تطور الفكر السياسي الشيع يمن الشورى إلى ولاية الفقيه

الكاتب : Umar_almukhtar   المشاهدات : 658   الردود : 3    ‏2006-06-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-06-03
  1. Umar_almukhtar

    Umar_almukhtar قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-05-28
    المشاركات:
    6,564
    الإعجاب :
    0
    في هذا الجزء نعرض بالتدريج كتاب الأستاذ أحمد الكاتب (نطور الفكر الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه) الذي نقد فيه إيمانه السابق بنظرية ولاية الائمة الاثنى عشر وأستبدالها بنظرية الشورى . ولم يجد أحمد الكاتب من يرد على كتابه من معممي الروافض اكلة السحت واصحاب المتعة . فنحن نعرضه لتعم الفائدة وأرجوا ان نحكم العقول ونبعد العواطف فالمسالة جنة ونار
    مقدمة دار النشر
    تعرضت الأمة الإسلامية في مطلع تاريخها إلى انحراف كبير تمثل في تحول نظام الخلافة من الشورى إلى القوة والوراثة وإلغاء دور الأمة في المشاركة السياسية، مما فتح الباب أمام الصراع المسلح على السلطة.
    وبدلا من ان تتقدم الأمة التي حملت راية التوحيد إلى الأمام وتنشر رسالة الحق والعدل والسلام في ربوع الأرض..وقعت في مسلسلات لا تنتهي من الفتن والحروب الداخلية، أدت إلى تمزقها وسقوطها تحت مخالب الأنظمة الاستبدادية الظالمة، وفقدانها لحريتها وكرامتها وعزها واستقلالها.
    وفي مطلع التاريخ كان هناك خيرة من الصحابة والتابعين يقاومون الانحراف السياسي والاستبداد ويدعون إلى الإصلاح والعودة إلى نظام الشورى .. وكان على رأس هؤلاء أهل بيت رسول الله(ص) الذين كانوا أزهد الناس في الدنيا ولم يكونوا يطمعون في السلطة ولا يطمحون إلى تقليد الحكام المنحرفين في إقامة نظام وراثي مشابه لهم، بل كانوا يدعون إلى إعادة السلطة إلى الأمة واحترام كلمتها وارادتها.
    وهكذا كان الشيعة في القرون الأولى ثوارا يحملون راية الشورى ومقاومة الاستبداد والطغيان .. ولكن مبادئ التشيع تعرضت للتشويه والانحراف بفعل التيارات الدخيلة والمستحدثة التي طمرت رسالة أهل البيت وغيَبتها عن أذهان العامة ، مما أدى إلى مرور الشيعة في عصور من الحيرة والجمود والعزلة والخروج من مسرح التاريخ.
    ولكن الشيعة - والحمد لله -سرعان ما عادوا لأداء أدوارهم التاريخية في حمل رسالة أهل البيت ومشاركة بقية المسلمين في مقاومة الاستبداد والانحراف السياسي التاريخي وإرساء قواعد الشورى وبناء مستقبل جديد
    مقدمة لكتاب الاستاذ احمد الكاتب (تطور الفكر الشيعي من الشورى إلى ولاية الفقيه)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-06-03
  3. Umar_almukhtar

    Umar_almukhtar قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-05-28
    المشاركات:
    6,564
    الإعجاب :
    0
    المقدمة

    قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ .. إن تتبعون إلا الظن ، وان انتم إلا تخرصون ! ( يونس 36)

    إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى .( النجم 23)

    وما لهم به من علم .. إن يتبعون إلا الظن .. وان الظن لا يغني من الحق شيئا

    .. ( النجم 28)


    عرف الشيعة الامامية الاثناعشرية قيام عدة دول شيعية في التاريخ ، ولكن (الجمهورية الإسلامية) التي قامت في إيران ، في نهاية القرن الرابع عشر الهجري ، كانت أول دولة عقائدية لهم منذ اكثر من ألف عام . ولم تكن لتقوم إلا بعد حدوث عدة تطورات جذرية في الفكر السياسي الشيعي ، الذي سادته منذ وفاة الإمام العسكري في منتصف القرن الثالث ، بعض النظريات السلبية المخدرة و وأبعدته عن مسرح الحياة قرونا من الزمن . ولكنه ناضل من اجل الخروج من تلك الأغلال السلبية التي شلت حركته واستطاع أخيرا النهوض بنجاح كبير - والحمد لله - عبر أبواب نظرية (ولاية الفقيه) .

    ونتيجة الرواسب التاريخية المؤسفة لم تكن الصورة الدستورية لنظرية ولاية الفقيه واضحة تماما أو مبلورة بصورة كاملة ، حيث كانت تتعرض للشد والجذب بين نظريتين هما : (النيابة العامة للفقهاء) و (الشورى ) أو لديموقراطية . ونتيجة لذلك فقد تفجرت عدة صراعات داخل النظام الإسلامي الوليد ، كان أهمها الصراع بين رئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر والإمام الخميني ، والصراع بين مجلس الشورى ورئيس الوزراء حسين موسوي ، والازمة الطويلة بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور حول قانون العمل .. تلك الازمة التي فجرت عام 1988 خلافا بين الإمام الخميني ورئيس الجمهورية يوماك السيد علي الخامنائي ، وآدت إلى طرح الإمام لنظرية الولاية المطلقة التي أعلن فيها قدرة الفقيه الحاكم على تجاوز الدستور والامة واعتبار الولاية شعبة من ولاية الإمام المعصوم والنبي والله ، وأنها تضاهي في صلاحياتها صلاحيات الرسول الأعظم ..

    وهذا ما دفعني لإجراء مراجعة فقهية استدلالية لنظرية (ولاية الفقيه) التي كنت أؤمن بها من قبل ، ودراستها من جديد ، وقد قمت بهذه الدراسة في عام 1989 وحصلت لدي بعض التفاصيل الجزئية التي اختلفت فيها مع الإمام من حيث تحديد الصلاحيات والفصل بين السلطات واستناد نظرية ولاية الفقيه على الشورى و إرادة الأمة .

    وقبل إن اكتب الدراسة بشكلها النهائي ارتأيت إن اعمل لها مقدمة تاريخية تغطي تاريخ المرجعية منذ بداية (الغيبة الكبرى) وذلك من خلال دراسة كتب الفقه القديمة وتاريخ العلماء ، لكي أرى مَ ن من العلماء كان يؤمن بنظرية (ولاية الفقيه) وكيف انعكست على موقفه السياسي وماذا قام به من أعمال؟

    وبحمد الله عثرت على مكتبة فقهية شاملة خاصة في مدينة مشهد (خرا سان) تضم اكثر من مائة موسوعة فقهية شيعية منذ بداية (الغيبة الكبرى) إلى الآن ، فانكببت على مراجعتها والتحقيق فيها ..فاكتشفت فجأة إن العلماء السابقين لم يكونوا يؤمنون بنظرية ولاية الفقيه ، أو بالأحرى لا يعرفونها مطلقا.. وان بعضهم كتب في الرد عليها عندما طرحها الشيعة الزيدية كمخرج لأزمة (الغيبة ) ، كالشيخ عبد الرحمن بن قبة والشيخ الصدوق والعلامة الحلي .. وان أول من كتب فيها هو الشيخ النراقي في (عوائد الأيام) قبل نحو مائة وخمسين عاما ، وان العلماء السابقين كانوا يؤمنون بنظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) ويحرمون العمل السياسي أو الثورة أو إقامة الحكومة وممارسة مهامها في عصر الغيبة. وذلك لفقد شرطَي العصمة والنص في الإمام .

    لقد كنت فيما مضى اصطدم في الحوزة ببعض العلماء الذين يحرمون العمل السياسي أو الاقتراب منه.. وكنت اسمع بعض المشايخ وهو يردد الحديث المعروف :( كل راية تخرج قبل ظهور المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت ) ولكني كنت اعتبر هذا الحديث ضعيفا وغير مهم ، ولم اكن أدرك عمق الفكر السلبي الذي كان يخيم على الحوزة ويضرب بجذوره إلى أعماق التاريخ ، ويتمتع بفلسفة كلامية عريضة !

    وهنا تساءلت في نفسي: إذا كانت نظرية ولاية الفقيه حادثة مؤخرا وغير معروفة من العلماء السابقين ، فماذا يا ترى ترك (النواب الأربعة الخاصون ) من فكر سياسي لعصر (الغيبة الكبرى)؟..

