حاول أن تقرأ ....فلربما إكتسبت معلومات قيمة من خلال هذا البحث

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 1,271   الردود : 12    ‏2002-06-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-06-17
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب - 1997

    في سياق التحقيب في حفريات معرفة المجتمع المديني، وكذلك تشخيص المراحل التاريخية التي مرّ بها، ننتقل الى منطقة الجزيرة العربية واليمن، التي ازدهر فيها المجتمع المديني من خلال استعارته بالتتبع من حضارات العصر القديم في بلاد الرافدين ومصر والشام، وعبر أبداعه وتقدمه في العصور الوسيطة المسيحية والاسلامية. فكيف تشكل المجتمع المديني في الجزيرة العربية واليمن؟‏

    اذا كان الغزو والنهب اللذين لعبا دوراً مهما في عملية الاندماج من خلال المعاهدات التي كانت تبرم بين القبائل والصلح والزواج المختلط، باعتبار ان النهب والسلب كانا مرتبطين بوجود الانتاج، فان المجتمع المدني يبدأ مع نفي الحرب إلى خارج القبيلة والجماعة، التي تعتبر بذرة أية وحدة مجتمعية. ولقد شكلت جزيرة العرب مهد الجنس السامي علىمر التاريخ. ويجمع المؤرخون ان بدو عرب الجزيرة هم الممثلون الحققيون للسلالة السامية، من عدة نواحي بيولوجية، ونفسية، واجتماعية، ولغوية. وتعتبر جزيرة العرب المنشأ الأول، التي انطلقت منها الهجرات السامية القديمة. ومنها هجرة الاموريين إلى بلاد الرافدين حوالي منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، حيث كان من بين العناصر التي تألفت منها هذه الموجة الكنعانيون الذين سكنوا غربي سورية وفلسطين بعد 2500 قبل الميلاد، وقد لقب الاغارقة الساحليون بالفينيقين، " وكان هؤلاء الفينينقيون أول من نشر في العالم نظاما خاصا للكتابة بالحروف الهجائية المجردة، وعددها اثنان وعشرون، وكانت هذه الحروف أساساً لكل الحروف الهجائية التي يكتب بها اليوم أبناء أوروبا وآسيا وأمريكا أو أفريقيا بحيث صح قول القائل أن هذا أعظم اختراع اخترعه البشر على الاطلاق". كما تسرب العبرانيون إلى جنوب الشام أي فلسطين، وكذلك الاراميون (السريان) شمال سهل البقاع في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد،و" جاء القرن السابع فإذا نحن أمام موجة جد يده هي آخر الهجرات، وقد جرت تحت راية الاسلام، وهنا تحطمت السدود أمامها، فلم يقتصر فيضانها على أرض الهلال الخصيب، هذا القوس الممتد من رأس الخليج العربي إلى زواية البحر المتوسط الشرقية الجنوبية، بل تعداه وغمر مصر وافريقية الشمالية واسبانية وفارس وبعض انحاء آسية الوسطى(1).‏

    وهكذا فإن جزيرة العرب هي الوطن الاصلي للساميين، وهي التي انطلقت منها الهجرات السامية الكبيرة نحو بلاد الرافدين والشام، ومصر، والتي شكلت عبر سيرورتها التاريخية أم البابليين، والاشوريين، والكلدانيين، والفينيقيين، والعبرانيين، " وفي تربة هذه الجزيرة الرملية، نشأت العناصر الأصلية للديانة اليهودية، وبالتالي المسيحية، وظهرت هذه السمات والسجايا التي أصبحت بحكم التطور فيما بعد من ميزات الخلق السامي، وأما في العصور الوسطى فقد اخرجت جزيرة العرب هذا الشعب الذي سيطر على معظم العالم الممتد، آنذاك وكانت مهدا لدين هو الاسلام.... (2). علماً بأن ديانة العرب التوحيدية بعد اليهودية والمسيحية، والحال هذه الاسلام تربطها علاقات وثيقة بالديانتين السابقتين لها، باعتبار أن هذه الديانات الثلاث كانت نتاجاً روحياً واحداً لحياة هؤلاء الساميين، الذين عاشوا في جزيرة العرب ومنطقة الشرق الأدنى.‏

    ثم ان " العرب من بين الشعبين الباقيين اللذين يمثلان العرق السامي قد احتفظوا أكثر من اليهود بالمميزات الطبيعية والخاصيات العقلية لهذا العرق، واما لغتهم فعلى الرغم من أنها أحدث اللغات السامية آداباً، فإنها قد احتفظت بخصائص اللسان الأخرى، ومن هنا كانت اللغة العربية أحسن مدخل لدراسة اللغات السامية. وكذلك بلغت الديانة السامية في الاسلام كمالها الطبيعي(3).‏

    غير أن قسماً من المستشرقين يجمعون أن المناطق الواقعة في الجنوب، والجنوب الغربي (اليمن)، وأواسط الجزيرة العربية، هي مهد العرب، وموطن الساميين، ومنها انطلقت الهجرات السامية إلى سائر بلاد الرافدين والشام، واتجهت نحو الشرق والغرب، والجنوب،و" هي في نظر المستشرقين أيضاً (مصنع العرب)، وذلك لأن بقعتها امدت الجزيرة بعدد كبير من القبائل قبل الاسلام بامد طويل وفي الاسلام. ومن اليمن كان (نمرود) وكذلك جميع الساميين(4).‏

    ويتفق علماء التاريخ، والانتربولوجيا والرواة، وأهل الاخبار، عن ان لفظة العرب أطلقت على جميع سكان جزيرة العرب، ويتفقون على تقسيم العرب من حيث القدم إلى طبقات عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، ويقسم الاخباريون والمؤرخون العرب من حيث النسب إلى قسمين:‏

    العرب القحطانيون، وهم عرب الجنوب، ومناطقهم الجغرافية تقع في اليمن. والعرب العدنانيون، وهم عرب الشمال، ومناطقهم الجغرافية تقع في الحجاز، ونجد في أواسط الجزيرة.‏

    والعرب البائدة في عرف أكثر أهل الاخبار هم العرب الذين هلكوا واندثروا قبل الاسلام و" هم عاد، وثمود، وطسم، وجديس، واميم، وجاسم، وعبيل، وعبد ضخم، وجرهم الأولى، والعمالقة، وحضورا. هؤلاء هم مادة العرب البائدة وخامها، وهم اقدم طبقات العرب على الاطلاق في نظر أهل الاخبار"(5).‏

    اما العرب العاربة على أقوال الناسبين، وهي الطبقة الثانية من طبقات العرب بعد البائدة" هم من ابناء قحطان واسلاف القحطانيين المنافسين للعرب العدنانيين، الذين هم العرب المستعربة في عرف النسابين. وقحطان الذي يرد في الكتب العربية هو (قحطان) الذي يرد اسمه إلى سفر التكوين وهو( قحطان بن عابر بن شالخ بن ارفخشذ بن سام بن نوح) في رأي أكثر النسابين. وهو (يقظان بن عابر بن شالح بن ارفكشاد بن سام ابن نوح) في التوراة(6).‏

    والعرب المستعربة هي الطبقة الثالثة من طبقات على رأي أهل الاخبار و" هم (العرب المستعربة) (المتعربة)، ويقال لهم العدنانيون أو النزاريون أو المعديون. وهم من صلب( اسماعيل بن ابراهيم) وامرأته( رعلة بن مضاض بن عمرو الجرهمي) قيل لهم (العرب المستعربة)، لأنهم انضموا إلى العرب العاربة، وأخذوا العربية منهم. ومنهم تعلم (اسماعيل) الجد الأكبر للعرب المستعربة العربية، فصار نسلهم من ثم من العرب واندمجوا فيهم. وموطنهم الأول مكة على مايستنبط من كلام الاخباريين، فيها تعلم (اسماعيل) العربية، وفيها ولد أولاده، فهي اذا المهد الأول لللاسماعيليين"(7).‏

    وهكذا، فان العرب القحطانيين يعود نسبهم إلى جدهم الأعلى قحطان. وكذلك الأمر بالنسبة للعدنانيين، الذين يعود نسبهم إلى جدهم الأعلى عدنان. وكلاهما يشكلان العرب الباقية، بعد ما اندثرت الطبقة الأولى البائدة من العرب. ولقد استوعب القحطانيون وهم أهل اليمن، الذين تسللوا من قحطان، وهم سكان البلاد الاصليون، والعدنانيون وهم فئة العرب المستعربة من الحجازيين والنجديين والانباط وأهل تدمر، الذين تسللوا من سلالة عدنان، كل شعوب العرب، على الرغم من أن هذه التقسيمات بين عرب الجنوب وعرب الشمال، ظلت قائمة بنسبة متفاوتة، وخصوصاً في المناطق المتأخرة تاريخياً." ولم تتلاشى الفوارق بين هاتين الدوحتين العربيتين إلى الآن بل بقي الاختلاف بينهما واضحاً على الرغم مما حاوله الاسلام من توحيد العرب والجمع بين قبائلهم وبعث أمه عربية واحدة".‏

    في سياق الفحص التاريخي هذا، نجد ا القسم الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية أي اليمن، الذي يسكنه عرب الجنوب، كان مركزاً قديماً للحضارات البشرية القديمة، أسهمت منجزاتها بحيز كبير في تاريخ الحضارة العالمية. ولقد لعب اليمن دوراً مهما" في اقامة الاتصالات البرية والبحرية بين دول الشرق القديم، وفي تبادل المواد الطبيعية والمصنوعات الحرفية والانجازات الحضارية والتكنولوجية بين شعوب حوض البحر الابيض المتوسط والشرقين الادنى والوسط والهند وشمال شرق افريقيا في العصور القديمة، وكذلك في القرون الوسطى جزئياً. وان مثل هذه الصلات كانت عاملاً هاماً من عوامل الحياة الاقتصادية والثقافية لهذه الشعوب خلال العصور القديمة والوسطى التي اعطت زخماً كبيراً لعملية التقدم العام.‏

    وأخيراً فان الجزئين الشمالي والشرقي والجنوبي من الجزيرة العربية لم يقعا على مفترق الصلات التجارية والحضارية والدولية فحسب، بل كانا ومنذ أوائل العصر الحجري حلقة وصل تارة، ونقطة انطلاق تارة أخرى لحركات النزوح الكبيرة التي حددت في نهاية المطاف الملامح العامة للخارطة الاثنية اللغوية للشرق الأدنى والبلدان المتاخمة "(8).‏

    وتكتسي دراسة المجتمع المديني في اليمن أهمية علمية وحضارية، لأنها تفيدنا بمعلومات قيمة عن السيرورة الكاملة والمترابطة للتطور التاريخي، لسكانه شعوب منطقة الشرق الادنى والجزيرة العربية وشمال افريقيا، حيث تؤكد نتائج الابحاث المتعلقة بهذه المناطق بأنها مهد البشرية عامة، والمدنية بوجه خاص. وعلى الرغم من ان مركزي المجتمع المديني، والثقافة، والحضارة، كانا بلاد الرافدين والشام من جهة، ومصر من جهة أخرى، إلا أن القسم الجنوبي من جزيرة العرب، أي اليمن، شكل تاريخياً منطقة تماس بين هذين المركزين، وخضع لتأثيراتهما، فضلاً عن أنه كان نقطة تماس بين افريقيا والجزيرة في الشمال حتى شبه جزيرة سيناء.‏

