ولْيَسَعْكَ بَيْتُك......من أجل حياة زوجية هانئة...

الكاتب : java_lover   المشاهدات : 603   الردود : 1    ‏2006-06-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-06-29
  1. java_lover

    java_lover عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2006-02-05
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله، والشكر له على توفيقه العام؛ وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه هداة الأنام ومصابيح الظلام.



    أما بعد..



    فإن إقامة بيت سعيد؛ هدف يسعى إليه كل فرد، وأمنية يود تحقيقها كل أحد؛ لأن المنزل هو المأوى الذي يرجع إليه بعد كدٍّ وتعب، فإذا أوى إلى بيت هانىء وعيش طيب بعد المكابدة، فقد تحققت له السعادة المنشودة.



    فكم من بيت ضيق جعلته السعادة رحباً واسعاً، وكم من منزل واسع الأرجاء جعله النكد أضيق من خرم الإبرة، فإذا بأصحابه لا همّ لهم إلا مفارقته، فيعالجون ضيقهم بالهروب من أسبابه، فإذا ببيوت خاوية، تسفي عليها رياح الكآبة؛ وتلفها أعاصير الشقاء.



    إنه لحلم عظيم أن يضم المرء في بيته امرأة تبتسم له الدنيا بوجودها، وإنها لغاية عظيمة أن تجتمع المرأة برجل يكون لها كالمطر المدرار؛ أنساً وألفة وصحبة.



    ليست المسألة.. مسألة "زواج" واجتماع رجل بامرأة تحت سقف واحد؛ إنما القضية العظمى أن يعرف المرء الهدف من الزواج وإنشاء أسرة، وما سيجنيه منه؛ وكيف يكون موفقاً حتى يكون سعيداً.



    لماذا الزواج؟..



    الزواج من أعظم النعم التي امتن الله سبحانه وتعالى بها على عباده؛ لما ينتج عنه من الطمأنينة التي تملأ قلب الزوجين؛ فإذا بحياتهما تمتلئ غبطة؛ وتشع سروراً، وتستأنس ابتهاجاً؛ ولذلك قال الله تعالى وهو أصدق القائلين والعالم بمكنون النفوس وبواطن القلوب وأسرار الصدور: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.



    فتأملوا.. كيف قال الله سبحانه وتعالى: {لتسكنوا إليها} ولم يقل: "معها" لأن السكن مع الشيء يكون مع محبتك له وعدم محبتك؛ أما السكن إلى الشيء فإن فيه معنى أكبر من الأنس والألفة والمحبة والميل والطمأنينة.



    فمهما طال بحث الرجل في حياته عن شريك يطمئن إليه وتهدأ نفسه بالقرب لديه؛ فلن يجد كالزوجة، والعكس بالعكس.



    فهذه هي الفطرة التي لا محيص عنها والحقيقة التي لا جدال فيها؛ ومن تأمل ذلك سعى سعياً حثيثاً ليبحث عن شطره المفقود، لعله يجده في شخص تقر عينه به؛ وتسكن نفسه إليه، ولربما وجد عنده السعادة التي طالما أحس بمكانها شاغراً في قلبه، فلما توّج انفراده بالزواج سدّ تلك الخَلّة، وأصلح ذلك الخلل.



    وكم حري بالرجل حين انطلاقه للبحث عن مؤانسته ورفيقة دربه الذي ربما يطول، أن يستحضر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة)؛ فيشحذ همته أن تكون المرأة التي سيرتبط بها "صالحة" بما تعنيه هذه الكلمة؛ فهذه الدنيا بأسرها ما هي إلا متاع، وخير ما يستمتع فيه العبد فيها امرأة صالحة؛ تكون زينة لبيته؛ تقرب البعيد وتؤنس المستوحش، إذا نظر إليها سرته؛ وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله..



    ولذلك قال الشاعر:



    أفضل ما نال الفتى بعد الهدى والعافية

    قرينةٌ مسلمــةٌ عفيفةٌ مواتيــة



    كما أنه حري بالمرأة إنْ تقدم لها رجل أن تنظر إلى صلاح دينه وأخلاقه، فإذا ارتبطت به فلتستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم مخاطباً المرأة وحاثاً لها على حسن صحبة الزوج: (هو جنتك ونارك).



    إن هذه الأحاديث النبوية، والسنن المرضية مما يجعله المرء كالقاعدة التي ينطلق منها حين البحث عن شريك الحياة؛ الذي إن أصلح الله حاله عاد بالسعادة على رفيق دربه وشريك عمره وقسيم دهره؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة من السعادة؛ وثلاثة من الشقاء؛ فمن السعادة: المرأة الصالحة؛ تراها فتعجبك؛ وتغيب عنها فتأمنها على نفسها ومالك؛ والدابة تكون وطيئة فتلحقك بأصحابك، والدار تكون واسعة كثيرة المرافق، ومن الشقاء: المرأة التي تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، وإن غبت عنها لم تأمنها على نفسها ومالك، والدابة تكون قطوفاً؛ فإن ضربتها أتعبتك؛ وإن تركتها لم تلحقك بأصحابك؛ والدار تكون ضيقةً قليلةَ المرافق).



    وقال علي رضي الله عنه: "من سعادة الرجل أن تكون زوجته صالحة؛ وأولاده أبرارا؛ وإخوانه شرفاء؛ وجيرانه صالحين؛ وأن يكون رزقه في بلده".



    وهكذا الحال بالنسبة للمرأة، فإن من أعظم السعادة أن يكون لها زوج صالح، يؤنس وحشتها؛ ويعينها في محنتها؛ ويكون لها ركناً شديداً تأوي إليه وقت خوفها؛ وخلو حياتها من أنيس.



    إن منتهى الحسرة أن ترى بعض الأزواج المتآلفين وقد ابتنوا عشاً جميلاً من السعادة، تحوطه الأحلام السعيدة، والآمال المفرحة، ثم في لحظة عَجلة أو تدخلات خارجية لا تحب الخير للمسلمين، يُدمَّر هذا العش الساكن؛ وتعود الحياة النضرة إلى صورة قاتمة موحشة، وتلك الواحةُ الخضراءُ إلى صحراء جافة لا حياة فيها، وذلك القلب النابض إلى قلب ساكن لا نبض فيه ولا شعور.



    وكم هي حسرة أن تخسر المرأةُ في ساعة عجلة؛ زوجاً يُعادَلُ وزنه بالذهب؛ أو يخسر الرجلُ امرأة لا يُجارى وصفها، وقليل مثيلاتها؛ جمعت من الأوصاف ما حَسُن، ومن الذكر أطيبه، لا يُسمع لها همس بسوء، ولا كلمة بريبة، تُشترى بأعظم الأثمان عند من يثمن، جمعت (ديناً ودنيا).



    فيفرط بمثل هذه في حالة غضب أو اضطراب نفس؛ أو بسبب وشاية حاسد؛ فيعود أمره إلى ندم؛ ويكون حاله كما قال الأول:



    ندمت ندامة الكُسعيِّ لمّا

    غدت مني مطلقةً نَوارُ



    إن من الضروري بمكان أن يتأمل العاقلُ في أمره؛ ويقلب النظر في حاله طويلاً حين يعامل شريكه، مما يدفعه للصبر على ما يرى منه مما لا يبلغ وقوعه أن يكون خطأً جسيماً.



    فيا أيها الأزواج: تأملوا..



    لو أن لأحدكم صديقاً سافر معه مدة شهر، هل يتصور أنه لن يحدث بينهما سوء تفاهم؟..؛ ألا ترون أن من طالب بذلك فقد تقحم المستحيل؟!



    فكيف بامرأة تعيش معك عمراً، أو رجل يعيش معك عمراً؟!؛ هل تريد منزهة عن الخطأ، أو تريدين معصوماً من الزلل؟!



    إن من لم يعاشر رفيقه وشريك حياته على لزوم الإغضاء عما يأتي من المكروه- مما لا يعد من القوادح في الدين أو الأخلاق- كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، ولعل ذلك مما يدفعه مع الوقت إلى العداوة والبغضاء، إلى أن يفلس من نيل الوداد والمحبة.



    لا أبالغ لو قلت: إن ضيق نفوس الناس عن تقبل العذر، وعدم غض البصر عن الأخطاء هو سبب دمار البيوت؛ والعاقل من قدر للأمر قدره فأعد له عدته من الرفق والحكمة، ولا يكاد المرء يتمكن من بغيته في سلوك قصده – فيما يحب – إلا بمقارنة الرفق وترك العجلة.



    كما أنه مما يجب الانتباه إليه؛ أنْ يعرف الزوجان أن الأيام الأولى للزواج هي فترة لمعرفة النفسيات ودراسة كل من الزوجين لأخلاق الآخر؛ على شيء من الخوف والحذر، وكم تسبب إهمال فهم هذه المرحلة بتشتيت الشمل، ودمار المنزل قبل تأسيسه.



    والعاقل الفطن هو الذي يفهم – على عجالة – نفسيات شريكه؛ وما يحبه ويكرهه؛ وسلبياته وإيجابياته؛ فيعامله من خلال هذا المنطلق.



    إن إنشاء أسرة متفاهمة ليس بالأمر السهل؛ ولذلك من أحسن إتقان هذا الصرح أعقبه ذلك سعادة لا تنقطع، وهناءً لا يُمل.



    أما سمعت قول المؤمنين المخبتين؛ وهم يدعون ربهم سبحانه بأن يرزقهم من الزوجات ما تقرُّ به أعينهم، فقال سبحانه عنهم: {والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما}..