    وقررت تبعا لذلك إن ادرس مرحلة (الغيبة الصغرى) وفكر ومواقف (النواب الأربعة) فوجدتهم يؤمنون كذلك بنظرية (الانتظار) ويبتعدون عن العمل السياسي ، وهذا ما زاد من حيرتي.. واكتشفت أثناء البحث شبهات تاريخية وعلامات استفهام تدور حول صدق ادعاء (النواب الأربعة) بالنيابة الخاصة عن الإمام المهدي الغائب ، ضمن دعاوى اكثر من عشرين (نائبا) كان يدعي ذلك ، وان الشك كان يحوم حولهم جميعا .

    وحاولت بكل جهدي إن افهم ماذا خلف (الإمام المهدي ) للشيعة من نظام سياسي في غيبته؟ وهل أشار إلى ذلك ؟ أم تركهم سدى؟ ولماذا لم ينص على (المرجعية) أو (النيابة العامة ) أو (ولاية الفقيه) أو (الشورى) ؟ ولماذا لم يتحدث عن ضرورة قيام دولة شيعية في ظل الغيبة؟ ولماذا لم يفهم العلماء السابقون القريبون منه ذلك ؟ ولماذا التزموا بنظرية (الانتظار)؟

    وقد جرني بحث موضوع (الغيبة الصغرى) إلى بحث موضوع · وجود الإمام المهدي ( محمد بن الحسن العسكري) بعد إن وجدت لأول مرة في حياتي أجواء من الحيرة والغموض تلف القضية تلك الأيام وعدم وضوح الصورة لدى الشيعة الإمامة الموسوية الذين تفرقوا بعد وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر إلى اكثر من أربعة عشر فرقة ، وتشتتوا ذات اليمين وذات الشمال .. مما ولّد لدي صدمة أكبر ودفعني لاستقصاء البحث حول الموضوع ، مع الإصرار على ضرورة التوصل إلى نتيجة حاسمة وواضحة ، والخروج من الحيرة .

    وقد تعجبت من نفسي جدا لجهلي بتاريخ الشيعة إلى الحد الذي لم أقرأ ولم اسمع عن تفاصيل الحيرة ووجود الشك التاريخي حول ولادة الإمام الثاني عشر ، مع أني كنت أتصدى للدعوة والتبشير بالمذهب الامامي الاثني عشري منذ طفولتي ، وقد نشأت في الحوزة وكتبت عدة كتب حول أئمة أهل البيت وقرأت اكثر.. وانتبهت حينها إلى غياب درس مادة التاريخ بالمرة من برامج الحوزة العلمية التي تقتصر على اللغة العربية والفقه والأصول والفلسفة والمنطق..

    ولا يوجد لديها حصة واحدة حول التاريخ الإسلامي أو الشيعي!

    وعلى أي حال .. فقد كان البحث في موضوع (وجود الإمام المهدي ) حساسا جدا ويحمل خطورة اجتماعية وسياسية وفكرية ، ويمكن إن يقلب كثيرا من الأمور رأسا على عقب ، ويشكل منعطفا استراتيجيا في حياتي وحياة المجتمع.

    ولم استطع إن اترك الأسئلة التي ارتسمت أمامي معلقة في الهواء.. إذ لا بد إن أجيب عليها بنعم أو ..لا ، ووجدت الأمانة العلمية والمسئولية الرسالية تفرض عليّ إن أواصل البحث حتى النهاية.

    وحمدت الله تعالى مرة أخرى ..على آني كنت في إيران معقل الفكر الشيعي الامامي ، فذهبت إلى مكتبات طهران وقم ومشهد ، ولم ادع كتابا قديما أو حديثا حول الموضوع إلا ودرسته بدقة وعمق.. وبدلا من إن ينقشع الغموض ويزول الشك والحيرة، ازدادت الصورة سلبية وغموضا.. ووجدت بعض العلماء السابقين يصرح بعدم وجود أدلة تاريخية كافية وقاطعة أو معتبرة حول ولادة الإمام المهدي ، وانه يقول بذلك عن طريق الاجتهاد والافتراض الفلسفي والظن والتخمين!!!

    وهمست إلى بعض الأساتذة في الحوزة بما توصلت إليه من نتائج مذهلة ، وسألته فيما إذا كان يمتلك أدلة علمية أخرى أقوي على ولادة الإمام المهدي ، فنفى الحاجة إلى ذلك ، وقال: إن الأيمان بوجود الإمام المهدي ليس بحاجة إلى استدلال علمي أو تاريخي ، وانما يتم عن طريق الغيب ، وانه يشكل جزءا من الأيمان بالغيب! .. فقلت له: نحن نؤمن بالقرآن الكريم كوحي منزل من الله على رسوله الكريم ، وكلما يتضمن القرآن من إشارات إلى موضوعات غائبة عن حسنا كاليوم الآخر والملائكة والجن والشياطين والأنبياء السابقين ، فنحن نؤمن بها ، ولا يمكن إن نؤمن بعد ذلك بشيء لم يصرّح به القرآن الكريم ولا الرسول الأعظم ولا أهل البيت ونعتبره جزءا من الغيب الذي يجب إن نؤمن به. وعموما نحن نؤمن بالإسلام وبكل ما جاء به الرسول الأعظم ، ولا بد إن نمتلك الأدلة والبراهين العلمية ، خاصة في موضوع العقيدة ، ولا يجوز إن نؤمن بشيء عن طريق الظن والافتراض ودعوى الغيب ، وبكلمة أخرى : لا يمكن إن نؤمن بشيء عن طريق غيبي .

    ونظرا لخطورة الموضوع فقد طلب مني ذلك الأستاذ الكبير إن أؤجل الكتابة في الموضوع لمدة سنة ، وان أواصل البحث ، وان أكتمه بشدة، ثم اقدم الدراسة بعد الانتهاء منها مكتوبة إلى العلماء لكي يناقشوها بدقة.. فوعدته بذلك ..

    وعندما أنهيت البحث أرسلت رسالة إلى عدد كبير من العلماء في قم والنجف وطهران ومشهد والبحرين والكويت ولبنان ..اعرض عليهم ما توصلت إليه من نتائج ، واطلب منهم مناقشة البحث قبل نشره . ومع آني كنت متيقنا من النتائج التي توصلت إليها ، فقد احتملت إن يكون قد غاب عني بعض الأدلة والبراهين التي قد لم اطلع عليها والتي تثبت ولادة ووجود الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) أعلنت استعدادي للتراجع إذا ما أقنعني أحد بخطأ ما توصلت إليه ، واستعدادي لنشر ما يردني من ردود حتى إذا لم اقتنع بها.

    وقد استجاب بعض العلماء الأفاضل في قم لدعوتي ، وطلبوا الكتاب لمناقشته ، بينما رد البعض الآخر بصورة عنيفة ومتشنجة وقرروا المقاطعة والإهمال ، واستنكر قسم ثالث إن أقوم بمراجعة المسلمات الثابتة ، واستغرب قسم رابع من مطالبتي بالأدلة على وجود الإمام المهدي واعتبر التشكيك في (وجود الإمام الثاني عشر) مقدمة للتشكيك في النبوة ووجود الله تعالى!

    لقد اكتشفت وجود علاقة وثيقة بين موضوع الإمام المهدي ونظرية (الانتظار) السلبية التي كان يلتزم بها العلماء السابقون ، والتي كانت تحرم أي نشاط سياسي في عصر (الغيبة) والتي تفسر سر انهيار الشيعة وانعزالهم عبر التاريخ وخروجهم من مسيرة الحياة.

    و إن الفكر السياسي الشيعي في (عصر الغيبة) كان ولا يزال يرتكز على نظرية وجود الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وولادته من قبل ، وقد التزم مرة - ولفترة طويلة - بنظرية الانتظار ، التي لم يتخلَّ عنها تماما ، ولا تزال تفعل فعلها في كثير من جوانب الحياة ، وعندما تخلى عن نظرية الانتظار وقع في مطب نظرية (النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) التي تعطي للمرجع الديني أو الحاكم صلاحيات مطلقة تشابه صلاحيات الإمام المعصوم أو الرسول الأعظم (ص) وتقضي على إمكانيات مشاركة الأمة في السلطة وإقامة نظام سياسي معتدل .

    لذا فاني اشعر بأن المسئولية الكبرى عن تخلف الشيعة وانحطاطهم في التاريخ تقع على عاتق الأفكار الخاطئة والنظريات الدخيلة التي تسربت عبر المتكلمين إلينا .. وان إصلاح أوضاعنا العامة في الحاضر والمستقبل يتوقف على مراجعة ثقافتنا وتصحيحها وتنقيتها ومطابقتها مع روح الإسلام وتراث أهل البيت (ع) .

