الصمود الفلسطيني يغير قواعد اللعبة*

الكاتب : safeer   المشاهدات : 477   الردود : 0    ‏2006-07-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-07-16
  1. safeer

    safeer عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-05-20
    المشاركات:
    1,144
    الإعجاب :
    0
    الصمود الفلسطيني يغير قواعد اللعبة*
    د‏.‏ حسن أبو طالب**



    تدمير محطة للوقود بصيدا..دليل على الاستخدام العدواني للقوة
    في أقل من شهر واحد‏،‏ استطاعت المقاومة الفلسطينية واللبنانية أسر ثلاثة جنود إسرائيليين‏،‏ في عمليتين كشفتا عن درجة عالية من الجرأة والخيال‏، ‏ كما قدمتا الدليل على أن إسرائيل، وبالرغم من آلتها العسكرية الهائلة والمتوحشة، منكشفة أمنيا أمام المقاومة في الأراضي المحتلة‏.‏
    والمفارقة هنا أن أي مقارنة مادية تتعلق بحجم الجيوش والعتاد تعطي لإسرائيل السبق والريادة‏،‏ وحين يتم إدخال العناصر المعنوية كالإيمان بعدالة القضية والرغبة الشديدة في التضحية من أجلها،‏ وعدم الخوف من العدو رغم آلته العسكرية واليقين بأن التاريخ ينصف المدافعين عن حقوقهم ويتخلي عن الغاصبين‏،‏ تتغير المعادلة رأسا على عقب‏،‏ ويصبح القوي ماديا منكشفا أمنيا ويتملكه الخوف على مصيره بدرجة هيستيرية‏،‏ ويتحول الضعيف ماديا إلى قوي يخيف عدوه‏.‏
    فالقوة المادية وحدها بلا سند أخلاقي وشرعي تمثل عبئا على صاحبها‏،‏ كما تدفعه دائما إلى توهم الانتصار على من حوله‏، ومن ثم ارتكاب الأخطاء الكبرى الواحدة تلو الأخرى‏.‏ ومشكلة إسرائيل الكبرى هي في الغطرسة المنزوعة الشرعية‏، والنفاق الدولي الذي يحيط بها من قبل أوروبا والولايات المتحدة‏،‏ والضعف العربي العام‏.‏
    وهي عناصر تصور لقادتها أنهم قادرون على فرض إرادتهم على الضعفاء من حولهم ووضع الخطط الأحادية دون منازعة من أحد‏.‏
    بيد أن الواقع بكل ما فيه من غرائب ومفارقات يطيح بمثل هذا التفكير المريض‏،‏ ويوفر دروسا كبرى لمن لديه ذرة من عقل؛‏ فإرادة إسرائيل مغلولة،‏‏ وكرامة جيشها مهدورة،‏‏ وشعورها بالأمن مفقود،‏ وبوصلة مستقبلها ضائعة‏.‏
    مس من الجنون
    تبدو تحركات إسرائيل العسكرية الهمجية ضد الفلسطينيين نتيجة مس من الجنون حسب قول رئيس الوزراء أولمرت‏،‏ والذي أعلن صراحة أنه سيتصرف كمن أصابه الجنون‏.‏ ولا يصل إلى هذا الدرك إلا من فقد البوصلة الواعية والدقيقة‏.‏ وتبدو الأهداف المعلنة من مثل هذا التصرف‏،‏ كالإفراج عن الجندي الأسير دون مقابل،‏‏ ووقف قصف المستعمرات الإسرائيلية بالصواريخ الفلسطينية المحدودة القيمة والإذعان العام للحصار الوحشي‏‏ وعدم انتظار الإفراج عن أي أسير فلسطيني‏،‏ وكأن إسرائيل صاحبة القرار الأوحد في المنطقة،‏ وأن الفلسطينيين جسد بلا روح أو عزيمة‏.‏ وهو تصور يصدر فقط عن الذين لا يقدرون على رؤية الصورة كما هي‏،‏ وهذه الصورة ببساطة متناهية تقول إن إرادة الشعوب أقوى من أي احتلال وأشد من أي عمل همجي‏‏، وأن قدرتها على استيعاب هذه الضغوط لا حدود لها‏.‏
    ومع دخول حزب الله على خط العمليات النوعية، ونجاحه في أسر جنديين آخرين وقتل سبعة آخرين‏،‏ تتغير قواعد اللعبة الإقليمية التي أرادت إسرائيل فرضها على الجميع‏.‏ وهو تغير محمل باحتمالات شتى على المدى القريب؛‏ كقيام إسرائيل بهجوم بري لمناطق من الجنوب اللبناني،‏ وتوجيه هجمات جوية متتالية لأهداف مدنية وبنية تحتية ذات قيمة،‏ وتوجيه ضربات لأهداف سورية مدنية أو عسكرية‏،‏ وربما محاولة جر سوريا إلى معركة محدودة‏.‏ وفي كل هذه الصور من الأعمال العسكرية العدوانية لن يتحقق هدف تحرير الأسيرين بأي حال‏،‏ كما أن تصور قادة إسرائيل بأن عملا عسكريا كبيرا قد يحطم بنية حزب الله اللبناني هو وهم كبير ولا مجال لتحقيقه بأي حال‏.‏
    فحزب الله في العام‏2006‏ أكبر كثيرا من حزب الله في العام‏ 1982،‏ عام انطلاقه لأول مرة كقوة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي‏.‏ وعلى مدي عشرين عاما تطورت الإمكانات والخبرات القتالية والامتدادات الإقليمية على نحو يجعل عودة عقارب الساعة إلى الوراء كما يبشر بذلك رئيس المنطقة العسكرية الشمالية لفلسطين المحتلة بمثابة مأزق لإسرائيل نفسها قبل أن يكون مأزقا لحزب الله نفسه‏.‏ وأي عمل عسكري بري في الجنوب سيكون بمثابة من يحفر قبره بيديه‏.