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-06-17
  3. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    ويشهد على أصالة هذا المجتمع المديني في اليمن، وخصوصاً الحضرموتي القديم منه، تطور فن الصناعة الحجرية، والمراحل التاريخية التي قطعتها الحضارة الزراعية والرعوية في حضرموت في الألف الأولى قبل الميلاد، وحتى القرن السادس الميلادي، وأنواع منشآت الري، وتنظيم أعمال الري، والخصائص التاريخية المقاربة لانماط ونماذج السكان الاقتصادية والحضارية وطقوس الدفن والمعتقدات الدينية، وفن بناء المعابد، ولغات وفولكلور سقرطه وحضرموت الخ.‏

    كما ان اليمنيين اشتهروا بانبات وتصدير الورس، والزعفران العربي، والعسل، والبخور وسائر المواد العطرية والصمغ والكافور، واللبان.‏

    وكان المصريون يستوردون اللبان الذي يستخدمونه مع البخور في المعابد، ويحرقونه في هياكلهم ويستعملونه في تحنيط موتاهم.‏

    " واشتهرت حضرموت وهي بين اليمن وعمان لأنها كانت أرض البخور واللبان، وكانت مساحتها في القديم أعظم منها الآن، لأنها كانت تشمل قطري مهري والشحر الساحليين. وأهم مدنها آنئذ ظفار وهي ذقر اليوم من مقاطعات الساحل، ولسلطان عمان نفوذ اسمى عليها، ويجب أن لانخلط بين ظفار هذه التي كانت المركز التجاري لبلاد اللبان وهي على الساحل الجنوبي وبين ظفار المدينة اليمنية الداخلية التي كانت عاصمة حمير.‏

    ولا تزال اشجار اللبان تنمو في حضرموت وغيرها من انحاء الجنوب ولاتزال الظفار كما كانت في الماضي مركز تجاري.... وجدير بالذكر أن المصريين القدماء لم يشتغلوا بميدان المصالح التجارية في الجزيرة، فقد كان ينازعهم في تجارة الطيوب والمعادن منافسون أشداء في مقدمتهم أبناء بابل"(9).‏

    اذا كانت تجارة اللبان والعطور التي كانت تنقل من المناطق الشمالية الشرقية لمملكة حضرموت القديمة قد حصلت على شهرة عالمية، نظراً للرحلات التجارية البحرية المنتظمة، التي كان يقوم بها التجار اليونانيون والرومان عبر سواحل الجزيرة العربية إلى الهند، مروراً بمصر الهلنستية، الا أن اليمن وساحل الجزيرة الغربي عرفا ايضاً بغناء ثرواتهما الباطنية والمعدنية وبخاصة الذهب، وهذا ما حدى بالكتاب اليونانيين والرومان الذين أعجبوا أشد اعجاب بثروة ورخاء، وتقدم المجتمع المديني في اليمن، حيث ذكر استرابوا مدنا عامرة" تزينها الهياكل الجميلة والقصور " قال:" ولقد أصبحت " السبأى" والجرهاي بما لهم من نصيب في تجارة (الطيوب) أغنى القبائل عامة، فعندهما مستحدثات الادوات المصنوعة من الذهب والفضة، منها الاسرة ومثلثات القوائم والاحواض واوعية الشرب وناهيك بمنازلهم الفخمة، وقد تزوقت أبوابها وجدرانها وسطوحها بالالوان وترصعت بالعاج والذهب والفضة والحجارة الكريمة.‏

    وروى بلينيوس عن ابليوس غالوس ما يؤيد ذلك: فاقت" السبأى" الجميع ثروة بما يتوفر في أرضها من ادغال ذات عطور ومناجم ذهب وامواه للري وهي تنتج العسل والشمع بكثرة.. فلو تحريت هذه الاقطار تماما علمت أنها أغنى بلدان الأرض قاطبة بما يتوارد إليها من كنوز دولة الرومان ودولة الفرثبين.‏

    ليس من شك من ان ثروات اليمن، وتقدم المجتمع المديني، كانا موضوع اعجاب ومديح من جانب عدد كبير من الكتاب اليونايين والرومان، حيث يشير تيوفراست تلميذ أرسطو إلى القدرة الفائقة التي يتمتع بها السبئيون باعتبارهم" محاربين ومزراعين وتجارا سافروا على وجوه البحار في السفن او زوارق من الجلد للتجارة". وكنتيجة لعملية التراكم التاريخي، التي قام بها السبئيون على صعيد تجميع الثروات الهائلة المتآتية من تجارة اللبان والعطور وغيرها، فان هذا كله تجسد في تطور المجتمع الزراعي والرعوي لمناطق الوديان النهرية وحضارته المادية والروحية، وفي الصناعات والفنون الجميلة والتحف الرائعة، التي يزخر بها المجتمع المديني في اليمن، وفي ظهور الدولة المعينية المتوافقة مع تقدم المجتمع المديني. يلقب ربانية اليونان والرومان عرب جنوب الجزيرة، أي سكان اليمن، وأهل سبأ، بفينيقي البحر الجنوبي، نظراً للسمات التماثلية بينهم وبين فينيقي الساحل المتوسطي، خصوصاً في مجال الانتصارات التجارية والاقتصادية والمعرفة بطرق وتعرجات السواحل والموانئ التجارية، والقدرة على افتتاح خطوط برية بين اليمن والشام تحاذي ساحل الجزيرة الغربي، ومنها تتجه إلى بلاد الرافدين، ومكة والبتراء، ومصر، والشام.‏

    ولما كانت اليمن مركزاً تجارياً ذى أهمية، يصدر الفضة والاحجار الكريمة، واحجار الزينة والزعفران العربي( الورس) والاقمشة والالبسة الفاخرة، وكانت التجارة تجري عبر الطرق البرية، وعبر البحار على حد سواء، وكانت تربية الماشية، وبخاصة منها تربية الابقار في اليمن القديمة ذات طابع حضاري، فان هذه العوامل مجتمعة هيأت السبئين باعتبارهم أقدم الاقوام العربية التي انعتقت في المدنية مبكراً، لكي يشكلوا دولة مركزية متطورة هي من أقدم الدول العربية. وكان الوضع الاقتصادي والثقافي في اليمن، الذي كان يتميز باشتداد التأثير المتبادل للنمطين الاقتصاديين والثقافيين الخاصين بالرحل مربي الماشية( البدو)، والحضر المزارعين، يتميز بوجود هذه الدول المدنية الضخمة في جنوب جزيرة العرب.‏

    " وإذا كان تطور اتحادات القبائل العربية في الشمال قد حدث في ظروف انعكس فيها بقوة أثر دول ذات مستوى رفيع في نظمها الاجتماعية، فان النظام الحكومي لعرب الجنوب ينال أهمية خاصة لأن تطوره سار في طريق مستقلة، ذلك ان بلاد اليمن لم تتعرض لمثل ذلك الأثر الطويل الأمد للحضارة اليونانية الرومانية، وخاصة وان ذلك العالم لم يكن له نفوذ مباشر عليها رغماً من ان ازمة القرن الثالث التي حاقت بمجتمع البحر المتوسط القائم على الرق تردد صداها في ظاهرة انهيار تجارة منطقة البحر الاحمر بأكملها، غير ان خواص البناء الاجتماعي لمنطقة الجوب العربي يخضع للقوانين التاريخية نفسها التي عملت عملها في تشكيل أوضاع العالم الغربي والعالم الشرقي على السواء. وطابع البناء الاجتماعي لعرب ماقبل الاسلام باليمن يمكن استجلاؤه، من الرقوم الكتابية القديمة لتلك البلاد ."(10).‏

    مما لاشك فيه ان سكان المجتمع العربي في جنوب الجزيرة قد عاشوا حياة مدنية، سياسية واجتماعية منذ اقدم الازمنة، وذلك عندما دخلت العلاقات الاجتماعية، والحياة المدنية، والسياسية، مرحلة تتفق مع شكل الدولة المعينية، التي تعتبر أقدم الدول العربية، والتي قامت في اليمن، وعاشت وازدهرت في المرحلة التاريخية الممتدة بين 1300 و630 قبل الميلاد، على رأي بعض العلماء. لقد بلغت الدولة المعينية أوج ازدهارها في جوف اليمن، وهي منطقة سهلية تقع بين نجران وحضر موت، أرضها خصبة ومنبسطة. وكانت تسقيها مياه وادي الخارد، ومياه الأمطار. واتخذت الدولة المعينية مدينة " القرن" عاصمة لها، وهي معن أو"معين"، ونجد في التوراة اسم" ماعون" و" معون و" معين " وهي كلها دلالات لاسم موضع، ولاحقاً أصبحت" معين " أي ماء نبع" وفي دراستنا للمجتمع المديني في عهد الدولة المعينية، فاننا نشير إلى تطور مدن القوافل، وهي المدن التي ظهرت نتاج الظروف، التي نشطت فيها تجارة القوافل، كما نشطت فيها التجارة البحرية. وساد في هذا المجتمع المديني التقسيم الطبقي للمجتمع، على الرغم من استمرار الروابط والعلاقات القبلية على أشدها، المتجسدة في وجود في آن معاً، النظام القبلي القديم، والارستقراطية الاقطاعية، والنظام الملكي، والمعاملات النقدية المتزايدة المرتبطة بتراكم النقود الذهبية والفضية.‏

    عمل المعينيون في الزراعة والتجارة، وهما خاصيتان أساسيتان للمجتمع المديني المنتج في ذلك العصر، وانشأوا لهم في شمال الحجاز في يدان (العلا) وفي معان (معران). كما يستنتج من الكتابات المعينية، التي عثر عليها علماء الاثار موضعي( العلا) و( معان)، وسيطروا على الطريق التجارية بين الجنوب والشمال. وذكر موسل" أنه خلال الألف الأولى قبل الميلاد، كان الجزء الاعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب بأيدي المعينيين والسبئيين الذين كانوا يهيمنون على الركن الجنوبي الغربي من الجزيرة العربية"(11).‏

    وكان السبئيون والمعينيون يتنافسون بالسيادة لا على اليمن فحسب، بل ايضاً على الواحات التي تقع على طول الطريق التجارية بين اليمن وبلاد الشام"(12).‏

    وتعتبر مملكة حضرموت(1020-125 قبل الميلاد) أهم مملكة عاصرت الدولة المعينية أما كلمة،" هزرماوت"(حزر ماوت) الواردة في التوراة على أنها الابن الثالث لابناء _ يقطان)، تعني حضرموت، ومعناها اللغوي (دار الموت)، ولعل لهذا المعنى علاقة بالاسطورة التي شاعت عند اليونان أيضاً عن(حضرموت) وأنها (وادي الموت) وعرفت في الموارد الاسلامية كذلك، وقد وصلت في الاسلام من طريق أهل الكتاب، قال ابن الكلبي" اسم حضرموت في التوراة حاضر ميت، وقيل سميت بحضر موت بن يقطن ابن عامر بن شالح"(13).‏