    وقد قمت في هذه الكتاب ببحث جميع الأدلة التي قدمها و يقدمها المتكلمون والمؤرخون حول (ميلاد ووجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ) وكانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي : الدليل العقلي الفلسفي والدليل التاريخي والدليل الروائي النقلي ، ثم قمت بعد ذلك بدراسة هذه الأدلة وتقييمها والتأكد من صحتها .. ودرست بعد ذلك الآثار السلبية التي ألحقتها هذه النظرية بالشيعة الإمامة الاثني عشرية على مدى التاريخ ، وسجلت بعد ذلك عمليات الخروج الشيعية من تلك الأزمة المستعصية ، ومحاولات الثورة الفقهية والسياسية ضد الفكر السلبي القديم ، وتوقفت أخيرا عند المرحلة الأخيرة من تطور الفكر السياسي الشيعي وهي مرحلة (ولاية الفقيه) وتأملت في إيجابياتها وسلبياتها وقدمت في النهاية الصورة المستقبلية التي أرى أتمنى إن يتقدم إليها الفكر السياسي الشيعي ، وهي صورة (الشورى) أو الديموقراطية ، وولاية الأمة على نفسها .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-06-03
  5. Umar_almukhtar

    Umar_almukhtar قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-05-28
    المشاركات:
    6,564
    الإعجاب :
    0
    الشورى نظرية أهل البيت

    كانت الامة الاسلامية في عهد الرسول الاعظم (ص) وبعد وفاته وخلال العقود الاولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان ، والعاملين به ، وعندما اصيبت الامة بتسلط الحكام الامويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وإلغائهم لنظام الشورى ، تأثر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث فقالوا رداً على ذلك . بأحقية اهل البيت بالخلافة من الامويين ، وضرورة تداولها في اعقابهم . ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية اهل البيت انفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الاول الهجري.

    وبالرغم مما يذكر الاماميون من نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده ، الا ان تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدء الشورى وحق الامة في انتخاب أئمتها. تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى -وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب اميرالمؤمنين في مرض النبي (ص) ان يسأله عن القائم بالامر بعده ، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا ، وان اميرالمؤمنين قال: دخلنا على رسول الله (ص) حين ثقل ، فقلنا: يارسول الله.. استخلف علينا ، فقال: لا ، اني اخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم. ‍

    و يقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الامام جعفر بن محمد الصادق:انه لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة دعا العباس بن عبدالمطلب وامير المؤمنين فقال للعباس : ـ ياعم محمد .. تأخذ تراث محمد وتقضى دينه وتنجز عداته ؟ ..فرد عليه فقال : ـ يارسول الله بأبي انت وامي اني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وانت تباري الريح . قال فأطرق هنيهة ثم قال : ـ يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ ..فقال كرد كلامه .. قال : اما اني سأعطيها من يأخذها بحقها ، ثم قال : ياعلي يا اخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ ..فقال : نعم بأبي انت وامي ذاك علي¹ ولي¹ .

    وهذه الوصية ـ كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والامامة ، والخلافة الدينية ، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبدالمطلب ، فاشفق منها ، وتحملها الامام اميرالمؤمنين طواعية .

    وهناك وصية اخرى ينقلهاالشيخ المفيد في بعض كتبه عن الامام اميرالمؤمنين (ع) ويقول ان رسول الله (ص) قد اوصى بها اليه قبل وفاته ، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة ، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات .

    واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى ، فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله للامام علي بالخلافة والامامة ، وترك الامر شورى ، وهو ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول ، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له. · امدد يدك ابايعك ، وآتيك بهذا الشيخ من قريش . يعني ابا سفيان .‏‏‏ فيقال.· ان عم رسول الله بايع ابن عمه¨ فلا يختلف عليك من قريش احد ، والناس تبع لقريش ¨ . فرفض الامام علي ذلك .

    وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده . انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له. أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك ، فوالله لأملأها على أبى فصيل خيلا ورجلا ، فانزوى عنه وقال. ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبى بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام ، ووالله ما ضر الاسلام

    ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة ¦



    شعور الامام علي بالأولوية

    ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الامام علي بن ابي طالب امتعض من انتخاب ابي بكر في البداية ، وامسك يده عن البيعة وجلس في داره لفترة من الزمن ، وانه عقب على احتجاج قريش في (سقيفة بني ساعدة) بأنهم شجرة رسول الله . بالقول. · انهم احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة.



    ويذكر الشريف الرضي في (نهج البلاغة) ان الامام اشتكى من قريش ذات مرة فقال.· اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا انائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيري

    وبالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية في الخلافة ، الا انه عاد فبايع ابابكر ، وذلك عندما حدثت الردة ، حيث مشى اليه عثمان بن عفان فقال له.· يا ابن عم انه لا يخرج احد الى قتال هؤلاء وانت لم تبايع ، فأرسل الى ابي بكر ان يأتيه ، فأتاه ابو بكر فقال له.· والله ما نفسنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ، ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا ¨ وخاطب المسلمين قائلا.· انه لم يحبسني عن بيعة ابي بكر الا اكون عارفا بحقه ، ولكنا نرى ان لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا ¨ ثم بايع ابابكر ، فقال المسلمون. اصبت واحسنت .

    ولا شك ان تمنع الامام علي من المسارعة الى بيعة ابي بكر كان بسبب انه كان يرى نفسه اولى وأحق بالخلافة - وهو كذلك- او كان يرى ضرورة مشاركته في الشورى وعدم جواز الاستبداد بها دونه ، وقد سأله رجل من بني أسد . كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم أحق به ؟ فقال. يا أخا بني أسد اما الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشد برسول الله نوطا ، فانها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين .



    وقد قال الامام اميرالمؤمنين في الخطبة المعروفة بالشقشقية.· أما والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم . ان محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ، وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت ان الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، ارى تراثي نهبا ، حتى اذا مضى الاول لسبيله فأدلى بها الى فلان بعده ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى اذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم ، فيا لله والشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر؟ ‍‌

    وهناك رواية أخرى عن زيد بن علي عن الإمام أمير المؤمنين يقول فيها .· بايع الناس ابابكر وانا أولى بهم مني بقميصي هذا ، فكضمت غيظي ، وانتظرت امري وألزقت كلكلي بالارض ‍‍

    وفي هذه الخطب يشير الامام علي بن ابي طالب الى اولويته بالخلافة واحقيته بها وان اهل البيت هم الثمرة اذا كانت قريش شجرة رسول الله ، ولا يشير الى مسالة النص عليه من رسول الله او تعيينه خليفة من بعده ، وينقل الكليني رواية عن الامام محمد الباقر يقول فيها . ان الامام علي لم يدع الى نفسه وانه أقر القوم على ما صنعوا وكتم امره واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق اميرالمؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة ، حيث يقول في (الشافي).· انا لا ندعي علم الضرورة في النص ، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك

    ولذلك فان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا ابابكر كخليفة من بعد الرسول ، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي ، او عدم وجودها في ذلك الزمان .



    الامام علي والشورى

    ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت ، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ، ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام ، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول ، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الامام الى ذلك ، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل

    لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى « وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والانصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم. ليس هذا اليكم هذا للمهاجرين والانصار من أمره اولئك كان اميرا .

    وعندما جاءه المهاجرون والانصار فقالوا . امدد يدك نبايعك ، دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثم عاودوه فقال. · دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ,وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا . ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال . من شاء منكما بايعته ، فقالا . لا الناس بك ارضى ، واخيرا قال لهم.· فان ابيتم فان بيعتي لا تكون سرا ، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني

    ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين ، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والانصار ، كما لم يكن يجوز له ان يقول.· انا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا¨ ، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير ، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين

    وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن ايمان الامام علي بنظرية الشورى وحق الامة في اختيار الامام ، حيث يقول في رسالة له :.· الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل .. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدأوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة ¨ ‍¦

    وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما ـ بايعتماني ثم نكثتما بيعتي ¨ ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله ، وكلما قاله للزبير فتراجع عن قتاله هو ان ذكره بقول رسول الله له.· لتقاتلنه وانت له ظالم وقال الامام علي لمعاوية الذي تمرد عليه .· اما بعد .. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر وعمر وعثمان ، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار اذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما كان ذلك لله رضا

    اذن فقد كانت الشورى هي اساس الحكم في نظر الامام علي ، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر اليها الامام في اي موقف.