    وقد تستمر العمليات العدوانية العسكرية الإسرائيلية من الجو لأيام أو حتى لعدة أسابيع مقبلة‏.‏ ويعرف القاصي والداني أن هدفها يتعلق أساسا بالداخل الإسرائيلي وليس بتحقيق انتصار عسكري ساحق على المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية‏.‏ فهذه هي المرة الأولى التي يكون فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع من المدنيين وليسا من الجنرالات العسكريين‏.‏ وهو عامل يجعلهما يخضعان بسهولة لابتزاز العسكريين والمتطرفين،‏ تحت وهم أن الاستخدام المفرط والعدواني للقوة العسكرية كفيل بأن يمحو عار الخيبة والانكسار أمام المقاومة العربية وعملياتها الجريئة‏،‏ وكفيل أيضا أن يرفع شعبيتهما داخليا‏.
    ووفقا للسوابق الإسرائيلية نفسها، فإن مثل هذه الأوهام سريعا ما تتبدد أمام الصمود الفلسطيني وأمام جراءة المقاومة اللبنانية،‏ وعندها تتفتح أبواب الجدل الداخلي حول جدوى القوة المفرطة التي لم تحقق أيا من أهدافها‏،‏ ووسط هذا الجدل يبدأ التراجع ويبدأ معه أيضا الحصاد المر للسياسيين والعسكريين على السواء‏.‏
    ما ترجحه السوابق الإسرائيلية العدوانية من فشل مؤكد ومراجعة ونقد شديدين في الداخل‏،‏ ثم بحث عن حل يحفظ ماء الوجه تقدمه أطراف دولية وإقليمية هو المشهد الأكثر احتمالا في غضون أسابيع قليلة‏.‏ وهنا يمكن للمرء أن يتساءل عما قد تقدمه مصر في إطار سعيها الدائم لوقف العدوان على الشعب الفلسطيني ومنع اندلاع أي حرب إقليمية،‏ وتهيئة الأجواء لمفاوضات جادة من أجل تسوية تاريخية قابلة للحياة‏.‏
    وفي ظني أن مصر لديها الدوافع والإمكانات والاتصالات الدولية العريضة التي تؤهلها أن تكون بوابة لحل يتضمن عدة عناصر متكاملة‏،‏ أولها وقف العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين ووقف التصعيد العسكري ضد لبنان وسوريا‏،‏ وتسوية قضية الأسرى الإسرائيليين بالتزامن مع الإفراج عن عدد مناسب من الأسرى الفلسطينيين والعرب واللبنانيين‏،‏ وتقديم الأطراف المعنية ضمانات لبعضها البعض بعدم الإقدام على أي عمل ضد الطرف الآخر‏،‏ وربما تكون هذه الضمانات الذاتية مصحوبة بضمانات دولية وإقليمية‏.‏
    هذا التصور العملي للمخرج من أزمة الأسرى من الجانبين‏ قد يواجه عقبة الرفض الإسرائيلي لفكرة التفاوض مع منظمات أو جماعات تصفها هي بالإرهاب‏،‏ لكن هذه العقبة ليست مقدسة حتى لدى الإسرائيليين أنفسهم‏،‏ فهم فاوضوا من قبل حزب الله نفسه‏،‏ وتوصلوا معه إلى صفقة تبادل الأسرى الشهيرة في ديسمبر 2004، وليس هناك ما يمنع أن يكون هناك تفاوض آخر مع حزب الله وفق النمط السابق ذاته‏،‏ أي عبر وسيط دولي مقبول وإجراءات متزامنة وضمانات خطية‏.‏ كما أن إسرائيل تفاوضت مع منظمة التحرير الفلسطينية من قبل‏،‏ والتي كانت تصفها بمنظمة إرهابية‏.‏
    وهؤلاء الذين يدركون حقيقة المأزق الذي تعيشه إسرائيل‏،‏ ومن ورائه المأزق الذي تعانيه الولايات المتحدة في العراق‏،‏ ووجود لاعبين دوليين وإقليميين جدد لهم قدرتهم المؤكدة على التأثير في مصير الإقليم وفي معادلاته الجديدة‏،‏ جنبا إلى جنب مع منظمات عابرة للحدود تكتسب أرضا جديدة كل يوم وتؤثر بدورها في حالة الإقليم ككل‏،‏ كل ذلك يفضي إلى حل عقلاني واحد يقضي بوقف العدوان والبحث عن مخرج تفاوضي لا بديل عنه‏.‏ فلقد ولى زمن القوة سواء مفرطة أو محدودة‏،‏ وولى معه زمن الغطرسة وأوهام التفوق المطلق‏،‏ والعاقل هو من يعرف أن التاريخ ينصف المؤمنين بعدالة قضيتهم‏،‏ والفلسطينيون هم الأجدر بذلك بلا منازع.

    --------------------------------------------------------------------------------

    * نقلا عن جريدة "الأهرام" بتاريخ 15-7-2006.
    ** كاتب مصري وخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية- الأهرام.
     

مشاركة هذه الصفحة