الحكم في اليمن.. بين الثعبنة السياسية والبرع القبلي!

الكاتب : محمد الرخمي   المشاهدات : 527   الردود : 1    ‏2006-08-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-08-07
  1. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    الحكم في اليمن.. بين الثعبنة السياسية والبرع القبلي!
    6/8/2006
    د/ محمد محسن الظاهري
    قبل البدء:
    أعترف مقدماً أن مزاجي النفسي أقرب إلى خلع الرداء الأكاديمي والضغط على زناد البندقية منه إلى مسك القلم؛ بسبب ما يدور في لبنان وفلسطين, وما يسطره المقاومون اللبنانيون(حزب الله تحديداً) من بطولات ترد الاعتبار لهذه الأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها كانت"خير أمة أخرجت للناس". فالمتأمل للبطولات التي يسطرها حزب الله الآن في لبنان يدفع إلى الاستنتاج بأن بناء هذا الحزب المقاوم قد تم في ظل غيبة استبداد حاكم داخلي, وتواري دولة قاهرة مستبدة ومستأسدة, وهذا ما تتميز به الدولة اللبنانية على بقية الدول العربية الأخرى.
    كما أن هذا الحزب قد فهم الإسلام وعظمته, ومكامن قوته متجاوزاً عقلية الوهن والفهم الطقوسي للدين, وبرع في الانتقال من الاكتفاء بحفظ النصوص إلى الأخذ بأسباب القوة سواء من حيث الإعداد العقائدي والمعنوي أو الأخذ بطرائق التفكير العلمي والعقلاني دون إهمال الجانب المادي. لكن لا بأس من الحديث عن اليمن؛ فما يجري في فلسطين ولبنان يبدو أنه ليس ببعيد عما قد يدور في العواصم العربية, والعاصمة صنعاء إحداها, بل يمكن القول إنه سيؤثر إيجابياً على الذهنية العربية والإسلامية التي ركنت كثيراً إلى الخوف والتعايش مع الحكام المستبدين العاجزين عن مواجهة العدو الخارجي. إذ يبدو أن ثقافة المقاومة ورفض الخنوع تُغرس الآن في حقول جنوب لبنان. ونتمنى أن تمتد إلى جميع الحقول العربية والإسلامية.
    بداية يتعين على الكاتب أن يحدد المفاهيم التي يخاطب بها القارئ. وبهدف مهاجمة ما قد يبدو غموضاً في العنوان, فإني أقصد ب" ثعبنة الحياة السياسية".ذلك الخطاب السياسي الرسمي" الرئاسي" تحديداً, الذي ما انفك يستشهد في كثير من المناسبات بالمثل القائل" إن الحكم في اليمن كالرقص على رؤوس الثعابين". أما "البرع القبلي" فيشير بها كاتب هذه السطور إلى "القبيلة اليمنية"؛ باعتبار أن هذه الرقصة قد اشتهر بها كثير من القبائل اليمنية ورغم أن المتابع للحياة السياسية اليمنية قد يستنتج أن ثمة توظيف سياسي للتراث الشعبي؛ إلا أننا كما يبدو نمر بمرحلة أعمق بكثير من قضية توظيف سياسي لهذا التراث وهذا ما سيتم بيانه تواً.

    *منصب الرئاسة وإشكالية ثعبنة الحياة السياسية:
    إن المتتبع للخطاب السياسي الرسمي (الرئاسي تحديداً) يلحظ محاولة بل إصراراً على "ثعبنة الحياة السياسية" إذ يوسم الحكم في اليمن على أنه بمثابة "الرقص على رؤوس الثعابين".
    إن هذا الخطاب"المثعبن" و المتهافت لدليلٌ على استمرار غياب التسامح وعدم الإيمان بفكرة تبادل الأدوار في العمل السياسي, مما يومئ إلى أن النظام السياسي اليمني يعاني من أزمة شرعية.