    وكانت عاصمة مملكة حضرموت شبوه، وهي بمنزلة مستوطنة مركزية لمجموعة كبيرة من السكان يعملون في الزراعة، ويكشف لنا دراسة المجتمع المديني وتاريخ تطوره في حضرموت عن وجود أهم معبدين، وهما معبدا ذات حميم وعشترم، اللذين ظلا قائمين أكثر من ستة قرون، جرى خلالهما ترميمهما عدة مرات، فضلاً عن تطور شبكة انظمة توزيع مياه الري، التي تحول إلى الحقول المزروعة، وتؤمن الاستفادة الكاملة من مياه السيول والفياضانات ومياه الامطار الموسمية، التي كانت تملأ الوديان، وتنزل من منحدرات الجبال لأهداف السقاية والري.‏

    الدولة السبئية:‏

    ورد اسم سبأ في القرآن الكريم في سورة سبأ الرقم 34، والآية 015 و"سبأ عند الاخباريين اسم جدا ولد أولاًداً نسلوا وكانت من ذرياتهم شعوب، ووالده" يشحب بن يعرب بن قحطان)، ومن أولاده قبائل كثيرة انتشرت في كل مكان من جزيرة العرب قبل الاسلام وبعده، والية نسب نسله السبئيون، وقد زعموا ان اسمه الحقيقي، هو (عبد شمس) وأما سبأ، فلقب به، لأنه أول من سبأ، أي بن السبي من ملوك العرب، وأدخل اليمن السبايا وذكر بعضهم أنه بنى مدينة (عين شمس باقليم مصر، وولى عليها ابنه (بابلون)( بابليون) وقالوا أشياء أخرى من هذا القبيل.(14).‏

    ويذهب المستشرق (هومل) في رؤيته إلى ان السبئيين هم من أهل العربية الشمالية في الأصل، غير أنهم تركوا مواطنهم هذه، وارتحلوا في القرن الثامن قبل الميلاد إلى جنوب جزيرة العرب، حيث استقروا في منطقة (صرواح) و(مارب) وفي الأماكن السبئية الأخرى كانوا يقيمون على رأيه في المواضع التي عرفت ب،_ اريبي)(عريبي) _اريبيو) في الكتابات الاشورية وبـ"( يارب) Jareb=Jarb في التوراة. ومن (يرب) (يارب) على رأيه جاء اسم (مأرب) عاصمة (سبأ). ويؤيد رأيه بما جاء في النصGlaserll55 الذي سبق أن تحدث عنه من تعرض السبئيين لقافلة معينية في موضع يقع بين (معان) و( رجمت) الواقع على مقربة من (نجران) وعنده ان هذا النص يشير إلى أن السبئيين كانوا يقيمون في أيام ازدهار حكومة معين في أراضي شمالية إلى اليمن، ثم انتقلوا إلى اليمن، ويرى في اختلاف لهجتهم عن لهجة بقية الشعوب العربية الجنوبية دليلاً آخر على ان السبئيين كانوا في الأصل سكان المواطن الشمالية من جزيرة العرب، ثم هاجروا إلى الجنوب.(15).‏

    بعد هذا العرض التاريخي حول منشأ السبئيين، الذين يعتبرون أعظم فرع بين فروع السلالة العربية الجنوبية، نقول بإن السبئيين عاصروا الدولة المعينية في القسم الأكبر من تاريخها، وأسسوا دولتهم على انقاضها، واستفادوا كثيرا من أرث حضارتها المتنوعة في المرحلة التاريخية لحكمهم( 800-30 قبل الميلاد). وتعتبر الدولة العربية السبئية من أعظم الدول التي عرفها اليمن، لاباعتبارها فقط، أنها ورثت حكومات معين وقتبان، وأوسان، وحضرموت، وانما لأنها أصبحت مركزاً تجارياً مهما، تحتكر التجارة بين الحبشة والهند، وبين بلاد الشام ومصر، وحيث أن السبئيين مارسوا الزراعة، لذا كانت السدود والقناطر والاقنية التي يشيدونها، دليلاً قاطعاً على تطور النمط الاجتماعي والاقتصادي لذلك المجتمع المديني، الذي بلغ مستوى معيناً من التحضر والمدنية بالدولة السبئية، ساعد على نموها ظروف تجار المورو، نظراً لان ولع السبئيين بالبحر كان كبيراً، حيث انطلقوا من خلاله إلى الموانئ العالمية كي يصدروا ما يفيضوا من منتجاتهم، ويستوردوا مايلزمهم لمتطلباتهم، وما يمكن بيعه في الاسواق الخارجية". وكان تجار سبأ يتاجرون مع العبرانيين، بأفخر أنواع الطيب، والذهب واللبان. وتذكر التوراة بإن معارف العبرانيين عن السبئيين قد حصلوا عليها من خلال علاقاتهم التجارية بهم، وهي محصورة في هذه الناحية فقط." وقصة زيارة (ملك سبأ) لسليمان، المدونة في التوراة، هي تعبير عن علم العبرانيين بالسبئيين، وعن الصلات التجارية التي كانت بينهم، وبين شعب سبأ، ولم تذكر التوراة اسم هذه الملكة، ولا أسم العاصمة أو الأرض التي كانت تقيم بها"(16).‏

    ويجمع علماء العربية الجنوبية انطلاقاً من الكتابات السبئية التي حصلوا عليها والمتعلقة بأصول الحكم في سبأ، بإن الدولة السبئية شهدت عصرين، تبدل الحكم خلالهما. ولذلك كان الحكم في الدولة السبئية خاصعاً لعصرين الأمر الذي جعل المؤرخون المحدثون، يلقبون العصر الأول بلقب عصر (مكرب) الذي امتد (800 وحتى 650)، حيث قدر المستشرق ملاكر حكم المكربين بحوالي قرنين ونصف قرن، اذ افترض ان حكم المكرب الأول كان في حوالي السنة( 650) قبل الميلاد. وفي حوالي هذا الزمن استبدل على رايه- بلقب مكرب لقب( ملك) وانتهى بهذا التغيير في اللقب دور المكربين( 17).‏

    فالعصر الأول من الدولة السبئية عرف بعصر (المكربين) مفرد مكرب- وهو المقرب من الآلهه، وفي الواقع يعمل وسيطاً بين الالهه والناس، وقد كان حاكم الدولة آنئذ يلقب بالمكرب ويقوم بمهام مزدوجة دينية ودنيوية،" وكان يجمع بين الكهانة والملك معاً وقد ذكر اثنان من سبأ الواحد باسم يشعمر والثاني باسم كريبئيل في اخبار سرجون الثاني وسنحاريب الاشورية الملكية (18).‏

    وكانت عاصمة الدولة السبئية في عصر المكربين مدينة (سرواح) وهي على مسيرة يوم واحد من مأرب، وكان أهم بناء فيها هيكل المقه- الاله القمر. وتذكر النقوش المكتشفة ان المكرب اسمه يدعيل هو مؤسس الدولة السبئية، حيث كانت تقدم البخور باسمه الاله القمر (المقه).‏

    ويبدو ان عهد (المكربين) لم يكن كله سلاماً وعمراناً، وانما قامت خلاله حروب، وأكبر الحروب التي أشارت إليها النقوش تلك التي خاضها (كرب ايل وتر) ضد بقايا الدولة المعينية التي تمكن من القضاء عليها نهائياً، كما انتصر على (القبانيين) الذين كانوا يسكنون في الطرف الجنوبي الغربي من بلاد اليمن. وقد سجل (كرب ايل وتر9 هذه الانتصارات على جدران معبد سرواح ويبدو ان هذا الحاكم ضاق ذرعاً بلقبه الديني( مكرب) فتحرر منه وتلقب بلقب مدني بدلاً منه هو (ملك سبأ)، حيث يعد أول حاكم سبئي يلقب بهذا اللقب الذي يبدأ مع هذا التغيير عصر جديد لسبأ هو عصر الملوك(19).‏

    لقد استفاد كرب ايل من الظروف الدولية المحيطة به، في تحقيق انتصارات كاسحة على خصومه ومنها خضوع مصر على أيدي الآشوريين، وحروب بابل ضد الآشوريين، ثم مع اليهود في فلسطين، وفضلاً عن ذلك، فان حروب التوسع جعلته يراكم الغنائم ومصادر الثروة، والموارد المالية الكبيرة، التي مكنته من بناء السدود والمعابد، والقصور والحصون، ولكن مع استئثار كرب ايل بالسلطة، تشكلت في عهده أرستقراطية اقطاعية قبلية كدست الثروات الهائلة، من خلال الاستغلال للجماهير المسحوقة، والنهب للمناطق المفتوحة أو الخاضعة.‏

    أن أكبر انجاز حضاري تميز به حكم المكارب السبئيين هو بناؤهم السد الشهير المعروف باسم " سد مأرب"، الذي يعتبر أعظم سد أنشئ في الجزيرة العربية. وقد أسهم بناء هذا السد في تطوير الحياة الزراعية، ونظام الري داخل المجتمع اليمني القديم في عصر الدولة السبئية جنباً إلى جنب مع تطور التجارة. والسد عبارة عن حائط ضخم أقيم في عرض وادي أذنه الذي تتجمع فيه معظم مياه السيول المنحدرة من الجبال الواقعة في أطراف صنعاء،يمتد بطول حوالي 800 ذراع وبعرض 150 ذراعاً من الشرق إلى الغرب، وقد بني السد بالتراب والحجارة، ينتهي اعلاه بسطحين مائلين على زاوية منفرجة تكسوها طبقة من الحصى لمنع انجراف التراب عند تدفق المياه، ويستند السد من طرفيه إلى جبلين، وعند اسفل كل من هذين الجبلين منافذ للمياه مبنية بالحجارة الضخمة المبتلة تخرج منها الماء ليسقي الجنتين اليمنى واليسرى، ويصعد من هذه المنافذ إلى أعلى الجبل بمدرجات مبنية على وجه الجبل، وكانت هذه المنافذ تفتح وتسد بواسطة أبواب محكمة وحركات هندسية. فتفتح للسقي حسب الحاجة، ثم تسد عند اتمام السقي. وقد أدخلت عدة اضافات على السد بعد بناته حتى استكمل شكله النهائي في حوالي 300(20).‏

    أما العصر الثاني من حكم ملوك سبأ، فبدأ سنة 650ق.م وعندئذ يبدأ عصر جديد في تاريخ سبأ، حيث تخلى فيه حكام سبأ عن لقبهم الديني( مكرب) واستبدلوه بلقب دنيوي هو( الملك). اذ كان المكربين قد اتخذوا من صرواح عاصمة لهم باعتبارها مدينة الدولة السبئية الأولى، فإنه في عصر حكم الملوك أصبحت مأرب هي عاصمة الدولة السبئية، واشتهرت مأرب بقصورها ومعبدها الكبير، وقد اتخذ الملوك السبئيون من قصر( سلحن) (سلحين) (سلحم) مقرا لحكمهم. وفي هذا العصر من حكم الملوك السبئيين، ازدهرت الزراعة وتنوعت صنوف محاصيلها الزراعية، مثل البخور، والقرنفل، والعطور، والطيوب، والصمغ، والكافور، والورس، والقطن، والنخل، والعنب، الذي قال عنه الهمذاني أنه يثمر مرتين في العام، ثم سائر أصناف الحبوب والفواكه، والبن، والموز، وقصب السكر، والذرة، والقمح الفاخر. وكان هذا التطور في الزراعة وازدهارها يعود إلى التوسع في أعمال الري بفضل سد مأرب، وبالاضافة إلى ازدهار الزراعة، عرفت التجارة اليمنية في عهد السبئيين ازدهاراً كبيراً، حيث كان لطبقة التجار اليمنيين نفوذ ونشاط مهم، بحكم الموقع الجغرافي الذي يحتله اليمن القديم كوسيط تجاري بين أمم العالم القديم الهند وبلاد الشام، وبلاد الرافدين، ومصر والحبشة، الأمر الذي جعله ينشأ مواني عديدة تلبي هذا النشاط التجاري العالمي المزهر " وعن طريق هذه الموانئ كانت لآلئ الخليج العربي، وحرير الصين، وسيوف الهند وتوابلها، والعاج الافريقي والذهب الاثيوبي، تصل إلى مصر وبلاد الشام بواسطة القوافل اليمنية البرية، التي كانت تحملها عن طريق صنعاء ومأرب وظفار، وقد تمكن التجار اليمنيون من السيطرة على الطريق التجارية بين الشمال والجنوب منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد (21).‏