    وقد كان الامام علي (ع) ينظر الى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة و المسلمين ان ينظروا اليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلهاالكليني في (الكافي) والتي يقول فيها اني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة ، في عملية خلافة الامام الحسن ، حيث دخل عليه المسلمون ، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن ، فقال. · لا ، انا دخلنا على رسول الله فقلنا. استخلف ، فقال. لا . اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم . وسالوا عليا ان يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له. ان فقدناك فلا نفقد ان نبايع الحسن ، فقال. لا آمركم ولا انهاكم . انتم ابصر

    وقد ذكر الحافظ ابو بكر بن ابي الدنيا في كتاب .(مقتل الامام أمير المؤمنين) عن عبدالرحمن بن جندب عن ابيه قال قلت: يا اميرالمؤمنين، ان فقدناك ـ ولا نفقدك ـ نبايع للحسن ؟..فقال: ـ ما آمركم ولا انهاكم. فعدت فقلت مثلها فرد¹ علي مثلها



    وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : سمعت عليا يقول وهو بين ابنيه وبين عبدالله بن جعفر وخاصة شيعته : · دعوا الناس وما رضوا لانفسهم والزموا انفسكم السكوت

    وقد قام الامام اميرالمؤمنين بالوصية الى الامام الحسن وسائر ابنائه ولكنه لم يتحدث عن الامامة والخلافة ، وقد كانت وصيته روحية اخلاقية وشخصية ، او كما يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) . ان الوصية كانت للحسن على اهله وولده واصحابه ، و وقوفه وصدقاته .‌

    وتلك الوصية هي كالتالي .· هذا ما اوصى به علي بن ابي طالب: اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك امرت وانا من المسلمين . ثم اني اوصيك ياحسن وجميع ولدي واهلي ومن بلغه كتابي : ان تتقوا الله ربكم ولا تموتن الا وانتم مسلمون) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصيام والصلاة ، وان المعرة حالقة الدين فساد ذات البين ، ولا قوة الا بالله . انظروا ذوي ارحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب. والله الله في الايتام فلا تغب¹بون افواهم ، ولا يضيعون بحضرتكم . والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية رسول الله مازال يوصينا بهم حتى ظننا انه يو¹رثهم . والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم . والله الله في بيت ربكم ، لا يخلون¹ ما بقيتم ، فانه ان خلا لم تناظروا . والله الله في رمضان فان صيامه جن¹ة من النار لكم . والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم واموالكم وألسنتكم . والله الله في الزكاة فانها تطفيء غضب الرب . والله الله في ذمة نبيكم ، فلا يُظلمن¹ بين اظهركم . والله الله فيما ملكت ايمانكم . انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من ارادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما امركم الله . ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم . عليكم يابني بالتواصل والتباذل ، واياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من اهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

    ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيمة الروحية والاخلاقية اي دور في ترشيح الامام الحسن للخلافة ، لأنها كانت تخلو من الاشارة اليها ، ولم تكن تشكل بديلا عن نظام الشورى الذي كان اهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين



    الامام الحسن والشورى

    وقد ذكر ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة).· انه لما توفي علي (ع) خرج عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الى الناس فقال: ان اميرالمؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان احببتم خرج اليكم ، وان كرهتم فلا احد على احد فبكى الناس وقالوا: بل يخرج الينا.

    وكما هو ملاحظ فان الامام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر اي نص حوله من الرسول او من ابيه الامام علي ، و قد اشار ابن عباس إلى منزلة الامام الحسن عندما ذكر المسلمين بانه ابن بنت النبي ، و ذكر : انه وصي الامام اميرالمؤمنين ، ولكنه لم يبين : ان مستند الدعوة للبيعة هو النص او الوصية بالامامة

    وهذا ما يكشف عن ايمان الامام الحسن (ع) بنظام الشورى وحق الامة في انتخاب امامها ، وقد تجلى هذا الايمان مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة الى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته الى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح. · ««على انه ليس لمعاوية ان يعهد لأحد من بعده وان يكون الامر شورى بين المسلمين

    ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف « ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته « ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولأشار الى ضرورة تعيينه من بعده .. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى



    الامام الحسين والشورى

    وقد ظل الامام الحسين ملتزما ببيعة معاوية الى آخر يوم من حياة الاخير ، ورفض عرضا من شيعة الكوفة بعد وفاة الامام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه ، ولم يدع الى نفسه الا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد الى ابنه يزيد بالخلافة بعده ، حيث رفض الامام الحسين البيعة له ، وأصر على الخروج الى العراق حيث استشهد في كربلاء عام61 للهجرة.

    و يصرح الشيخ المفيد بان الامام الحسين لم يدع احدا الى امامته في ظل عهد معاوية، ويفسر ذلك بالتقية والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزام الامام الوفاء بها حتى وفاة معاوية

    ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء ، سواء في رسائل شيعة الكوفة الى الامام الحسين ودعوته للقدوم عليهم ، او في رسائل الامام الحسين لهم ، حيث يقول الشيخ المفيد: ان الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية .فحمدوا الله واثنوا عليه ، فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعة ، وقد خرج الى مكة وانتم شيعته وشيعة ابيه ، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدوا عدوه وتقتل انفسنا دونه فاكتبوا اليه واعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه قال فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه : ـ

    للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا اله الا هو .. اما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها امرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها واغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا امام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد اقبلت الينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله .

    فكتب اليهم : ـ من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين والمسلمين

    .. اما بعد فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكان آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم . ·أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى ¨ واني باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل ، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام .

    اذن فان مفهوم (الإمام) عند الامام الحسين لم يكن الا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله . ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الإمامة) الى احد من ولده ، ولم يوصِ الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة علي زين العابدين ، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة ، ولا تتحدث ابدا عن

    موضوع الامامة والخلافة

    ومما يؤكد عدم وجود نظرية (الامامة الإلهية) في ذلك الوقت ، عدم اشارة الامام علي بن الحسين اليها ، في خطبته الشهيرة التي القاها بشجاعة امام يزيد بن معاوية في المسجد الاموي عندما أُخذ اسيرا الى الشام ، وقد قال في خطبته تلك: · ايها الناس أُعطينا ستا وفضلنا بسبع : اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا بأن منا النبي والصديق والطيار واسد الله واسد رسوله وسبطا هذه الامة. ثم ذكر الامام اميرالمؤمنين فقال: انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومفرق الاحزاب ، اربطهم جأشا وامضاهم عزيمة ذاك ابو السبطين علي بن ابي طالب .

    ولم يشر الامام زين العابدين في خطبته الجريئة تلك الى موضوع الوصية او الامامة الالهية ، او الى قانون وراثة الامامة بالنص ، ولم يقل للناس انه الامام الشرعي المفترض الطاعة بعد ابيه الامام الحسين ، وانما اكتفى بالحديث عن فضل اهل البيت وفضائل الامام اميرالمؤمنين وانجازاته التاريخية



    اعتزال الامام زين العابدين

    وقد بايع الامام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل ابيه الامام الحسين ، ويعدون للثورة ، ولم يدعِ الامامة ، ولم يتصدَ لها ، ولم ينازع عمه فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق : فانه انقبض عن الناس فلم يلق احدا ولا كان يلقاه الا خواص اصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم الا يسيرا

    ويتطرف الصدوق جدا وبشكل غير معقول فينقل عن الامام السجاد : انه كان يوصي الشيعة بالخضوع للحاكم والطاعة له وعدم التعرض لسخطه، ويتهم الثائرين بالمسؤلية عن الظلم الذي يلحق بهم من قبل السلطان



    انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة

    ومن هنا ونتيجة للفراغ القيادي فقد انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتل الامام الحسين سليمان بن صرد الخزاعي زعيما عليهم ، وذلك عندما اجتمعوا الى خمسة من رؤوسهم ، وقام المسيب بن نجيبة خطيبا فقال: ـ ايها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها ، وقام رفاعة بن شداد فعقب على كلامه قائلا.·قلت: ولوا امركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته ، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت ، فان تكن انت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا وفي جماعتنا محبا ، وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة سليمان بن صرد ، المحمود في بأسه والموثوق بحزمه¨« ثم تكلم عبدالله بن وال ، وعبدالله بن سعد فحمدا ربهما واثنيا عليه ... فقال المسيب بن نجيبة : · اصبتم ووفقتم وانا ارى مثل الذي رأيتم فولوا امركم سليمان بن صرد¨ وقد قام سليمان بن صرد الخزاعي بقيادة حركة قامت للثأر من قتلة الحسين ، وعرفت بحركة التوابين



    امامة محمد بن الحنفية

    وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي ، بعد ذلك ، بحركته في الكوفة ، كتب الى علي بن الحسين يريده على ان يبايع له ويقول بامامته ويظهر دعوته ، وانفذ اليه مالا كثيرا ، فأبى ان يقبل ذلك منه ، او يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو الى امامته وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلا ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة

    لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الاسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى ، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عزوجل قد اذن ذلك .. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل

    تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها ، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل ·الخلفاء¨ الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل ، وخاصة في القرن الاول الهجري ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم . وأجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك ، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه

    بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة : · ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحب¹ ذلك او كرهه ، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزوجل ، وطاعته واجبة من الله عزوجل

    وقال قسم آخر منهم : · ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده . ألم يقل رسول الله . من كنت مولاه فعلي مولاه؟فقال: بلى ولكن والله لم يعنِ رسول الله بذلك الامامة والسلطان ، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به

    وكان ابنه عبدالله يقول: · ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا ، و ليس في احد من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله¨ وكان ينفي امامة اميرالمؤمنين انها من الله



    مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط ، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة ، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية ، اذ لم يكونوا يعتبرونهما ·غاصبين¨ للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما .​
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-06-03
  7. Umar_almukhtar

    Umar_almukhtar قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-05-28
    المشاركات:
    6,564
    الإعجاب :
    0
    من الشورىالى .. الحكم الوراثي

    النظرية الكيسانية

    يسجل المؤرخون الشيعة الامامية الأوائل(النوبختي والاشعري القمي والكشي) اول تطور ظهر في صفوف الشيعة في عهد الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب على يدي المدعو عبدالله بن سبأ الذي يقولون . انه كان يهوديا وأسلم ، والذي يقول النوبختي عنه . انه اول من شهر القول بفرض امامة علي ، وكان يقول في يهوديته بيوشع بن نون وصيا لموسى فقال كذلك في اسلامه في علي بعد رسول الله، وأظهر البراءة من اعدائه وكاشف مخالفيه واظهر الطعن على ابي بكر وعمر وعثمان والصحابة.‍

    وسواء كان عبدالله بن سبأ شخصية حقيقية أم اسطورية فان المؤرخين الشيعة يسجلون بوادر ظهور اول تطور في الفكر السياسي الشيعي اعتمادا على موضوع (الوصية) الروحية والشخصية ، الثابتة من الرسول الاكرم الى الامام علي ، واضفاء المعنى السياسي عليها ، وذلك قياسا على موضوع (الوصية) من النبي موسىالى يوشع بن نون وتوارث الكهانة في ابناء يوشع

    ومع ان هذا القول كان ضعيفا ومحصورا في جماعة قليلة من الشيعة في عهد الامام علي ، وان الامام نفسه قد رفضه بشدة وزجر القائلين به ، الا ان ذلك التيار وجد في تولية معاوية لابنه يزيد من بعده ارضا خصبة للنمو والانتشار ، ولكن المشكلة الرئيسية التي واجهته هو عدم تبني الامام الحسن والحسين له واعتزال الامام علي بن الحسين عن السياسة ، مما دفع القائلين به الى الالتفاف حول محمد بن الحنفية باعتباره وصي اميرالمؤمنين ايضا ، خاصة بعد تصديه لقيادة الشيعة في اعقاب مقتل الامام الحسين ، وقد اندس السبئية في الحركة الكيسانية التي انطلقت للثأر من مقتل الامام الحسين بقيادة المختار بن عبيدة الثقفي .

    وقد ادعى المختار الذي كان يقود الشيعة في الكوفة: ان محمد بن الحنفية قد أمره بالثأر وقتل قتلة الحسين ، وانه الامام بعد أبيه ولم يكن المختار يكفر من تقدم عليا من الخلفاء كأبي بكر وعمر وعثمان ، ولكنه كان يكف¹ر اهل صفين وأهل الجمل .

    ويذكر الاشعري القمي : ان صاحب شرطة المختار (كيسان) الذي حمله على الطلب بدم الحسين ودل¹ على قتلته ، وصاحب سره ومؤامراته والغالب على امره ، كان أشد¹ منه افراطا في القول والفعل والقتل ، وانه كان يقول : ان المختار وصي محمد بن الحنفية وعامله ، ويكفر من تقدم عليا كما يكفر اهل صفين واهل الجمل

    وبالرغم من سقوط دولة المختار بعد فترة قصيرة ، الا ان الحركة الكيسانية التي التفت حول قائدها الروحي محمد بن الحنفية ، اخذت تقول.·ان الامامة في ابن الحنفية وذريته ولما حضرت الوفاة محمد بن الحنفية ولى ابنه عبدالله ابا هاشم من بعده وامره بطلب الخلافة ان وجد الى ذلك سبيلا ، وأعلم الشيعة بتوليته اياهم ، فأقام عبدالله بن محمد بن علي وهو امير الشيعة.

    وقد اصبح ابو هاشم قائد الشيعة بصورة عامة في غياب اي منافس له في نهاية القرن الاول الهجري ، وقد تشرذمت الحركة الكيسانية من بعده الى عدة فرق يدعي كل منها انه اوصى اليه ، فقد ادعى العباسيون . ان ابا هاشم اوصى الى محمد بن علي بن عبدالله ابن عباس ، وقال له : اليك الامر والطلب للخلافة بعدي فولاه واشهد له من الشيعة رجالا ..ثم مات ، فأقام محمد بن علي ودعوة الشيعة له حتى مات فلما حضرته الوفاة ول¹ى ابنه ابراهيم الامر، فاقام وهو امير الشيعة ، وصاحب الدعوة بعد ابيه..

    وادعى الجناحيون. انه اوصى الى عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن ابي طالب الذي ظهر في الكوفة سنة ‍ وأقام دولة امتدت الى فارس ، في اواخر ايام الدولة الاموية وادعى الحسنيون انه اوصى الى زعيمهم ˜محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ، ذي النفس الزكية

    وعلى اي حال فقد تطور القول بالوصية من وصية النبي الأكرم العادية والشخصية الى الامام علي ، الى القول بالوصية السياسية منه الى ابنه محمد بن الحنفية ، ومن بعده الى ابنه ابي هاشم عبدالله ، وهو ما ادى الى اختلاف الفصائل الشيعية المتعددة فيما بينها وادعاء كل منها الوصية اليه وحصر الشرعية فيه.

    نظرية الامام الباقر السياسية

    وبينما كانت الحركات الشيعية المختلفة تتأهب للانقضاض على النظام الاموي ، والثأر لمقتل الحسين ، وتتصارع فيما بينها ، دخل المعترك السياسي والفكري الامام محمد بن علي الباقر بعد وفاة ابيه السجاد في سنة للهجرة ، وقد خاض معركة مريرة لانتزاع قيادة الشيعة من ابن عمه ابي هاشم وأتباعه ، وتثبيتها للفرع الفاطمي والبيت الحسيني ، واعتبر ادعاء الامامة دون حق افتراء على الله ، حتى وان كان المدعي من ولد علي بن ابي طالب.

    وقد اعتمد الامام الباقر في الدعوة الى نفسه ، باعتباره اولى من الجميع ، للثأر من مقتل جده الامام الحسين ، وبالتالي قيادة الشيعة لتحقيق هذا الهدف ، فكان يقول.·ومن قُتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا¨ وكان يقول ان آية.· النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم وازواجه امهاتهم ، واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله¨ قد نزلت في الامرة ، وان هذه الآية جرت في ولد الحسين من بعده ، فنحن اولى بالأمر ، وبرسول الله من المؤمنين والمهاجر ين ، وليس لولد جعفر فيها نصيب ولا لولد العباس ولا لأي بطن من بطون بني عبدالمطلب ، ولا حتى لولد الحسن بن علي « ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا¨

    وفي هذا المجال يقول ايضا. · رحم الله عمي الحسن ..لقد غمد الحسن اربعين الف سيف حين اصيب اميرالمؤمنين ، وأسلمها الى معاوية ، ومحمد بن علي سبعين الف سيف قاتلة لو خطر عليهم خطر ما خرجوا منها حتى يموتوا جميعا ، وخرج الحسين صلوات الله عليه فعرض نفسه على الله في سبعين رجلا ..من أحق بدمه منا ؟..نحن والله أصحاب الأمر وفينا القائم ومنا السفاح والمنصور ،
    وقد قال الله تعالى ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا .نحن اولياء الحسين بن علي وعلى دينه

    ولكن عبدالله بن الحسن بن الحسن كان ينكر حصر الامامة في البيت الحسيني ، ويقول مستنكرا: وكيف صارت الامامة في ولد الحسين دون الحسن وهما سيدا شباب اهل الجنة ؟ وهما في الفضل سواء ، الا ان للحسن على الحسين فضلا بالكبر ، وكان الواجب ان تكون الامامة اذن في الافضل ‍‌