    إن إشكالية استمرار الحكم عبر ذهنية تجعل من المحكومين والقوى السياسية الأخرى المعرضة بمثابة" أفعى وثعابين سياسية" يولد كثيراً من المثالب في الحياة السياسية اليمنية, منها: غياب الثقة بين فرقاء العمل السياسي, وانتشار الشك المتبادل, وذيوع ثقافة التخفي السياسي, وظهور أسلوب السطو على السلطة واقتناصها بدلاً عن تداولها؛ مما ينجم عنه أزمة مشاركة وعدم استقرار سياسي في اليمن. كما أن من تجليات هذه "الثعبنة السياسية " ركون الحاكم السياسي إلى أهل السيف أو المؤسسة العسكرية كبديل للمؤسسات السياسية الحديثة؛ لأنه, وفقاً لذهنية الحكم عبر رؤوس الأفاعي, يتطلب وجود أسلحة للقضاء على هذه الأفاعي أو الثعابين التي قد تلدغ الحاكم, وتسعى لنفث سمومها على كافة مناحي الجسد السياسي اليمني ! فتصطبغ الحياة السياسية اليمنية بها حس الخوف, ويغدو المجتمع اليمني بمنأى عن الأمن والطمأنينة.
    إن هذه الذهنية قد تدفع بأهل الحكم إلى السعي لترويض المحكومين"الثعابين السياسية" أو وضعها في أقفاص بدلاً عن محاولة إرضاء المحكومين عبر شرعية الانجاز و الإشباع والفاعلية. وتكون الخشية, -حينئذ- أن ينظر المحكوم إلى الحاكم على أنه بمثابة حاوي و"مروض أفاعي وثعابين" بدلاً عن كونه راعٍ لمصالح شعبه, ومحققاً لأماني ومطالب محكوميه! ولذا ونحن مقبلون على الانتخابات الرئاسية والمحلية بحاجة إلى وجود رؤية تستند إلى ذهنيه جديدة تكون بمنأى عن محاولة العبث بالجسد المجتمعي اليمني, والكف عن اختزال التنوع الذي تتسم به اليمن في ثنائيات مُسيّسة نزاعية ومستقطبة, و تحويله إلى تنوع يولد تطوراً سياسياً وحضارياً على حد سواء.
    *القبيلة اليمنية بين رقصة البرع والتحليل المنقوص:
    إن المتتبع لكثير مما كُتب ويكتب عن القبيلة والقبائل اليمنية يلحظ مواقف قيمية وتفضيلات مسبقة لدى أصحابها, وفي هذا السياق يبدو أن الساحة اليمنية مرشحة لمزيد من"المعارك البحثية" حول ما يمكن تسميته ب"المفهوم المعضلة" أو "المفهوم العقدة" ألا وهو مفهوم القبيلة اليمنية, فهو مفهوم مُستقطب(بكسر الطاء) ومستقطب (بفتح الطاء)، فكلما اقترب الباحثون والكُتّاب منه ازداد غموضاً, وازدادوا بدورهم (مناطحة) وحرباً بالمفاهيم! إذ كُتب فيه الأبحاث وألفت عنه الكتب, وأعدت فيه الرسائل الجامعية (الأكاديمية), وما زال البعض مصراً على أن القبيلة والنظام القبلي بمثابة شر مستطير وأن القبيلة شريرة ومتخلفة بطبيعتها, وأنها بمثابة (الصندوق الاجتماعي الأسود)!