    ولم يلبث نفوذهم السياسي أن أدرك شمال الحجاز وأطرافه فدخلت معان وديدن( العلا) في نطاق هذا النفوذ، وكان المعينيون والسبئيون يقيمون نوابا عنهم وحاميات عسكرية في الواحات الهامة التي يمر بها الطريق التجاري كتيماء ومعان وديدن، تمكيناً لمصالحهم التجارية.‏

    كذلك سيطر السبئيون على الطريق البحري للتجارة الهندية عبر البحر الأحمر، وكان لهم اسطولهم التجاري الكبير الذي يتولى نقل هذه التجارة إلى بلاد الشرق الأدنى القديم (22).‏

    وقد اثرى اليمنيون بسبب ذلك ثراء فاحشاً إلى درجة وضعت هذه الطبقة في تاريخ الطبري بإن أفرادها كانوا يأكلون بصحائف من ذهب وفضة، ويأكلون على طريقة الروم والفرس بسكاكين وشوكات مصنوعة من الذهب والفضة، وكانوا يتحلون بالخواتم المصنوعة من الذهب تزينها احجار كريمة(23).‏

    ويالاضافة إلى ازدهار التجارة، فان اليمنيين مارسوا العديد من الصناعات، وان كانت مزاولة الحرف الصناعية والأعمال الحرفية اقتصرت بشكل عام على الطبقات الدنيا من المجتمع اليمني، ومن العوامل التي أسهمت في ازدهار الصناعة اليمنية وتنوعها كصناعة المنسوجات الحريرية والقطنية والصوفية والكتانية وغيرها:‏

    1- توفر المواد الخام اللازمة لقيام صناعاتهم من المواد المعدنية والنباتية والحيوانية.‏

    2-توفر الايدي العاملة اللازمة لقيام هذه الصناعات على اعتبار أن مزاولي الحرف الصناعية هم من نفس الفئات الاجتماعية التي كانت تقوم بالاعمال الزراعية، أي من طبقة العبيد والرقيق والفئات المستضعفة إلى حد كبير في مصانع الاثرياء والطبقة الحاكمة بشكل عام(24).‏

    بالاضافة إلى توفر الاسواق اللازمة لتصريف المنتوجات في الداخل والخارج وجني الارباح المغرية.‏

    ويمكن القول بإن المجتمع اليمني في عصر الدولة السبئية كان مجتمعاً مدينياً، تؤكده في ذلك آراء المؤرخين المحدثين الذين بنوا رأيهم هذا بناءاً على ماقرأوه من الكتابات المكتوبة على الألواح المعدنية أو الحجرية، التي يعود تاريخها إلى القرن السادس قبل الميلاد..‏

    ولكن الدولة السياسية التي حكمت المجتمع المديني في عصر السبئيين، بدأت بالانهيار التاريخي، وبفقدان عظمتها السياسية عند اصطدامها بالقبائل العربية القوية، التي ظهرت إلى جانبها وتمكنت من لعب دور خطير في سياسة بلاد العرب الجنوبية من بينها قبيلة همدان، التي تمكنت من اغتصاب العرش من ملوك سبأ(25).‏

    وفي غضون ذلك اندلعت عدة ثورات داخلية عنيفة أثارها الهمدانيون والقبائل الأخرى، الطامعة بالعرش، والحقت اضراراً مادية بالدولة والاقتصاد والمجتمع المديني لمملكة سبأ، ومكنت الدول الاجنبية من التدخل في شؤونها، وأدى ذلك إلى فقدان سبأ السيطرة على البحر الأحمر وسواحل افريقية بعد ان انتقلت التجارة البحرية من ايديهم إلى اليونان والرومان"(26).‏

    لقد قادت الصراعات التي نشبت بين سبأ وقتبان والصراعات على العرش بين الأسر الارستقراطية المتعددة، داخل قبائلهم، وتدخل الحبشة التي احتلت مواضع على سواحل اليمن إلى تدمير الدولة السبئية. وفي غمرة هذا الصراع استغل الريدانيون والحميريون هذا الوضع وتمكنوا من السيطرة على عرش سبأ، وأسسوا أسرة حاكمة جديدة لقب ملوكها بلقب ملوك (سبأ وذى ريدان) وهم الحميريون الذين حكموا اليمن (27).‏

    على ان عصر دولة سبأ وذى ريدان لقب من جانب المؤرخين بعصر الدولة الحميرية الأولى، حيث تلاه عصر ثاني عرف بعصر ملوك سبأ، وذى ريدان وحضرموت ويمنت) أو عصر الدولة الحميرية الثانية. ومنذ ذاك الحين سيطرت الدولة الحميرية الأولى والثانية على الاحداث السياسية في بلاد العرب الجنوبية.‏

    العصر الحميري : والدولة الحميرية الأولى 115ق.م-300/.‏

    يعود تاريخ نشأة الدولة الحميرية الأولى، وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية إلى العام 115/ قبل الميلاد، وقد خاض الحميريون حروباً طاحنة ضد حكم الدولة السبئية الحميرية، واستطاعوا الاستيلاء على مأرب بعد حملة الرومان، وكذلك حملات الحبش على اليمن، حيث كانت الحكومة السبئية الحميرية تعاني من الضعف والهوان، جراء حروب التطاحنات الكبرى بين الزعامات الاقطاعية والارستقراطية العليا على العرش ،"وهم سادات (همدان) وسادات (حمير) اصحاب (ريدان)، وسادات حضرموت وقتبان، واقيال واذواء وأصحاب اطماع وطموع، ارادوا اهتبال الفرص، واغتصاب السلطة لتوسيع املاكهم وتقوية نفوذهم، وكان الخاسر الوحيد في منازعات الامراء الاقطاعيين جماهير الكادحين، الفلاحين المسخرين والعبيد، وفقراء الحرفيين والعمال والفعلة"(28).‏

    والحميريون كانوا على صلة شديدة بالدولة السبئية، بل أنهم يمثلون أحد فروعها، التي تناوبت على السلطة معها، حيث كانت علاقات حمير سبأ علاقات صراع وخصومة في أغلب الاوقات، إلى ان انتقلت السلطة نهائياً إلى الحميريين، بعد أن دب الضعف في أوساط الارستقراطية السبئية، وبذلك ورثوا أمجاد الحضارة السبئية- المعينية.‏

    وكان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من اليمن، أي أن تمركزهم في المدن الساحلية المطلة على البحر الأحمر، واحتكارهم التجارة والملاحة في البحر الأحمر جعلهما يبنيان قوة حقيقية اقتصادية وتجارية، وبالتالي سياسية، الأمر الذي مكنهم لاحقاً من الحاق الهزيمة بأخوانهم السبئيين الذين اتحدوا معهم بعد زوال الدولة السبئية. وقد لقب ملك الحميريين بلقب " ملك سبأ وذى زيدان"، وريان، هي اسم" ظفار" ولاسيما حصنها الشهير المعروف باسم حصن ذى ريدان، الذي يرمز إلى ملك حمير، والذي يحمي العاصمة من غارات الاعداء." وقد أخذ حصن (ريدان) أسمه من حصن أقدم عهداً منه كان في قتبان بني عند ملتقى أودية في جنوب العاصمة( تمنع عرف بـ (ذى ريدان) (ذ ريدان) وقد بني على جبل سمي بـ (ذى ريدان) يؤدي إلى (حدنم) (حدن). ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة بـ (ذى ريدان) وذلك حيثما كانوا اتباعاً لمملكة قتبان، لذلك اطلقوا على الحصن الذي بنوه بـ، ظفار/ اسم حصن/ ذى ريدان/، تيمناً باسم قصرهم القديم، واطلقوا (ذى ريدان) على وطنهم الجديد الذي اقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان، ليذكرهم باسم وطنهم القديم"(29).‏

    وهكذا اتخذ الحميريون ظفار عاصمة لهم، التي كانت تسمى في آداب الرومان واليونان سيفاً وسفار، واحتلت بذلك مكان مأرب عاصمة السبئيين وقرن عاصمة معين في ازدهاريهما، وعظمتيهما الحضاريتين. واستمرت الدولة الحميرية الأولى في البقاء حتى 300 م.‏

    الدولة الحميرية الثانية (300-525م).‏

    تأسست الدولة الحميرية الثانية حوالي 300 ميلادية، وأصبح ملكها يلقب بـ" ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنات"، إذ توسعت الدولة الحميرية بضمها بعضها واخضاعها لحضرموت، التي فقدت استقلالها. وفي هذه الاضافة الجديدة دلالة على ان الدولة الحميرية قد توسعت كثيراً بهذا الضم، فكلمة يمانت في رأي كلاسر" كلمة عامة تشمل الأرضين في القسم الجنوبي الغربي من جزيرة العرب، من باب المندب حتى حضرموت... ومن( يمنت) ولدت كلمة اليمن التي توسع مدلولها في العصور - الاسلامية حتى شملت أرضين واسعة، لم تكن تعد من اليمن قبل الاسلام"(30). وفي عهد الدولة الحميرية الثانية، تعرضت العربية السعيدة لغزو الاحباش، الذين احتلوا اجزاء من البلاد، ومكثوا فيها من عام 340 إلى 378م، واستعادت مملكة حمير سيادتها على البلاد بعد مقاومة وطنية باسلة، طرد على اثرها الاحباش، واسترد الحميريون القابهم الضخمة.‏

    لقد امتد العصر الحميري من عام 115 ق.م وانتهى بانقراض دولة حمير في عهد الملك ذى نواى525م، وبذلك استمرت الدولة الحميرية في حكم اليمن زهاء 640 عاماً.‏

    ان الحديث عن العصر الحميري يقودنا إلى نشأة ونمو ملحوظ لقوى الانتاج، ولتبلور نظم الطبقات، وقيام الدولة التي تقودها الطبقة الارستقراطية، والتي تمتلك وسائل الانتاج الرئيسية، والمتكونة من رؤساء القبائل والتجار والقوافل ورجال المال والقيادات الذين يتولون وظائف عامة. غير ان قيام الدولة الذي يشكل مرحلة تاريخية متقدمة بالمقارنة مع النظام القبلي والعشائري، الذي كان سائداً، لايعني أنها حققت القطعية مع هذا الأخير.‏