    وأنت لو نظرت إلى أي فرد منتج في أي مجال؛ لعلمت أن وراءه بيتاً سعيداً وهدوءاً نفسي؛ والعكسُ بالعكس.!؛ فمن الصعب أن ينتج المرء في عمله أو حياته؛ وأن ينتشر نفعه في الناس وهو يعاني من خلل في بيته؛ وصراعات نفسية؛ ومشاكل لا حدود لها؛ بل تجده أحوج ما يكون إلى الإنتاج والعمل؛ منشغلا في ذات نفسه؛ كلما بنى زاوية فإذا بها تنهار زاوية أخرى.



    إن هذه المقدمة هي مدخل لهذه الكلمات التي نتحدث فيها حول: "الحياة الزوجية"؛ هذا الموضوع الحساس، الذي كان من الضروري أن نتحدث عنه ونساهم في معالجته؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن يكتب لنا القبول ويرزقنا فيه الإخلاص، فتصلح فيه أحوال من يسمعه، ويعتدل به بعض الميل، ويكون وسيلة لإصلاح حال امرئ؛ ربما كاد أن يُسقط فيه صرحا قائما على المحبة والألفة؛ في وقت عجلة تتبعها ندامة وحسرة، فتأتيه مثل هذه الكلمات فتكون دافعا له لاستدراك أمره.



    والله المسؤول سبحانه أن يرزقنا صلاح النية والذرية، وأن يجعلنا هداة مهتدين وأن يؤلف بكلامنا على الخير والهدى.



    الاختيار..



    إن المرحلة الأولى في طريق الزواج هي مرحلة الاختيار، ولعل هذه المرحلة هي أشق المراحل، ولا يزال الرجلُ يقلب أوراقه يبحث عن شطره الآخر، والمرأةُ تنتظر أن يأتيها رجل يبدد وحدتها وخوفها إلى عالم مليءٍ بالطمأنينة والأنس؛ مع خوف من جانبها أن تصطدم بواقع مخيف ومستقبل مجهول.



    وإن كان الأمر على مشقته سهلاً بالنسبة للرجل، فإنه صعب بالنسبة للمرأة ولذلك كان على أوليائها أن يعينوها على تحقيق مستقبل سعيد واختيار موفق.



    ومن أجل ذلك نصَحَنا أنصحُ الخلق للخلق محمد صلى الله عليه وسلم بما ينير الطريق لكل راءٍ، ويبصر كل ذي بصر، وعلَّمنا القواعد التي إن عملنا بها؛ تحققت لنا السعادة العظيمةُ؛ والهناءُ الدائم الذي لا يخبو نوره؛ ولا تنسى لذته؛ وبين لنا كيف نختار وكيف نوفق في الاختيار؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولجمالها ولحسبها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).



    فهذا الحديث يحكي واقع الناس، واختلاف دوافعهم حين الاختيار، فكلٌّ يبحث في زواجه عن هدف، وبيّن لنا الهدف الأسمى الذي يستحق أن يُتعب عليه وهو: "الدين"، لأنه رأس الأمر؛ وعنوان الصلاح؛ وقائد لكل خير.



    وهكذا الحال بالنسبة للمرأة، فالواجب عليها اختيار الرجل الصالح الذي يصلح معه حالها؛ وفي ذلك جاء الخطاب للناس من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).



    فالواجب على المرء أن يختار لمولّيته رجلاً صالحاً؛ إنْ أحبها أكرمها؛ وإن كان غير ذلك سرحها سراحاً جميلاً دون إهانة أو ظلم.



    فهذه أمانة عظيمة لا بد أن يعرفها كل ولي يخاف الله ويرجوه؛ وأن يعمل بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من كان له أختان أو ابنتان فأحسن إليهما ما صحبتاه كنت أنا وهو في الجنة كهاتين-وأشار بين إصبعيه-).



    وقيل للحسن البصري رحمه الله: "إن لي ابنة فمَن ترى أن أزوجها؟ قال: زوجها من يتقي الله تعالى، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها..".



    وسئل رجل من الحكماء: فلان يخطب فلانه؛ فقال: أموسرٌ من عقل ودين؟ قالوا: نعم. قال: فزوجوه إياها.



    وقد قيل:



    وأول خبث الماء خبث ترابه

    وأول خبث القوم خبث المناكح



    وعلى الرجل أن يفتش عن زوجة تحمل معاني الوفاء في قلبها في سفر ربما يطول؛ وليعلم أن الزوجة صديق العمر، ولا بد لهذا الصديق أن يكون وفياً إنْ كتب الله وأكمل الدرب، أو إن تفرقا أن يستر العيب.



    فلا بد أن تحسن الاختيار لهذا الصديق الذي سيشاركك أدق تفاصيل حياتك، حلوها ومرها؛ طويلها وقصيرها، فرحها وحزنها.



    وحين تفكر في الارتباط بامرأة ما، ضع أمام عينيك هذا السؤال: لو حصل وحدث لك عائق من العوائق في هذه الحياة المليئة بالمفاجآت، هل ستكون هي عوناً لك أم أنها ستتخلى عنك للوهلة الأولى؟.



    وضع أمام ناظريك سؤالاً آخر: لو لم يحصل الوفاق بينكما وطلقتها فما نوعية المجتمع الذي سيعيش فيه أولادك؟..



    ومما يعينك على الاختيار أن تنظر إلى سلوك والدة المرأة التي ترغب في الارتباط بها، فإنه ومن خلال التجارب الطويلة؛ تبين أن الغالب في البنت أنها تكتسب سلوك والدتها مهما كان مستوى البنت.. جامعية.. أو دكتورة.. أو غير متعلمة؛ وأمها على عكس ذلك!! لذلك اسأل جيداً عن والدتها.



    وهذه ليست قاعدة لا تقبل الجدل، ولكن ربما كانت أغلبية..



    ولذلك فإن إطلاق التعليقات الساخرة والاستهزاءات المنفرة من قبل أناس على والدات زوجاتهم؛ فبات الناس يتداولونها وتعيش في عقولهم هذه الفكرة، ما كان ذلك إلا لأنهم ابتُلوا (بحموات سيئات..)؛ ومن الخطأ أن يعمم هذا الحكم؛ فإن من الحموات من كانت عوناً للرجل على ابنتها، تكتم السر؛ وتبني البيوت ولا تهدم، وتجعل القليل من زوج ابنتها كعظم الجبال؛ وهذا الصنف من أعظم النساء، فهي بذلك تبني بيت ابنتها، وتخفف الحمل عن زوجها، بل ويصل الزوج إلى درجة من الراحة بحيث إنه لو ترك زوجته عند والدتها سنة كاملة لم يبال بذلك؛ لأنه يعرف أنها سترجع بعد ذلك أفضل حالاً مما كانت عليه؛ عفةً وحياءً وديانةً وخبرةً في الحياة.



    وإننا نقول هذا إنصافاً لبعض الحموات؛ ممن يتمتعن بصفات الخير، ويتجنبن الحسد والغيرة من بناتهن؛ وكأنهن عدوات ولسن ببنات.



    ولذا انتبه جيداً إلى والدة زوجتك؛ فإنها المؤثر الفعلي في الغالب على سلوك زوجتك التي ستضمها بين جدار بيتك؛ وقد قيل:



    إذا تزوجت فكن حاذقاً

    واسأل عن الغصن وعن منبته



    واسمع هذه الحكاية الجميلة شاهد ما نقول:



    قال شريح القاضي: خطبتُ امرأة من بني تميم؛ فلما كان يوم بنائي بها أقبلت نساؤها يهدينها حتى دخلت علي؛ فقلت: إن من السنة إذا دخلت المرأة على زوجها أن يقوم ويصلي ركعتين، ويسأل الله تعالى من خيرها ويتعوذ من شرها؛ فتوضأْتُ فإذا هي تتوضأ بوضوئي؛ وصليت فإذا هي تصلي بصلاتي؛ فلما خلا البيت دنوت منها فمددت يدي إلى ناحيتها؛ فقالت: على رسلك يا أبا أمية؛ ثم قالت: الحمد لله أحمده وأستعينه وأصلي على محمد وآله وصحبه؛ أما بعد.. فإني امرأة غريبة لا علم لي بأخلاقك؛ فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكره فأجتنبه، فإنه قد كان لك منكح في قومك ولي في قومي مثل ذلك، ولكنْ إذا قضى الله أمراً كان مفعولاً؛ وقد ملكت فاصنع ما أمرك الله تعالى به {إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.



    فقلت الحمد لله أحمده وأستعينه، وأصلي وأسلم على محمد وآله وصحبه، أما بعد.. فإنك قد قلت كلاماً إن ثبتِّ عليه يكنْ ذلك حظاً لي، وإنْ تدعيه يكن حجةً عليك، أحب كذا وأكره كذا؛ وما رأيت من حسنة فبثيها، وما رأيت من سيئة فاستريها، فقالت: كيف محبتك لزيارة الأهل؟ قلت: ما أحب أن يملني أصهاري، قالت: من تحب مِن جيرانك أن يدخل دارك آذن له، ومَن تكره أكرهه؟ قلت: بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، قال: فبت معها بأنعم ليلة، ومكثت معي حولاً؛ لا أرى منها إلا ما أحب، فلما كان رأس الحول جئت من مجلس القضاء؛ وإذا أنا بعجوز تأمر وتنهى فقلت: مَن هذه؟ قالوا: فلانة أم حليلتك، قلت: مرحبا وأهلا وسهلا، فلما جلسْتُ أقبلت العجوز، فقالت: السلام عليك يا أبا أمية، فقلت: وعليك السلام ومرحبا بك وأهلاً، قالت: كيف رأيت زوجتك؟ قلت: خيرُ زوجة وأوفق قرينة، لقد أدبتِ فأحسنت الأدب، وريضتِ فأحسنت الرياضة؛ فجزاك الله خيراً، فقالت: يا أبا أمية، إن المرأة لا يُرى أسوأ حالاً منها في حالتين: إذا ولدت غلاماً أو حظيت عند زوجها، فإن رابك مريب فعليك بالسوط، فوالله ما حاز الرجال في بيوتهم أشرّ من الروعاء المدللة.



