حرب الأسرى.. المقاومة تأخذ دور الحكومات.

الكاتب : jathom   المشاهدات : 391   الردود : 0    ‏2006-07-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-07-16
  1. jathom

    jathom قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2006-06-22
    المشاركات:
    12,498
    الإعجاب :
    0
    حرب الأسرى.. المقاومة تأخذ دور الحكومات

    محمد جمال عرفة**




    الطائرات الحربية الإسرائيلية تقصف جنوب بيروت

    هل أخطأ حزب الله عندما قام بعملية أسر الجنديين الإسرائيليين وقتل 7 جنود آخرين؛ لأنه لم يبلغ الحكومة اللبنانية بالعملية ولم يشركها في حسابات اتخاذ القرار وتداعياته على البنية التحتية اللبنانية، وأخذ كل لبنان لحالة حرب ودمار، أم أنه أصاب لأنه يدرك أن حكومته ضعيفة ومنقسمة وليس لها القدرة في كل الأحوال على اتخاذ مثل هذه القرارات أو تحمل تبعاتها، أو صد العدوان التالي للعملية فضلا عن أن مقاتليه هم من سيديرون المعركة؟ وهل لو أبلغ الحزب الحكومة بالعملية -التي سبق أن أعلن عنها نصر الله عشرات المرات في مؤتمرات صحفية- كانت ستوافق؟.

    وهل قام حزب الله بهذه العملية النوعية كمغامرة غير محسوبة العواقب والنتائج، دون أن يكون مستعدا لمواجهة استحقاقاتها؟ وهل فعلها أخيرا لخلط الأوراق في المنطقة العربية لمصلحة إيران ولحسابات إقليمية خاصة ألمحت قوى سياسية عربية رسمية أنها "خدمت أجندة الشيعة في المنطقة" والإضرار بالمنطقة؟.

    لا شك أن عجز الحكومات العربية منذ فترات طويلة عن استرجاع الأرض المحتلة والأسرى المحتجزين، وانضواء أغلبها تحت الجناح الأمريكي ورضوخها، خصوصا في ظل مرحلة القوة الواحدة الأمريكية، فضلا عن انتهاء الحروب التقليدية الكبيرة في عالم اليوم وشيوع نموذج الحروب الصغيرة، أدى إلى أن تأخذ المقاومة في فلسطين ولبنان زمام المبادرة في التحرك وتلعب دور الحكومات، ليس فقط بعدما سلمت الحكومات بأنها لن تحارب، ولكن أيضا لرفع الحرج عن الحكومات وإخلاء مسئولياتها.

    ولا شك أن ما ينطبق على المقاومة الفلسطينية (الضعيفة في التسليح والتي تقع في قبضة الاحتلال مباشرة) لا ينطبق بدوره على مقاومة حزب الله في لبنان لاختلاف التجهيزات والمعدات العسكرية والقدرات التدريبية، فضلا عن قوة وصمود وإصرار ممولي المقاومة اللبنانية (إيران)، ولهذا من غير المنطقي المساواة بين عمليتي أسر الجنود في غزة وجنوب لبنان، والحكم على العمليتين من منظور واحد رغم أحقية كل طرف في إدارة المعركة مع الاحتلال بسبب انتهاء دور الحكومات.

    قوة حزب أعتى من دولة

    ولهذا يمكن القول: إن حزب الله كان يدرك العواقب عندما أسر الجنديين في جنوب لبنان، والأهم أنه كان مستعدا لكل الاحتمالات التي قد تحدث مستفيدا من أنه حركة مقاومة وليس ملتزما بأية مواثيق دولية تلتزم بها حكومته.

    فقد قال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله قبل اندلاع المعارك بوضوح: "إن المقاومة لا تريد التصعيد، لکنها مستعدة للمواجهة إذا قررت إسرائيل تصعيد وتأزيم الأوضاع.. لا نريد التصعيد في الجنوب ولا نريد أخذ لبنان إلى حرب، ولکن إذا أراد العدو التصعيد فنحن جاهزون للمواجهة إلى أبعد ما يمكن".

    وأضاف: "إن قرار عملية الأسر لم يكن مفاجئا؛ بل هو قرار متخذ سابقا، ويأتي ضمن عملية الدعم للشعب الفلسطيني الذي يُقتل على مرأى ومسمع العالم"، كذلك قال أمين شري النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني: "إن المقاومة تمتلك الجاهزية الكاملة لمواجهة أي تصعيد إسرائيلي مستقبلي ضد لبنان".

