحمة واسعة في يوم ذكرى وفاته الثامن والعشرين من سبتمبر من عام ألف وتسعمائة وسبعين للميلاد.






    ]
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-08-09
  11. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,314
    الإعجاب :
    1,592

    أهلآ بالغالي (الصحاف)
    سعيد بمرورك
    فالف اهلآ وسهلآ
    ويسرني أن أقدم لك ولجميع الأخوة الأعضاء والمشرفين والإداريين
    هذا المقال .. في ذكرى وفاته رحمه الله


    اليوم الثامن والعشرون من سبتمبر عام 1970، وفي ذهول من المفاجأة الحزينة التي عصرت قلب كل عربي من المحيط إلى الخليج، كان الزعيم الخالد يعتبر الشعب هو القائد، وهو صانع الحضارة، كان عبدالناصر صاحب مواقف وطنية في طفولته ودراسته وتوليه وظائف متعددة في الجيش المصري، إلى قيام الثورة (ثورة 23 يوليو 1952) ومن المواقف التي تشهد له إبان الثورة وبالتحديد عام 1955 أسبوع التسليح، عندما فتح باب التبرعات أمام الشعب لتسليح الجيش ونجح أسبوع التسليح، واستطاعت مصر ومن خلفها الأمة العربية تجميع أربعة ملايين ونصف مليون من الجنيهات. إن ثورة 23 يوليو كانت ثورة بيضاء ناصعة، وفي الحقيقة كانت بمثابة تصحيح لثورة 1919، هذا الزعيم الذي فقدناه استطاع ان يطرد الاستعمار من نفس الباب الذي دخله ومعروف لدى الجميع أن العدو الاستعماري حاول عام 1956 وشن العدوان الثلاثي على مصر، والتسلل من النوافذ، لقد ترك الزعيم الخالد الأمة العربية وهي في أشد الحاجة إليه، كما هو اليوم، تهديد واحتلال للبلاد العربية ثم يعقبه سكوت ونوم عميق، ان هذا الرجل الإنسان بمعنى الكلمة ضحى بآخر قطره من حياته في سبيل الأمة العربية ولا أدل على ذلك من وقف نزيف الدم في أيلول الأسود بين الإخوة من الأردن وفلسطين، ان الزعيم الخالد حينما ودعته الأمة العربية، ترك مصر، ليس له فيها أرض ولا مال ولا عقار، ولكنه ترك مصر والأمة العربية، وهو يملك ما هو أكبر وأبقى من ذلك كله في قلوب الملايين من حب، لقد كان إلى آخر ما يمكن ان يقول فيه كل فرد عربي، كان بمثابة الأب الحنون والأخ الأكبر والمعلم الهادي والقائد الرائد والزعيم المسلم، لقد كان الزعيم الخالد يقدس العمل، ويقرب العاملين، ويقيس الرجال بالأعمال وكان يقول: «العمل حق، العمل واجب، العمل شرف، العمل حياة«. وللتاريخ كلمات للذين عاصروه وعملوا معه وسهروا الليالي لينفذوا تعاليمه، ننقلها للقارىء حتى يكون ملما تماما بهذا الزعيم الخالد، كيف كان نضاله وثورته وحكمه، وفي هذا أوفى كتاب وخير كلمات وأفضل ما قيل في ذكرى رحيله الذي مضى عليه 34 عاما. الأستاذ صدقي سليمان ــ وزير الكهرباء والسد العالي: إن قصة جمال مع السد العالي، هي قصة التصميم الذي لا يعرف الضعف، والعزيمة التي لا تعرف الاستسلام، هي كفاح جمال، هي إيمانه بالله والوطن والشعب، ولقد بدأت القصة كما نعرف جميعا بقرار من مجلس قيادة الثورة في 8 أكتوبر 1952، وكان القرار ايذانا ببدء الدراسات الخاصة بمشروع السد العالي، ثم عرض المشروع على البنك الدولي فأقره، ثم انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من التمويل وتأميم القناة وحرب 1956 . لقد كنا نعرف ان تنفيذ هذا المشروع ومحطته الكهربائية وخطوط الضغط الفائق ومحطات المحولات ستتكلف 300 مليون جنيه، كما أن المشروعات الأخرى المترتبة عليه كتحويل الحياض واستصلاح الأراضي وتهجير أهالي النوبة، كل هذه المشروعات ستتكلف ما يزيد على 300 مليون جنيه أخرى. وأوضح أن الهدف عسير يفوق إمكانيات الدولة ماليا واقتصاديا، ولقد تم استعراض الموقف في اجتماع عقد برئاسة الرئيس عبدالناصر، وابرز الفنيون ضخامة الاعتمادات المطلوبة وأوضحوا أنه يجب ألا نبدأ إلا إذا كنا على ثقة من أننا يمكننا المضي في المشروع دون توقف، وقال عبدالناصر يومها: المهم ان نبدأ.. وفورا.. والله معنا، ورصدت الاعتمادات اللازمة للأعمال التحضيرية فورا حتى قبل الاتفاق على مصادر التمويل الخارجية.