    فالحضارة التي شهدتها الدولة الحميرية ذات ابعاد متماثلة بالنسبة إلى حضارات الشرق المتحضر خلال حقب دول البابليين والفينيقيين والآشوريين والمصريين.‏

    " وكان قيام الدولة تحقق لضرورة تاريخية بعد نشوء التمايز الاجتماعي الطبقي في مجتمعنا ذاك. وهذه الضرورة هي مايلازم تكوين الدولة من صفة الاستقرار وصفة التراكم اللتين هما في علاقة جدلية مع التطور الاجتماعي. وكانت شروط هذه الضرورة متوفرة في اليمن والعربية الجنوبية، التي مر زمن طويل عليها منذ أخذ الاقتصاد الطبيعي والروابط الجماعية القبلية فيها بالتفكك، وشرعت تحل محلها روابط اقتصادية جديدة وعلاقات انتاج أرقى أي أن التطور التاريخي كان حينذاك قد قطع شوطاً طويلاً في مسار حركته إلى نشوء نظام اجتماعي يقوم على الملكية الخاصة والاستغلال والتفاوت في توزيع الثروة والتمايز الاجتماعي كان نشوء الدولة ضرورياً لحماية هذا النظام وتعزيزه"(31).‏

    بالتلازم مع قيام الدولة العربية السعيدة، تطور المجتمع المديني مع ممارسة الزراعة وتطورها بفعل الشبكة الرائعة من السدود لحفظ المياه، والتربة الغنية التي تتمتع بها أراضي اليمن، وتوسيع الأراضي الزراعية، وازدهار التجارة، باعتبار ان المجتمع المديني هذا كان قائماً بصورة أساسية على التجارة البحرية والقوافل، والزراعة، وتطور القوى المنتجة.‏

    ان تبلور الأوضاع السياسية والاقتصادية الاجتماعية في المجتمع المديني اليمني قاد إلى تفكك الروابط الجماعية القبلية فيه، وإلى ظهور مجال جديد للتنظيم الاجتماعي والأشكال السياسية، والتبادل اللغوي والثقافي الديني والفلسفي. وبرزت في هذا المجتمع المديني نتاج تبلور نظام اجتماعي قائم على الملكية الخاصة، طبقة ارستقراطية مؤلفة من الاقطاعيين اصحاب الأراضي الكبيرة، والتجار الأثرياء، ووجهاء القبائل، وكهان المعابد.‏

    وفد بلغت هذه الطبقة درجة كبيرة من الثراء ساعدها على ذلك طبيعة الدولة الاوليغارشية التي تعتمد على هذه الارستقراطية، حيث أن الحكم والثروة والنفوذ والجاه، هو بيد هذه الطبقة المالكة للثروة، فضلاً عن أن الاسر الحاكمة كانت تأتي من هذه الطبقة، وكذلك الامر بالنسبة لاعضاء مجالس (المزود) (المسود) و( حكومات المدن) و( المجالس القبلية) وقادة الجيش، و( الكبراء) ،و(الأقبان) و( الاقيال)،" ويشبه مجلس المزود مجالس المدن والمجالس القبلية التي تكون داخل القبيلة الواحدة من وجهائها واثريائها، وكان رؤساء القبائل أصحاب الاملاك يتقلدون الوظائف العالية القيادية في الدولة ويتولون جمع الضرائب وادارة الأقاليم"(32).‏

    وفي عهد الدولة الحميرية الثانية أخذت المسيحية تتسرب إلى اليمن، وانتشرت النصرانية القائمة على المذهب المنوفيزي منذ عهد قديم. وتشكلت طائفة نصرانية كبيرة اقامت بنجران، واستغلها الاحباش كسند في اطار حملتهم على اليمن عام 340م. وبسبب هذا الموقف، الذي اتخذه النصارى، تولد عند اليمانيين الحميريين ردة فعل عنيفة، وعداء شديد أزاءهم. وبالمقابل انتشرت اليهودية في اليمن في عهد الدولة الحميرية الثانية، وقد دخلت عن طريق شمال الجزيرة العربية، وأصبحت الديانة اليهودية قوية جداً في اليمن حتى ان آخر ملوك الدولة الحميرية ذي نواس (515-525) كان يهودياً. وفي سياق الصراع التنافسي بين الديانتين الموحدتين، تحولت العلاقة بينهما إلى عداء سافر وهذا ما قادى الملك ذو نواس إلى شن حملة دموية عنيفة على النصارى بهدف ترك دينهم والقضاء على المسيحية في اليمن. فقام بمذبحة نصارى نجران في تشرين أول عام 523 م، وحرق الانجيل، ودعا من نجا منهم إلى اعتناق اليهودية" فخيرهم بين القتل والدخول فيها فاختاروا القتل". غير ان اضطهاد ذو نواس للمسيحيين وتعصبه لليهودية أثار البيزنطيين فاوعزوا إلى الاحباش بالهجوم على اليمن انتصارا للنصارى، وكان أن جهز الاحباش حملة على الدولة الحميرية، واستطاعوا أن يقضوا عليها، فقتلوا أهلها وهدموا حصونها، أما ذو نواس فقد رمى بنفسه في البحر وقال الموت في البحر أحسن من الأسر، ولكن لم يلبث أهل اليمن طويلاً حتى استنجدوا بالساسانيين الفرس وهم أعداء البيزنطيين فأنجدهم اوشروان بقوة استطاعت أن تخرج الأحباش منها وبذلك تحررت اليمن رغم محاولة الفرس البقاء فيها "(33).‏

    لقد كان لحركة التجارة المزدهرة بين اليمن وبلاد الشام، وبين الخليج العربي ومؤانئ البحر المتوسط، اسهام كبير في ظهور وتبلور مجتمعات مدينية عربية على تخوم صحراء الجزيرة العربية والعراق، وفي قلب بادية الشام، تميز البعض منها بطابع زراعي، وتميز البعض الآخر بطابع تجاري وبخاصة في مدن غرب الجزيرة، وجنوبها، وقامت دويلات عربية على أطراف الجزيرة مثل دولة الانباط، ومملكتي الغساسنة والمناذرة ودولة تدمر.‏

    المجتمع المديني التدمري:‏

    تعتبر تدمر واحدة من أمهات مدائن الشرق في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، ويكاد صعودها إلى قمة مجدها الاقتصادي يضاهي صعود بعض مدائن أوروبا الغربية وايطاليا في عصر النهضة الأوروبية. وقد ساعدتها العوامل الاقليمية المحيطة على اعتلاء قمة المجد الاقتصادي، والسياسي هذا، خصوصاً بعد تدهور كيان دولة الانباط وسقوطها ،وافول نجم عاصمتها البتراء في العام 106م/، وورثت تدمر المكانة الرئيسية التي كانت تحتلها البتراء، فأصبحت بذلك مركزاً مهما للنشاط التجاري، وللطرق التجارية الدولية، التي تربط الشرق( بلاد الساسانيين- ايران والهند، والصين من جهة) بالغرب - أوروبا من جهة أخرى. وغدت حلقة أساسية في طريق الحرير الهامة بين الصين والعالم الروماني التي كانت من مسالك التفاعل الحضاري في العالم القديم، فتوسعت تجارتها وزاد عدد قوافلها، وحصلت على ثروة طائلة. وهكذا عرفت تدمر أكبر قدر من الازدهار الاقتصادي، فأكملت بناء معابدها الجديدة، وجددت بناء القديمة منها أو وسعتها وحسنتها، وانجزت بناء السوق العامة( الاغوارا) وأنشأت الشارع الرئيسي ومدته نحو معبد بعل وجعلت له بوابة رائعة التي اشتهرت بأسم " قوس النصر" وأخذت تنشئ المدائن الضخمة،" ووصلت تدمر في جمالها وفخامة عمرانها إلى مصاف مدن العهد الروماني في سورية وخارجها"(34).‏

    وتبلورت في تدمر طبقة ارستقراطية كبيرة وشديدة الثراء تضم التجار أصحاب القوافل، والوسطاء، والوكلاء والصيارفة، وكنتاج لثرائها، كانت هذه الطبقة شديدة الولع ببناء المعابد الضخمة والتماثيل التي لاتحصى، والحمامات، والمسرح وقاعات الولائم، والمجالس العديدة، وهذا دليل قوي على اهتمام هذه الطبقة بالجوانب الثقافية والروحية، فضلاً عن حبها للبذخ والترف والجاه.‏

    يتميز المجتمع المديني التدمري بخصائص معينة، نوجزها على النحو التالي:‏

    1- إن التجارة عامة، وتجار القوافل بخاصة هم الذين يقومون بالنشاط الاقتصادي الأساسي في المدينة، وقد أطلق على اسم تدمر مدينة القوافل، ولما كان تجار القوافل يحتلون المركز الأول في النشاط الاقتصادي، فإنهم بالمقابل يقومون بالمهمات العظمى داخل المدينة، مثل الكهانة والسدانة، وعضوية مجالس الشيوخ والوظائف العامة، والقيادات الرئيسية، وعامة الاحزاب الدينية. ولقد زاد من دور تجار القوافل، تنامي قوة حركة القوافل الوافدة من مصر، ومن الجزيرة العربية، وساحل الخليج العربي، ومن مرافئ دجلة والفرات، وهذا ما جعل لمدينة تدمر مستودعات ووكالات وجاليات تابعة في كل هذه المناطق.‏

    2- ان تدمر شكلت مركزاً مهما بين الشرق والغرب، وكانت عقدة من العقد الخطيرة في العمود الفقري لعالم التجارة بعد الميلاد، تمر القوافل تحمل اثمن البضائع في ذلك الوقت، كانت على اتصال بأسواق العراق، وما يتصل بالعراق من اسواق في ايران والهند والخليج والعربية الشرقية. كما كانت على اتصال بأسواق البحر المتوسط، ولاسيما ديار الشام ومصر، كما كانت على اتصال بالعربية الغربية وباسواقها الغنية بأموال افريقية والعربية الجنوبية والهند، ان هذه التجارة هي التي احيت تلك المدينة، كما ان تغير طرق المواصلات بسبب تغير الأوضاع السياسية هو الذي شل جسم المدينة، فاقعدها عن الحركة بالتدريج.(35).‏

    3- ان المجتمع المديني التدمري هو خليط من تجار ومزارعين، في حين ان أطرافها كانوا أعراباً ورعاة، ومع ذلك فان الأعمال التجارية الواسعة هي التي كانت تغلب عليه. ولما كانت العلاقات التجارية مع الدول المجاورة قوية، فقد كان لتدمر علاقات سياسية مع الفرس والرومان والروم، والقبائل العربية في البادية" التي لم يكن من الممكن مرور قوافلها في أرضها بسلام مالم يتفق مع سادتها على دفع اتاوة سنوية.وهذا ما دفع هذه المدينة التجارية والمتوقفة حياتها على التجارة، التي هي عرضة لأطماع الطامعين من قبل الدول القوية التي تخوض صراعاً تنافسياً للسيطرة عليها إلى بناء جيش ضخم قوي،" وقد منحت (تدمر) درجة مستمرة رومانية عليها، فاكتسبت بذلك حق الامتلاك التام والاعفاء من الخراج والحرية الكاملة في ادارة سياسة المدينة، ونالت الحقوق الايطالية منحت هذه الدرجة في أيام (هدريانوس) على رأي،، أو في أيام (سبتيموس سويروس) (193-211م) على رأي آخر.. ولكن منحها درجة (مستعمرة) لايعني أنها صارت مقاطعة رومانية مئة بالمئة ن بل كانت في الواقع حكومة مستقلة ذات سلطة واستقلال في ادارة شؤونها خاضعة خضوعاً شكلياً لحكم الرومان"(36).‏