    بعبارة أخرى: لم يقم حزب الله بما قام به كمغامرة غير محسوبة، فهو أقوى اليوم عشر مرات مما كان عليه الحال قبل عشر سنوات أو عشرين سنة، والشيخ حسن نصر الله أعلن قبل ستة أشهر أنه يملك في جعبته ثلاثين ألف صاروخ قادرة على زلزلة الكيان الإسرائيلي، كما أعلن عقب أسر الجنديين أن في جعبة حزبه العديد من "المفاجآت" للإسرائيليين لو اختاروا الحرب، ظهر منها طائرات حزب الله بلا طيار التي قصفت البارجة الإسرائيلية والبقية تأتي بقصف مدن إسرائيلية لأول مرة في العمق الإسرائيلي.

    وعندما صعّد الإسرائيليون المعركة بحرب شاملة ضد لبنان، رد نصر الله قائلا للإسرائيليين: "أردتموها حربا مفتوحة ونحن ذاهبون إلى الحرب المفتوحة ومستعدون لها (...) إلى حيفا وإلى ما بعد حيفا". هذه التصريحات تأتي مواكبة لتقارير هامة لمراكز الأبحاث العسكرية وتقرير جينز العسكري التي تؤكد أن حزب الله يمتلك آلاف صواريخ الكاتيوشا المتطورة التي تصل لعمق 70 كم، فضلا عن صواريخ زلزال-1 التي يبلغ مداها 150 كم ويمكنها الوصول إلى تل أبيب.

    ولهذا أيضا قال نصر الله: إن العصر الذي كانت إسرائيل تجول فيه وتقتل اللبنانيين دون مقابل انتهى، وإن أطفالهم وأسرهم ستعاني مثلما يعاني أطفال لبنان. وبالتالي فقد رأى بعض المحللين أن "المغامرة" التي قام بها حزب الله محسوبة ومخططة، وأن نتائجها في نهاية الأمر ستكون إهانة للجيش الإسرائيلي وتكسر هيبته، في حين أن الاعتداءات الإسرائيلية أمر معتاد للبنانيين بعكس هروب مليون إسرائيلي من الشمال أو نزولهم المخابئ على مدار الـ 24 ساعة.

    والأكثر أهمية -ويظهر مدى حنكة خطط حزب الله- أن المقاومة طورت وسائلها وسلاحها واستفادت من التجارب السابقة مع إسرائيل، كما أنها تتحرك وفق تصور إستراتيجي هادئ بدون انفعال؛ حيث تقوم خططها غالبا على إطلاق دفعات أقل من الصواريخ تليها دفعات أكبر، وتبدأ من أقرب المدن حتى أبعد المدن الإسرائيلية (13 مستوطنة ضربت حتى الآن في الشمال الإسرائيلي، بعضها لأول مرة)، كما أن هجماتها دقيقة (كما اعترفت بذلك وسائل الإعلام الإسرائيلية)، وترد على أهداف مختارة مثل مراكز القيادة الإسرائيلية والمطارات في المستوطنات ومرابض المدفعية والوقود.

    الجبهة الداخلية


    حزب الله يرد باستهداف بوارج إسرائيلية تحاصر الساحل اللبناني

    بل إن أحد الأهداف التي ربما لجأ إليها حزب الله والمقاومة الفلسطينية في عملياتهما -إضافة لسحب البساط من تحت أقدام الحكومات- ربما كان السعي لتوحيد الجبهة الداخلية المفككة في فلسطين ولبنان من جراء الصراعات السياسية بين أطراف ترفع شعار المقاومة، وأخرى تقبل بالتسويات التي يفرضها البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية.

    فقد أدت عمليات أسر الجنود الصهاينة وما تلاها من مجازر إسرائيلية في المدن الفلسطينية واللبنانية لتوحيد الجبهة الداخلية المتشرذمة خصوصا في فلسطين بعدما وصل الأمر لحافة الاقتتال الداخلي، وحتى في لبنان، ورغم التنصل الحكومي من عملية حزب الله، وهجوم قوى محلية ضمنا على العملية باعتبار أنها لتحقيق أجندات أطراف أخرى (سوريا ولبنان) على حساب لبنان، فقد توحدت الجبهة الداخلية وأصبح الجميع يدرك أن حزب الله هو الجيش الحقيقي الذي يحمي لبنان، ويحمل درعا للردع أو توازن الرعب مع العدو الإسرائيلي.