    قالت: كيف تحب أن يزورك أصهارك؟ قلت: ما شاءوا، فكانت تأتيني في رأس كل حول فتوصيني بتلك الوصية، فمكثَت معي عشرين سنة لم أعب عليها شيئاً؛ وكان لي جارٌ يفزع امرأته ويضربها فقلت في ذلك:



    رأيت رجالاً يضربون نساءهم

    فشلت يميني يوم أضرب زينبا

    أأضربها في غير جرم أتت به

    إليّ فما عذري إن كنت مذنبا



    فأين الحماة (والدة الزوجة) التي هي كوالدة زينب؛ خُلقاً.. وسلوكاً..وبعد نظر؟!!



    كما يجب أن تختار في زواجك البيت الطيب؛ ذا السمعة الطيبة والذكر الحسن؛ فأنهم سيكونون أخوالاً لأولادك..



    فتأمل جيداً في خالة أولادك التي ستدخل على أختها متى شاءت، وانظر إلى أخوال أولادك كيف هي أخلاقهم..



    فلعل من الضروري بعد السمعة الطيبة: -دينا ودنيا- أن يكونوا أقوياء الشخصية؛ حتى لو قُدِّر وحصل نزاع؛ أن تجد أمامك (رجالا) تستطيع أن تخاطبهم، لا يعملون بعقول النساء ولا يملكون خيارا، فكم كان لرجل قوي الشخصية موقف تجاه ابنته أو أخته حين يحصل بينهما خلاف أدى إلى عودة المياه إلى مجاريها، وقد كان الطلاق قريباً جداً.



    أما بالنسبة للصفات الذاتية للفتاة التي سترتبط بها، فيجب أن تسأل عنها أدق الأسئلة من جميع الجوانب لأنك سترتبط بها ارتباطا وثيقاً، الأصل أنه سيبقى إلى حين رحيل أحدكما عن الدنيا، فابحث عن المرأة العفيفة في دينها ونفسها- لأنها ستكون مستودع أسرارك ورجولتك، والعفة مما يشتهر خبرها بين الناس، فتجد الثناء عليها على كل لسان؛ وأول العفة اللباس الساتر، واللسان الطاهر، والباطن يدل عليه الظاهر والله يتولى السرائر.



    فلا تبحث عن الساقطة ومَن كان ظاهرها الانحراف وأمام عينيك الأفواج المتكاثرة من الحرائر العفيفات، فأنت تريد زوجة لا عشيقة.



    واعلم أنك بإعراضك عن العفيفة المتدينة وذهابك إلى المتردية، قد فوّت عليها الفرصة وعرَّضت نفسك للهلكة؛ فبيتُك رأس مالك؛ فانظر في يد مَن تضعه؟



    وابحث عن المرأة التي ستكون على طريقك في جميع أحوالك- في طاعة الله؛ فتمسك بها؛ وعض عليها بالنواجذ؛ فإنها كنزٌ مدخر؛ وفواتها خسارة لا تعوض.



    وفي منزل الزوجية.. تبدأ الحياة ..



    إن الزوج والزوجة شخصان غريبان عن بعضهما، رُبِطَ بينهما بهذا الرباط الوثيق، وظللهما سقفٌ واحد، وحوتهما بقعة واحدة؛ بعد أنْ لم يكن بينهما تواصل ولا اتفاق؛ ولذا فمن الضروري التنبه إلى أنهما سيمران بمرحلة خطيرة، إنْ لم يتنبها إلى كيفية التعامل معها فإنه سيسقط الصرح الذي شرعا في تشييده.



    وهذه المرحلة هي الأشهر الأولى من تاريخ الحياة الزوجية، فإنها فترة دراسة كل من الزوجين لطباع الآخر، ويغشاها الاضطراب وتغير النفسيات، ودراسة أحد الزوجين طبائع طرف آخر قد ارتبط به؛ ولم يكن بينهما ثمة صلة قبل ذلك؛ وقد يوفق أو يفشل.



    والكثير يقع منهم الطلاق في هذه الفترة؛ إما لقلة الخبرة؛ أو فقد الصبر؛ وعدم معرفة التعامل مع الأحداث.



    فلا بد لكل من الزوجين تفهم طبائع الشخص الذي اقترن به، فيكيّف نفسه وفق ذلك من أجل تحقيق حياة سعيدة، وإيجاد شخص يستأنس به.



    والرجل الذكي؛ والمرأة العاقلة؛ من استطاع فهم نفسية شريك حياته بأقصر أمد، فإن هذا مما يرفع منزلته عند صاحبه، ويزيد محبته.



    ثم إن في هذه المرحلة وسائل كثيرة، وطرقاً عديدة؛ يستطيع من خلالها الزوج أن يستحوذ على قلب زوجته، وتستطيع من خلالها الزوجة أن تملك قلب زوجها؛ والموفق من وفقه الله للعمل بمرضاته؛ وراقب الله في أعماله ومعاملته.



    فالواجب على الزوج أن يعلم أن هذه الزوجة بمنزلة الأسير عنده، فإنها كانت تعيش في بيت أهلها حرة إلى حد بعيد، لا أحد يفرض عليها رأياً؛ وليست بملزمة أن تعمل بقناعات غيرها، فإذا بالوضع الآن مختلف.



    فالمرأة حين تتزوج فإن مصيرها ارتبط بمصير غيرها؛ لا تستطيع الخروج عن طاعته ولا أن تعمل ما تريد دون مشورته، لأن ارتباط المصير بالزوج هذا أبسط حقوقه؛ ولربما عملت بقناعات زوجها في أمور لم تكن مقتنعة بها إلى حد بعيد؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عَوانٌ عندكم) -أي: أسيرات-؛ وحق الأسير إكرامه ورحمته وكف الظلم عنه والإحسان إليه؛ فمن علم هذا عاملها بما يعامل به الأسير.



    فإذا كان الحزم مطلوباً من جهة الرجل؛ فإن الظلم مذموم؛ وإن كانت التربية مطلوبة منه؛ فإن إحسانها مطلب أعلى.



    وعلى كلٍّ فإن فهم هذا الحديث من جانب الزوجين؛ مما يفتح طريق الهدوء المعيشي بين الطرفين؛ ومن الضروري حين يُطالَب الرجل بالرحمة والإحسان وعدم التسلط لغير معنى؛ كان من المهم أن تعرف الزوجة أن الارتباط بالرجل يعني أنها لن تكون على حالها قبل الزواج؛ تفعل ما تشاء وما تريد دون الالتفات لأحد، بل ستجد كثيراً من يقول: اتركي هذا وافعلي ذاك، والعاقلة هي التي لا تستكبر عن ذلك وترى أن هذا تقييداً لحريتها؛ بل العقل كله أن تعرف أن هذا من أبسط متعلقات الزواج، ولربما تنازلت عن كثير من أجل أن تسير حياتها بهدوء تام.



    وإذا دخل الرجل على زوجته ربما يرى لأول وهلة-في بعض الأحيان- أن هذه المرأة ليست هي المرأة التي يحلم بها، أو يطمع بمثلها؛ فلا يستعجل الحكم واتخاذ خطوة لربما يذم عليها، فلعله سيجد بعد ذلك السعادة التي لم يكن يتخيلها ولا في الأحلام.



    وليتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر)؛ لا يفرك: أي لا يبغض.



    فلربما يرى فيها نقصاً في بعض الجوانب، لكنها في جوانب أخرى؛ هي من أفضل النساء وأحسنهن.



    فلا ينظر إلى المرأة من جانب الجمال فقط، فإن الجمال ليس هو كل شيء، وكم كان وراء الجمال امرأة سليطة اللسان؛ مظهرة للأسرار، شابَ رأسُ زوجها من أفعالها، وإذا به قد ارتبط منها بأولاد يُخشى عليهم الضياع في طلاقها، وأحياناً ما يبيعُ ذلك كله فيطلقها في سبيل راحة نفسه وإن ضاع غيره، فماذا جنى من وراء الجمال؟!!



    ثم إن الجمال أمرٌ نسبي؛ يتفاوت في نظر الناس، فالجميلة في أعين أناس ليست كذلك في أعين آخرين؛ والعكس بالعكس.



    وكم من امرأة جمّلها حُسْنُ خلقها؛ وحسبها؛ ودينها؛ ورحمتها بزوجها؛ فإذا بها أغلى عنده من الدنيا؛ وكم من رجل عشق امرأة على قلة جمالها فإذا بها عنده من أجمل النساء.