    وفي محاولة من الامام الباقر لتجاوز هذا الخلاف وحسمه وتعزيز شرعية مطالبته بقيادة الشيعة ، كان يعتمد اضافة الى موضوع (ولاية الدم) على موضوع .· امتلاكه لسلاح رسول الله¨ ووراثته من اجداده ، حيث كان يقول: · ان السلاح فينا كمثل التابوت في بني اسرائيل كان حيثما دار فثم الملك ، وحيث مادار السلاح فثم العلم¨ . ‍‍

    وكان يتساءل في معرض تفنيد الكيسانية: · ألا يقولون عند من كان سلاح رسول الله ؟..وما كان في سيفه من علامة كانت في جانبيه ان كانوا يعلمون؟¨

    ويقول محمد بن الحسن الصفار œ وهو من اركان الامامية في القرن الثالث الهجري œ . ان علي بن الحسين اختص ابنه محمد الباقر ، عند وفاته ، بسفط كان فيه سلاح رسول الله ، وان اخوته نازعوه عليه ، فقال لهم.· والله ما لكم فيه شيء ، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه الي
    ويقول الصفار. ان الامام الباقر كان يشير الى احقية الامام علي بالخلافة استنادا الى وراثته لسلاح رسول الله ، وانه قد احتج بذلك على اهل الشورى
    و كان الامام الباقر يعتمد ايضا في طرح امامته على وراثة الكتب من ابيه . ويقول الكليني . انه قد احتج على اخيه زيد بن علي الذي كان يعد للثورة والخروج ويحاول التصدي لقيادة الشيعة بموضوع العلم وسأله فيما اذا كان يعرف الحلال والحرام ، ونهاه عن التصدي للقيادة من دون الاطلاع الكافي على مسائل الحلال والحرام .
    وقد دخل عليه ذات مرة اخوه زيد ، ومعه كتب من اهل الكوفة يدعونه فيها الى انفسهم ويخبرونه باجتماعهم ويأمرونه بالخروج ، فقال له ابو جعفر : ـ هذه الكتب ابتداء منهم او جواب ما كتبت بهم اليه ودعوتهم اليه؟
    ..فقال: ـ بل ابتداء من القوم لمعرفتهم بحقنا وبقرابتنا من رسول الله ولما يجدون في كتاب الله عزوجل من وجوب مودتنا وفرض طاعتنا ، ولما نحن فيه من الضيق والضنك والبلاء ، فقال له ابو جعفر : ان الطاعة مفروضة من الله عزوجل ، وسنة امضاها في الاولين وكذلك
    يجريها في الآخرين ، والطاعة لواحد منا والمودة للجميع ، وامر الله يجري لاوليائه بحكم موصول وقضاء مفصول وحكم مقضي وقدر واجل مسمى لوقت معلوم ، فلا يستخفنك الذين لا يوقنون ..انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا فلا تعجل ، فان الله لا يعجل لعجلة العباد ، ولا تسبقن الله فتعجزك البلية فتصرعك.. فغضب زيد عند ذلك..ثم قال :
    ـ ليس الامام منا من جلس في بيته وارخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الامام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه .. قال ابو جعفر :
    هل تعرف يا اخي من نفسك شيئا مما نسبتها اليه فتجيء عليه بشاهد من كتاب الله او حجة من رسول الله او تضرب به مثلا ؟..فان الله عروجل احل حلالا وحرم حراما ، وفرض فرائض وضرب امثالا وسن سننا ، ولم يجعل الإمام القائم بأمره شبهة فيما فرض له من الطاعة ان يسبقه بامر قبل محله أو يجاهد فيه قبل حلوله ، وقد قال الله عز وجل في الصيد …فجعل لكل شيء اجلا ولكل اجل كتابا ، فان كنت على بينة من ربك و يقين من امرك وتبيان من شأنك فشأنك ، وإلا فلا ترومن أمرا انت منه في شك وشبهة ، ولا تتعاطَ زوال ملك لم تنقض اكله ولم ينقطع مداه ، ولم يبلغ الكتاب اجله ، فلو قد بلغ مداه وانقطع اكله وبلغ الكتاب اجله لانقطع الفصل وتتابع النظام و لأعقب الله التابع والمتبوع الذل والصغار ، اعوذ بالله من امام ضل عن وقته فكان التابع فيه اعلم من المتبوع ، أتريد يااخي ان تحيي ملة قوم قد كفروا بآيات الله وعصوا رسوله؟ ..اعيذك بالله يا اخي ان تكون غدا المصلوب بالكناسة . کثم ارفضت عيناه بالدموع وسالت دموعه ، ثم قال: الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وافشا سرنا ونسبنا الى غير جدنا ، وقال فينا مالم نقله في انفسنا.. ‍
    ان هذا الحوار يرويه الكليني في (الكافي) في القرن الرابع الهجري ، ومن المحتمل ان يكون موضوعا في وقت متأخر من قبل الامامية ضد الزيدية، ولكنه يعبر عن احتجاج الامام الباقر على اخيه زيد بالعلم ، قبل نشوء نظرية النص او الوصية في الامامة
    اما زيد بن علي فقد كان يقول.· ليس الامام منا من جلس في بيته و ارخى ستره وثبط عن الجهاد ، ولكن الامام منا من منع حوزته وجاهد في سبيل الله حق جهاده ودفع عن رعيته وذب عن حريمه.
    اذن فان نظرية الامام الباقر السياسية كانت تقوم بصورة رئيسية على اعمدة العلم وامتلاك سلاح رسول الله وحق وراثة المظلوم اكثر مما كانت تقوم على النص الصريح او الوصية الواضحة ، حيث لم تكن نظرية (الإمامة) قد تبلورت لدى الشيعة في بداية القرن الثاني الهجري الى مرحلة الارتكاز على موضوع النص او الوصية « وكان عامة الشيعة ذلك الحين يجهلون ·حق¨ الامام الباقر في الامامة ولا يكادون يميزون بينه وبين سائر اقطاب البيوت الحسنية والحسينية والعلوية والهاشمية ، الذين كانوا يتصدون لقيادة الشيعة ويتنافسون عليها. وقد نجح الامام محمد الباقر في تكوين قطاع خاص من الشيعة يؤمن بالولاء له ، ولكنه سرعان ما تشرذم بعد وفاته ، حيث ذهب فريق منهم الى اتباع اخيه الامام زيد بن علي ، الذي اعلن الثورة ضد الخليفة الاموي هشام بن عبدالملك اعتمادا على نظرية (اولي الارحام )قال :· انـ ارحام رسول الله اولى بالملك والامرة ¨ و دعا الى نصرة اهل البيت ، بصورة عامة ، وقال: ·انا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه وجهاد الظالمين ، والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين اهله سواء ورد المظالم
    واقفال المجمر ونصرنا اهل البيت على من نصب لنا وجهل حقنا.
    وذهب فريق آخر ، بقيادة المغيرة بن سعيد ، الى القول بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن ذي النفس الزكية الذي كان يعد نفسه للخروج ضد الحكم الاموي ، بينما ذهب فريق ثالث الى اتباع الامام جعفر بن محمد الصادق
    نظرية الامام الصادق السياسية

    وقد استطاع الامام الصادق ان يثبت امامته وجدارته في قيادة الشيعة بما كان يتمتع به من خلق رفيع وعلم غزير ومحتد كريم . ولم يكن بحاجة ماسة للوصية او الاشارة اليه لكي يتبوأ ذلك المقام العظيم الذي احتله في المجتمع والتاريخ . ولا توجد في التراث الشيعي احاديث كثيرة عن موضوع النص عليه او الوصية له من ابيه في الامامة ، ما عدا رواية تتحدث عن وصية عادية جدا ، يرويها الامام الصادق بنفسه حيث يقول:· ان ابي استودعني على ما هناك فلما حضرته الوفاة قال : ادع لي شهودا . فدعوت له اربعة من قريش فيهم نافع مولى عبدالله بن عمر فقال : اكتب :هذا ما اوصى به يعقوب بنيه يابني ان الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وانتم مسلمون . واوصى محمد بن على الى جعفر بن محمد ، وامره ان يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة وان يعممه بعمامته ، وان يربع قبره ويرفعه اربع اصابع وان يحل عنه اطماره عند دفنه . ثم قال للشهود : انصرفوا رحمكم الله. فقلت له : ياابتِ ما كان في هذا بأن يُشهد عليه .فقال : يابني كرهت ان تغلب ، وان يقال لم يوصِ اليه فاردت ان تكون لك الحجة¨. ‍¬