    وفي فبراير الماضي اصطحب الرئيس معه الرئيس تيتو لزيارة السد العالي، وعندما شاهد البناء وقد اكتمل، والمحطة وقد قاربت الاكتمال قال لي بفرحة: الحمد لله.. لقد تم المشروع.. أخيراً.. لقد انقضى بين هذين الحدثين 15 عاما.. ولنا ان نستنتج الآن لماذا كان الرئيس يتعجل البداية.. ربما شعر بأنه على موعد مع القدر.. وكان يأمل.. ان يدرك النهاية، ولقد ادركها بحمد الله... سلام عليك يا جمال.. سيذكر التاريخ في قمة امجاد عبدالناصر بناء السد العالي من أجل الملايين من الحفاة العراة من الفلاحين الذين كان يتدفق الحنان من قلبه عندما يراهم يجاهدون في سبيل لقمة العيش. الدكتور حكمت أبوزيد: لم يحدث في تاريخ البشرية أن أحب شعب ولي أمره بمثل هذا العمق كما أحب شعب مصر جمال عبدالناصر، ولم يحدث ان نبض قلب قائد بحب شعبه كما نبض قلب عبدالناصر بحب شعب مصر، لقد استطاع جمال ان يحرك كل فرد في هذا الشعب، وان يثير طاقاته الإنسانية الخلاقة ويحيي في نفسه الآمال الدفينة ويلوح له براية المجد، ويمهد أمامه الطريق حتى يندفع بكل قوته لتحقيق رسالته المقدسة.. رسالة الحرية والاشتراكية والعدل والبناء والسلام، هذه العملية الخلاقة من أخذ وعطاء بين القائد والشعب هي التي كان لها فضل إنجاز المسيرة الكبرى لثورة 23 يوليو، وسيظل التاريخ يوما حائرا في تفسير هذه الظاهرة الإنسانية الكبرى وهي: كيف أمكن ان يبنى مثل هذا السد المنيع، وفي هذا الموقع بالذات بعد تحويل مجرى النيل وبالسواعد السمراء التي كان لها فضل بناء حضارة مصر القديمة؟ كيف أمكن لجيل الثورة أن يقتحم حدود المستحيل وان يتفوق على آمال آبائه وأجداده، وان يتطلع إلى اللحاق بعصر الذرة والفضاء؟ كيف أمكن للمرأة التي ظلت في أسر الحجاب فترة طويلة من الدهر ان تشق طريقها؟ كيف أمكن للفلاح ان يرفع رأسه عاليا.. كيف أمكن للعامل ان يدير الالة وان يتحرر.. كيف أمكن للمقاتل ان يضرب الأمثال في الشجاعة والأقدام.. كيف أمكن للجامعات أن تصبح مراكز اشعاع ومصدر الهام للتقدم العلمي؟ كيف أمكن للفن ان يصبح غذاء ثقافيا لكل فرد؟ كيف أمكن للقيم الجديدة ان تنتصر؟ تلك هي بعض جوانب المعجزة الكونية التي تمت في هذا العصر، والتي حملت لواءها شخصية عبدالناصر.. كيف لا يتحدث التاريخ في مستقبل الأيام عن هذه المسيرة الكبرى التي حدثت في النصف الثاني من القرن العشرين؟ الدكتور حسن مصطفى - وزير الإسكان: كان الراحل الخالد يحس باحساس المواطن العادي وفيما يختص بالخدمات كان آخر عمل للرئيس الراحل في آخر جلسة من جلسات مجلس الوزراء الموافقة على اعتماد المبالغ اللازمة لحل مشاكل المياه والمجاري في القاهرة الكبرى والاسكندرية، كان رحمه الله يشعر بمشاكل كل مواطن حتى المسائل البسيطة.. كان يعطي ملاحظاته بشأنها رغم انشغاله بالمعركة ومسئولياتها، وفي مجال الإسكان.. كانت توجيهات الرئيس الراحل تقضي بالحد من مشكلة عدم وفاء الوحدات السكنية باحتياجات الأعداد المتزايدة من جماهير الشعب، وخاصة ذوي الدخل المحدود منهم.. الحقيقة.. ان الحديث عن عبدالناصر لا ينتهي.. واحب أن أوضح أن وزارة الإسكان من الوزارات التي كان يرعاها الزعيم الراحل بوصفها إحدى جهات