    جاء عن إسماعيل بن جامع أنه تزوج بالحجاز جارية سوداء مولاة لقوم يقال لها: مريم؛ فلما صار من الرشيد بموضع المقرّب منه، اشتاق إلى السوداء -وكان في سفر- فقال يذكرها، ويذكر الموضع الذي كان يألفها فيه؛ ويجتمعان فيه:



    هل ليلتي بقفا الحصحاص عائدة

    في قبة ذات إسراج وأزرار

    تسمو مجامرها بالمندلي كما

    تسمو بحنانة أفواج إعصار

    المسك يبدو إلينا من غلائلها

    والعنبر الورد يذكيه على النار

    ومريم بين أثواب منعمة

    طوراً وطوراً تغنيني بأوتار



    فقال له الرشيد- وقد سمع بشعره-: ويلك من مريمُك هذه التي قد وصفتها صفة حور العين؟ قال: زوجتي، فوصفها كلاماً أضعاف ما وصفها شعراً؛ فأرسل الرشيد إلى الحجاز حتى حملت، فإذا هي سوداء طمطانية ذات مشافر، فقال له: ويلك! هذه مريم التي ملأت الدنيا بذكرها؟!؛ فقال: يا سيدي، إن عمر بن أبي ربيعة يقول:



    فتضاحكن وقد قلن لها:

    حسن في كل عين ما تود



    وعشق شابٌ امرأةً عجوزا فليم في ذلك فقال:



    تعشقتُها شمطاءَ شاب وليدها

    وللناس فيما يعشقون مذاهب



    وليمت امرأة في تركها رجلاً جميلاً؛ ومحبتها لرجل قبيح؛ فقالت: ليس الهوى بالاختيار؛ ثم أنشأت:



    ولا تلم المحب على هواه

    فكل متيم كلف عميد

    يظن حبيبه حسناً جميلاً

    وإن كان الحبيب من القرود



    وقال آخر:



    عشقت لحبها السودان حتى

    عشقت لحبها سود الكلاب



    فالجمال أمر نسبي، ولا ندعي المثالية فنقول إنه ليس مطلوباً؛ لكن الذي نعنيه أنه ليس كل شيء.



    وما يقال للرجل في هذا يقال للمرأة، فإنما جمال الرجل في أخلاقه وحسن عشرته.



    وقد يجد في نفسه بسبب وسواس الشيطان؛ وانتقاله لحياة التقيد بعد "الحرية الفوضوية"؛ بغضاً لهذه المرأة؛ ونفرة منها؛ ربما تكون بسبب التغيير المعيشي، والعلاجُ له أن يتصبر حتى يظفر بالخير؛ ويمثل العشق لزوجته حتى يألفه.



    ومما يحقق له ذلك إدامة النظر والمخالطة، فإن من الناس من توجب له الرؤية نوع محبة، فإن دوام النظر والمؤانسة والمخالطة، تنمو به المحبة؛ كالبستان إذا زُرِع، فإنْ أهمل يبس؛ وإن سُقي نما.



    على أنه من المهم أن يُعرف أن القليل من البيوت مما بني على الحب؛ وفي ذلك قال عمر رضي الله عنه: " أقل البيوت ما بني الحب".



    فإن من البيوت من يجمع بين الزوجين فيها احترام وألفة؛ وأولاد ومعاونة على قطع الطريق؛ حتى يأتي الأجل لأحدهما فيتذكره بخير.



    وقد لا يأتي الحب إلا متأخراً..!؛ ألم تر أن بعض الأزواج يكونان في بداية حياتهما في مشاكل ونزاع؛ فإذا بلغا الأربعين؛ فإذا بكل واحد منهما يكتشف صاحبه من جديد، وإذا بالرحمة تدخل والمودة تحل بينهما، ولذلك حري بنا أن ننبه إخواننا وأخواتنا إلى سن الأربعين ودوره في مسيرة الحياة الزوجية، وأن فيه في الغالب إحساس المرأة بالفراغ بعد زواج الأبناء وانشغالهم في زحمة الحياة.



    فالزوج العاقل من يروي ظمأ زوجته العاطفي في هذه السن، فيكون لها مؤنساً؛ وهذا بالتالي يرجع عليه بسعادة وهناء وبيت مؤنس؛ وزوجة ترى أنه هو كل الدنيا لها؛ وبالتالي يرجع ذلك إلى أن تفعل ما هو كفيل بأن يحقق له السعادة.



    نحن لا نتكلم عن هذا السن بأنها مراهقة متأخرة؛ ولكن ربما طفولة دفينة تظهر متأخرة.



    وعلى الزوجين أن يختارا الألفاظ الحسنة والتأدب في المعاملة؛ فإذا حادثت المرأة زوجها فلا تكن جهورية الصوت تصرخ في وجهه؛ لأن هذا من الغلظة وسوء الطبع، ولتكن هادئة في كلامها خافضة الصوت أمامه؛ ولتنظر له بالمنزلة التي جعلها الله له عليها.



    فكم جميلٌ أن تكلمه خافضة الصوت؛ لا تنظر إليه بحدة، ترمي ببصرها إلى الأرض مهابة له وحياءً منه وإعظاماً له في صدرها، ولا يحسن بها أن يكلمها فتصد عنه؛ أو تنشغل عنه بشيء آخر، وهو قد يكون يتكلم بموضوع يرى أنه من أهم المهمات.



    وكم حري بالزوج أن يختار الألفاظ الحسنة وهو يخاطب امرأته؛ ويضفي عليها صفات المدح تأليفاً وترغيباً وتحبباً إليها؛ ولا يعيّرها ويذكر ما فيها على سبيل النقص، فإن تجميل اللسان نعمة؛ والقلوب عند عالمها؛ وكم ألان اللفظ الحسن طباع الغلظة والقسوة؛ فإذا بصاحبه مألوف لدي كل أحد.



    ألم تر أن بعض الأزواج يمدح زوجته بما يراه الناس نقصاً؛ فإذا بها تستجمع السعادة في قلبها غبطة وسروراً، ولا ترى ذلك نقصاً ما دام أنه في عين زوجها كمالاً؛ وفي ذلك يقول القائل:



    وأنت التي حببت كلَّ قصيرةٍ

    إليَّ.. ولم تشعر بذاك القصائرُ



    فلماذا بعض الناس يتعلم جمال المنطق مع كل أحد إلا مع شريك حياته؛ الذي إن صفا عيشه معه فهي السعادة العظمى والسكينة التي ليس فوقها مطلب؛ قال صلى الله عليه وسلم: (الكلمة الطيبة صدقة..).



    فابحث في نفسك.. هل رطبت لسانك بكلمة طيبة ترقق بها قلب زوجتك؟



    وانظري في نفسك.. هل جعلتِ الكلام الطيب مدخلاً إلى قلب زوجك؟



    هل إذا دخل المنزل سمع كلمة جميلة؟



    هل إذا طال غيابه عن المنزل جاءه هاتف يسأل عن حاله، ويسمع منه كلمة طيبة؟؛ أو رسالة توحي إليه بالاشتياق؟!



    وكم هو جميل أن تكون الابتسامة شعاراً بين الزوجين؛ فإن للابتسامة أثراً بالغاً في تليين القلوب ودفء المشاعر ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (وتبسمك في وجه أخيك صدقة).



    وقال جرير بن عبد الله البجلي: "ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، وما رآني إلا تبسم"؛ وما ذاك إلا لأن للابتسامة تأثيراً في قلب من يلقاك، فكيف إذا كان المتبسم في وجهه هو الشريك الذي لا تنفك عنه.



    إن الرجل حين يطالب بامرأة تكون له كالأرض التي تقله فلا بد أن يكون هو كالسماء التي تظلها، وأنت أيتها المرأة: كوني له أرضاً يكون لك سماء؛ وليس بالمستحسن ولا بالمعقول أن نطالب الناس بشيءٍ نحن لا نمتثلة.



    ولربما وجد الإنسان صاحبه مقصراً في جوانب من عشرته، فلا يقصر هو؛ لأنه يتعامل مع الله؛ ولا بد أن يعمل فيما يرضي الله عنه وإن وجد قصوراً؛ وحريٌّ بمن كان مراقبا لله فيما يعمل أن ينصره الله ويوفقه لكل خير.



    انظري في نفسك..



    هل كنت سكناً له.؟ يسكن إليك بعد نأى وفرقة، وجهد وتعب وشدة وبلاء، أم أنك نأيت بنفسك أن تؤانسيه، وثقل عليك أن تتحملي بوح مشاعره.



    إن كونك سكناً.. ينبهك هذا إلى أن تكوني راحة له في جميع جوانبه؛ بنشر الهدوء في المنزل؛ وإعداد طعامه؛ ونظافة بيته فلا يسمع إلا حسناً؛ ولا تقع عينه منك إلا على حسن؛ وإذا أردت رجلاً تقر به عينُك، فكوني قرة عين له.



    أوصى عبدالله بن جعفر ابنته عند زواجها؛ فقال:



    "إياك والغَيرة فإنها مفتاح الطلاق، وإياك وكثرة العتب فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزين، وأطيب الطيب الماء".



    ونصحت أم ابنتها في ليلة الزفاف؛ فقالت:



    "عليك بالقناعة والسمع والطاعة والعفة والوداعة؛ راعي الأميال؛ حافظي على الأموال وساعدي في الأعمال؛ اعملي ما يسره واكتمي سره ولا تعصي أمره؛ استري على عيبه وعلى جيبه وتوددي له في شيبه؛ صوني لسانك؛ وتخيري جيرانك واثبتي في إيمانك".



    فأين أنت أيتها الفاضلة من هذه الوصايا الثمينة لتعطيها لرجل؛ قال فيه صلى الله عليه وسلم: (هو جنتُك ونارك).



    وقبل أن يطالب المرء صاحبه بأمر؛ ليتفكر في نفسه أين هو منه؟؛ وهل يفعل تجاهه ما يريده منه؟



    قال صلى الله عليه وسلم: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة؛ فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).