    أيضا أصبحت هناك وجوه قيادية جديدة من المقاومة تقود الدولة وتغطي على دور الرموز الحكومية، مثل شخصيات قادة حماس في فلسطين الذين قدموا وجوها وتجارب جديدة، وقادة حزب الله. هذه الوجوه القيادية التي تنتمي للمقاومة ليست رهينة للعبة السياسية الخارجية والقيود الأزلية الخارجية على الحكومات، وليست رهينة بالتبعية لأي قوى أو أنظمة عربية أو أجنبية.

    هذا الأمر هو ما ألمح إليه نصر الله بوضوح حينما قال: "نحن أمام خيارين، إما أن نخضع للشروط التي يريد العدو إملاءها علينا بدعم دولي وأمريكي وللأسف عربي، وتعني إدخال لبنان في العصر الإسرائيلي... وإما أن نصمد ونواجه، خصوصا أن الغرب والولايات المتحدة بدءوا يضغطون بسلاح التهديد بأنه ما لم تضغط الحكومات على حزب الله لوقف إطلاق الصواريخ فسوف تتعرض سوريا لضربات إسرائيلية".

    من يعارض فهو خاسر

    والمشكل في هذا الموقف العربي الرسمي - الذي دفع المقاومة دفعا لتسلم دوره- أنه بمثابة امتداد لمحور "لا حول لنا ولا قوة" الذي تشكل عام 2002 في العديد من الدول العربية قبل ضرب العراق، عندما أدلى العديد من القادة والمسئولين العرب بتصريحات يسلمون فيها بأن ضرب العراق أصبح أمرا واقعا لا رادّ لقضاء أمريكا فيه!.

    وهو محور استمر ناشطا منذ ذلك الحين ولخصه الزعيم الليبي العقيد "معمر القذافي" بالقول: إنه "لا يمكن إلا أن نستسلم للشرعية الدولية مهما كانت مزورة من قِبل أمريكا، وأن "المعارض" -يقصد لأمريكا- خسران وسوف تدوسه الأقدام"!.

    بعبارة أخرى: كان من الطبيعي في ظل تآكل النظام الإقليمي العربي وتحرك كل دولة عربية وفق مصالحها الخاصة، أن تظهر قوى شعبية غير رسمية وحركات مقاومة تقود المقاومة ضد الاحتلال وقوى الهيمنة الدولية، وتكون أكثر عزيمة.

    قد يكون حزب الله مخطئا بالتالي لو كان قد خطط لعملية تسخين المنطقة دون أن يكون لديه الأوراق اللازمة للعب مع الجيش الإسرائيلي، وقد يكون مخطئا لو كان قد تحرك دون هدف ووعي بما يقوم به، ولكن تطور المعارك -رغم أن حزب الله لم يكن يتصور أن تصل لهذا الحد- يظهر بوضوح أن حزب الله يدرك عواقب فعله ومستعد لها.

    فلم يقل زعيم الحزب نصر الله شيئا حماسيا أو تهديدات جوفاء، ولكنه تحدث عن أمور وقعت بالفعل؛ فقد ألمح أكثر من مرة لخطف جنود إسرائيليين أحياء ونفذ، وحذر من مفاجآت لحزب الله في الحرب وحدثت في صورة ضرب البارجة الإسرائيلية وضرب مدن إسرائيلية لأول مرة مثل طبرية وحيفا وغيرها، وحتى الصواريخ التي اعترفت إسرائيل بأنه يمتلكها وقادر على ضرب تل أبيب نفسها لم يستخدمها بعشوائية، ولكن وفق مخطط مدروس بتوسيع قصف المدن الإسرائيلية تدريجيا في العمق، وربما يدخر أكثر هذه الأسلحة قوة لمرحلة لاحقة، خصوصا أن المعارك مرشحة لمرحلة طويلة قد تستمر لشهور وليس فقط أسابيع.

    مرحلة إحلال المقاومة محل الحكومات فيما يخص قضايا تحرير الأرض والأسرى ربما تكون بدأت في لبنان وفلسطين، أو أرخت لنفسها في المعارك الحالية في فلسطين ولبنان، أما آثار هذه المرحلة فربما لم تظهر بعد ويحجبها ضباب الحرب، ولكنها ستظهر بصورة كبرى في حالة تضحية الحكومات بحزب الله وحركة حماس من أجل ترضية الولايات المتحدة والغرب على حساب القضايا العربية.


    --------------------------------------------------------------------------------

    ** المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
     

مشاركة هذه الصفحة