نظـرية المؤامـرة: هـل صحيـح أن لا هـمّ للغـرب سـوى التـآمر علينـا؟!!

الكاتب : ســـارق النـــار   المشاهدات : 614   الردود : 0    ‏2001-03-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-03-11
  1. ســـارق النـــار

    ســـارق النـــار عضو

    التسجيل :
    ‏2001-01-31
    المشاركات:
    106
    الإعجاب :
    0
    عند غزو صدام حسين للكويت وما تمخض عن ذلك التصرف الأهوج من نتائج وآثار خطيرة على العراق والمنطقة، خرج البعض ليتحدث عن "مؤامرة" غربية ُأعدّت فصولها سلفا بهدف بسط الهيمنة الغربية على المنطقة. وفي غمرة الحديث عن المؤامرة لم يوجّه ذلك البعض أدنى لوم لنظام صدام باعتباره الأداة التي ُاسُتخدمت لتنفيذ تلك المؤامرة المفترضة.

    وظلت نظرية المؤامرة ُتستدعى في كل حدث أو قضية لها علاقة بالمنطقة، ولم يكن ثمة أمر اسهل من إلقاء التبعة على الآخرين (غالبا الغرب)، وكأن ذلك يعفينا من تحمّل المسئولية عن أخطائنا الذاتية وما يستتبع ذلك من محاسبة للنفس وتقييم للأخطاء والتجاوزات التي نرتكبها بحق أنفسنا.

    وأطرف ما سمعته خلال اليومين الماضيين هو ما قاله المدعو أبو قتادة من أن الغرب كان وراء دفع جماعة طالبان لتدمير التماثيل البوذية وبالتالي إثارة حملة إعلامية لتشويه الإسلام والمسلمين!.
    طبعا أبو قتادة الذي سبق له أن أفتى بتحليل ذبح نساء وأطفال الجزائر لم يوجّه أي قدر من اللوم لقادة طالبان ولم يتساءل لماذا ارتضوا أن يكونوا أداة في يد الغرب عندما قبلوا بأن ُيستخدموا في "المؤامرة" المزعومة الرامية لتشويه الإسلام والمسلمين!.

    والسؤال الآن: لماذا يتحامل علينا الغرب بالذات دون سائر أمم وشعوب العالم؟
    أليس لدى الغرب صورة نمطية يمكن أن تؤدي إلى التحامل على الحضارات اليابانية والصينية والهندية؟ وهل نحن اخطر من هؤلاء جميعا كي يتفرغ لنا الغرب ويدبّر لنا المكائد والمؤامرات التي لا تنتهي؟!

    لقد شاع بين المثقفين العرب خلال السنوات الأخيرة خطاب يتسم بالشك الدائم تجاه الغرب ونواياه، وتكرّس هذا الشك اكثر لدى المجتمعات والتيارات المتطرفة في العالم الإسلامي حتى اصبح الغرب مرادفا للشيطان!
    صحيح أن هناك تراثا طويلا من الشك في هذا الغرب الذي ذقنا على يديه مرارة الاستعمار وما زال يتطلع إلى فرض هيمنته علينا بشتى السبل والأساليب، لكن عندما يصبح موقفنا الجمعي من الغرب مجرّد بحث آلي عن الطريق المضاد للغرب كي نسير فيه بكل حماس واندفاع فهنا تصبح تلك ظاهرة مرضية تحتاج إلى بعض الدراسة والتحليل!

    وقد لفت نظري تشخيص المفكر العربي الدكتور فؤاد زكريا لطبيعة ما يرمز إليه الغرب في وعينا وتفكيرنا كعرب، وخلص الدكتور زكريا إلى أن "المؤامرة" الغربية الأبدية على العرب والإسلام ما هي إلا فكرة أقنعنا أنفسنا بها واسترحنا إليها لأنها تؤدي في حياتنا مجموعة من الوظائف المفيدة، فهي تعفينا من مواجهة عيوبنا وبذل الجهد اللازم من اجل إصلاحها ما دمنا على الدوام ضحايا لتلك المؤامرة التي هي الشغل الشاغل للغرب وهمه الأزلي!.
    وهي تعطينا إحساسا جميلا بالأهمية، فنحن وليس غيرنا هدف تلك المؤامرة التي يشغل بها الغرب نفسه ليل نهار، نحن وليس اليابان أو الصين أو العالم الذي يلحق الآن حثيثا بالغرب ويحكم عليه الخناق في كل الميادين.

    ويعتبر الدكتور زكريا بأن هذا الإيمان الواسع الانتشار لوجود مؤامرة كونية يحيكها الغرب لنا دون غيرنا يدغدغ مشاعر الجماهير ويجلب لها سعادة لا تدانيها سعادة المخدّر، فكل شئ لدينا على ما يرام والخطأ كله خطأ الغرب المتآمر!.
    ويأتي الدكتور زكريا على ذكر تجربته الشخصية، إذ لاحظ أن كل من يتحدث بهذه النغمة في أي محفل أو ندوة ُيقابل بتصفيق الجماهير واستحسانها بلا حدود، على حين أن من يحاول أن يوقظ في الناس روح المسئولية ويفيقها من خدر المؤامرة الموهومة يبعث في أي جمهور عربي شعورا بالقلق وعدم الارتياح!.

    والسؤال الذي ينبغي أن ُيطرح على ضوء ما قاله الدكتور زكريا وما يتردّد عن نظرية المؤامرة هو: ترى ما حاجة الغرب أصلا للتآمر علينا لإضعافنا، وبيننا من يكفيه مؤونة الكيد والتخطيط، وأقصد بعض الفئات والجماعات التي لا يسهم خطابها الفكري والسياسي سوى في إضعاف العرب والمسلمين وشقّ صفوفهم عبر إثارة الفتن وإذكاء نار الخلافات المذهبية والطائفية والفئوية فيما بينهم؟!
    وما حاجة الغرب للتآمر من اجل إبقائنا متخلفين، وبيننا من لا يتورع عن ممارسة الجهل والترويج للخرافة ويتخذ مواقف ماضوية موغلة في محافظتها وتشدّدها ومعاداتها للعقلانية والعلم والحضارة؟!!

    ليس الهدف من هذا الكلام محاولة تبرئة الغرب من محاولات بسط سيطرته على العالم، بل التذكير بأن مثل تلك المحاولات لا تنجح إلا في نقاط الضعف، وأشد مظاهر الضعف لدينا على الإطلاق هي أن نستسلم لفكر المؤامرة الغربية ضدنا دوناً عن بقية خلق الله. في حين أن مواجهة أي مؤامرة لا تتحقق سوى بالعمل الجاد والدؤوب الذي يجعلنا أندادا للغرب علميا وثقافيا وتكنولوجيا..

    إن علينا أن نكرّس كل طاقاتنا ومواردنا لتنمية مجتمعاتنا وشعوبنا وهي مهمة عسيرة وشاقة ولا شك، لكنها كما يقول الدكتور فؤاد زكريا أفضل كثيرا من الاستغاثة من "الذئب" الذي لن يستطيع اقتحامنا لو بذلنا من الجهد ما يجعل أسوارنا تعلو يوما بعد يوم وتزداد مناعة وتحصينا..

    والله من وراء القصد.
     

مشاركة هذه الصفحة