الخدمات، وترتبط ارتباطا وثيقا بمصالح الجماهير.. وأخيرا يجب أن نتذكر الإنجازات العديدة والعظيمة التي حققها.. وما تركه الرئيس الراحل يجل عن الوصف.. وستظل الأمة تسير على نفس الطريق، رافعة أعلامها خلف رفيق جهاده، وزميل عمره الرئيس أنور السادات. الدكتور عبدالقادر حاتم: لقد رسمت زعامته لأمتنا أسلوبا جديدا من السياسة جعلها نموذجا ومثلا أعلى، وعلى قدر ما كانت تعتمد على الاخلاص، وعلى وضوح الرؤية وبعد النظر والواقعية في تحديد أهدافها واتخاذ الوسائل لبلوغها، على قدر ما كانت إنسانية رحيمة رفيقة بالسائرين على الدرب الطويل، يحيط بها إيمان عميق بالله، وتحف من حولها روح شفافة لا تعرف الا طريقها إلى الخير، كانت تلك هي معالم الاشتراكية التي اتخذها طريقا لإقامة العدالة الاجتماعية، والقضاء على الاستغلال والاحتكار، وبناء مجتمع الرفاهية الحقيقية على أرضنا، بعد أن اخرجت ثورته الاستعمار من بلادنا.. وكانت هي معالم سياسته العربية التي استهدف بها تحقيق الحرية والاشتراكية والوحدة لأمتنا، واستعادة حقوق شعب فلسطين.. من جمال عبدالناصر تعلم العالم وتعلمنا الكثير.. ومن فكر جمال عبدالناصر، ومن سياسته، ومن أسلوبه في معالجة المشاكل والتصدي للأزمات، أصبح في العالم الآن مذهب سياسي متميز، يعتنقه الملايين وينتسب إلى عبدالناصر، انه مذهب الكرامة والتجمع العالمي من أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبناء مستقبلها، واستخلاص ثرواتها المغتصبة، وبناء سلام قائم على العدل.

    الأستاذ حسين الشافعي - نائب رئيس الجمهورية: إن جمال عبدالناصر باق معنا بإيمانه، برسالته ومبادئه، وان من الواجب علينا أن نكون أمناء لهذه الرسالة، وان على كل فرد من هذه الأمة الا يتحول إلى طاقة نضال فحسب.. بل عليه أن يكون حارسا أمينا بعد أن بلغنا مع جمال مبلغ الرجال.. ان كان للموت كرامات واقدار فكذلك الأيام لها كرامات واقدار، وان الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وزعيمنا جمال عبدالناصر، لا أقول كان فهو باق معنا بإيمانه وبرسالته ومبادئه وأخلاقه، من بين أولئك الذين اصطفاهم ربهم فعاش بيننا ومن أجلنا اثنتين وخمسين سنة يشير بعمره الذي عاشه إلى عام ثورتنا التي وهبها عمره، ثم يقضي هنا وبيننا ثماني عشرة سنة هي عمر الثورة نفسها، إشارة أخرى إلى عام مولده سنة 18، وليس أدل على اصطفاء الله له من يوم انتقاله إلى رحاب ربه، فقد أبت الاقدار إلا أن يكون ذلك في يوم 27 رجب.. ولهذا اليوم جلاله وقدره وكرامته، فتجسدت معانيه في موكب وداعه الزاخر بأحاسيس البشرية بفقدها هذا العظيم وفاء لإخلاصه وجهده وتفانيه، بل هو إشارة صريحة إلى القدس التي اجترأ عليها المعتدون فحرقوا مسجدها الأقصى الذي بارك الله حوله، ومضى هذا الحادث المروع بغير قصاص أو عقاب.. واننا لنذكر اليوم، وسوف نذكر دائما ما قاله الزعيم والقائد، وهو يوجه الحديث إلى قواتنا المسلحة: «سوف نحارب من أجل المسجد الأقصى.. لن نلقي السلاح حتى ينصر الله جنده ويعلي حقه ويعز بيته ويعود السلام الحقيقي إلى مدينة السلام«، ليكن هدفنا في هذه المرحلة الدقيقة هو الحفاظ على نظام جمال عبدالناصر، وضمان استمرار