    بيوت.. في مهب الريح



    يجب ألا نطالب بتحقيق المثالية الحالمة، في إيجاد بيت لا تمر به رياح المشاكل الزوجية؛ لأن دوام الحال من المحال، ولا يعني ذلك أنه لا تبذل الأسباب التي تحول دون وقوع المشكلات وتكدير الحياة، ولكن هذا حتى يوضع في الاعتبار أن لكل طريق عقبات وعوائق؛ ولا بد من معرفة العائق حتى يُعرف كيف تجاوزه؛ والتعامل معه.



    قد قال البعض: "إن المشاكل الزوجية هي ملح الحياة الزوجية؛ لما يحدث بعدها من القرب والمودة والألفة، لكن إنْ تبين أن هذا القول صحيح، فلا بد ألا يزيد الملح عن قدره، لأنه سيولد الضغط التي سيؤدي بعد ذلك إلى الهلكة".



    كما ينبغي ألا تدفعنا مثل هذه الأقوال؛ إلى اختلاق المشاكل التي تكدر حياتنا؛ فلعل المشاكل تكون ملحاً عند مَن وجد بعد زوالها نتيجة حسنة، أما من رأى لها أثراً سيئاً؛ أو دماراً لأسرة فلا أتصور أنه يحمد ما قام في حياته من المشاكل.



    وعلى ذلك فالعاقل هو الذي يتجنب النكد في حياته ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، لأن النكد يقصر الأعمار، ويذهب النضارة، ويزيد الهم؛ ويزري بالعقل، ولا أحمقَ من امرئٍ يستطيع أن يجد أسباب السعادة في حياته فيتركها؛ ويبحث عن طرق النكد فيسلكها؛ وكل جحيم يُتصَبَّر عليه- حتى يكون الصبر لصاحبه سجية- إلا جحيم الزوجية فإنه لايطاق؛ وذلك أن الهم إذا دخل المنزل الصغير لم يجد صاحبه له منفذاً ليطرده من خلاله؛ فإذا به وقد استحوذ على قلبه، ثم ترى بعد ذلك نفسية مضطربة؛ ووجهاً عبوساً.



    ولذلك ترى بعض الأزواج يخرج من منزله؛ وهو يفر فرار الباحث عن السعادة، التي يحاول أن يقتنصها قبل أن تطير، فإذا رجع إلى منزله تبخر حلمه وعادت كآبته؛ قيل لأعرابي : صف لنا شرَّ النساء. فقال: "شرهن النحيفة الجسم، القليلة اللحم، لسانها كأنه حربة، تبكي من غير سبب؛ وتضحك من غير عجب، عرقوبها حديد؛ منتفخة الوريد، كلامها وعيد؛ وصوتها شديد، تدفن الحسنات؛ وتفشي السيئات، تعين الزمان على زوجها؛ ولا تعين زوجها على الزمان، إن دخل خرجت؛ وإنْ خرج دخلت، وإن ضحك بكت؛ وإن بكى ضحكت، تبكي وهي ظالمة، وتشهد وهي غائبة، قد دُلي لسانها بالزور؛ وسال دمعها بالفجور، ابتلاها الله بالويل والثبور؛ وعظائم الأمور، هذه هي شر النساء".



    وتجد بعض الزوجات وهي تعيش حالة من الخوف والهلع والرعب؛ مع زوج لا يعرف إلا الصراخ، ولا يتعامل إلا بالوحشية، يجعل هذا السكن الآمن حالة من الاستنفار، إذا جاء لم يُفرَح به، وإذا ذهب ودّت الزوجة والأبناء ألا يرجع.



    فهو غير مأسوف على فراقه، ولا مفروح بلقائة.



    والمصيبة أن تتحول حياته سيولاً جارفة من الإهانات والضرب التعذيب؛ مع امرأة أثمن من ثمين الجوهر.



    وكم هي تلك الأمثلة التي تعيش حولنا؛ تصور لنا حياة كثير من الزوجات؛ اللاتي يعشن مع وحوشٍ في جثمان إنس، نزعوا الرحمة من قلوبهم، وألقوا الرأفة من سجلاتهم؛ وعاشوا رقيقين.. شاعريين.. حساسين.. مع كل البشرية إلا مع زوجاتهم وأطفالهم.



    كتبت إحدى النساء تقول:



    "في الحقيقة لا أعرف من أين أبدأ؛ وكيف أبدأ وقلبي يتفطر حُزناً، وجسدي ينزف ألماً؛ وكياني ينتفض؛ لأن كل كلمة أكتبها تجسد لي ما أنا فيه من مأساة.



    وأي مأساة؟! دعني أقول: رُعب؛ أو بمفهوم الأوضاع السائدة "إرهاب".



    أليس ترويع الآمنين إرهاباً؟ أليس الظلم إرهاباً؟!



    نعم أنا أعيش هذه الحالة مع من يُفترَض أن يكون أقرب الناس إليَّ.



    أليست المرأة سكناً للرجل؛ والرجل سكناً للمرأة؛ كما تقول عقيدتنا؟



    يا سيدي: لقد بدأت مأساتي مع زوجي باكراً، منذ ليلة الزفاف؛ ليزرع في نفسي نبتة من الألم والخوف؛ حاولت أن أقضي عليها بعد ذلك بالتودد والتفاهم؛ ولكن كان الوجه التجهم الذي لا ينفرج؛ والمعاملة الخشنة التي تؤكد على الاحتقار والمهانة هي زادي اليومي.



    لم أكن كبيرة في السن بل كان عمري اثنين وعشرين عاماً؛ وكان هو في الثلاثين؛ وظننت أن النضج الفكري والعقلي؛ سيرافقان تصرفاته..ولكن!!!



    تعاملت كشغالة أو رقيق؛ فعليَّ أن أقوم بكل واجباتي التي تبدأ بإلباسه الثياب والحذاء؛ ولا تنتهي بوضع الطعام الذي يتناوله وحده؛ فالرجولة والفحولة تمنعه من الأكل معي على طاولة واحدة؛ قبل أن أنجب وحتى بعد الإنجاب، فلا أنا ولا أولادي نجرؤ على تناول الطعام قبل أن يتناوله.



    هذا وجه واحد؛ أما الوجوه الأخرى فعديدة..



    فكثير ما يعود إليَّ في منتصف الليل؛ ولا أجرؤ على السؤال؛ لا عن مكان سهره؛ ولا معَ مَن؟؛ ولا عن الرائحة التي تشير إلى أنها رائحة غير طيبة لشراب غير طيب؟!



    عليّ فقط أن أخلع حذاءه وثوبه؛ وأضع الطعام وأقف إلى جواره حتى ينتهي.



    وعليَّ أن أصحو مبكراً لأوقظه؛ فيستيقظ بعد معاناة وشتائم؛ وربما أعزك الله: "بَصَقَ في وجهي".



    يا سيدي: أنا لا أبالغ!!؛ فعجزي عن الفضفضة وخجلي؛ منعاني من قول الكثير.



    فأنا-ولله الحمد-امرأةٌ حسنة المظهر؛ نظيفة مرتبة؛ ولكنه لا يتورع في أن يقذفني كل لحظة بكلمة جارحة؛ وعندما أحاول الرد أو أطلب تسريحي؛ لا أجد سوى اللكمات والركلات؛ والتبرير: هو الفحولة والرجولة؛ لا العشرة والمعاملة الحسنة.



    تخيل إنه لم يكن ولم يزل لا يداعب أطفاله؛ وهن ثلاث بنات جميلات؛ ويعايرني بهن أحياناً قائلاً: إنهن لا يساوين ظفر ولد واحد.



    البنات منكسرات حزينات دائماً؛ رغم محاولتي احتضانهن والتخفيف عنهن.



    صدقني أنا وبناتي نعيش في رعب؛ فكل حركاته في المنزل لا تتسم بالهدوء؛ بل بالعنف، فعندما يريد شيئاً لا يناديني؛ بل يقذفني بأي شيء بجواره حتى أنتبه؛ أو يغلق الأبواب بعنف؛ أو يصفق لي كأني خادمة؛ وعندما يأتي بأصحابه إلى المنزل؛ عليّ أن أقف بالقرب من الباب لألبي طلباته.



    أما عن حقوقي الزوجية فلا أستحقها؛ بل يأخذ حقه وينصرف؛ ضارباً بي عرض الحائط؛ ولم يحدث يوماً أن صفا وجهي وجسدي من كدمة أو ندبة أو جرح أو غيره.



    البنات أحياناً يصرخن؛ وهو لا اهتمام ولا ضمير؛ أحاول أن أكتم في نفسي؛ وأن أتحامل عسى أن يستكين أو يهدأ.. لا فائدة.



    نسيت أن أقول لك إنني جامعية ومثقفة؛ إذا كانت الثقافة تعني الوعي بما حولي؛ ومعرفة حقوقي وواجباتي تجاه أسرتي؛ بدءاً من الزوج الذي هو محور مشكلتي.



    قد تسألني لماذا لم تلجئي إلى أهلك أو تطلبي الطلاق؛ وأجيبك: حدث ذلك مراراً؛ وكان أهلي يضغطون عليَّ للعودة له؛ أو يأتي هو بعد فترة ليحادثهم ولا يحادثني؛ فيأمرني أبي بالذهاب معه؛ فلا أستطيع النطق بكلمة واحدة احتراماً له.



    الخلاصة يا سيدي: أنني أعيش حالة من الإرهاب والرعب في منزلي الذي من المفروض أن أكون آمنةً به؛ ومع زوج من المفروض أن يمثل لي الأمل والأمان أنا وبناتي؛ إنني أعيش في سجن لا أستطيع الخروج منه.



