السباق إلى العقول الحلقة (25) الجزء الأول

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 409   الردود : 0    ‏2002-06-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-06-05
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    السباق إلى العقول بين أهل الحق وأهل الباطل الحلقة (25) الجزء الأول.

    النموذج الثالث: مؤمن آل فرعون.

    وهو الذي انبرى محاميا عن موسى عليه السلام، ومرغبا فرعون وقومه في الاستجابة لدعوته، ومرهبا لهم من مخالفته والاعتداء عليه بالقتل، في بيان طويل وجدال قائم على الحجة والبرهان والعاطفة والرحمة.

    فعندما سمع فرعون يستأذن ملأه- وليس استئذانه منهم إلا لخداعهم وإظهار أنه يرجع إليهم في الأمور المهمة - قائلا:

    (( وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ))

    وسمع موسى عليه السلام وهو يستعيذ بربه - الذي لا ملجأ له سواه -كما قال الله تعالى عنه:

    (( وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب.. ))

    خرج ذلك الرجل المؤمن رضي الله عنه من صمته وهو من آل فرعون-فدافع عن موسى ودعا فرعون وقومه إلى اتباعه والبعد عن إيذائه.

    كما قال تعالى: ((وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم به إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب، يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا))

    [إلى هنا تظهر رحمة الرجل المؤمن بموسى عليه السلام، حيث يحذر قومه من قتله بسبب يقتضي مناصرته والاستجابة له، وهو أنه يقول ربي الله، ثم يفترض أنه إما أن يكون صادقا-وهذا هو الذي يعتقده هذا المحامي-وإما أن يكون كاذبا-حسب زعم فرعون وملؤه فإن صدق فسيكون قتلهم له ومحاربة دعوته وبالا عليهم، وإن كذب فتركهم له لا يضرهم ويتحمل هو كذبه، وفي نصحه هذه رحمة بهم، ثم يظهر رحمته بهم بأنهم يحرزون الملك وهذا الملك لا يبقى مع الظلم بل سينزل بهم بأس الله فإذا نزل بهم فلا ناصر لهم، وفي هذا غاية النصح لهم والرحمة بهم. ]

    ((قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد. وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد))

    [وفي هذا تخويف لهم من عقاب الله في الدنيا، وذلك رحمة بهم ].

    (( ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد))

    [وفي هذا تحذير لهم من عقاب الله لهم في الآخرة، وهو من رحمته بهم ]

    إلى قوله تعالى ((وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد))

    [وهذا يعارض قول فرعون: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.. كما سبق. ].

    (( يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار، من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب. ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار، لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار. فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد. فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)) [الآيات من سورة غافر: 28-48.]

    ما أصعب كلمة الحق أمام الطغاة الفراعنة، وكثيرا ما يكون أناس يؤمنون بالحق الذي يكفر به الطغاة الفراعنة، ويودون أن يؤمن به أولئك الطغاة الفراعنة من أهل الباطل وأتباعهم، ولكنهم لا يجرءون على الجهر بذلك، فيؤمنون بالحق في أنفسهم ويكتمون ذلك الإيمان، خوفا من جبروت الطغاة الفراعنة وليس عليهم شئ في ذلك الكتمان اضطرارا، ولكن الإيمان عندما يقوى والرحمة بالطغاة وأتباعهم عندما تشتد، وكذلك الرحمة بأهل الحق المهدَّدين بالقتل والأذى، يأبى ذلك الإيمان أن يبقى في الصدور فيظهر في الأفعال والأقوال، وتتضاءل قوة الطغاة الفراعنة في نفوس المؤمنين الذين كانوا يكتمون إيمانهم، فيصدعون بالحق رحمة بالداعي المغلوب وبالمدعو المعاند.

    وهذا ما حصل من مؤمن آل فرعون رضي الله عنه وأرضاه وأكثر في قصور الطغاة الفراعنة من أمثاله، وهكذا يكون أهل الحق رحماء فيما بينهم ورحماء بغيرهم، بخلاف أهل الباطل فالغالب فيهم أن تكون الرحمة منزوعة من قلوبهم، وبخاصة فيما يعارض مصالحهم-ولو كانت تلك المصالح ظلما صريحا-وبخاصة مع أهل الحق فإن الغلظة والقسوة تكون ملازمة لهم في معاملتهم.

    أهل الحق يدعون أهل الباطل إلى الحق وينصحونهم بترك الباطل رحمة بهم، وأهل الباطل يحاربون أهل الحق وينابذونهم العداء، ويخرجونهم من ديارهم، ويفتنونهم في دينهم بالضرب والرجم والحبس والقتل، تجبرا عليهم وقهرا وإذلالا لهم وقسوة عليهم.

    والتاريخ البشري والقرآن العظيم والواقع المعاصر كلها تدل على ذلك.

    ولو أردنا تتبع ذلك الظلم والقسوة والقهر التي تباين الرحمة وتنافيها، من القرآن الكريم وكتب السنة، والتاريخ والواقع المعاصر، لاحتاج ذلك منا إلى كتاب مستقل، فلنذكر نماذج من القرآن الكريم ونشير إلى شئ من الواقع للربط بين أهل الباطل في القديم والحديث.

    سبق أن أهل الحق تلازمهم صفة الرحمة في أغلب الأوقات-هذا إذا كانوا من غير الأنبياء، وغير الأنبياء ليسوا بمعصومين، أما الأنبياء فلا تفارقهم سجية الرحمة، وأما أهل الباطل فالأصل أنهم غير رحماء، فإذا ما وجدت عند بعضهم بعض معاني الرحمة، فالغالب أنها تتعلق بتحقيق مصالح لهم.

    ومن مستلزمات القسوة عند أهل الباطل اعتداء القوي على الضعيف.
     

مشاركة هذه الصفحة