ثورة 23 يوليو 1952 حتى نبني سويا الدولة النموذج، ونحقق للأب والزعيم والقائد ما كان يرجوه لنا من مكانة تحت الشمس. الأستاذ خالد محيي الدين: بعد عبدالناصر.. هناك طريق عبدالناصر.. الكل يتحدث عنه: من كان يؤيد عبدالناصر، ومن كان يعارضه.. غير ان الحقيقة الكبرى هي ان عبدالناصر عاش عصره، لأنه فهم عصره، وفهم علاقات القوى وموازينها، فحدد مكانه في هذا العالم واختار طريقه، طريق التحرر الوطني الكامل، طريق السلام، وهو طريق تناضل من أجله كل شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية والملونون في كل أمريكا الشمالية، وكل هذه الشعوب تريد الحرية، وتريد بناء حياتها الجديدة على أساس من التقدم والعلم، بعيدا عن الاستغلال وفي ظل السلام. ولهذا فإن طريق عبدالناصر قد اجتذب إليه ملايين الناس لوضوحه، ولأن حاجة الحياة والكفاح في عالمنا، وخاصة في القارات الثلاث، مازالت في حاجة إليه، ومن هنا فإن فكر وطريق عبدالناصر هما ملك لكل الثوريين والوطنيين في مصر والوطن العربي، بل في العالم كله.. انه فكر حي يتجدد دوما.. لأنه يهدف أول ما يهدف إلى تحرير الإنسان. الدكتور حافظ غانم - وزير التربية والتعليم: رسم عبدالناصر بفكره ونضاله وثورته طريقا واضح المعالم.. سار فيه الشعب المصري، والأمة العربية منذ سنة 1952، وسوف يستمر شعبنا وأمتنا في السير في هذا الطريق بخطوات ثابتة، وبثقة كاملة في المستقبل، وبعزم أكيد على تخطي الصعوبات، ان هذا الطريق هو طريق الاستقلال الوطني، والتحرر القومي، وهو طريق الحرية السياسية والاقتصادية للملايين التي قاست من السيطرة والقهر والاستغلال، انه طريق الديمقراطية السليمة التي تجعل الحكم بالشعب وللشعب الذي يكون له الحق في تقرير مصيره ومستقبله، وفي العمل الخلاق من أجل زيادة الإنتاج وعدالة التوزيع في إطار تنظيمات سياسية وشعبية منتخبة، ان طريق عبدالناصر هو التقدم، هو الاشتراكية، هو الطريق الذي يصل بنا من مجتمع قديم متخلف إلى مجتمع عصري قوي، مجتمع جديد، تتم تنميته اقتصاديا وفقا لخطط وبرامج مدروسة، كما يتم تحريره من الاستغلال.. نعاهدك يا عبدالناصر ان نسير على طريقك، مهتدين بفكرك، وبأسطورة نضالك من أجل وطن حر، وأمة ناهضة، وغد سعيد، وعالم أفضل. الدكتور عزيز صدقي- وزير الصناعة: إن جمال عبدالناصر بالنسبة لنا الآن هو كل ما عمله لنا، هو الكفاية والعدل، هو الاشتراكية، هو الإصلاح الزراعي، هو التأميم لصالح الشعب، هو مئات المصانع التي حققت الخير للملايين من العمال، هو المكاسب الاشتراكية التي ينعم بها كل عامل وفلاح، وكل فرد من أبناء هذا الشعب العامل، ان جمال عبدالناصر هو كل هذا، وقد ترك كل هذا أمانة بين أيدينا لنحافظ عليها، بل ان نزيد منها، على نفس المبادىء التي طبقها، لأنها إرادة الشعب، واليوم لا يمكن لهذه المسيرة العظيمة التي قادها البطل الراحل أن تقف، بل إن علينا واجبا يجب أن نؤديه وفاء منا للراحل العظيم. وإيمانا بكل القيم التي ضحى بحياته من أجلها، يجب أن نستمر في نفس الطريق الذي سرنا فيه وراء جمال، وأن نتمسك بالمبادىء والمكاسب التي حققها لنا. إن العمل لا بد أن يستمر والإنتاج لابد أن ينطلق والحياة