    وما يمكن قوله –هنا- عن القبيلة اليمنية أنها سياسية بحكم التعريف وهي بمثابة متغير وسيط, قد توظف سلباً أو إيجاباً, فهي في علاقتها بالحاكم السياسي كثيراً ما سعى الأخير إلى الاقتراب منها, والتحالف مع بعضها, وخاصة الفاعلة منها, لأن الحاكم يدرك أن القبيلة بمثابة جسر أو قنطرة عسكرية موصلة إلى سدة الحكم. كما قد تمثل القبيلة اليمنية جزءاً من المعارضة السياسية, بما تمثله من حضور وظيفي فاعل في الواقع السياسي اليمني. فالقبائل اليمنية, غالباً, ليست كتلة صماء بالضرورة, حيث تتنوع مواقفها وتحالفاتها فقد تتحالف بعض القبائل مع الحاكم السياسي, ويسعى الأخير لاستقطابها, وبالمقابل تجد بعض القبائل الأخرى نفسها في صفوف المعارضة السياسية, وبالتالي تشكل أحد مكونات هذه المعارضة ومدخلاتها.
    على الرغم من الغبار الإعلامي الكثيف, والصحفي تحديداً, حول العلاقة بين القبيلة والأحزاب في اليمن, فإنه يمكن التقرير هنا أن القبيلة لم تعد قبيلة كما كانت, والحزب لم يعُد حزباً، إذ أن المجتمع اليمني عامة, والقبيلة والأحزاب بشكل خاص تمر بمرحلة خلل في بناء القيم الثقافية والسياسية, مما ساعد على ظهور أسوأ القديم و متخلف الحديث؛ حيث تعانق الأسوأ(قيماً وسلوكاً), وظهرت مؤسسات حديثة الشكل والمبنى وتقليدية الجوهر والمعنى, وتحولت إلى " كائن مسخ" أخذت من القبيلة أسوأ ما تملك من أعراف وعادات, مثل عادة الثأر القبلي فتتحول إلى تأثر سياسي وحزبي, وانتشرت عادت استسهال استخدام السلاح والعنف بدلاً عن الحوار والتسامح !
    في هذا السياق, بغض النظر عما إذا كنا من أنصار تحبيذ وجود دور سياسي للقبيلة أم لا, فإنه يتعين التذكير, بأن المواطن اليمني يلجأ لقبيلته؛ لغياب عدل دولته وعسف حكامها, ويتشبث بأعراف القبيلة لغياب قوانين الدولة وعدم تنفيذها! إن شرعية بقاء القبلية السياسية مستمدة من لا شرعية الحاكم السياسي, ولذا فإن قيام سلطة سياسية حديثة وعادلة في المجتمع اليمني, متطلب سابق لوجود قبيلة أكثر فاعلية "اجتماعياً" ونظام سياسي أكثر استفادة وإنجازاً.

    *أحزاب اللقاء المشترك وبدء مرحلة الاقتدار السياسي:
    رغم أنني كثيراً ما وسمت المعارضة السياسية في اليمن بأنها تعاني من مثالب من أهمها أنها مصابة بداء الاستضعاف السياسي. ولكني أشهد هنا بأن أحزاب اللقاء المشترك باتفاقها على مرشح واحد لمنصب الرئاسة والذي يعد أهم, بل أخطر منصب في الدولة اليمنية؛ قد دشنت مرحلة انتقالها من ثقافة الاستضعاف إلى ثقافة الشعور بالاقتدار السياسي. وعلى الرغم من أنه يمكن التقرر هنا, بأن مرشح حزب الحاكم"مرشح المؤتمر الشعبي العام الرئيس علي عبد الله صالح الأقرب إلى الاستمرار في منصبه الرئاسي لسبع سنوات قادمة؛ لأن النتائج مرهونة بمقدماتها, والمقدمات والسياق السياسي والمجتمعي العام يومئ إلى أن ثمة "تمديد سلمي للسلطة" في اليمن لا تداول سلمي للسلطة, بسبب عوامل ومحددات ما تزال تهيمن على المجتمع والدولة في اليمن, من أهمها: استمرار ذهنية الاستحواذ والتملك السياسي لدى النخبة الحاكمة وشيوع ثقافة الخوف من الجديد والمجهول, وانتشار ثقافة الحفاظ على الوضع الراهن رغم سوئه, وتشبع كثير من اليمنيين بمفاهيم الأبوية السياسية.
