الأقلام تموت واقفة.. علي أبواب المحسنين!

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 484   الردود : 0    ‏2002-06-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-06-25
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    هذه مقالة للأستاذ الشاعر أحمد مطر تقارن بين الكاتب العربي ونظيره الغربي رأيت أن أنقلها هنا عن عدد الأربعاء 12-6-2002 من صحيفة (الرايـة):

    الأقلام تموت واقفة.. علي أبواب المحسنين!
    -----------------------------------------------------

    إذا سمعت، يوما، أنّ كاتبا عربياّ ناجحا أصبح يعتمد في معيشته علي مبيع كتبه، فينبغي أن تفرك عينيك جيدا، لكي تري أنّ زمنا عربيا جديدا قد بدأ، في غفلة منك، وأنّ قيما جديدة رائعة قد وفدت معه واستقرت علي كلّ صعيد.
    ولأنّك لن تري هذا المستحيل، حتي لو محوتَ عينيك من شدّة الفرك، فكن علي ثقة من أنّ ما سمعته يتعلّق بكاتب عربي يكتب بلغة أجنبية ويتعامل مع ناشر أجنبي. وعندئذ سوف لن تحتاج لمن يترجم لك هذه الأعجوبة، لأنها في سياقها هذا ليست أعجوبة، بل هي طريقة حياة مألوفة.
    الكاتب الأجنبي لا يختلف عن الكاتب العربي في مسألة المعاناة الإبداعية، أو مسألة البحث عن ناشر، لكنّه يختلف عنه، كلّ الاختلاف، عندما يتأكد الناشر من جودة إبداعه فيبادر إلي نشره.

    وجه الاختلاف هو أنّ الكتاب ما إن ينجح ويحقق ربحا للناشر حتي يمدّ بساط الكفاية المالية للكاتب تلقائيا، فيجعله مستقلا بمعني الكلمة، وهو معني لا يستطيع الكاتب العربي ان يدّعي امتلاكه حتي في الحلم.

    أعرف أنّ الكاتب البريطاني وليم بويد قد بعث في بداياته بمجموعة قصص إلي عدد من الناشرين، وادّعي كذبا أن عنده رواية ايضا، أحداثها مستوحاة من وقائع ظروف شخصيات قصصه القصيرة.. وحدث أنّ أحد الناشرين أعجب بتلك القصص، فأبدي موافقته علي نشرها، لكنّه تمنّي ان يبدأ، أولا، بنشر رواية بويد المزعومة، فطلب منه إرسالها إليه في أقرب وقت ممكن.
    هذه الموافقة المبدئية علي النشر، كانت كفيلة وحدها بنفخ دم السباع في عروق بويد، فلم يتردّد، مطلقا، عن الاستقالة من التدريس (مصدر رزقه الوحيد) ليغلق علي نفسه الباب، ويعكف طيلة ثلاثة أشهر علي إنجاز روايته التي لم تكن، في الأصل، إلاّ وعدا كاذبا.
    وبعد صدورها.. لم يعد بويد بحاجة إلي أحد.
    قارن هذه الحالة بحالة أيّ روائي عربي، فماذا عساك ان تتخيّل؟
    أنا، مثلا، أتخيّل رجلين، كلاهما منهمك في تجميع المناديل.. الأول لتجفيف دموع فرحته بالاستقلال، والثاني لمسح غشاوة تراب الميري الذي يتمّرغ فيه!