يجب أن تسير في ظل من التطبيق الاشتراكي السليم. لقد عاهدنا الرئيس الحبيب الراحل في حياته على أشياء كثيرة. نفذنا منها الكثير وهو معنا والآن علينا أن نحافظ على الأمانة، فذلك هو عهد الأوفياء. ونحن لجمال عبدالناصر ومبادىء جمال عبدالناصر وآمال جمال عبدالناصر.. أوفياء. الدكتور ثروت عكاشة - وزير الثقافة: قال الفقيد العظيم في كتابه فلسفة الثورة... إذاً فنحن أقوياء وليس في علو صوتنا حين نولول ولا حين نصرخ، ولا حين نستغيث، إنما أقوياء حين نهجأ، وحين نحسب بالأرقام مدى قدرتنا على آلعمل. ومن هذا المنطلق العلمي أنشأ الفقيد العظيم وزارة الثقافة ومجالسها وأجهزتها لأول مرة في تاريخ مصر المعاصرة. في أول لقاء لي معه بعد تعييني وزيرا للثقافة في 1958 رحت استوضحه أهدافه من إنشاء هذه الوزارة الجديدة، فقام رحمه الله من مقعده والتقط من مكتبه كتابا للشاعر الفرنسي «بول ايلوار« تحت عنوان «اعطهم ليروا« وقدمه إلي قائلا: «عنوان هذا الكتاب هو وجهة نظري في الثقافة ودورها المنشود«، ثم أردف: أنا أريد للناس غذاء روحيا وفكريا على مستوى يليق بالشعب المصري العريق، فليست المشكلة هي مشكلة الغذاء والكساء والبناء والتعليم فقط، وإنما المشكلة في إبداع الثقافة المصرية المتطورة التي تبني شخصية الإنسان المصري. ولقد أكد رحمه الله هذا الكلام في الباب السابع من الميثاق حين نص على حق الفرد في ثقافة وطنية حرة تفجر ينابيع الإحساس بالجمال في حياة الإنسان الحر.. ولست أنسى اهتمامه الدائم بتتبع وتقييم النهضة الثقافية، الذي عبر فيه في أحد خطاباته الهامة قائلا: تقدمت الجهود إلى مدى يبعث على الرضا تحت شعار الثقافة للشعب. ولقد ظهرت خلال السنوات الماضية طلائع كبيرة بدأت تصوغ فنا جديدا للشعب يعكس حياته الجديدة ويرفع قيمتها وليس من شك في أن الثورة الثقافية تستحق أعظم الجهود وأكثرها عمقا. الأستاذ سامي شرف - وزير الدولة: يا قائد هذه الأمة ومحرك طاقتها.. في حياتك وبعد حياتك.. يا أستاذي ومعلمي.. وأستاذ هذا الجيل ومعلمه.. يا أمل هذه الأمة في حضورك.. وفي غيابك.. ماذا أقول، وقد جاء يوم لم تعد فيه بيننا؟! لم تعد هناك في غرفتك المطلة علينا.. والضوء فيها ساهر معك.. ومع أوراقك ولم تعد هناك في مكتبك حيث اكداس المسئولية تدخل عليك.. لتخرج وقد وجدت حلولا.. كنا كلنا نتوقف عند الحدود.. حتى نأخذ بأيدينا معك.. وإنما مازلنا أحياء.. أصحاء.. وأنت هناك في خلدك بعيد هنا.. وكنا نتصور أن أنفاسنا ستتوقف معك.. وان نبض العروق سيكف عندما لا نكون.. حتى جاء ذلك اليوم.. وكأنك كنت تعرف.. فقد عملت لك حسابا.. ولم يكن فينا من أمد له مدته.. وكنت تعرف أن غيابك هنا سيعصف بنا.. و ان هذا العصف سيخلق عند أعدائنا المطامع.. فصفيت الأمر كله.. ليكون الأمر سدا في وجه كل طامع.. وكأنك كنت بيننا يوم غبت عنا! الأستاذ كمال رفعت - وزير العمل: استطاع جمال عبدالناصر ان يجد نضال شعبنا من واقع تجاربه الغنية وتقاليد حضارته العريقة وفكره الثوري مع حركة الثورة العالمية المعاصرة ضد الامبريالية والاستعمار.. وان يحقق الكثير من الانتصارات في طريق الحرية والاشتراكية والوحدة. لقد كرس جمال عبدالناصر حياته من