    وبعيداً عن الخلط بين التنجيم والتشوف والاستشراف, يمكن القول إن ما يحسب للمعارضة السياسية اليمنية (أحزاب اللقاء المشترك تحديداً) أنها قد بدأت رحلة الألف ميل بخطوة ترشيحها "الأستاذ فيصل بن شملان" ولكن يتعين التذكير والتنبيه معاً, أن الخطوات الصعبة والهامة هي بعد الانتخابات الرئاسية القادمة. وبالتالي يتعين عليها أن تعد العدة للقيام بدور المعارضة الفاعلة عبر تعزيز ثقافة التسامح والاقتراب من هموم المواطن ومشاكله والشعور بالاقتدار السياسي.

    * ختاماً: يا أيها المقربون من الحاكم السياسي اليمني وبطانته: ألا تشيروا عليه بأن اليمنيين أرق قلوباً وألين أفئدة, وأن الإيمان يمان والحكمة يمانية, كما شهد بذلك رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) وأن اليمن كانت توسم ب"العربية السعيدة" بل إن القرآن الكريم قد وصفها بأنها "بلدة طيبة وربٌ غفور".
    ألا تعوا أن القرآن قد سجل عظمة الملكة بلقيس و شورويتها وحكمتها, بل إن التاريخ قد سجل لنا قيام حضارة يمنية تليدة عمل حكامها على الجمع بين الحكمة و الرشادة والعقلانية, وحينما جاء حكام يفتقرون للحكمة اليمانية, ظهر "الفأر" فهدم السد, والآن تظهر الثعابين لترقص رقصة التخلف والفساد في ظل ذيوع ثقافة الخوف والتعايش مع الظلم والاستبداد! آن الأوان أيها اليمانيون أن تنتقلوا من الرقص على رؤوس الثعابين, إلى مرحلة السعي للحصول على ترياق يقضي على سموم هذه الثعابين الفاسدة والمفسدة معاً, فهلا فعلتم.​
    ** عن ناس برس.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-08-07
  3. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    الحكم في اليمن.. بين الثعبنة السياسية والبرع القبلي!
    6/8/2006
    د/ محمد محسن الظاهري
    قبل البدء:
    أعترف مقدماً أن مزاجي النفسي أقرب إلى خلع الرداء الأكاديمي والضغط على زناد البندقية منه إلى مسك القلم؛ بسبب ما يدور في لبنان وفلسطين, وما يسطره المقاومون اللبنانيون(حزب الله تحديداً) من بطولات ترد الاعتبار لهذه الأمة التي وصفها القرآن الكريم بأنها كانت"خير أمة أخرجت للناس". فالمتأمل للبطولات التي يسطرها حزب الله الآن في لبنان يدفع إلى الاستنتاج بأن بناء هذا الحزب المقاوم قد تم في ظل غيبة استبداد حاكم داخلي, وتواري دولة قاهرة مستبدة ومستأسدة, وهذا ما تتميز به الدولة اللبنانية على بقية الدول العربية الأخرى.
    كما أن هذا الحزب قد فهم الإسلام وعظمته, ومكامن قوته متجاوزاً عقلية الوهن والفهم الطقوسي للدين, وبرع في الانتقال من الاكتفاء بحفظ النصوص إلى الأخذ بأسباب القوة سواء من حيث الإعداد العقائدي والمعنوي أو الأخذ بطرائق التفكير العلمي والعقلاني دون إهمال الجانب المادي. لكن لا بأس من الحديث عن اليمن؛ فما يجري في فلسطين ولبنان يبدو أنه ليس ببعيد عما قد يدور في العواصم العربية, والعاصمة صنعاء إحداها, بل يمكن القول إنه سيؤثر إيجابياً على الذهنية العربية والإسلامية التي ركنت كثيراً إلى الخوف والتعايش مع الحكام المستبدين العاجزين عن مواجهة العدو الخارجي. إذ يبدو أن ثقافة المقاومة ورفض الخنوع تُغرس الآن في حقول جنوب لبنان. ونتمنى أن تمتد إلى جميع الحقول العربية والإسلامية.
