الجملوكيات العربية تخلف نفسها: اليمن نموذجا ( عادل الحامدي ) كاتب تونسي

الكاتب : بيكهام   المشاهدات : 629   الردود : 0    ‏2006-07-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-07-06
  1. بيكهام

    بيكهام عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-02-20
    المشاركات:
    480
    الإعجاب :
    0
    الجملوكيات العربية تخلف نفسها: اليمن نموذجا

    نقلا عن : القدس العربي

    عادل الحامدي
    ما أن أخمدت سيوف معارك الخبز الضارية وتماثلت للشفاء حتي هرعت الي مقهي آل دونالد البلوري لأستريح من عناء التفكير وكدر الأخبار وهي في غالبها سيئة هذه السنوات علي الرغم من التفاؤل الحذر الذي رافق صناديق الاقتراع في بلاد السواعد السمراء الشنقيطيين بعد الاستفتاء علي تعديل الدستور ودخول العهد الديمقراطي الجديد.. أرجو أن لا يفهم القارئ الذي أحترم ذوقه كثيرا أنني أقصد تكدير صفوه بأجواء ما تثيره هذه المعارك من غبار، فالصحافي المقتدر يعرف تماما كيف تنقل المعلومة والخبر والتحليل والكلمة بأكبر قدر من الأمانة والصدق حسب المسموح به قانونا والمعمول به مصلحة دون نكران للذات وما لها من أطماع ومصالح... ومعذرة أخري للقارئ باطلاق لترجمتي لـ Mac بآل، لا لعدم دقة المعني ولكن مخافة أن يتبادر الي البعض أنني أكتب من نجد أو من الربع الخالي، كلا وألف كلا هذه المرة فأنا انما أكتب من الجانب الأيمن لملعب ويمبلي الشهير في البقعة الباركة علي ضفة الشريان الأبهر الرابط بين قلب لندن النابض علي الدوام ورئتها الشرقية الصافية الخالية من مثل ما تفرزه عوادم سيارات طهران رغم أن الجمل واحد والعلف واحد فاختلف البعر فسبحان من خلق الابل!
    حلمك أيها القارئ الحصيف فاللبيب من أدرك أن من كثرت أعذاره ثقلت أوزاره، وهل ثمة وزر أثقل من الكتابة في الشأن السياسي العربي، ففي هذا المقهي الذي لم تشغلني فيه حتي عيون بلون مياه شط العرب قبل طميه بنفايات الحروب كنت أفخر علي بعض الأصحاب بأن علي بن صالح! هو القائد العربي المثال فاذا به وبحزبه يكررون مسرحية المخابرات المصرية والاتحاد الاشتراكي العربي أيام جمال عبد الناصر رحمه الله، يوم دحرت القوات الاسرائيلية في هجوم عنيف القوات المصرية والأردنية والسورية، فاحتلت سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية، وكأي مسؤول أول عن الهزيمة أعلن عبد الناصر بجرأة القائد وشجاعة العسكري الجسور استقالته من منصب القيادة، فما كان من الجماهير المغلوبة علي أمرها الا أن خرجت في مظاهرات لتطالبه بالعدول عن الاستقالة فنزل عند رغبة الشارع وعاد لتولي المنصب الذي لم يتنازل عنه الا تحت ضربات قاهر اللذات، غير عابئ بقيم الجمهورية وما تمليه يومها حركة الضباط الأحرار من أقصي درجات الطهورية والانضباط.. تم اذا تأجيل الديمقراطية منذ ستينات القرن الماضي علي مستوي جملكياتنا العربية الي أجل غير مسمي حتي بلغنا مرحلة التوريث العرقي المباشر فغدا السيناريو المصري الناصري أقل سيناريوهات التداول السلمي علي السلطة بشاعة، فبيعة القائد الملهم علي قارعة الطريق من طرف الجماهير المؤطرة خير من تكريس حكم الفرد في ردهات البرلمان، وأسوأ من ذلك كله تزوير ارادة المواطن عبر صناديق الاقتراع المضمون النتائج وان كانت كل الطرق تؤدي الي كرسي الحكم!
    اذا كان لفظ الجملكية دخيل علي لغة الضادين (ظ ض) فان ثمة نخب حاكمة ومجموعات سياسية صغيرة مدعومة بكل أدوات الدولة ما تزال تصر علي تأبيد ليلنا العربي ورفض التغيير لصالح الجميع.