    المآسي كثيرة؛ والخفايا مريرة؛ والتفاصيل يمكن أن تملأ الصفحات؛ وما بقي سوى السؤال التقليدي الذي مهما كانت إجابته لن يقدم ولن يؤخر في لب مأساتي التي تتمثل في هذا الزوج؛ ولكن الأمل ومحاولة البوح دفعاني إلى الكتابة؛ فربما قرأ هو؛ أو قرأت من هن في مثل معاناتي حكايتي؛ ليدركن مدى ما أنا فيه.



    فهل أجد لديك ما يقال لي.؟ ربما خففت كلماتك عني".



    الله المستعان.. ماذا عسانا أن نقول سوى أن بعض القلوب قد خلت من رسوم الرحمة ومعاني الشفقة.



    إن بعض الناس يتعامل وكأن الزواج شركة ستنتهي يوماً من الأيام بالربح أو الخسارة؛ فإذا به يدخل هذا المضمار وهو يريد أن يحقق ما يراه انتصاراً له؛ ولو كان هذا الهدف طريقاً إلى دمار كثيرين.



    إن أخطر ما يواجه الحياة الزوجية؛ الجفاف الذي يخيم عليها؛ حيث يجد أحدُ الأزواج عند الطرف الآخر مشاعر متبلدة؛ وعواطف متجمدة؛ تؤدي إن استمرت إلى ضياع الأسرة؛ وتشتت الشمل؛ وإطفاء نور المودة.



    الذكيّ من الأزواج هو الذي يسعى إلى تغيير الروتين الممل؛ وإذكاء روح البهجة والمودة في بيته.



    فكم كان للمداعبة والتودد والترفق بين الأزواج؛ دور كبير في إضفاء السعادة على بيت الزوجية.



    تأمل..



    كانت عائشة رضي الله عنها تشرب من الإناء؛ فيأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيها ويشرب، وكان يضع رأسه في حجرها- وهي حائض-فيقرأ القرآن.



    وكانت إحدى زوجاته نائمة بجانبه فحاضت- فانسلّت؛ فشعر بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: أَنَفِسْتِ..؟- يعني: أحضتِ..؟- فقالت: نعم، فأدخلها في فراشه". فأي "ود" بعد هذا..؟ وأي رحمة بعد هذه..؟.



    مع ما يقابل ذلك من ذكاء الزوجة؛ وتحببها إلى زوجها؛ تقول عائشة رضي الله عنها: "كان الحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد؛ فيحملني النبي صلى الله عليه وسلم على ظهره لأنظر إليهم، فيقول: انتهيت.؟ فأقول: لا. حتى أعلم مكانتي عنده".



    والزوجة الطيبة هي التي تفعل ما يحب زوجها، وتتجنب ما يكره، ويجب أن تحفظ هذا؛ ولا تحتاج أن يكرر عليها ذلك في كل وقت.



    أتتصورون أنه لو أدخل الزوجان على حياتهما شيئاً من اللين والرفق والتغيير، هل يبقى بعد ذلك ملل؟!



    إن المشكلة العظمى التي يعاني منها الكثير؛ هي استكبار المرأة أن تعترف ولو لنفسها بحاجتها إلى زوجها مع ما فيه، ومكابرة الرجل أن يقرَّ أن لزوجته دوراً لا يملؤه غيرها؛ ولو وقف الزوجان أمام هذه الحقيقة؛ لتلاشت أمام ذلك كثير من الأوهام التي يتصورها الناس مشكلة وهي ليست كذلك.



    ومع إقرارنا بوقوع المشاكل الزوجية، وأنه لا سبيل للحيلولة دون ذلك؛ وعلى اختلاف درجات هذا الخلاف إلا أنه لا بد من معرفة العلاج الذي تحمد عاقبته.



    إن بعض الناس يتصور حين وقوع المشكلة أن الحل الوحيد هو فصل عرى الزوجية بالطلاق؛ وفي كثير من الأحيان تكون المشكلة المختلف عليها لا تستحق كل هذا، بل لو تفكر فيها لوجد ألا مشكلةَ أصلاً.



    إن مما يعين على علاج الخلافات الزوجية؛ التروي والتجمل بالصبر؛ فإنه مفتاح لكل خير؛ وقائد إلى كل فضيلة، قال صلى الله عليه وسلم: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه).



    فالترفق وترك العجلة مطلب في جميع أمور الحياة؛ فكيف بأمر تقوم عليه الحياة..؟!



    وبالترفق والتروي يستجمع المرء شتات فكره، ويستحضر عقله، ولا يقدم على ما يدمر به حياته، في لحظة طيش وعجلة.



    تأملوا:



    "اتفقت امرأة وزوجها على إجراءات الطلاق؛ فقال الزوج: البيت لك؛ لأنك يتيمة فلا أبَ لك ولا أم، وأخوتك متزوجون وسيكون صعباً للغاية الحياة معهم، البيتُ لك؛ وأنا سأقيم مع أخي.



    فقالت الزوجة: لا؛ البيت لك أنت شقيت به كثيراً لتبنيه، سأحاول التأقلم مع زوجة أخي، وأعيش معها.



    فيرد عليها الزوج: إذن خذي الأثاث؛ قالت: لا، أنت أكثر حاجة للأثاث مني؛ فبيت أخي به كل شيء.



    فرد الزوج: إذن اقبلي مني هذا المبلغ. ترد الزوجة: لا إن لي وظيفة معقولة؛ ولن أحتاج للمال، أنت أحوج مني.



    وبينما تعد الزوجة حقيبتها لتغادر البيت، إذْ بالزوج يتأوه متحسراً؛ ويسألها: لماذا الطلاق إذن؟! لعدم التوافق.!؛ لأني لا أفهمك ولا تفهميني.! ما هذا الكلام؟!!



    ألا يكفي الزوجين أن كلاً منهما حريص على مصالح الآخر؟..



    هل لا بد من وجود حب شديد أو توافق تام؟..



    هل بعض خلافاتنا يعني : فشل علاقتنا؟.



    كيف نكون فاشلين وكلانا يتمتع باحترام شريك حياته؛ ويؤثره على نفسه؟!



    أليس الاحترام المتبادل أهم من الحب الجارف؟



    لم تنطق الزوجة.. ولم يحدث طلاق.. ولا زالا زوجين حتى هذه اللحظة..!"



    إن هذه القصة المؤثرة، تبين إلى أي مدى كان التروي والترفق والتأني؛ سبباً في بقاء رباط الزوجية بين زوجين تصور كل منهما أنه بعيد بأفكاره ومشاعره عن صاحبه؛ فلما فتح أحدهما قلبه لصاحبه فاحتواه، وأزال ما بينه وبينه من الحواجز؛ فإذا به قريب جداً.



    فلنتساءل: هل اتخذنا هذا الأسلوب منهجاً لنا في حياتنا الزوجية..؟



    من تروٍ حين وقوع المشكلة؛ وفتح القلب لاحتوائها؛ واتساع الصدر لعلاجها.



    لو عملنا بذلك لتبددت كثيرٌ من المشاكل؛ وساد بعدها الأنس والسرور.



    ومما يهون وقع المشاكل حين حدوثها النظر من باب المحاسن؛ ولا يُنظر من باب الخطأ وحده.



    فلو وقعت بعض الأخطاء من أحد الزوجين؛ التي لا تخل بالحياة الزوجية؛ ولا تعتبر من القوادح العظيمة؛ فلا يُنظر إلى الخطأ نفسه، لكن ليَنظُر كم في صاحبه من المحاسن التي يجمل معها الصبر.



    يقول أحد الأزواج: "زوجتي عندها نقص في بعض الجوانب التي تنفّر منها أحياناً، وأراها جوانب سيئة، ولكن فيها من صفات الخير الكثير، فهي رقيقة القلب؛ فيها رحمة بوالدي وأولادي؛ كريمة سخية، ولذا فإني أتعامل معها من خلال هذه الجوانب الطيبة؛ لا الجانب السيئ؛ ولذا فإن حياتي تسير على ما يرام".



    فلو نُظر إلى العلاقة الزوجية من خلال هذه الأبواب، أليس ذلك كفيلاً بأن يحقق الهدوء إلى حدٍّ بعيد؟؛ لا سيما إذا علمنا أنه من النادر أن ينعم العبد بحياة كاملة لا يرد فيها النقص.



    على أنه ليس غريباً إن قلنا: إن المرأة مطالبة بالصبر أكثر في منزل الزوجية؛ لأن ما يعانيه الرجل من الضغط الخارجي نتيجة اختلاطه بالمجتمع ومعافسة شرائحه، يولِّد عنده شيئاً من الانفجار؛ وربما كان ذلك في وجه الزوجة، فإنْ لم يجد امرأةً عاقلةً تقابل ذلك بالاتزان والعقل فسدت الحياة.



    فلا يحسُن بامرأة أن تضحك في وجه زوجها وهو مُغضَب؛ ولا يحسن بامرأة إنْ غضب زوجُها أن تتركه ولا تسترضيه، فإن هذا مما يزيد غيظه؛ وكم من امرأة تبوأت منزلاً في قلب زوجها؛ بسبب توددها له وإرضائه؛ حتى وإن كان غضب عليها وهو مخطئ في حقها..



    قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بنسائكم في الجنة؟.. الودود الولود العؤود؛ التي إذا "ظُلِمت" قالت: هذه يدي في يدك، لا أذوق غمضاً حتى ترضى).



    وقال أبو الدرداء لزوجته: "إذا رأيتني غضبتُ فرضّني، وإذا رأيتك غضبى رضيتك، وإلا لم نصطحب"..