    وتشير بعض الروايات التي ينقلها الصفار والكليني والمفيد عن الامام الصادق انه كان يخوض معركة الامامة مع منافسيه. عمه زيد وابن عمه ذي النفس الزكية اعتمادا على موضوع الوصية من ابيه هذه ، اضافة الى موضوع امتلاكه لسلاح رسول الله وخاتمه ودرعه ولواءه ، ولكن المشكلة كانت تكمن في ان محمد بن عبدالله كان يدعي ايضا امتلاكه لسلاح رسول الله « وهذا ما دفع الامام الصادق الى تكذيبه بشدة ، والقول.·والله لقد كذب فوالله ما عنده ومارآه بواحدة من عينيه قط. ولا رآه عند ابيه . الا ان يكون رآه عند علي بن الحسين .‌



    ويؤكد الامام الصادق في رواية اخرى ينقلها الكليني في (الكافي:)ان عندي الجفر الابيض ..وعندي الجفر الاحمر ، الذي فيه السلاح . وذلك انما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل ، وان بني الحسن ليعرفون هذا كما يعرفون الليل انه ليل والنهار انه نهار ..ولكنهم يحملهم الحسد وطلب الدنيا على الجحود والانكار . ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم . ‍



    ويقول في رواية اخرى:· كذبوا والله . قد كان لرسول الله سيفان وفي احدهما علامة في ميمنته فليخبروا بعلامتهما واسمائهما ان كانوا صادقين .ولكن لا ازري ابن عمي . اسم احدهما : الرسوم . والآخر مخذم¨



    ولكن المشكلة التي كانت تواجه الامام الصادق هي عدم استطاعته اظهار السلاح للملأ العام مخافة السلطان ، ولذلك فقد طرح دليلا بديلا عن موضوع السلاح هو (الوصية) حيث قال لأحد اصحابه :عبدالاعلى الذي سأله عن هذه الاشكالية. ·لا يكون في ستر الا وله حجة ظاهرة¨ . واشار الى الوصية السابقة كدليل متمم على الامام



    ويظهر من بعض الروايات التي يذكرها الصفار والمفيد : ان موضوع السلاح كان في تلك الفترة أهم موضوع حاسم في معركة الامامة بين محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن وبين الامام الصادق ، حيث يقول الامام الصادق.·مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني اسرائيل . كانت بنو اسرائيل في اي بيت وجد التابوت على ابوابهم اوتوا النبوة . ومن صار اليه السلاح منا اوتي الامامة . ولقد

    لبس ابي درع رسول الله فخطت عليه الارض خطيطا .ولبستها انا وكانت .وقائمنا من اذا لبسها ملأها ان شاء الله¨

    وتشير رواية اخرى اضافة الى السلاح الى دور العلم في تحديد شخصية الامام . يقول الامام الصادق فيها موجها كلامه الى الشيعة : ولو انكم اذا سألوكم (بنو الحسن) واجبتموهم واحتجوكم بالامر كان احب الي ان تقولوا لهم :انا لسنا كما يبلغكم . ولكنا قوم نطلب هذا العلم عند من هو اهله ومن صاحبه .. وهذا الجفر عند من هو ومن هو صاحبه . فان يكن عندكم فانا نبايعكم وان يكن عند غيركم فانا نطلبه حتى نعلم

    ويفهم من هذه الرواية ان بني الحسن كانوا يدعون العلم وحيازة الجفر . كما كانوا يدعون حيازة سلاح رسول الله وكانوا ايضا يدعون حيازة ˜مصحف فاطمة وذلك كدليل على شرعيتهم واحقيتهم بالامامة . ومع غموض محتوى ˜مصحف فاطمة فان الامام الصادق ينفي وجوده لدى بني الحسن ، و يقول . ان في الجفر الذي يذكرونه لما يسوؤهم لانهم لا يقولون الحق . .والحق فيه فليخرجوا قضايا علي وفرائضه ان كانوا صادقين . وسلوهم عن الخالات والعمات وليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصية فاطمة . ومعه سلاح رسول الله . ان الله عزوجل يقول .˜فأتوا بكتاب من قبل هذا او اثارة من علم ان كنتم صادقين



    ويتحدث الامام الصادق عن الميزة التي تؤهله للامامة فيقول : · اما والله عندنا مالا نحتاج الى الناس وان الناس ليحتاجون الينا . ان عندنا الصحيفة : سبعون ذراعا بخط علي واملاء رسول الله ..فيها من كل حلال وحرام



    ويشرح الامام الصادق العلم الذي كان لديه فيقول انه : · انه وراثة من رسول الله ومن علي بن ابي طالب . علم يستغني عن الناس ولايستغني الناس عنه



    ولم تكن قضية الوصية او السلاح او العلم لتشكل دليلا حاسما في صراع الامام الصادق مع عمه وابن عمه على قيادة الشيعة ، لأنهم كانوا يدعون العلم والسلاح كذلك ، ولم يكن يعتقد هو بأن ذلك يشكل حجة شرعية كافية ، وانما مؤشرا مساعدا على دعواه في الامامة ، حيث لم يكن الامام الصادق يطرح نفسه كإمام مفترض الطاعة من الله ، وانما كزعيم من زعماء اهل البيت ، ولذلك فقد

    استنكر قول بعض الشيعة في الكوفة . ·انه امام مفترض الطاعة من الله . وهذا ما تقوله نفس الرواية السابقة ، الواردة على لسان سعيد السمان وسليمان بن خالد : ان الامام الصادق كان جالسا في ثقيفة له اذ استأذن عليه اناس من اهل الكوفة فاذن لهم فدخلوا عليه فقالوا . يا ابا عبدالله ان اناسا يأتوننا يزعمون ان فيكم اهل البيت امام مفترض الطاعة ؟..فقال. لا . ما اعرف ذلك في اهل بيتي . قالوا. يا ابا عبدالله انهم اصحاب تشمير واصحاب خلوة واصحاب ورع . وهم يزعمون : انك انت هو ؟.. فقال : هم أعلم وما قالوا . ما امرتهم بهذا



    ونتيجة لعدم تمتع الامام الصادق بميزة (إلهية) خاصة ، وعدم معرفة الشيعة في ذلك الزمان بأي نص الهي حوله بالامامة ، فقد نمت الحركة الزيدية بقيادة عمه زيد بن علي الذي فجر ثورة في الكوفة ،والتف الشيعة من بعده حول ابنه يحيى بن زيد الذي قام بثورة اخرى ضد النظام الاموي عام .. وبعد فشل هاتين الثورتين بثلاثة اعوام تفجرت ثورة شيعية اخرى واسعة عام ‍ للهجرة ، بقيادة احد الطالبيين هو . عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر الطيار .وهي الثورة التي عصفت بجماهير الشيعة في مختلف مدن العراق وامتدت الى الماهين وهمذان وقومس واصبهان والري وفارس ـ وقد كان شعار الثورة : (إلى الرضا من آل محمد) وهي دعوة عموم الشيعة في ذلك الحين ، وقد اتخذ عبدالله ابن معاوية من اصبهان مركزا لدعوته وحركته ومناطق نفوذه ، وبعث الى الهاشميين علويين وعباسيين يدعوهم اليه ليساهموا معه في ادارة البلاد التي سيطر عليها فقدم عليه منهم عدد كبير



    و بعد فشل هذه الثورة ذهب الشيعة الى القول بامامة محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن ذي النفس الزكية الذي كان يعد نفسه كمهدي منتظر ، و قد بايعه عامة الشيعة بما فيهم العباسيون والسفاح والمنصور



    نظرية الامامة العباسية

    و لكن العباسيين الذين انتصروا سنة وجدوا انفسهم في حرج شديد ، فقاموا بالانسحاب من الفكر الشيعي القديم وتعديل نظريتهم السياسية ، وذلك باعادة صياغة مصدر الشرعية لنظامهم الوليد استنادا على اولوية جدهم العباس بن عبدالمطلب في وراثة الرسول من ابن عمه علي بن ابي طالب و قد خطب ابو العباس السفاح الذي اصبح اول خليفة عباسي بويع له في الكوفة في ‍ربيع الاول سنة ،ـ خطبة وصف فيها بني العباس بأنهم حماة الإسلام واهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له ، ثم أشار إلى قرابة العباسيين من الرسول وان الله خصهم برحم رسول الله وقرابته ثم تلا عدة آيات قرآنية كريمة هي .انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا و قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى و وانذر عشيرتك الاقربين و ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى و اعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى .. ثم انتقد رأي السبئية الذين كانوا يميلون الى رأي الكيسانية فقال : وزعمت السبئية الضلال ان غيرنا احق بالرياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم



    وقد اشار داود بن علي عم الخليفة ابي العباس في خطبة البيعة لابن اخيه ، الى منبع الشرعية الجديد للدولة العباسية وهي الوراثة من العباس ، وقال : ·ان المسلمين قد اصبحوا ذمة الله ورسوله والعباس



    ويذكر المسعودي في .( مروج الذهب). ·ان الراوندية وهم شيعة ولد العباس من اهل خراسان وغيرهم كانوا يقولون : ان رسول الله قبض ، وان احق الناس بالامامة بعده العباس ابن عبدالمطلب ، لانه عمه ووارثه وعصمته لقول الله عزرجل.واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله وان الناس اغتصبوه حقه ، وظلموه امره ، الى ان رده الله اليهم ،وذلك بالرغم من انه لم يدع الخلافة ، وتبرأوا من ابي بكر وعمر واجازوا بيعة علي بن ابي طالب باجازة العباس لها ، وذلك لقوله : ياابن اخي هلم الى ابايعك فلا يختلف عليك اثنان ، ولقول داود بن علي على منبر الكوفة يوم بويع لابي العباس :ـ يا أهل الكوفة لم يقم فيكم امام بعد رسول الله إلا علي بن أبى طالب ، وهذا القائم فيكم ، يعني اباالعباس السفاح .

