توقعات وهواجس إسرائيلية ,,,, مقال جديرة بالتمعن "ألجزء الأول"

الكاتب : Faris   المشاهدات : 506   الردود : 0    ‏2006-08-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-08-01
  1. Faris

    Faris عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-09-28
    المشاركات:
    1,155
    الإعجاب :
    0

    اعجبني هذا المقال
    فنقلته لاخواني في المجلس العام
    للقراءة والتمعن


    توقعات وهواجس إسرائيلية


    بقلم: د. خير الدين عبد الرحمن

    " ألجزء الأول"

    نوقن بأنه لايعلم الغيب إلا الله، لكننا نؤمن في الوقت ذاته بالتفكر والتدبر والتبصر والمقارنة والتحليل والاستنباط واستخلاص قوانين التطور العامة على ضوء التوجهات الرئيسة لتياراته الكبرى في التاريخ أساسا صالحا لعلم حقيقي هوعلم المستقبليات، الذي يختلف تماما عن التنجيم وقراءة الطالع. بهذا الفهم ندرك الأسس التي يستند إليها خبراء أو علماء في رسم ملامح مشاهد مستقبلية يتوقعون عبرها تطورات معينة،أو تحولات في مسار صراع ما،أوتغيرات في توجهات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية أو اجتماعية.
    عندما كتب سيمون بيرسون Pearson Simon مثلا، وكان معاونا لمساعد رئيس أركان القوات البريطانية لشؤون التخطيط العسكري، متوقعا انفجار حرب شاملة، أو عالمية، في العام 2006، في كتابه الذي يؤكد هذا التوقع ابتداء من عنوانه (الحرب الشاملة 2006 (Total War ، فإنه قرأ مسار تفاعلات عوامل التفجير التي تدفع بقوة نحو هذه الحرب على امتداد العالم .لم تكن القوات الأمريكية قد غزت العراق واحتلته آنذاك، ولذلك لم يشر بيرسون إلى مأزق القوات الأمريكية الكبير هناك ،حيث تؤكد غالبية دراسات الخبراء الأمريكيين وغير الأمريكيين أن حرب الولايات المتحدة في العراق قد انتهت الى هزيمة ،وأن كل ما يستطيعه صناع القرار الأمريكيين الآن هو الحد من تفاقم الخسائر وتقليص مرارة الهزيمة عبر تسريع الانسحاب من العراق ،وإلا اضطرت الولايات المتحدة إلي خوض مواجهات ميدانية متعددة على عدة مسارح ،بما يؤدي إلى يتعاظم استنزافها ومضاعفة خسائرها وزيادة خطورة هزيمتها أكثر.
    عدد بيرسون أبرز عوامل التفجير المنذرة بحرب عظمى على امتداد العالم بالحملة العنصرية ضد العرب والمسلمين في أوربا وأمريكا الشمالية ،وتسارع تجدد انفجار كبير للصراع العربي -الصهيوني على نحو ما أكدت انتفاضة الأقصى وتساقط الأقنعة الزائفة لادعاءات السلام الموهوم،والنار المتقدة تحت الرماد في البلقان،وفشل السياسات الغربية في الخليج على ضفتيه العربية والإيرانية الذي زاد من فعالية الغليان الشعبي الرافض للوجود الأمريكي هناك والتسلل الصهيوني المواكب له ،وزاد من احتمالات رد إيران على تصاعد الضغوط الغربية باغلاق خليج هرمز -الطريق الرئيس لإمدادات النفط، ربما متزامنا مع إعادة إغلاق قناة السويس تحت ضغط شعبي رافض لمزيد من الانهيار الذي تم تحت غواية التسوية السلمية والصلح والتعايش مع الغزوة الصهيونية.
    أشار بيرسون أيضا من بين عوامل انفجار حرب شاملة وشيكة إلى الطريق المسدود للصراع في أيرلندا الشمالية ونمو التوترات في شبه الجزيرة الكورية .تذكرنا على الفور لدى قراءة المشهد المستقبلى الذي توقعه الجنرال بيرسون ماجاء في توقعات وتحليلات العديد من الخبراء الآخرين، مثل ماذكره ضابط المخابرات البريطانية وليام كار في مطلع كتابه "أحجار على رقعة الشطرنج" عن مخطط حرب عالمية ثالثة تنشب نتيجة الصراع بين الصهيونية السياسية والعالم الإسلامي.