    عندما أعلن الرئيس علي عبد الله صالح في صنعاء قبل سنة تجاوبه السريع مع مطالب الاصلاح الديمقراطي في المنطقة بأن قرر عدم ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة اليمنية في أيلول (سبتمبر) المقبل مؤكدا بذلك تجاوبه مع متطلبات المرحلة التي قطعت مع مفهوم الرعية لصالح المواطنة، أقول عندما قرر الرئيس العدول عن خوض المعركة الرئاسية المقبلة ابتهج اليمنيون وبعض النخب العربية المتعطشة للتحول الي مواطنين يسألون ويسألون من أجل الاصلاح وترسيخ سنة التداول السلمي علي منصب الرئاسة. وظن أولئك أن اليمن يرسخ سنة سوار الذهب السوداني الأصيل الذي تنازل عن مركزه عن طيب خاطر، لكن خبراء السياسة اليمنية لم يكترثوا كثيرا بتلك التصريحات بل ان بعضهم اعتبرها مناورة سياسية ومحاولة للفت عدسات الكاميرا الدولية صوب المشهد السياسي العربي وحراك رموزه باتجاه التغيير المطلوب. مرت أشهر علي تصريحات الرئيس علي عبد الله صالح لينعقد مؤتمر حزب المؤتمر الشعبي الحاكم في اليمن ويعلن تمسكه بالرئيس كمرشح وحيد وفاء للثورة الناصرية المصرية التي أسهم جندها الثوري بطيرانه الشرقسفييتي في دك حصون النظام الامامي ومساعدة قادة ثورة 62 اليمنية علي ترسيخ أقدام الثورة وقبر النظام البائد بكل تفاصيله، دون الأخذ بعين الاعتبار للفارق الزمني بين ستيــــنات القرن الماضي ومطالع الألفية الثالثة، ثم جاءت المظاهرات المليونية لتدفع بالرئيس علي عبد الله صالح الي التراجع واعـــــتزام الترشح للانتخــــابات المقبلة.
    يحسب للرئيس اليمني الحالي أنه كان سباقا للوحدة عاملا من أجلها حين أسهم بفاعلية معية قيادات يمنية لم يقض عليها مثل غيره في توحيد شطري اليمن السعيد، وأنه كان من بين الرؤساء العرب القلائل الذين تعاملوا بعقلانية وروح عالية مع تيار الاسلام السياسي المشاكس حيث أشركه في الحكم وسمح له بتنظيم سياسي يراوح بين الحكم والمعارضة مجنبا بذلك البلاد مغبة صراع دموي كلف العالم العربي والاسلامي لا بل والعالم أجمع ثمنا باهظا، وهذا ليس هينا ولا متاحا، لكن عدن التي احتضنت مؤتمر الحزب الحاكم وشريكة الوحدة قبل أكثر من عشر سنوات يشتكي أهلها من وجود فوارق سياسية وشروخ اجتماعية غير خافية في الشطر اليمني التوأم ويطالبون باصلاحات عاجلة قبل فوات الأوان.
    ان آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين هو حب الملك ولكن هذا الحب عندما يتضخم ليصبح أكبر من كل القيم ومن كل البلاد ومن كل المصالح القطري منها والقومي يصبح (الحب) مدعاة لاعادة النظر الفوري وهذا يحيلنا علي الحديث ولكن بالجد اللازم عن معضلة انتقال السلطة وممارستها منذ فجر الاسلام.
    ان المتفحص في التاريخ الاسلامي القديم والحديث لا يعدم وجود نماذج مشرقة حكمت الدولة الاسلامية واستطاعت أن تترجم سماحة الاسلام وعدله بين الناس علي اختلاف مشاربهم الدينية والعرقية، سواء تعلق الأمر بعهد الخلافة الراشدة أو ببعض ملوك العرب والمسلمين في العصور اللاحقة، الا أن ذلك لم يتحول الي نظرية متكاملة للحكم تحسم بشكل واضح مسألة التداول السلمي علي السلطة وادارة شؤون البلاد. وقد أسهم في استمرار هذا الغموض فقه المسلمين لتجربة أعظم نبي رفض الجمع بين النبوة ولقب الملك وفوقه أعظم كتاب عرفته البشرية تجد فيه كل ما يحتاجه الاجتماع الانساني من أحكام الا الزام المسلمين بشكل حكومة بعينها معولا بذلك علي الانسان واثقا من قدرته علي استنباط الشكل المتغير وفق الزمان والمكان، فليس مهما أن يكون الحكم ملكيا أو جمهوريا أو جملوكيا، فاعتقد نفر منهم بأن الحكم مسألة محسومة بالنص المقدس لآل البيت والأئمة المعصومين من بعدهم بينما أجمع معظم الأمة علي أن الشوري هي مبدأ راسخ وأصيل في رسم معالم الحكم الاسلامي. وقد عمق هذا الخلاف الذي أضر بالمسلمين كثيرا الانقسامات المذهبية والسياسية بين دولـــــة أوتوقراطية تعمل من خلال الاستحواذ عــــلي الدين علي ترسيخ أقدامها السيـــاسية والحفاظ علي أمنها واستقرارها في الحــــــكم وبين جماعات وحركات اسلامية تعتــــــقد أن الدولة والســـياسة جزء من الاسلام وعليه فلا صلاح لهذه الأمة الا بتديين سياستها وتطعيمها بأخلاق الاسلام.
    لا يزال الصراع السياسي الميداني محتدما لكن لا وجود علي المستوي النظري والعملي لنظرية متكاملة في الحكم لدي الفـــــريقين تحيل الطموح الشعاراتي القاضي بالرغبة في التداول السلمي علي السلطة وتقـــديم المصلحة العامة علي المصلحة الفردية الي أطروحات عملية تؤسس لنظرية متماسكة في الحكم تأخذ بمبدأ التوافق والمراكنة وتنهي زمن المغالبة السياسية والعسكرية الذي حصد أرواح آلاف الأبرياء من الفريقين.



    كاتب واعلامي من تونس يقيم في بريطانيا
    8
     

مشاركة هذه الصفحة