    في الإصدار الرابع لعام 2002 من مجلة مكتبة (ووترستون) الفصلية، تأملت رسما بيانيا لما حصل عليه بعض المؤلفين من حقوق الكتاب الاول لكل منهم، سواء المتحققة من طبعته البريطانية أو طبعاته الخارجية، فلم أملك إلا ان أعلّق علي أعمدة الرسم البياني تساؤلا مبطّنا بإجابته المرّة: كم كسب العم نجيب محفوظ من حقوق أكثر من خمسين كتابا ظلّ يجرّها طول عمره، وهو متعلّق بقطار الميري الذي لم يفته لحسن الحظ؟!
    في الرسم البياني للمجلة تفاوت في المبالغ المحصّلة، لكنني علي يقين من أن الكاتب العربي يتمنّي أن يتبرّك ولو بمسح يديه علي بلاطة أدناها.
    كتاب ايمي جنكنز (شهر العسل) مثلا، لم يحصل، واحسرتاه إلاّ علي ستمائة الف جنيه استرليني.. لكن ما يبدّد شيئا من الحسرة، أنّ كتاب بول إيدي (شرارة) قد تجاوز المليون بمائتي ألف جنيه.
    والحسرة المقصودة في كلامي هي حسرة أولئك الذين لم يبلغوا أو لم يتجاوزوا المليون بعد، أمّا حسرتي أنا علي أحوال الكاتب العربي، فهي، وللّه الحمد، في الحفظ والصّون.. والنّمو ايضا.
    إنّ اوّل نصيحة يوجّهها الكُتّاب الكبار عندنا للناشئة الذين يريدون احتراف الأدب هي: قبل كلّ شيء، إبحث لك عن مهنة تعيش منها، لأنّ مهنة الأدب وحدها لن تطعمك إلاّ الجوع.
    لذلك فإنّ تعبير قادة الرأي أو الفكر أو الأدب لا يستقيم عربيا إلاّ إذا وضع في قائمة الكوميديا السوداء ، لأنّ إنسانا يحيا ويموت تابعا لسلطة أو لحزب أوفي أحسن الأحوال لوظيفة، ربّما لن يتسنّي له أن يقود حتّي قطيعا من الخراف!
    القيادة تحتاج إلي شعور بالحرّية، والحرّية تحتاج إلي إحساس بالاستقلال، والاستقلال يقتضي، قبل كلّ شيء، ألاّ تكون لقمة الكاتب في يد غيره، وهو ما لا يملكه الكتّاب العرب جميعا، شأنهم في ذلك شأن صاحبهم شاعر العصر المملوكي أبي الحسين الجزّار ـ الذي كان يعمل جزّارا بالفعل ـ إذ شكا بعدما أدركته حرفة الأدب قائلا:
    (كان فضلي علي الكلاب فمُذ صرتُ أديبا رجوتُ فضل الكلاب).
    وهي شكوي لم تعرفها ـ علي حد علمي ـ شفة أيّة راقصة شرقية، أو حنجرة أي لاعب اكروبات ممن تعارفنا، في زمننا البهيج، علي تسميتهم بنجوم الغناء.
    فأن يستجدي الأديب، فهذه هي الأصول.. أمّا أن يعتاش من أدبه، فيا للعار. ستسمع ألف صوت أخلاقي يطنّ في أذنك متسائلا بغيرة: (أهذا أديب أم تاجر؟).
    ولأنّ الأصوات لا تصغي، فمن العبث أن تحاول إقناعها بأنّ الأدب عندما يتحوّل إلي كتاب يدخل تلقائيا إلي ميدان الصناعة، وهو ميدان تكاليف وأرباح، وإلاّ لوجب علي كلّ ناشر ان يوزّع ما يطبعه مجانا لوجه الله، لكي يحفظ للأدب العربي بهاءه، ولينزهه من رجس التجارة.