    اتضح اليوم بجلاء مدى جدية ما كنا نعتبره خلال عقود طويلة مجرد مبالغات صهيوينة وتبجح لا حظ له في النجاح ،عندما كان الحديث يجري عن تحكم يطبق على عنق العالم ،أو إلاعلان قبل عشرين سنة مثلا عن القرن الحادي والعشرين قرنا إسرائيلياً كما كان القرن التاسع عشر بريطانياً وكما كان القرن العشرون أمريكياً، فالمدى الذي تحقق في دمج المصالح والخطط الاستراتيجية الأمريكية بالإسرائيلية، والهيمنة الصهيونية السافرة على مفاصل رسم السياسات واتخاذ القرارات في الولايات المتحدة، والتحكم الصهيوني بمواقع النفوذ والمؤسسات الفاعلة الكبرى السياسية والاقتصادية والإعلامية -وحتى القضائية في الولايات المتحدة ومعظم البلدان الصناعية، وهو تحكم امتد إلى عشرات الدول الأخرى بالتبعية، مؤشرات على نجاح صهيوني كبير في تحويل الوهم إلى طموح مجنون تتبناه القوة الأمريكية العظمى ،ولو تجاوزت كل الحسابات المنطقية في هذا الصدد.
    طبيعي أن مثل هذا النجاح في سياق الصراع العربي المصيري ضد الغزوة الصهيونية التى كانت مرحلتها الأولى اغتصاب فلسطين تجسيد لفشل وتراجع في الطرف العربي. من أبرز مظاهر هذا النجاح الصهيوني تمرير قوانين عجيبة في الولايات المتحدة والعديد من البلدان الأوربية تجبر العرب والمسلمين على محو ذاكرتهم، ونفي وجود نكبتهم، وطي صفحة حقوقهم الوطنية والقانونية ،التاريخية والراهنة ،في مقابل فرض قولبة لذاكرة الغرب جعلت من المحرقة وأرقام الضحايا مبالغ بها جدا أطلقتها الصهيونية أداة ابتزاز أبدية، وفرضت الانصياع للمطالب والرغبات الصهيونية التزاما تلقائيا لايقبل مساءلة. إن صحوة توقف التشتت الانهيار العربي ،وتمهد لنهوض يتصدى لغزو استباحنا أرضا وبشرا وقيما وعقيدة ومصيرا، قد باتت الهم اليومي للمواطن العربي -وللناس على امتداد العالم الإسلامي أيضا- إلى جانب لقمة الخبز واستعادة بعض الكرامة والوزن.
    إن الإمعان الصهيوني في امتهان القيم الإنسانية وحقوق الشعوب وجوهر العدالة وأحكام القانون الدولي محميا بحصانة أمريكية ونفاق دول عديدة، يستنفر النهوض العربي أكثر. نقف مثلا عند جلسة الجمعية العمومية للأمم المتحدة يوم الاثنين 24-1-2005م، التي تم تكريسها للاحتفال بالذكرى الستين لسقوط معتقل أوشفيتز في بولندا بأيدي جيوش الحلفاء سنة 1945. كان مشهدا ملفتا للنظر أن يوغل الخطباء في الخلط المفضوح بين موقف إنساني طبيعي يتعاطف مع كل ضحايا القمع والاستبداد والعنصرية، أيا كان انتماؤهم الديني أو العرقي أو القومي ،وبين نفاق **** لكيان الاغتصاب الصهيوني العنصري لفلسطين، وتجاهل معتمد -إلى حد التبرئة- لسجل هذا الكيان الأسود في ارتكاب الجازر الجماعية وشن حروب الإبادة والاعتداءات المتلاحقة ضد الشعب الفلسطيني وشعوب عربية أخرى، بما في ذلك محو نحو خمسمئة بلدة وقرية فلسطينية تماما عن سطح الأرض، وتشريد ثلثي الشعب الفلسطيني لاجئين في المنافي منذ العام 1948، ورفضه قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى احترام حق هؤلاء اللاجئين في العودة إلى ديارهم، بل وتجاهلا لامتهان ذلك الكيان الصهيوني كافة قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع الناجم عن الغزوة الصهيونية فلسطين، وامتداد عدوانه المتكرر ومجازره إلى العديد من البلدان العربية الأخرى المحيطة بفلسطين والبعيدة عنها.
    بلغ النفاق ذروته بتلاوة صلاة يهودية رددها الحاضرون باللغة العبرية ،ثم وقوفهم لترديد النشيد الرسمى للكيان الصهيوني (هاتيكفاه)!!
    ولكن هذا الاندفاع الصهيوني المجنون الذي لايتورع عن المجازفة مجددا بتفجير حرب عظمى على امتداد آسيا وقارات أخرى هل يعكس فعالية حقيقية لتراكم القوة العسكرية التي توفرها ترسانة هائلة من أسلحه الدمار الشامل المختلفة وآخر ابتكارات الوسائط والتجهيزات الحربية التي تمكن الكيان الصهيوني من حيازتها؟
    إن متابعة متمعنة في رصد وتحليل وتوقعات قادة ومفكرين صهاينة بارزين التطور في العلاقات والسلوك والأحداث في كيانهم ضرورية جدا لتجنب الوقوع ضحية الانطباع الأول المتسرع الذي تفرضه تلك الترسانة الصهيونية عاجّاً بالهلع.