    بداية يتعين على الكاتب أن يحدد المفاهيم التي يخاطب بها القارئ. وبهدف مهاجمة ما قد يبدو غموضاً في العنوان, فإني أقصد ب" ثعبنة الحياة السياسية".ذلك الخطاب السياسي الرسمي" الرئاسي" تحديداً, الذي ما انفك يستشهد في كثير من المناسبات بالمثل القائل" إن الحكم في اليمن كالرقص على رؤوس الثعابين". أما "البرع القبلي" فيشير بها كاتب هذه السطور إلى "القبيلة اليمنية"؛ باعتبار أن هذه الرقصة قد اشتهر بها كثير من القبائل اليمنية ورغم أن المتابع للحياة السياسية اليمنية قد يستنتج أن ثمة توظيف سياسي للتراث الشعبي؛ إلا أننا كما يبدو نمر بمرحلة أعمق بكثير من قضية توظيف سياسي لهذا التراث وهذا ما سيتم بيانه تواً.

    *منصب الرئاسة وإشكالية ثعبنة الحياة السياسية:
    إن المتتبع للخطاب السياسي الرسمي (الرئاسي تحديداً) يلحظ محاولة بل إصراراً على "ثعبنة الحياة السياسية" إذ يوسم الحكم في اليمن على أنه بمثابة "الرقص على رؤوس الثعابين".
    إن هذا الخطاب"المثعبن" و المتهافت لدليلٌ على استمرار غياب التسامح وعدم الإيمان بفكرة تبادل الأدوار في العمل السياسي, مما يومئ إلى أن النظام السياسي اليمني يعاني من أزمة شرعية.
    إن إشكالية استمرار الحكم عبر ذهنية تجعل من المحكومين والقوى السياسية الأخرى المعرضة بمثابة" أفعى وثعابين سياسية" يولد كثيراً من المثالب في الحياة السياسية اليمنية, منها: غياب الثقة بين فرقاء العمل السياسي, وانتشار الشك المتبادل, وذيوع ثقافة التخفي السياسي, وظهور أسلوب السطو على السلطة واقتناصها بدلاً عن تداولها؛ مما ينجم عنه أزمة مشاركة وعدم استقرار سياسي في اليمن. كما أن من تجليات هذه "الثعبنة السياسية " ركون الحاكم السياسي إلى أهل السيف أو المؤسسة العسكرية كبديل للمؤسسات السياسية الحديثة؛ لأنه, وفقاً لذهنية الحكم عبر رؤوس الأفاعي, يتطلب وجود أسلحة للقضاء على هذه الأفاعي أو الثعابين التي قد تلدغ الحاكم, وتسعى لنفث سمومها على كافة مناحي الجسد السياسي اليمني ! فتصطبغ الحياة السياسية اليمنية بها حس الخوف, ويغدو المجتمع اليمني بمنأى عن الأمن والطمأنينة.
    إن هذه الذهنية قد تدفع بأهل الحكم إلى السعي لترويض المحكومين"الثعابين السياسية" أو وضعها في أقفاص بدلاً عن محاولة إرضاء المحكومين عبر شرعية الانجاز و الإشباع والفاعلية. وتكون الخشية, -حينئذ- أن ينظر المحكوم إلى الحاكم على أنه بمثابة حاوي و"مروض أفاعي وثعابين" بدلاً عن كونه راعٍ لمصالح شعبه, ومحققاً لأماني ومطالب محكوميه! ولذا ونحن مقبلون على الانتخابات الرئاسية والمحلية بحاجة إلى وجود رؤية تستند إلى ذهنيه جديدة تكون بمنأى عن محاولة العبث بالجسد المجتمعي اليمني, والكف عن اختزال التنوع الذي تتسم به اليمن في ثنائيات مُسيّسة نزاعية ومستقطبة, و تحويله إلى تنوع يولد تطوراً سياسياً وحضارياً على حد سواء.