    أذكر أنّ الشاعر العراقي الراحل أحمد الصّافي النجفي، وهو من ذاق أشدّ مرارات التشرّد والفقر، قد بالغ في السخرية من هذه الحال، عندما حرّم علي الأديب أن يكسب شيئا، حتي ولو كان عن طريق (اليانصيب)، وذلك حين قال متهكما: (إذا ربح الأديبُ بيانصيبٍ.. شككتُ بأنّه حقّاً أديبُ)!
    وممّا لا شك فيه أنّ النجفي، رحمه اللّه، قد ذهب إلي بارئه أديباً قحّاً، فمن الثابت أنّه لم تلحقه شائنة الربح من كتاب، ولا علقت به وصمة الفوز في يانصيب !
    وفي حين استطاعت الكاتبة الأميركية هاربر لي أن تعيش حتّي اليوم علي مردود روايتها الوحيدة (أن تقتل طائراً محاكياً) التي نشرت عام 1960، فإنّ شاعراً عظيماً كبدر شاكر السيّاب، لم يذق في حياته كلّها طعم مردود جهده، إلاّ في مناسبة يتيمة لا علاقة لها بالشعر، يوم توسّط له جبرا إبراهيم جبرا، ليترجم رواية (الجواد الأدهم) لحساب مؤسسة فرانكلين!
    وفي هذا السياق المديد والملوّن بكل الوان الطيف، تحضرني ذكري صاعقة نزلت في السبعينات من سماء الكاتب الشهير توفيق الحكيم، عندما توجّه إليه أحد الصحافيين لإجراء حوار معه، ففوجيء به يطلب منه أجراً مقابل ذلك الحوار.
    لقد أثار ذلك الأمر من الاستياء قدرا مماثلا لما أثاره من الضحك وعدم التصديق، لكنّ الحكيم لم يتحرّج من الدفاع عن موقفه بأنّ الصحيفة التي يعمل فيها ذلك الصحافي لا توزّع نسخها علي القراء مجّاناً، فلماذا يجب عليه هو أن يبذل وقته وجهده بلا مقابل؟

    وبرغم وجاهة هذه الحجّة، فإنّ أحداً لم يحملها علي محمل الجد، بل بدا للجميع أنّ الحكيم يرسّخ بها صحّة ما يتداوله الناس عن بخله وحبّه الشديد للمال.
    ولو أنّ الصحيفة نفسها استدعت نجّاراً لإصلاح باب مقرها المخلّع، لما تأخّرت عن إعطائه أجره قبل أن يجفّ عرقه، ولما وجد النجّار من يستنكر عليه ذلك.. أمّا من يشتغل بالكلمة، فهو وحده الذي ينبغي ان يستر مهنته من العيب برداء المجانيّة.
    الطريف أنّ نيكولاس رويل محرر كتاب (حديقة النمر) الذي جمع فيه الأحلام المؤثرة في حياة أكثر من مائتي كاتب، روي في المقدمة أنّ بعض الكتّاب اعتذروا عن عدم المشاركة في الاستطلاع، وذكر أنّ أحد هؤلاء، وهو من المشاهير المميزين ممّن تحوّلوا إلي الكتابة، قد أرسل إليه خطاب اعتذار قال فيه: (أنا لا أحلم.. وإذا حلمتُ فإنّ روايتي لحلمي لن تكون مجّانيّة)!
    وبالطبع، لم يُشر رويل إلي اسم ذلك الكاتب، ولم يجعل من الأمر فضيحة، ولو فعل لوجد نفسه متهما بالقذف والتشهير.
    أمّا توفيق الحكيم، فقد كان حلالاً، حسب فتوي الأصول، أن يُشنق من رجليه في ميدان التحرير، لأنّه، وهو الحكيم، لم تهده حكمته إلي ثغرة واضحة في القضية من شأنها أن تدحض حجّته، وهي: أنّه كاتب عربي يكتب بالعربية في بلد عربي.
    فإذا تذكّرنا أنّ التقاليد الراسخة تفرض علي الكاتب العربي أن ينتج تبراً وأن يأكل تبناً، فإننا سنفهم جيداً أنّ (بدعة) الحكيم كانت ـ ولا تزال ـ شبيهة بمحاولة إيقاف قطار كهربائي باليد المجردة.ا


    سوالف ليل - وردة نار
     

مشاركة هذه الصفحة