    عندما تجعل صحيفة مثل جيروزاليم بوست عنوان تحليل هام نشرته صرخة استنجاد وهلع تقول "المزيد من اليهود..نرجوكم"(1)، وهي الصحيفة التي يهيمن عليها اليمين الصهيوني المتزمت المتمسك بإسرائيل الكبرى، فان الحديث عن مأزق استراتيجي للمشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري في فلسطين ،أو أفوله، لايكون أحلام يقظة لعرب استعصوا على "التطويع" أو يصرون على العيش في الخيال. كانت إسرائيل الكبرى -التي اعتبرها كثير من الصهاينة في زمن التراجع العربي أمرا واقعا وشيكا، وخطوة نحو تكريس القرن الحادي والعشرين قرنا إسرائيلياً، كما تبجح بعض قادة الصهاينة قبل ربع قرن، تبجحاً أقرب مايكون إلى الكوميديا الجغرافية أو العقائدية ،على حد وصف الكتب اليهودي البولوني آلان مينك.
    فحتى إسرائيل الصغرى التي غرسها الغرب قسرا على أرض فلسطين، والتي أثبتت بممارساتها أنها تراجيديا أخلاقية وإنسانية بكل المعايير ،تتجه بتسارع واضح لكل من يمتلك بصيرة تعي مسار التاريخ إلى نفس مصير أي كائن طفيلي مفتعل يتحدى وسطا يرفضه باصرار ويصر على أن يلفظه، مهما كان ذلك الكائن شرسا، ومدعوما بعوامل خارجية .لقد اعترف أفيغدور ليبرمان، الوزير الصهيوني العنصري الموغل في التطرف، الذي طالما دعا إلى إبادة العرب إبادة شاملة، مؤخرا بيأس في مقابلة صحفية أن استمرار الأوضاع والسياسة الحالية لإسرائيل يحتم انهيار الدولة خلال عشرين سنة.
    انطلقت صرخة هلع صحيفة جيروزاليم بوست التي أشرنا إليها من الإحصائيات الرسمية التي تبين انخفاضا حادا في معدل الهجرة اليهودية إلى فلسطين المغتصبة وعزوفا عن الاستجابة لكل الحوافز والمغريات المادية والمعنوية ،ناهيك عن اضمحلال تأثير الدافع الديني الذي جرى تسخيره بكثافة شديدة منذ بدء مشروع الاغتصاب الصهيوني لفلسطين.
    واكب العزوف عن الهجرة، واتساع نطاق الهجرة المعاكسة يأسا من الغد، وتفاقم ظاهرة تقلص الاهتمام بالعمل اليهودي الموحد في أوساط الجاليات اليهودية الكبرى في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وسواها، الأمر الذي انعكس شحاً في المساعدات والاستثمارات المالية اليهودية التي اعتمد الاستيطان الصهيوني عليها على امتداد المئة سنة الماضية .بل إن الشكوى الإسرائيلية من تلاشي اكتراث اليهودية الأمريكيين خاصة بدعم إسرائيل قد بلغت مستويات غير مسبوقة. اشتكت هذه الصحيفة الصهيونية بمرارة من اضمحلال الروح اليهودية لدى تلك الجاليات، مستندة إلى أرقام ومؤشرات عديدة عن نسب عالية جدا للزواج المختلط نتج عنها مثلا أن 93%من أبناء العائلات التي قامت على الزواج المختلط في الولايات المتحدة الأمريكية لايذهبون إلى مدارس يهودية، علاوة على أن قرابة نصف العائلات اليهودية البحتة (المكونة من أبوين يهوديين) في أمريكا لا يذهبون الى مدارس يهودية.
    ومن المؤشرات التي ساقها التحليل انقلاب واضح في مدى التزام الرأي العام الغربي بإسرائيل وتعاطفه معها، وفي مقابل تعاظم نسبة المعادين لها. لقد تحدثت الكاتبة جوزيت آليا -مثلما تحدث كثيرون- في كتابها "النجمة الزرقاء والقبعات السوداء" الصادر سنة 1999 في باريس عن تعاظم تناقضات الهوية في المجتمع الاسرائيلي وما قرره الكاتب الاسرائيلي توم سيجيف في كتابه "ما بعد الصهيونية وأمركة اسرائيل" عن دخول مرحلة مراجعة وإعادة نظر في كثير من المسلمات التاريخية والوطنية والعقائدية ومسائل التعامل الداخلي والخارجي، بعد اضمحلال الأيدولوجيا أمام هجمة قيم العولمة الأمريكية التي هيمنت بقوة على المجتمع الاسرائيلي، وبدأ تلاشي تأثير الأصولية الصهيونية والأصولية اليهودية، وافتضحت عدة أكاذيب شكلت في الماضي أساسا راسخا للوعي العقيدي الصهيوني وما ترتب عليه من سلوك جمعي جسدته قيم ومعتقدات أخذت تتهاوى الآن.​


     

مشاركة هذه الصفحة