أجل القضية الثورية لجماهير شعبنا العربي في كل مكان.. وكانت حياته العظيمة زاخرة بالصعاب والتضحيات، ولكن كانت حياة نبيلة وغنية ونقية استطاعت ان تطبع بصماتها على حياة الملايين من البشر.. وكانت إرادته الثورية انعكاسا لإرادة الجماهير وتصميمها على تحقيق النصر في كافة الميادين. إننا في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا يجب أن نتعلم من صفات جمال عبدالناصر لنحقق مزيدا من الثورية ولنواجه بلا تردد كافة المصاعب والتضحيات المفروضة علينا، لنكون مناضلين أوفياء لقضية شعبنا العظيم، وان نعمل لبناء مزيد من الرجال والسواعد القوية لتكون أعمدة راسخة لبناء الوطن والمجتمع الجديد يجب أن نبرهن أننا جديرون بالانتماء إلى هذا الوطن الذي نعيش فيه. حقا كان حزنا في كل بيت، كان بكاء الرجال والنسوة قبل بكاء الأطفال، تحولت القاهرة وجدرانها إلى لون أسود يكتسبها هذا اللون من كل جانب وكل الأمة العربية في ذلك اليوم خرجت وهي تودع القائد والزعيم والحبيب، هكذا كان عبدالناصر ولد بطلا وانتقل إلى جوار ربه بطلا كسبته الأمة العربية يوم ثورته في 23 يوليو 1952 وخسرته يوم رحيله، كان رحيله كسبا للاستعمار ولكن هذه إرادة الله سبحانه ولا اعتراض عليها، رحمه الله رحمة واسعة في يوم ذكرى وفاته الثامن والعشرين من سبتمبر من عام ألف وتسعمائة وسبعين للميلاد.






    ]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-08-22
  13. alsenani

    alsenani عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    74
    الإعجاب :
    0
    لا مستقبل لهذه الأمة إلا بالمشروع النهضوي الوحدوي المقاوم. ولا ديموقراطية ولا إصلاح ولا تنمية ولا تحرر من قوى الهيمنة الخارجية ولا مشروع وطني-ديموقراطي ولا مشروع إسلامي إلا إذا وجد له قواعدَ في أكثر من قطر عربي واحد. وهذا يعني أن أي مشروع وطني فعلاً لا يمكن أن ينجح إلا على المدى القصير إن لم يصبح قومياً بالفعل وليس فقط في الشعار، وهو ما جعل جمال عبد الناصر يتحول من وطني مصري مخلص إلى قومي عربي. ولكن القول أن لا أمل لأي مشروع إصلاحي أو "وطني-ديموقراطي" أو إسلامي، ضمن الحدود القطرية، لا يعني أن نقوم اليوم بإنكار وجود العراق أو سورية أو الأردن أو فلسطين أو مصر أو السودان أو المغرب أو الجزائر أو اليمن أو غيرها من الأقطار العربية، بل يعني أن الشعار الذي يجب أن يرفعه حملة لواء مشروع التغيير في أقطارهم هو العراق العربي أو سوريا العربية أو فلسطين العربية أو الأردن العربي أو الخليج العربي أو السودان العربي أو المغرب العربي الخ... خاصة في وجه مشروع التفكيك الذي تواجهه الأمة. فكما لا ينفي اسمك الأول اسمك الأخير، لا ينفي انتماؤك للعراق أو فلسطين انتماءك للعروبة، بل يؤكدها، ولا ينفي انتماؤك للأمة العربية انتماءك للعالم الإسلامي، بل يؤكده. وشعار عروبة القطر في هذه المرحلة، من المحيط إلى الخليج، هو الشعار الذي يحمل في طياته فكرة التحرر من الاحتلال والرابط المشترك في آنٍ معاً.

    اقول لأستاذ مدرم
    شكرا لك
    صوتك في عالم أسكتت فيه الصهيونية والحديد والنار صوت العدالة
     

مشاركة هذه الصفحة