    *القبيلة اليمنية بين رقصة البرع والتحليل المنقوص:
    إن المتتبع لكثير مما كُتب ويكتب عن القبيلة والقبائل اليمنية يلحظ مواقف قيمية وتفضيلات مسبقة لدى أصحابها, وفي هذا السياق يبدو أن الساحة اليمنية مرشحة لمزيد من"المعارك البحثية" حول ما يمكن تسميته ب"المفهوم المعضلة" أو "المفهوم العقدة" ألا وهو مفهوم القبيلة اليمنية, فهو مفهوم مُستقطب(بكسر الطاء) ومستقطب (بفتح الطاء)، فكلما اقترب الباحثون والكُتّاب منه ازداد غموضاً, وازدادوا بدورهم (مناطحة) وحرباً بالمفاهيم! إذ كُتب فيه الأبحاث وألفت عنه الكتب, وأعدت فيه الرسائل الجامعية (الأكاديمية), وما زال البعض مصراً على أن القبيلة والنظام القبلي بمثابة شر مستطير وأن القبيلة شريرة ومتخلفة بطبيعتها, وأنها بمثابة (الصندوق الاجتماعي الأسود)!
    وما يمكن قوله –هنا- عن القبيلة اليمنية أنها سياسية بحكم التعريف وهي بمثابة متغير وسيط, قد توظف سلباً أو إيجاباً, فهي في علاقتها بالحاكم السياسي كثيراً ما سعى الأخير إلى الاقتراب منها, والتحالف مع بعضها, وخاصة الفاعلة منها, لأن الحاكم يدرك أن القبيلة بمثابة جسر أو قنطرة عسكرية موصلة إلى سدة الحكم. كما قد تمثل القبيلة اليمنية جزءاً من المعارضة السياسية, بما تمثله من حضور وظيفي فاعل في الواقع السياسي اليمني. فالقبائل اليمنية, غالباً, ليست كتلة صماء بالضرورة, حيث تتنوع مواقفها وتحالفاتها فقد تتحالف بعض القبائل مع الحاكم السياسي, ويسعى الأخير لاستقطابها, وبالمقابل تجد بعض القبائل الأخرى نفسها في صفوف المعارضة السياسية, وبالتالي تشكل أحد مكونات هذه المعارضة ومدخلاتها.
    على الرغم من الغبار الإعلامي الكثيف, والصحفي تحديداً, حول العلاقة بين القبيلة والأحزاب في اليمن, فإنه يمكن التقرير هنا أن القبيلة لم تعد قبيلة كما كانت, والحزب لم يعُد حزباً، إذ أن المجتمع اليمني عامة, والقبيلة والأحزاب بشكل خاص تمر بمرحلة خلل في بناء القيم الثقافية والسياسية, مما ساعد على ظهور أسوأ القديم و متخلف الحديث؛ حيث تعانق الأسوأ(قيماً وسلوكاً), وظهرت مؤسسات حديثة الشكل والمبنى وتقليدية الجوهر والمعنى, وتحولت إلى " كائن مسخ" أخذت من القبيلة أسوأ ما تملك من أعراف وعادات, مثل عادة الثأر القبلي فتتحول إلى تأثر سياسي وحزبي, وانتشرت عادت استسهال استخدام السلاح والعنف بدلاً عن الحوار والتسامح !
    في هذا السياق, بغض النظر عما إذا كنا من أنصار تحبيذ وجود دور سياسي للقبيلة أم لا, فإنه يتعين التذكير, بأن المواطن اليمني يلجأ لقبيلته؛ لغياب عدل دولته وعسف حكامها, ويتشبث بأعراف القبيلة لغياب قوانين الدولة وعدم تنفيذها! إن شرعية بقاء القبلية السياسية مستمدة من لا شرعية الحاكم السياسي, ولذا فإن قيام سلطة سياسية حديثة وعادلة في المجتمع اليمني, متطلب سابق لوجود قبيلة أكثر فاعلية "اجتماعياً" ونظام سياسي أكثر استفادة وإنجازاً.