    خذي العفو مني تستديمي مودتي

    ولا تنطقي في سورتي حين أغضب



    ولا تنقريني نقرك الدف مرة

    فإنك لا تدرين كيف المغيب



    ولا تكثري الشكوى فتذهب بالقوى

    ويأباك قلبي والقلوب تقلب



    فإني رأيت الحب في القلب والأذى

    إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب



    وربما أحياناً يكون الدافع الذي يدفع بالزوج لاختلاق المشاكل؛ إحساسه بالنقص حين يفتقد زوجته في الوقت الذي يحتاجها فيه؛ فإذا داهمه الإحساس بالوحدة، والحاجة إليها إذ بامرأة بعيدة، إما في عمل أو علاقات اجتماعية، أو على الأقل بفكر شارد؛ لا يدري كيف يخاطبه، أو يحاوره.



    ألا ترى بعض الزوجات أن زوجها في بعض الأحيان يتعلق بأي كلمة ليحدث مشكلة؟! أما دارت حول نفسها متسائلة؛ لماذا يفعل هذا؟



    إنه يتصرف هذا التصرف؛ يريد أن يسمع كلمة تسترضيه فيها، تحسسه أنه غال، وأن له مكانة عالية عندها؛ وحينما يجدها امرأة متبلدة لو صارحها في ذلك مشافهة لا تعي ما يقول؛ يلجأ إلى أن يرسل إليها هذه الرسالة، وإنْ كانت عن طريق مشكلة.



    ربما نصرح بما يخفيه كثير من الأزواج والزوجات؛ أنهم كثيرا ما يستعملون هذا الأسلوب في حياتهم؛ لِلَفْتِ نظر شريك الحياة، لأن في داخلهم "طفلاً"؛ يحتاج إلى إشباعه بالعاطفة، وإن كانوا يستحون أن يصرحوا بذلك؛ لأنهم يرون أن هذا أمر طبيعي؛ لا بد أن يفهمه قسيم الروح؛ دون تصريح أو زيادة ذكاء.



    ولكن هذا التصور خطأ..؛ وكثير من الناس كالصندوق المغلق لا يُدرى ما به؛ فإذا وُجِد من يحسن فتحه فإذا بداخله أصناف الجوهر.



    "إحدى النساء كانت تشتكى من زوجها أنه لا يسمعها كلمة جميلة؛ رغم أن معاملته طيبة ويحترمها، فقيل لها: لعله من النوع الذي يستحي؛ وأُشير عليها أن تتصل به وتسأل عنه، قال: لم أتعود على هذا؛ قيل له: كما تريدين أن يكون لك لا بد أن تكوني له؛ تقول: فلما كلمته بالهاتف؛ وأخبرته أنني متصلة لأطمئن عليه، أحس بمكانته عندي، فإذا به شخص آخر، وقد عشت أياما منعَّمة بسبب كلمة يسيرة لم تكلفني شيئاً، لم أعرف أنها ستؤدي إلى هذا الأثر الجميل".



    إن مسألة ترقيق القلوب علم من نوع خاص، وشفافية تمتلك المشاعر، وقد قيل: "ليس الملكُ مَن ملكَ العبيدَ والعامة، بل من ملك الأحرار وذوي الفضائل".



    ومما يجب الحذر منه -حيث إنه من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى دمار الحياة الزوجية- "المقارنة"؛ سواء كانت من جهة الرجل؛ حيث يتصور أن في النساء ما لا يوجد في زوجته، ولو نظر في حقيقة أمره؛ لربما وجد في زوجته مِن الصفات مَن تعجز عشرات النساء من اللحاق بها، لكن المصيبة أن النفس دائماً تطمح إلى البعيد؛ وتتوهمه أنه جمع من الصفات ما لا يوجد عند غيره، وما هو في واقع حاله إلا سراب وخدعة، وقد قال أهل الأدب: "النساء أشباه، وما يُرى في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده، أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن، وإنما المترغب عما في رحله منهن إلى ما في رحال الناس، كالمترغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس، بل النساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة؛ أشد تفاضلاً وتفاوتاً مما في رحالهم من النساء".



    وقد تقارن المرأة حياتها بحياة غيرها، فلانة تسافر.. فلانة تفعل.. وفلانة تفعل..؛



    ولا تزال تكرر وتعيد وتزيد؛ حتى يبغضها زوجها.



    وقد قالت العرب: "إن على راغب الزواج؛ أن يبتعد عن أنواع من النساء: الأنانة والحنانة والمنانة".



    فالأنانة: هي التي تكثر الأنين والشكوى في كل ساعة وفي كل وقت؛ بسبب وبلا سبب.



    والحنانة: هي التي تحن على زوجها؛ ولا ترضى بوضعها؛ وتقارن بينه وبين غيره من الرجال.



    والمنانة: التي تمن على زوجها، فتقول: فعلتُ من أجلك كذا وكذا.



    وكم هدمت المقارنة من البيوت وجعلتها خاوية بعد استئناسها؛ والمسلم يرضى بما كتب الله له أولاً، وليثق أن من يقارن حاله بهم ينقصهم كثيراً مما عنده، لأن الكمال صعب، وقد يوجد عنده ما لو قارنه بما عند غيره لحمد الله على حاله، ولأبى أن يدفع بما عنده بعشرات مما عند غيره.



    فليست المسألةُ مسألةَ مادة وسفر؛ وملابس ومعاصي؛ بل المسألة راحة نفسية؛ وبيت يقوم على المحبة والمودة، فإذا توفر لي ذلك فما يهمني؟!



    ولماذا أشغل نفسي بمراقبة الناس حتى أجلب لنفسي الأحزان والهموم؛ ولست بطائل شيئاً.



    لو وقعت المشكلة بين الزوجين فالعاقل والموفقة من جعلا مشكلتهما طيّ الكتمان والسرية، فلا يظهران ما حصل لأحد؛ لأن المشكلة إذا كانت بين الزوجين فحلها يسير، فإذا خرجت أدلى كل بدلوه؛ فأفسد المودة؛ وأبعد القريب؛ وشتت الشمل.



    ولذلك لا بد أن تكون هذه كالقاعدة من أول لقاء بين الزوجين: ألا يظهر الخلاف إنْ حصل بينهما لأحدٍ كائناً من كان؛ لأن بعض الناس يُفسد بتدخله أكثر مما يصلح؛ حتى وإن كان قريباً للزوجة؛ وفعل ذلك بدافع الحمية.



    وهنا أمر يفعله بعض الناس وهو: "إفساد المرأة على زوجها"؛ وهذا من أعظم الآثام، فليحذر المسلم أن يكون من أهل هذا الطريق فيبوء بالوعيد الشديد؛ قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها)؛ أي: أفسدها.



    فكم حدثت مشكلة صغيرة بين زوجين؛ فلا زال بعض الناس ينفخ فيها حتى كبرت؛ تأتي امرأة فتقول: لا تتنازلين؛ يفرض شخصيته عليك؛ وهكذا من الكلام المفسد؛ حتى يدمر البيت.



    وقد تكون الدافعة على الدمار أماً أو أختاً أو صديقة عمل؛ فلا تكن المرأة ضعيفة عقل؛ فتدمر بيتها بكلام أناس ربما يحسدونها على حياتها.



    ثم إن إظهار المشاكل مما يسقط هيبة الزوجين أمام الناس، وأمام الأولاد، فلا يحسن بامرأة ولا رجل أن يتفاهما أو يتشادا في موضوع أمام الأبناء، لأن التنازل في مثل هذا الموضع صعب، ومن آثاره سقوط شخصية أحدهما إنْ ضعف موقفه، وهذا مما يضر بالأولاد، فعند ذلك يدخل الخلل في تربيتهم؛ والمتضرر الأب والأم الذي أسقط أحدهما شخصية صاحبه أمام أولاده.



    فإذا كان الأولاد لا يهابون أباً ولا أماً؛ فكيف ستفلح معهم التربية إذا غاب الطرف القوي؟.



    وعلى الزوج والزوجة عدم التشدد في الرضا؛ إن استرضى أحدَهما صاحبُه؛ فلا تستكبر المرأة ويوسوس لها الشيطان.



    ولا يتعنّت الرجل كذلك؛ فإذا أقرت بالخطأ فليكن صدره واسعاً؛ ما دام أنه أمر لا يقدح بالدين أو الأخلاق.



    على أنه لا بد أن يُعرف؛ أن المرأة سيئة الخلق ليس للرجل أن يمسكها؛ لأنها تفسد أكثر مما تصلح.



    وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يدعون فلا يُستجاب لهم: منهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها).



    وعلى المرأة أن تعرف أن خدمة زوجها واجبة عليها، وواجب عليها أن تطيعه بالحلال "أما في الحرام فلا"؛ ولذا فالواجب عليها أن تقوم بالأعمال التي يحتاجها في بيته، وتتواضع له، وتترك التعالي عليه، ولا تفسر ما يقوله له: أنه من باب الإهانة، فلربما أمرها بفعل شيء في منزله أياً كان هذا الشيء- لكن ليس فيه معارضة للدين أو قدح للأخلاق؛ بل يدخل في عموم حقه عليها، فلا تستكبر وتفسره بأنه كسرٌ لشخصيتها؛ ولعله من المناسب أن يُعرف أن مسألة الكرامة زائلة بين الزوجين إلى حد بعيد؛ فلا تفسر المرأة بعض ما يطلبه زوجها انه إهانة.



    وكم هو مهم أن يُعرف: أن الحياة الزوجية لن تسير على ما يرام؛ إذا كان كل من الزوجين يريد أن يتصرف من منطلق القوة، وعليه فإنه لا بد من وجود شخص ليّن؛ ولا شك.. أنها المرأة!!.



