السباق إلى العقول الحلقة (26)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 367   الردود : 0    ‏2002-06-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-06-15
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (26)

    المظهر الخامس من مظاهر العنف والقسوة: الذبح، وهو أحد أنواع القتل.

    وقد كان فرعون-لشدة قسوته-يذبح صغار بني إسرائيل أمام أعين آبائهم وأمهاتهم، ليستأصل ذريتهم الذكور، حرصا على ملكه وخوفا متوهما أن يسلبوه ذلك الملك.

    قال تعالى: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)).[البقرة: 49]

    وقال تعالى: ((وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)).[إبراهيم: 6]

    وقال تعالى: ((إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين)).[القصص: 4]

    المظهر السادس: التحريق.

    ومن أنواع القتل الشنيع التي يتخذها قساة القلوب من أهل الباطل، تحريق أهل الحق بالنار.

    كما فعل قوم إبراهيم الخليل عليه السلام-لولا أن الله تعالى سلب النار قدرتها على إيذائه بقدرته تعالى.

    قال تعالى فيهم-بعد أن أقام إبراهيم عليه السلام الحجة عليهم واعترفوا بأنه على حق وأنهم هم أهل باطل وظلم-((قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين، قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم)).[الأنبياء: 68-69]

    ومن أعظم القصص الدالة على أن أهل الباطل قد نزعت الرحمة من قلوبهم قصة أصحاب الأخدود التي أشارت إليها هذه الآيات:

    ((قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق)).[ البروج: 4، 10 ويمكن مراجعة هذه القصة في كتب التفسير ومنها تفسير القرآن العظيم لابن كثير.]

    المظهر السابع: القتل بكل الوسائل المؤدية إليه.

    وهو شامل لقتل أهل الباطل أهلَ الحق، نصرا للباطل على الحق، ومحاولة لاستئصال مصادر الحق التي تؤدي إلى إبلاغ الحق إلى عقول الناس من أجل أن تخلو الأرض للباطل وأهله.

    وشامل كذلك لاعتداء أهل الباطل على الضعفاء من الصغار-من أولادهم بسبب خشية العار إن كان القتل للبنات، أو خشية الفقر-أو أولاد أعدائهم، كما يحصل في الحروب، أو من بعض الطغاة الفراعنة لأولاد بعض الطوائف المضطهدة تحت حكمهم وسيطرتهم، وذلك كله يدل على نزع الرحمة والشفقة من قلوبهم فمن النوع الأول-قتل أهل الحق من الأنبياء وأتباعهم-قوله تعالى في اليهود القساة: ((ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)).[ البقرة: 61]

    وقوله تعالى: ((إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)).[آل عمران: 21]

    وقال تعالى: ((لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق، ونقول ذوقوا عذاب الحريق)).[آل عمران: 81]

    وقال تعالى: ((كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم، فريقا كذبوا وفريقا يقتلون)).[ المائدة: 70.هذه الآيات وغيرها في أهل الكتاب.]

    وقال تعالى في مشركي قريش وهم يتآمرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطرحون خيار اتهم في التخلص منه ومن دعوته-ومن ذلك القتل-: ((وإذ يمكر بك الذي كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)).[الأنفال: 30]

    ومن النوع الثاني - أي قتل الصغار - ما كان يفعله فرعون مع أولاد بني إسرائيل الذكور، كما مضى قريبا.

    ومن ذلك ما كان يفعله مشركو قريش حيث يذبح الأب ابنه خشية الفقر، أو ابنته خشية العار، وهما ينظران والأم تبصر قتل رضيعها، دون رحمة ولا شفقة، كما قال تعالى: (( وكذلك زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم )).[الأنعام: 137]

    وقال تعالى: ((ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا)).[الإسراء: 31]

    وقال تعالى: ((وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، ألا ساء ما يحكمون)).[النحل: 59]

    وقال تعالى: ((وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت)).[التكوير: 8-9]

    ترى هل يوجد شيء من الرحمة في قلوب من يقتلون الأولاد الصغار، سواء كانوا أولادهم أو أولاد أعدائهم؟!

    المظهر الثامن: الأذى، بكل أنواعه.

    وهو يشمل مظاهر القسوة المذكورة سابقا وغيرها.

    وأذى أهل الباطل يشمل المخلوقات كلها: الإنسان-وغيره-سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، فصاحب الباطل القوي يؤذي الضعيف سواء كان من أهل الحق أو من أهل الباطل، ولكن إيذاءه أهل الحق له الأولوية عنده، وسنقتصر عليه ههنا بذكر بعض الآيات القرآنية التي نصت على الأذى.

    قال تعالى-مخاطبا عباده المؤمنين مصبرا لهم، مبينا لهم، أنهم لا بد أن يتعرض لهم أعداء الحق من أهل الباطل، من اليهود والنصارى والمشركين سواء، بالأذى الذي يحتاجون معه إلى الصبر والتقوى في ثباتهم على الحق:

    ((لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور))[آل عمران: 186]

    وقال تعالى - مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم ومواسيا له على ما كان يلقاه من أذى قومه المشركين، بما لقيه قبله إخوانه المرسلون من أقوامهم - ((ولقد كُذِّبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر الله ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين)) [الأنعام: 34]

    وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا))[الأحزاب: 48]

    كان يمكن الاكتفاء بذكر أن أهل الباطل أعداء الحق قد نزعت الرحمة من قلوبهم، لأنهم قد تكبروا وتجبروا وطغوا لبعدهم عن الله وعدم الاستجابة لرسله، ولذلك هم لا يدعون شيئا من أنواع الأذى إلا أنزلوه بالضعيف، وبخاصة إذا كان هذا الضعيف من أهل الحق، كان يكفي ذكر ذلك والاستدلال بآية أو آيتين بدون سوق المظاهر الثمانية المذكورة الدالة على قسوتهم وعدم رحمتهم.

    ولكن أردت من سوق هذه المظاهر التنبيه إلى شيء-وليس كل شيء-من قاموس الشر والفتنة الذي يزاوله أعداء الحق، من أهل الباطل ضد أهل الحق من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، ليفتنوهم عن دينهم بكل صنوف الأذى، وليصدوا الناس عن الاستجابة لدعوتهم بغاية القسوة والشدة.

    ولو أنا عدنا إلى التاريخ لضرب أمثلة تندرج تحت هذا القاموس وتزيد عليه لما اتسع المقام لذلك.

    ولهذا نحاول أن ننبه على الواقع وما يجري فيه من وبال على العالم كله، من قبل الطغاة والفراعنة من أهل الباطل، وبخاصة على أهل الحق من الدعاة الذين امتلأت قلوبهم رحمة ورأفة، فأجهدوا أنفسهم واقتحموا العقبات لإبلاغ الخير إلى أهل الباطل، ليسعدوا بهذا الخير في الدنيا والآخرة، ولكن أهل الباطل وجهوا إليهم سهام العداء والحرب بقسوة بالغة فأنزلوا بهم كل أنواع الأذى والمحن.
     

مشاركة هذه الصفحة