    *أحزاب اللقاء المشترك وبدء مرحلة الاقتدار السياسي:
    رغم أنني كثيراً ما وسمت المعارضة السياسية في اليمن بأنها تعاني من مثالب من أهمها أنها مصابة بداء الاستضعاف السياسي. ولكني أشهد هنا بأن أحزاب اللقاء المشترك باتفاقها على مرشح واحد لمنصب الرئاسة والذي يعد أهم, بل أخطر منصب في الدولة اليمنية؛ قد دشنت مرحلة انتقالها من ثقافة الاستضعاف إلى ثقافة الشعور بالاقتدار السياسي. وعلى الرغم من أنه يمكن التقرر هنا, بأن مرشح حزب الحاكم"مرشح المؤتمر الشعبي العام الرئيس علي عبد الله صالح الأقرب إلى الاستمرار في منصبه الرئاسي لسبع سنوات قادمة؛ لأن النتائج مرهونة بمقدماتها, والمقدمات والسياق السياسي والمجتمعي العام يومئ إلى أن ثمة "تمديد سلمي للسلطة" في اليمن لا تداول سلمي للسلطة, بسبب عوامل ومحددات ما تزال تهيمن على المجتمع والدولة في اليمن, من أهمها: استمرار ذهنية الاستحواذ والتملك السياسي لدى النخبة الحاكمة وشيوع ثقافة الخوف من الجديد والمجهول, وانتشار ثقافة الحفاظ على الوضع الراهن رغم سوئه, وتشبع كثير من اليمنيين بمفاهيم الأبوية السياسية.
    وبعيداً عن الخلط بين التنجيم والتشوف والاستشراف, يمكن القول إن ما يحسب للمعارضة السياسية اليمنية (أحزاب اللقاء المشترك تحديداً) أنها قد بدأت رحلة الألف ميل بخطوة ترشيحها "الأستاذ فيصل بن شملان" ولكن يتعين التذكير والتنبيه معاً, أن الخطوات الصعبة والهامة هي بعد الانتخابات الرئاسية القادمة. وبالتالي يتعين عليها أن تعد العدة للقيام بدور المعارضة الفاعلة عبر تعزيز ثقافة التسامح والاقتراب من هموم المواطن ومشاكله والشعور بالاقتدار السياسي.

    * ختاماً: يا أيها المقربون من الحاكم السياسي اليمني وبطانته: ألا تشيروا عليه بأن اليمنيين أرق قلوباً وألين أفئدة, وأن الإيمان يمان والحكمة يمانية, كما شهد بذلك رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم) وأن اليمن كانت توسم ب"العربية السعيدة" بل إن القرآن الكريم قد وصفها بأنها "بلدة طيبة وربٌ غفور".
    ألا تعوا أن القرآن قد سجل عظمة الملكة بلقيس و شورويتها وحكمتها, بل إن التاريخ قد سجل لنا قيام حضارة يمنية تليدة عمل حكامها على الجمع بين الحكمة و الرشادة والعقلانية, وحينما جاء حكام يفتقرون للحكمة اليمانية, ظهر "الفأر" فهدم السد, والآن تظهر الثعابين لترقص رقصة التخلف والفساد في ظل ذيوع ثقافة الخوف والتعايش مع الظلم والاستبداد! آن الأوان أيها اليمانيون أن تنتقلوا من الرقص على رؤوس الثعابين, إلى مرحلة السعي للحصول على ترياق يقضي على سموم هذه الثعابين الفاسدة والمفسدة معاً, فهلا فعلتم.​
    ** عن ناس برس.
     

مشاركة هذه الصفحة