    كما وفي ظل تمتع التدمريين بهذا الاستقلال النسبي، استغلوا فرصة انشغال الدولة الرومانية بمقاومة الغزوات الجرمانية التي باتت تهدد دولتهم في أوروبا الغربية، لكي يقوموا بتوسيع دولتهم، التي أصبحت تضم عدداً من الدول الصغيرة المجاورة.‏

    4- لقد كان لقيام الدولة الساسانية في العام 266 م، بعد انقلاب ثورة (اردشير بن بابك بن ساسان) على الملك (أرطبان) الخامس ملك البرث، وعلى ملك أرمينية، اثر كبير في حياة الدولة التدمرية، ذلك ان الصراع بين الساسانيين والرومان سرعان ما انفجر على أشده، فتاستغلت أحدى اسر تدمر العريقة هذا الصراع المتجذر أحسن استغلال، وزعيم هذه الاسرة هو (لذينة) من(بني السميدع) إذينه من اسرة قديمة معروفة تولى رجالها رئاسة تدمر والزعامة عليها، واستطاعت بفعل تأييدها للرومان وتقربها اليهم ان تكتسب ود القياصرة وعطفهم عليها والانعام على افرادها بالالقاب والاوسمة وبالمال في معظم الاحيان، وبالقوة والمعرفة وهي غاية كل سيد قبيلة وامنية كل رئيس في مجتمع قبلي يقوم النظام السياسي والاجتماعي فيه على مفهوم الحكم القبلي في كل زمان ومكان.‏

    ولم يتعرض الرومان لحكم افرادها على المدينة اذ كانت أحكامهم لا تعارض أحكام (رومه) ولاتصطدم بها وتركوهم يديرون شؤونهم على وفق السياسة الرومانية وارادة القياصرة وأوامرهم التي يصدرونها إلى (المشيخة) فكانوا يعدونهم لدى قياصرة الرومان (37).‏

    غير ان هذه الحرب التي اندلعت بين الفرس الساسانيين بقيادة ملكهم شابورا الأول ابن اردشير (241-272) والجيش الروماني بقيادة فالريانوس، قادت إلى انتصار الفرس الرومان، فاجتاح ملك الفرس أسيا الصغرى، وشمال سورية وعاثى فيها فساداً وخراباً. وما أن عرف اذينة باتنتصار شابور على الامبراطور الروماني واسره له، حتى نظم جيشه، وزحف على طيسفون وتقابل مع جيش شابور في معركة عنيفة على ضفاف الفرات، انتهت بهزيمة شابور هزيمة نكراء" وكافأ الامبراطور الجديد جالينيوس بن فالبريانوس اذينة على هذا الانتصار الذي احرزه على الفرس فأنعم عليه بلقب قائد عام على جميع جيوش الشرق في سنة 262 م، وبدأ أذينة يسترجع أراضي الامبراطورية من الفرس فهاجم شابور في طيسفون ونجح في استرداد البلاد الشرقية. وكانت لهذه الانتصارات أثرها العميق في نفس الامبراطور، فكافأه على أخلاصه مرة ثانية في سنة 264م/ بان منحه لقب " امبراطور على جميع بلاد المشرق"، ولم يكتف اذينة بما ناله من تكريم فلقب نفسه ايضاً بلقب " ملك الملوك" ومنحه مجلس الشيوخ الروماني لقب أغسطس، وهو لقب أباطرة الرومان"(38). وعلى الرغم من هذه الانتصارات التي حققها أذينة ضد الساسانيين، إلا أنه قتل غدراً من قبل ابن أخيه حيران وقتل معه هيرود بن اذينة في سنة 266-267م).‏

    5- تولت قيادة الدولة التدمرية بعده زوجته الثانية زينوبيا، وتتمتع (الزباء) بشخصية قوية وفائقة في ادارة شؤون الدولة الكبيرة في الشرق الأدنى القديم، هذه الدولة التي تمتلك جيشاً قوياً يخيف الفرس، ويلحق بهم الهزائم العسكرية، ويحظى باحترام وتقدير الرومان. وقد ورثت الزباء مملكة كان لها أثرها الكبير في النزاع السياسي العسكري بين المعسكر الشرقي وهو معسكر الفرس، والمعسكر الغربي وهو معسكر الرومان، يساعدهم في ذلك التدمريون، وانتهجت الزباء سياسة عربية بعد" ان رأت أن الرومان هم أعداء تدمر وأنهم لايفكرون إلا في مصالح الرومان الخاصة".‏

    استغلت الزباء حالة الضعف التي بدأت تدب في جسم الامبراطورية الرومانية، نتاج الصراعات الداخلية في روما، واستنزاف الرومان في حروب مدمرة مع الساسانيين، وغزو البرابرة( الجرمان والقوط) للقسم الغربي من الامبراطورية الرومانية، فوضعت استراتيجية للاستيلاء على مصر بهدف توسيع رقعة بلادها شمالاً وجنوباً، خصوصاً وان هذه الاستراتجية الحربية والسياسية كانت دوافعها تخدم مصالح تدمر الاقتصادية، الا أن السيطرة على مصر المشرفة على طريق الهند عبر الاحمر يجعلها متحكمة بصورة فعلية في طريق المواصلات بين الهند وعالم البحر المتوسط.‏

    وهكذا استغلت الزباء حالة الارباك في روما هذه، خصوصاً بعد انتصارها على الجيش الروماني ومقتل هرقلينانوس قائد هذا الجيش، ثم مصرع جالينوس عام 268 وانتقال عرش الامبراطورية إلى اوريليوس كلوديوس، فاستولت على مصر والحقت بالجيش الروماني هزيمة كبيرة، وآلت مصر إلى زنوبيا.‏

    وفي المرحلة التالية أرسلت جيشها إلى آسيا الصغرى، فاحتل الاناضول ووصل إلأى مضيق البوسفور. وبامتلاك مصر وسورية ومضيق البوسفور معاً، وضعت تدمر تحت سلطتها كل منافذ وطرق المواصلات البرية والبحرية مع الشرق الأقصى والمصادر الرئيسة لتموين روما في الوقت نفسه.‏

    وبذلك بلغت تدمر قمة مجدها السياسي في الربع الثالث من القرن الثالث الميلادي (39).‏

    ومع تعاظم قوة تدمر السياسية والعسكرية والاقتصادية قررت الامبراطورية الرومانية بقيادة امبراطورها الجديد وضع حد لحلم الزباء في تدمر، فزحف أورليان بجيشه على تدمر وواجه الغزاة مقاومة وطنية عنيفة، غير ان اسر الزباء ونضوب المواد التموينية بسبب الحصار المفروض على المدينة، جعل تدمر تسقط في أيادي الرومان في خريف 272م.‏

    تعتبر الدولة التدمرية أكثر دول الشرق القديم تنظيماً وتقدماً، اذ ان مؤسسات هذه الدولة تتكون من مجلس الشيوخ، الذي يضم أعضاء من كبار التجار، ورجال المال، ورؤساء القوافل والوجهاء، وله رئيس وأمين سر، ومن مجلس الشعب الذي يضم أفراد القبائل البالغين. وتنامي نفوذ مجلس الشعب، بحكم الثراء الفاحش للطبقة التجارية التدمرية المتنفذة على صعيد الحكم ، فضلاً عن أن الارستقراطية الحاكمة قد ركزت السلطات المدنية والعسكرية لمصلحة هذه الطبقة، مقلصة بذلك سلطات المجالس الشعبية. كما ان القانون المالي التدمري يؤكد لنا مدى تطور هذا المجتمع المديني، وبخاصة في جانب الجهاز الاداري للدولة، وكذلك في جوانب الأوضاع الاقتصادية والمالية والادارية والسياسية للدولة التدمرية، دولة مدينة القوافل...‏

    r هوامش الفصل الثالث‏



    (1)- أنظر:‏

    Huko Wincller The history, Of Bahy Ionia and Assyria Tr James Agraig (New York 1907) (pp 18 - 22) .‏

    مقطع مستشهد به فيليب حتى بأعتبار هذا العالم من الأوائل الذين شرحوا نظرية الهجرات السامية القديمة.‏

    (2)- الدكتور فيليب حتى- الدكتور أوارد جرجي- الدكتور جبرائيل جبور- تاريخ العرب دار غندور للطباعة والنشر والتزوزيع - الطبعة الخامسة 1974-(ص29).‏

    (3)- المصدر السابق( ص34).‏

    (4)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام- الجزء الأول دار العلم للملايين بيروت- مكتبة النهضة- بغداد 1976 (ص233).‏

    (5)- المصدر السابق(ص295).‏

    (6)- المصدر السابق(ص354-355).‏

    (7)- المصدر السابق( ص375).‏

    (8)- بونفارد ليفين - الجديد حول الشرق القديم- ترجمة جابر أبي جابر - دار التقدم (ص219-220).‏

    (9)- فيليب حتي- مصدر سابق( ص64).‏

    (10)- م. ب- بيوترفسكي - اليمن قبل الاسلام والقرون الأولى للهجرة- تعريب محمد الشعيبي دار العودة، بيروت - الطبعة الأولى 1987(ص161).‏

    (11)_ موسل لوسيب- شمال الحجاز، مطابع رمسيس بالاسكندرية 1952(ص1).‏

    (12)- المصدر السابق ذاته.‏

    (13)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام- الجزء الثاني (ص 130).‏

    (14)- الدكتور جواد علي مصدر سابق (ص258).‏

    (15)- المصدر السابق (ص260-261).‏

    (16)- المصدر السابق (ص 262).‏

    (17)- المصدر السابق- مقطع يستشهد به الدكتور جواد علي ص(269).‏

    (18)- مقطع استشهد به فيليب حتي في كتابه تاريخ العرب - مصدر سابق (ص87).‏

    (19)- محمد عبد القادر بافقيه تاريخ اليمن القديم (ص 65).‏

    (20)- الدكتور صالح أحمد العلي محاضرات في تاريخ العرب- (ص23).‏

    (21)- عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية( ص10).‏

    (22) - تاريخ العرب في العصر الجاهلي الاسكندرية 1968، (ص 137 - 140)‏

    (23)- الطبري- التاريخ ج2 (ص492) البلاذرى- انساب الاشراف ج1 (ص374) د جواد علي المفصل 44(ص545).‏

    (24)- يذكر د. جواد على في المفصل" ان النقوش اليمنية القديمة المكتشفة تظهر أن ملوك اليمن قد اسسوا دوراً للنسيج، تأتي بالمال إليهم من جملة الموارد الأخرى".‏

    ط الثانية بغداد 1978 الفصل، ج 5(ص261).‏

    (25) - عبد العزيز سالم - دراسات في تاريخ العرب،، الاسكندرية 1968 (ص199).‏

    (26)- الدكتور جواد علي- تاريخ العرب قبل الاسلام ج2 (ص177).‏

    (27)- محمد عبد القادر بافقية- تاريخ اليمن القديم (ص92).‏

    (28)- - برهان الدين دلو- جزيرة العرب قبل الاسلام- دار الفارابي - الطبعة الأولى - كانون الثاني 1989(ص315).‏

    (29) - د. جواد علي- المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام - الجزء الثاني- الطبعة الثالثة مكتبة النهضة بغداد (517).‏

    (30) - المصدر السابق (ص530-531).‏

    (31) - برهان الدين دلو - مصدر سابق (ص319).‏

    (32)- المصدر السابق( ص321).‏

    (33)- أحمد سوسة- العرب واليهود في التاريخ- منشورات وزارة الثقافة والعلوم. الجمهورية العراقية 1981-( ص185-186).‏

    (34) سد عدنان البني - تدمر والتدمريون- منشورات وزارة الثقافة والارشاد القومي دمشق 1978، (ص74).‏

    (35)- د. جواد علي تاريخ العرب قبل الاسلام (م3) (ص8).‏

    (36)- المصدر السابق (ص87-88).‏

    (37)- المصدر السابق (ص90).‏

    (38) الدكتور السيد عبد العزيز سالم- تاريخ الدولة العربية- تاريخ العرب منذ عصر الجاهلية حتى سقوط الدولة الأموية- دار النهضة العربية 1986(ص122).‏

    (39) - برهان الدين دلو - مصدر سابق (ص343).‏
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-06-17
  5. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    *****************

    من مر وله ملاحظات وأحب أن يثري الأمربنقاش يكون ...
    احيا موات الوقت الذي يضيع على النت ...