    فإن كل عاقل يعرف أن لينَ الرجل وقوةَ المرأة؛ يعتبر إيذاناً بهدم بيت الزوجية؛ فلا تسير الحياة الزوجية إلا برجل قوي، وامرأة تعرف: " أنها أنثى ضعيفة"، ومن أجل ذلك جُعل الرجل قيما على المرأة؛ لأنه قوي؛ والضعيفةُ تحتاج إلى ركن قوي؛ تأوي إليه وقت الشدة، ولا يسرها أن يكون زوجها ضعيفاً؛ لا يقيم عجزها، ولا يسدّ حاجتها.



    هذه هي الفطرة.. فلماذا الهروب والمكابرة؟!



    على أنه لا يعني كون الرجل قوياً أن يكون ظالماً؛ فقوةُ الشخصية لا تعني الظلم والقسوة.



    أيها الزوجان مهلاً..



    إن الزوجة الصالحة هي التي تعرف عظيم قدر زوجها؛ وكبير حقه عليه، فلا تألوا جهداً في سبيل راحته وسعادته؛ ولتتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد؛ لأمرْتُ المرأة أن تسجد لزوجها).



    إن هذا أعظم بيان لحق الزوج على زوجته؛ وعجباً ممن تمر به هذه النصوص فلا يقف أمامها موقف المتأمل الخائف ألا يكون قد عمل بها.



    فعلى المرأة أن تحسن عشرة زوجها، فتحفظ سره، وتحافظ على ماله لأنها مستأمنة عليه، ولا تكشف سترها لغيره، وترقق قلوب أولاده عليه، وتترك الجلافة والغلظة؛ فلو أسدى إليها خدمة أو قدم لها هدية "مثلاً"؛ فلتشكر صنيعه، ولتثني عليه خيراً، ولا تذم ما قدمه، ولا تقبح ما يفعله لأجلها وأولادها، وعليها أن تبحث عن مواطن إرضائه فتسارع إليها.



    ولتكن عوناً له على العفة والنأي عن الفتن؛ فلا تهجر فراشه وتنأى عنه بنفسها؛ قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده؛ ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه؛ إلا الذي كان في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها).



    ولتصاحبه في الدنيا معروفاً؛ فتأتي ما يحبه وإن كانت لا تحبه، وتُعرض عما لا يحبه وإن كانت تحبه، محتسبة الأجر من الله سبحانه؛ ومستحضرة أنه ضيف عندها يوشك أن يرتحل فلا تؤذيه بقول أو فعل؛ قال صلى الله عليه وسلم: (لا تؤذي امرأةٌ زوجها في الدنيا، إلا قالت زوجته من الحور العين؛ لا تؤذيه- قاتلك الله-فإنما هو عندك دخيل؛ يوشك أن يفارقك إلينا).



    ولتعلم أن أفضل النساء من تعظّم ما يفعله زوجها دائماً وإنْ كان صغيراً، وتثني عليه أمام الناس بالخير وإنْ كان مقصراً، ولتثق أن ذلك مما سيعود عليها بالعاقبة الحسنة، وسيكون دافعاً لزوجها أن يتحسس يوماً من الأيام ما تحبه وتألفه؛ وتكون عنده بمنزلة الهواء الذي لا يُستغنى عنه.



    ولتكن نظيفة القلب له؛ وإنْ قصر في حقِّها فلتكن ذكية في إيصال ذلك له بطريقة أو بأخرى؛ دون جرح له أو تأنيب، متحرية الوقت المناسب الذي يكون فيه خالي الذهن منشرح الصدر، لأنه ليس المقصود من إيصال ما نريده للناس أن نخاصمهم فيه، بل المقصود هو تحقيق الهدف والثمرة في الحصول على ما نريد، مع ضمان بقاء مسيرة الحياة دون عثرات.



    وعلى الرجل أن يكون ودوداً رحيماً مع زوجته، يشكر لها ما تفعله من خدمة له في بيته، ورعاية لأولاده؛ وحفظٍ لسره، ويعينها على ذلك، ويعظمها أمام أولاده؛ ويثني عليها خيراً، وينفق عليها النفقة التي تجعلها لا تحتاج إلى غيره؛ ولا يسبها سباً جارحاً يجرح حياءها وأنوثتها؛ أو يصفها بوصف قبيح، ولا يكسر شخصيتها أمام أولاده أو أهله أو أهلها، وليجعل خصامه إنْ حصل- بينه وبينها.



    سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: (أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه؛ ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت).



    وليعلم أن كرامتها من كرامته؛ فكيف يكون هو من يهينها؟.



    وعليه أن يحسن المعاشرة بالمعروف؛ فيقومها على طاعة الله، ويمنع عنها كلَّ ما يخدش حياءها قولاً وفعل، مسموعاً ومرئياً، لأنها هي التي ستربي الأبناء، فتكون قدوة لبناتها، موجهة لأبنائها في غيابه، وأكثر من يخالطهم؛ لانشغاله في أمر المعيشة والحياة.



    وعليه أن يوقرها أمام أولاده حتى يهابونها ويوقرونها؛ لأنه إذا كسر شخصيتها عصاها الأبناء؛ وعند ذلك يضيعون ويتيهون ويتصرفون بالسوء؛ لعدم وجود من يخافون منه أو يعملون له حساباً.



    وعليه أن يكون رقيقاً في تعليمه لها وتوجيهه؛ دون تعنت أو غضب أو إذلال، قال صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم)؛



    ولا نعني بالمودة أن يسلك بها طريق "الرفلات" من النساء؛ اللاتي ما حوت البيوت شراً منهن، ممن يقضين النهار في النوم، والليل في السهر مع الزوج تنتقل من مطعم إلى مطعم؛ ومكان إلى مكان، لا تطبخ ولا تنظف؛ ولا تعتني بزوج ولا تهتم بمنزل؛ بل تجد أن زوجها يستحي أن يدعو له ضيفاً في بيته مخافة أن يطلع على نقصها البائن.



    إذن لماذا تزوج المرء.. أَمِنْ أجل اسم الزواج فقط..؟!



    على أنه مما لا يخفى أن الزوج يتحمل المسؤولية العظمى بتعويده لها على هذه الطريقة السيئة؛ فكما أن الرفق مطلوب؛ فإن الوسط محبوب.



    ولا نعني بالرحمة والرقة أن يترك لها الحبل على الغالب، وأن يتهاون فيما لو اقترفت إثماً أو عيباً في أعراف الناس، لكن المقصود.. الرحمة في التعليم والتوجيه.



    وعليه أن يكون رجلاً غيوراً عليها؛ ويوقن ويعتقد من صميم قلبه أنها له وحده، فلا تتبرج ولا تخالط الرجال الأجانب؛ أو تكون خراجةً ولاّجة.



    فكما أن منتهى السعادة عند المرأة أن يكون زوجها لها وحدها؛ ولا تشاركها فيه زوجة أخرى، فكذلك منتهى السعادة عندها؛ حين تحس أن زوجها يغار عليها وأنها له وحده، فالرجل الذي لا يغار على زوجته يجعلها تحس بالنقص؛ حيث لا تجد رجلاً قوياً يخاف عليها.



    وعليه أن يتقي الله فيها؛ فلا يكشف سترها الذي كانت عليه عند أهلها؛ فيطالبها بكشف الوجه؛ أو رفع الستر؛ فإن هذه دياثة؛ ولا يجوز لها طاعته في ذلك، ومثل ذلك غير مأسوف عليه.



    وليعلم الزوج أنه مهما حاول أن يبلغ الكمال في إصلاح زوجته؛ فلا بد من النقص والخلل، وما دام الخلل ليس في الدين ولا الأخلاق فيُصبَر عليه، ومن المحال أن يجد امرأة كاملة ليس فيها نقص من جهة.



    قال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً؛ فإن المرأة خلقت من ضلع؛ وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإذا ذهبت تقيمه كسرته، وإن تتركه لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء).



    وقال: (المرأة كالضلع؛ إن أقمتها كسرتها؛ وإن استمتعت بها؛ استمتعت بها وفيها عوج).



    وقال: (إن ذهبت تقيمها كسرتها؛ وكسرها طلاقها).



    هذا وليُعلم أن من تزوج فقد حصن نفسه بالعفاف؛ فليتق الله ربه في أن يقترف الحرام؛ وقد أبدله الله خير لباس.



    وليكن عفيفاً مقصوراً نظره إلى زوجته؛ وهي كذلك.



    فإن الزواج فيه هدوء الغرائز والبعد عن مواطن الرذائل؛ مع شخص هو لك وحدك، قد أذن لك فيه أرحم الراحمين؛ العالم بخبايا النفوس وحصائل الصدور.



    فاحمدوا الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، وليكن من شكرنا للحلال؛ العفاف عن الحرام، قال صلى الله عليه وسلم: (إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين فليق الله في النصف الباقي).



    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيم بيوتنا على السعادة، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ونسأله سبحانه أن يجعل ما قلناه خالصاً لوجهه الكريم؛ وأن يهدي به كثيرا من عباده.



    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-06-30
  3. حنان محمد

    حنان محمد كاتبة صحفية مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2004-08-28
    المشاركات:
    15,384
    الإعجاب :
    0

    رغم طول الموضوع إلا انه يحمل الكثير من الفائدة وتعتبر قواعد اساسية في الإختيار السليم وكذلك بطريقة المعايشة بين الزوجين ..
    مشكور أخي على النصائح الثمينة
    تقديري
     

مشاركة هذه الصفحة