    ومن مر وسجل حضور يكون قد أثبت أن فينا من يقرأ
    وماصدقت مقولة اليهود فينا(( أننا امة لاتقرأ ))

    فالبحث يحوي نقاط دقيقة
    وأخرى مخلوطة بفهم غير واعي بطبيعة البلاد ..

    في جانب العنصر السامي الذي يتشدق به اليهود له لفتة .. تستحق الوقوف والاستيعاب ..


    للجميع كل التحية والتقدير ...
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-06-17
  7. الشبامي

    الشبامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-02-11
    المشاركات:
    3,440
    الإعجاب :
    0
    في دوامة التاريخ بين رواة الأخباريين ومتخصصي علم الأنتربلوجيا تهنا مع اخينا الصراري في الخروج بمحصلة ثابته في حين لازالت الدراسات الأثرية ناقصة لحضارة ممالك جنوب بلاد العرب وهذا الذي اوجد جملة من المشاكل الرئيسية التي تعترض الباحثين في تاريخ عرب الجنوب واليمن عامة وتاريخ الممالك فيها من حيث ترتيب الملوك ومدد حكمهم والتميز بين الأسر الحاكمة والتداخل التاريخي بين الممالك وغيرها من المشاكل التي تحير الباحثين في هذا المجال ولعل الواقع ان تاريخ اليمن وجنوب بلاد العرب يأتي من واقع ان النظام القبلي مهيمن عليها منذ فترة مبكرة من التاريخ ومستمر بها الى ماشاء الله ولكل قبيلة ارض معينة معروفة لا تتعداها ولا يعتدى عليها حتى في حالة تبعتها لمملكة معينة تبقى مستقلة ذاتيا مادامت قوية واذا ما احست بالضعف اتحدت مع غيرها ( كمثال لنا الآن قبيلة حاشد وهي تأتي من التحشد أي الجمع وأيضا قبيلة بكيل يأتي المعنى من التجمع كما ذكر الهمداني في كتابه الأكليل) وهذا الذي يفسر قيام ممالك ودول كثيرة في اليمن وجنوب الجزيرة خلال العصور المختلفة جعلها مرشحة لأن تكون اكثر امكنة العالم في عدد الدول التي اقيمت عليها وقد يتسع نفوذ الممالك بحيث يشمل جارتها وهذا دليل ان اليمن وجنوب الجزيرة العربية ليست كانت دولة واحدة مركزية عبر التاريخ وليس هناك شعبا واحدا خاضعا لدولة واحدة مر العصور اسمه الشعب اليمني ..‍‍‍!!!
    وليست هناك أرض واحدة ممتدة الرقعة الجغرافية اسمها اليمن الواحد..!!
    ولهذا لعلك الآن وعيت معنى البيتين اللذان اخترتهما شعار لي اسفل الصفحة وفيها الحدود التاريخة التي اشار اليهما شاعر شعبي قبل عقود من الزمن


    .


    .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-06-17
  9. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    كلام منطقي وتاريخي ياشبامي إلا أن وصلت الى :

    ((وهذا دليل ان اليمن وجنوب الجزيرة العربية ليست كانت دولة واحدة مركزية عبر التاريخ وليس هناك شعبا واحدا خاضعا لدولة واحدة مر العصور اسمه الشعب اليمني ..‍‍‍!!!
    وليست هناك أرض واحدة ممتدة الرقعة الجغرافية اسمها اليمن الواحد..!!
    ))

    هنا لم تكن أنت الذي تكتب .....بل هواك يا العزيز ..
    ولا أدري الى أي شاطئ سيقودك كل ما أتوقعه أنه ليس بشاطئ أمان بل جرف هار :)

    نعم كانت قبائل متناحره وممالك لها سلطانها لكنها كانت تؤمن أنها على أرض واحده وتحكم شعباً متجانس العادات والتقاليد والدين واللغه ...


    إنكار شعب كامل وتاريخ كامل ورقعة جعرافية موحدة
    يعد صرعة مجذوب أسأل الله لك كي الدواء الشافي :) ...

    تحياتي ....
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-06-17
  11. الشبامي

    الشبامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-02-11
    المشاركات:
    3,440
    الإعجاب :
    0
    .
    كانت القبائل تحكم بعضها البعض وكل قيبلة هي شعب كما ورد في النقوش السبأية شعبم سبأ وشعبم قتبان (0شعب قتبان .)ألخ وكانت بعض الملوك من السبأيين والحميريين والذين يسيطرون بغزواتهم على شعوب جيرانهم يلقبون انفسهم بملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وذلك كان في الناذر ....
    واسأل ياصراري أين هي (يمنات ) التاريخية ؟؟
    برغم اختلاف المؤرخون في اساس التسمية هل هي لليُمن والبركة أم لأنها تقع يمين الكعبة أو نسبة الى أيمن بن الهميسع بن حمير وان كانت وردت في نصوص المسند لفظة يمنات ويمنه ويمنت وهي لاشك انها تعني تحديدا الأراضي الواقعة وسط اليمن الحالي بما فيها صنعاء وفرضت اسم هذه المنطقة لتشمل فيما بعد كل انحاء اليمن ومحاولة لطمس هوية وأسماء اراض واقاليم لها اسمائها الضاربة الجذور في التاريخ كحضرموت وبلاد المهرة وغيرها ...!!



    .
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-06-17
  13. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    يا الله ياشبامي بالمره نناقش قضية الأخدام :)
    «الاخدام» تعتبر هي الفرع الرئيسي المتبقى من العنصر العربي الاصيل والتي كانت تقطن وتحكم ما كان يسمى باليمن الاسفل دولة يمنات التي كانت قائمة لأكثر من اربعة الاف عام قبل الميلاد..
    وياريت بالمره تفك هذه الشفرة الخاصة بالموقع :)
    http://www.balagh.org/LIB/farsi/11_tarikh/02/naqsh qabayele yamani/03.htm
    وياريت ياشباب اللي عنده تلفون أو وسيلة اتصال (( بشمر يهرعش )) موحد اليمن الأول يستدعيه الأمر ضروري ...:)
    *************************************
    بيان الاربعاء ـ «الأخدام» ضحايا الموروث الاستبدادي في اليمن

    قضية «الاخدام».. أو ما باتت تعرف بقضية المهمشين تحولت منذ فترة قصيرة إلى موضوع ساخن يحظى باهتمام ومتابعات وردود افعال الشارع السياسي والوطني والشعبي في اليمن،


    خاصة بعد ان عمل هؤلاء المهمشون على تنظيم انفسهم في اطار مدني حقوقي للدفاع عن قضاياهم التي يرون انها عادلة ومنها المساواة بالمواطنة وحق التعليم والوظيفة العامة والترقي والتمثيل البرلماني والسياسي في أعلى سلطات ومراجع الدولة.. وقبل الخوض في هذه المطالب الدستورية والحقوقية والانسانية.. واوضاع هذه الفئة المهمشة في المجتمع اليمني، ربما هناك من يتساءل: من هم الاخدام وما اصلهم؟


    احباش ويمنات


    ان الاجابة عن الشق الأول من السؤال تبدو ـ هنا ـ سهلة ومعروفة لعامة المواطنين اليمنيين والمهتمين بالشأن الداخلي، وأفضل وصف جاء في دراسة «الشرائح الاجتماعية التقليدية في المجتمع اليمني» للدكتور قائد نعمان الشرجبي الاستاذ بجامعة صنعاء الذي وصف «الخادم» انه ذو بشرة سوداء وله شعر اسود فاحم يميل كثيراً إلى التجعد والقصر، وشفاه سميكة وخاصة الشفة السفلى وانف انطس غالباً وذو فتحات كبيرة في الغالب أيضاً، اما صفاته البيولوجية فهي تقترب كثيراً من الصفات البيولوجية للانسان الزنجي، والاخدام يحتلون المرتبة السفلى أو الاخيرة في السلم الاجتماعي التقليدي ويواجهون باحتقار شديد من كافة الشرائح الاجتماعية الاخرى، وهم يعيشون على هامش المجتمع.


    اما الاجابة عن الشق الأخير، فهي تأتي في سياق الاراء الافتراضية للمؤرخين والباحثين والتي تتسم بالاختلاف.. والافتراض الاقوى ـ حسب دراسة الشرجبي ـ ذلك الخاص بالمؤرخ عبدالرحمن الحضرمي القائل ان الاخدام هم من الموالي الاحباش الذين استقدمهم الـ «نجاح» ـ موالي من اصل حبشي ـ لتدعيم دولتهم في مدينة زبيد بتهامة في القرن السادس الهجري.. هذا الافتراض وصفه محمد علي القيرعي رئيس جمعية الاخدام الموسومة بجمعية الدفاع عن الاحرار السود في اليمن ـ تحت التأسيس ـ بالمغالطات التاريخية.


    يقول القيرعي: ان هذا الافتراض يأتي من باب المغالطات ولا يستند على المعطيات التاريخية التي تشير إلى ان هذه الفئات الاجتماعية السوداء «الاخدام» تعتبر هي الفرع الرئيسي المتبقى من العنصر العربي الاصيل والتي كانت تقطن وتحكم ما كان يسمى باليمن الاسفل دولة يمنات التي كانت قائمة لأكثر من اربعة الاف عام قبل الميلاد.. ويضيف بصرف النظر عن الرأي الاخير فاذا كان الاستبداد الاجتماعي والعنصري ضد هذه الفئات قائماً على فرضية انهم بقايا احباش أو نجاحيين، الم يكن المجوس الفرس محتلين أيضاً رغم الفارق بين الفتح الديني الحبشي والاحتلال الفارسي، ورغم ذلك لم تكرس ضدهم اية ثقافة عنصرية وكذلك الحال مع بقايا الاتراك وبقايا الاسر اليهودية التي أعلنت اسلامها في عام الطرد الإمامي 1948.


    اجراء وشحاذون


    ان المسافة التاريخية الطويلة والفاصلة بين ماضي الاخدام وحاضرهم شهدت تراكمات نوعية وكمية اسهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تعقيد قضية هذه الفئة المهمشة.. وبحثاً عن الاخدام في أوراق الحاضر التي ترتبط جدلياً بالماضي، تطرق محمد القيرعي رئيس اللجنة التحضيرية لجمعية الاحرار السود في اليمن في حديثه لـ «البيان» إلى جملة من الجوانب المهمة المتصلة مباشرة بهذه الفئة، وحول تعداد الاخدام في اليمن، اجاب القيرعي ليس هناك احصائيات دقيقة تبين العدد الاجمالي لهذه الفئات المهمشة، وانما نستطيع الاستناد في تحديد عددهم الى الاحصائيات الفرعية التقريبية التي تمت هنا وهناك من خلال صندوق الأمم المتحدة بصنعاء أو منظمتين «كير» أو «اكسفام»، أو من خلال بحثنا المسمى «اسئلة البحث في موضوعات الحقيقة الغائبة»، حيث وجدنا ان عددهم لا يزيد على 650 ألفاً، يتوزعون على معظم مناطق البلاد، وتعتبر محافظات مثل تعز وعدن والحديدة ولحج من أكثر المناطق الحاضنة لهذه الفئات المهمشة.


    وفي رده على سؤالنا حول حجم معاناة هذه الفئات اجاب محدثنا القيرعي بالقول: هذه الفئات المهمشة أولاً ليست على مستوى الاخدام فحسب وانما على مستوى كافة الفئات الاجتماعية المهمشة بما فيها الاحجور ـ العبيد ـ والمزاينة وهي كتل اجتماعية اوجدت لها الثقافة الشعبية حيزاً واسعاً في زاوية الاستبداد الاجتماعي والعنصري، وتتوزع هذه الفئات على شكل تجمعات صغيرة في عموم مناطق البلاد.. وثانياً وهنا الاهم ان هذه الفئات المهمشة تعاني جميعها من الفقر المدقع والفاقة، حيث تعتبر من اكثر الطبقات الاجتماعية فقراً، وذلك نتيجة لموروث الاستبداد التاريخي الذي منعها عبر الاف السنين من امتلاك أدوات الانتاج ومقومات التطور الاجتماعي، مما فرض عليها سياجاً منيعاً اعاقها من مواكبة التطور الاجتماعي في كل مناحي الحياة، كما انه انعكس سلباً على واقعها المعيشي والاجتماعي حيث نجد ان هذه الفئات لا تمارس في معظمها ـ أي مهن محترمة قياساً بالثقافة الشعبية الموروثة.


    تنحصر المهن التي يمارسونها في تلك المهن الوضيعة التي يتأفف منها الاخرون، حيث نجد ان «الاجراء» هؤلاء يعملون في المزارع والاراضي الزراعية المملوكة للاقطاعيين وكبار الملاك في مناطق اليمن الاسقل اب وتعز وبما فيها مناطق الريف يعملون كعمال زراعيين وبالسخرة وبشروط قاسية جداً غالباً، حيث لاتكاد اجورهم مقابل عملهم الشاق تؤمن لهم ادنى متطلبات العيش لهم ولاطفالهم، كذلك نجد أيضاً عمال النظافة والذين يعملون في العاصمة والمدن الرئيسية بأجور يومية زهيدة وبدون اية ضمانات او حقوق في الضمان الاجتماعي اسوة بغيرهم من موظفي الجهازين الاداري والحكومي، بينما جزء ثالث يمارس الشحاذة في القرى والأسواق، والجزء الرابع يمارس الخدمة في البيوت وهي عادة أو مهنة قديمة تجسد تماماً مفهوم الاسترقاق، حيث يقوم هؤلاء بخدمة البيوت في الاعراس والمآتم والافراح والمناسبات وقرع الطبول دون اجر الا ما يحصلون عليه من باب الصدفة فقط، اما الجزء الخامس والذين ساعدتهم الظروف في استكمال تعليمهم الثانوي والجامعي، فيعملون في الوظائف الادارية العادية، وهذه نسبة طائلة تتواجد في محافظتي عدن وتعز، والبعض يعملون كمدرسين أو ضباط ومجندين بينما نجدهم ـ والقول للقيرعي ـ محرومين من الوظائف المتوسطة والعليا وفي المشاركة في دوائر تسيير الشئون العامة للبلاد.


    مهمشون ومحرومون


    وحول المشاركة السياسية، اجاب محدثنا بالقول «نجد ان هذه الفئات المهمشة ممنوعة من حقوق المشاركة السياسية والمدنية، رغم ان دستور الجمهورية اليمنية يكتظ بالنصوص الدستورية التي تؤكد احقية كل فئات المجتمع اليمني في المساواة السياسية والتمثيل السياسي.. الخ، الا اننا نجد ان هذه النصوص الدستورية تفقد فاعليتها وتصبح نصوصاً معطلة بسبب الموروث الاستبدادي الذي طغى على كافة القيم الدينية والاخلاقية والانسانية وليس الدستورية فقط، والاحداث الماضية تؤكد هذا الواقع الالغائي الرافض لهذه الفئات المهمشة، واذكر هنا حادثتين تؤكدان منع هذه الفئات من حقوق المشاركة السياسية والمدنية، الحادثة الأولى كانت في عام 85م في تجربة الحكم المحلي الوليدة وقد ترشح احد ابناء هذه الفئات في منطقة الشيماتين بتعز وبالفعل حقق نجاحاً مذهلاً بسبب كثافة الاخدام في موطنه الانتخابي الا انه لم يستطع ممارسة مهامه عقب فوزه في الانتخابات وذلك لعدم اعتماد أو قبول فوزه من قبل اللجنة الانتخابية. والحادثة الثانية تكاد تكون مشابهة للأولى وجرت في الانتخابات النيابية عام 97م في منطقة دمنة خدير.


    منبوذون ومظلومون


    ان قضية الاخدام نالت حيزاً متواضعاً ـ ان جاز التعبير ـ من اهتمامات مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية اليمنية والمنابر السياسية والصحفية في البلاد، حيث يصطف هؤلاء مجتمعين في خط دفاعي موحد، ينطلقون من رؤى وقواسم مشتركة موحدة تدور حول مضامين المساواة الغائبة والظلم التاريخي الذي احاق بهذه الفئة دون سواها من فئات المجتمع طيلة قرون عديدة إلى درجة اصبحت فيها هذه الفئة تعيش ـ حسب رأي هذه المنظمات ـ في اجواء طقوسية وعادات وتقاليد وانماط حياة مختلفة عن سواها، الأمر الذي حدا بالبعض بوصفها اشبه بالجيتو المغلق، ولكنه جيتو فرض على هؤلاء الاخدام قسراً.. انها فئات منبوذة تعيش اطراف المدن وتحزم المدن الرئيسية بمنازل القش والصفيح والخرق البالية، وتحيا حياة غاية في البؤس والضنك، حيث لا مدارس ولا تعليم، لا صحة، لا خدمات أو مياه صحية ودورات صرف وطرق وكهرباء وغيرها.. وهذه الفئة تحولت مع استمرار العزل إلى مخزن وحيد يضخ بالايدي العاملة ذات التخصصات الدنيا كأعمال النظافة والاشغال الشاقة الاخرى التي لا تحظى برضا وقبول سائر السكان.


    ولعل حجم المظالم التي تعيشها هذه التجمعات المهمشة قد اضفى على هذه القضية ـ المشكلة ـ ابعاداً مأساوية وتراجيدية.. وفي احاديث صحفية متعددة نماذج من هذه الفئة المهمشة، طرحت هموماً وممارسات شائنة لا تمت للعصر والانسانية بصلة، الأمر الذي احرج كثيراً النظام السياسي لجهة تعامله مع المواثيق الدولية التي وقع عليها وخاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان ومناهضة التمييز وهو ما ينعكس على تدفق المعونات المالية للدول المانحة أو ربما يهدد بانحسارها.





    صنعاء ـ محمد الطويل:
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2002-06-17
  15. الشبامي

    الشبامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-02-11
    المشاركات:
    3,440
    الإعجاب :
    0
    .
    الأخدام هي قضيتكم من ضمن القضايا المطروحة على بساط البحث الإجتماعي وعليكم بمناقشتها والوقوف بشجاعة امامها ووضع الحلول الجذرية لها والتخلي عن عقدتكم العقدة اليمنية (عقدة اللون) التاريخية وهي التي دفعت بسيف بن ذي يزن ان يستعين بالجنس الفارسي (الأبيض) ضد الجنس الحبشي (الأسود) وابدال مستعمر ابيض بدل عن مستعمر اسود ... وتوالت الحبش على حكم اليمن في تاريخ الدويلات الزيادية ودولة بني نجاح...ألخ ولا زالت العقلية اليمنية رهينة العقلية الحبشية والتأثر بها في وجه الشبه في نظرة هيمنة (التايجرا) على حكم الحبشه والإطماع في ارتريا وعدم الأعتراف بالهوية والخصوصية الأريترية كما هو الوضع السائد الآن معنا في الجنوب وحضرموت ..!!!




    .
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2002-06-17
  17. سد مارب

    سد مارب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-11-29
    المشاركات:
    18,142
    الإعجاب :
    0
    الشبامي يجادل عن خلفيه فرديه ويحكم عواطفه بموضوع لانقاش فيه تاريخنا واضح كوضوح الشمس ووالدولة اليمنيه القديمة كانت تمتد من المعلا الى عمان ووصلت الى حدود مملكة اكسوم وسيطرت على الحبشه والادله التارخيهي التي جمعها المؤرخ اليوناني سترابيوس كافيه كدليل على ذلك ومن عظمة الدولة اليمنية التي كانت تسمى (سباء وحمير وحضرموت وريدان واعاربهم بالطود والتهائم) حيث الاعراب هم سكان وسط وشمال الجزيرة العربية والتهائم القاطنيين بسواحل البحر الاحمر كاملا ووصلت الغساسنة وحكموا الشام حتى ابان الفتح الاسلامي الذي ساعد في افول دولتهم والمناذرة بالعراق
    فقد جاء ذكر الدولة اليمنية القديمة التي كانت عاصمتها وحاضرتها مارب العظيمة بالقران الكريم بسورة كاملة كدليل على عظمة ورفعه وتاريخ وحضارة اجدادنا اليمننيين القدامى
    فقدسية تاريخنا كقدسية القران والانجيل والكتب السماويه التي جاء ذكرها فيها ولا يشكك بها الا من يشكك بقدسية هذه الكتب السماوية

    ولا اعتقد ان النقاش له جدوى مع بعض اولئيك الذين لا يروق لهم الا التشكيك بالماضي وكانة لا ينتمي الى ارض ذات تاريخ وماضي معبق بالحضارة والمجد
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2002-06-18
  19. شخص عادي

    شخص عادي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2007-09-03
    المشاركات:
    290
    الإعجاب :
    0
    << ومن مر وسجل حضور يكون قد أثبت أن فينا من يقرأ
    وماصدقت مقولة اليهود فينا(( أننا امة لاتقرأ )) >>

    جهد تشكر عليه
     

مشاركة هذه الصفحة