    وقد اكد هذا التعديل النظري ، الخليفة العباسي المهدي محمد بن ابي جعفر المنصور ، عندما اثبت الامامة بعد رسول الله للعباس بن عبدالمطلب ، ودعا الراوندية اليها واخذ بيعتهم عليها ، وقال: · كان العباس عمه ووراثه واولى الناس به ، وان ابا بكر وعمر وعثمان وعلي وكل من دخل في الخلافة وادعى الامامة بعد رسول الله غاصبون متوثبون بغير حق ¨



    وعقد المهدي الامامة والخلافة على اصحابه و اوليائه والامة للعباس بن عبدالمطلب بعد رسول الله، ثم عقدها بعد العباس لعبدالله بن العباس ، ثم عقدها بعده لعلي بن عبدالله المعروف بالسجاد ، ثم عقدها بعده لمحمد بن علي بن عبدالله ، ثم عقدها لابراهيم بن محمد المسمى بالامام ، ثم عقدها لاخيه عبدالله بن محمد السفاح ثم عقدها لاخيه عبدالله المنصور والد المهدي .



    وقال الراوندية تبعا لذلك : · ان رسول الله قبض ، وان احق الناس بالامامة بعده العباس بن عبدالمطلب ، لأنه عمه ووارثه وعصبته لقول الله عزوجل.˜واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض . وان الناس اغتصبوه حقه وظلموه امره الى ان رده الله اليهم . وقالوا: لا امامة في النساء ولا يكون لفاطمة ارث في الامامة ولا يرث بنو العم وبنو البنت مع العم شيئا فيكون لعلي ولولد فاطمة ارث مع العباس في الامامة ، فصار العباس وبنوه اولى بها من جميع الناس¨

    وهكذا طور الراوندية نظرية سياسية تقوم على الوراثة والحق النَسَبي وألغوا الشورى ، حيث قالوا: ·ان الاختيار من الامة للامام باطل خطأ ، وانها لا تجوز الا بعقد وعهد من الماضي الى من يرتضيه ويستخلف بعده¨. وقد صنف الجاحظ كتابا بهذا المعنى واسماه كتاب امامة ولد العباس يحتج فيه لهذا المذهب



    المعارضة الحسنية

    وبالطبع فقد رفض محمد بن عبد الله ذو النفس الزكية الذي كان زعيم الشيعة الأكبر في ذلك الحين . النظرية العباسية الجديدة ، كما رفض البيعة للسفاح والمنصور ، وكتب رسالة مطولة الى الاخير جاء فيها : ·فان الحق حقنا ، وانما ادعيتم هذا الامر بنا ، خرجتم له بشيعتنا ، وحضيتم بفضلنا ، وان ابانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟..¨

    وكتب المنصور ردا مطولا على رسالته ، جاء فيها.· واما قولك انكم بنو رسول الله کفان الله تعالى يقول في كتابه. وما كان محمد ابا أحد من رجالكم . ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة ، ولكنها لا تجوز الميراث ، ولا ترث الولاية



    ثم ظهر ذو النفس الزكية في المدينة في اول رجب سنة ‍ و اعلن انه احق ابناء المهاجرين في تولي الخلافة ، واشار الى ان جميع الامصار الاسلامية قد بايعته ، وقد حضي ببيعة اشراف بني هاشم



    ويروي الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين).ان الصادق سمح لابنيه موسى وعبدالله بالانضمام الى ثورة محمد بن عبدالله في المدينة وان محمدا اراد اعفاءهما من المشاركة فيها ولكن جعفرا أصر¹ على ذلك كتعبير عن تأييده لحركة ذي النفس الزكية



    النظرية الشيعية العامة

    لقد كانت قضية الثورة ضد الامويين تجمع بين مختلف فصائل الحركة الشيعية في اوائل القرن الثاني الهجري ، ولم يكن عامة الشيعة يميزون كثيرا بين أئمة اهل البيت ، ولذا فقد كانوا ينخرطون في اية حركة يقوم بها اي واحد منهم ، وهذا سالم بن ابي حفص ، الذي كان اول الدعاة الى امامة الصادق بعد وفاة ابيه ، ينضم الى حركة زيد مع مجموعة من اصحابه هم : كثير النوى ابو اسماعيل او كثير ابن اسماعيل بن نافع النواء ، والحكم بن عيينة ، وسلمة بن كهيل ، وابي المقدام ثابت الحداد ، وقد كان سليمان بن جرير يقول: ان من شهر سيفه من اولاد الحسن والحسين وكان عالما زاهدا شجاعا فهو الامام . ـو ان عليا هو افضل الناس بعد الرسول وأولاهم بالامامة ، ولكنه سلم الى الخلفاء الراشدين الثلاثة الاوائل الامر لهم راضيا ، وترك حقه راغبا ، فنحن راضون بما رضي ، مسلمون بما سلم و قد اثبت امامة ابي بكر وعمر ، باختيار الامة حقا اجتهاديا ، وكان يقول : ان الامامة شورى فيما بين الخلق ... و ان الامة اخطأت في البيعة لهما مع وجود علي خطأً لا يبلغ درجة الفسق وذلك الخطأ خطأ اجتهادي ، غير انه طعن في عثمان للاحداث التي احدثها ، واكفره بذلك ، واكفر عائشة والزبير وطلحة لاقدامهم على قتال علي



    و كان ابو الجارود زياد بن ابي زياد الهمذاني الكوفي يوالي الامام الباقر في البداية ثم انتقل الى حزب اخيه زيد بن علي ، مع مجموعة كبيرة من اصحابه ، وبالرغم من انه كان متطرفا ضد الصحابة الذين يتهمهم بعدم التعرف على الامام علي لانتخابه ، فانه كان ينفي وجود نص صريح على الامام علي بالامامة ، ويقول : انه كان بالوصف دون التسمية « وبناء على ذلك كان الجارودية يبنون نظريتهم في الامامة على اساس التصدي والخروج (الثورة) وليس على اساس النص ، ويؤمنون باشتراك ولد الحسن والحسين في الامامة ، و يرفضون تخصيص الحق بالامامة في ابناء الحسين فقط ، وينكرون وجود اية نصوص حول ذلك .



    وقالوا نتيجة لذلك : ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره ، ثم كان الحسين بعده اماما عند روجه ، ثم زيد بن علي ..ثم من دعا الى طاعة الله من آل محمد فهو امام ، وقد رفض الجارودية وعامة الزيدية حصر الامامة في اولاد الحسين ، واعتبروا من يقول ذلك خارجا عن الدين ، وقالوا انها (شورى ) في اولادهما جميعا ، وان الامامة صارت بعد الحسين باختيار اهل البيت واجماعهم

    على رجل منهم ورضاهم به ، وخروجه بالسيف وقد تطرفوا جدا ضد ائمة الخط الحسيني واتهموا كل من ادعى منهم الامامة وهو قاعد في بيته مرخى عليه ستره بالكفر والشرك ، وكل من اتبعه في ذلك وكل من قال بامامته و رغم ان الجارودية كانوا اشد فرقة تطرفا في القول بالنص ،ـ في بداية القرن الثاني الهجري ـ، الا انهم لم يكونوا يقولون بقيام الامامة بالنص الى يوم القيامة ، بل كانوا يحصرون النص في الامام علي والحسن والحسين ، ويقولون : ان الامامة بعد ذلك هي شورى في ذرية الامام علي الى يوم القيامة ، فمن خرج منهم مستحقا للامامة فهو الامام .

    و يؤيد هذا قول قسم من الشيعة في ذلك الوقت بانقطاع الامامة بعد الحسين وان الأئمة انما كانوا ثلاثة مسم¹ين باسمائهم ستخلفهم رسول الله واوصى اليهم وجعلهم حججا على الناس وقواما بعده واحدا بعد واحد ، وعدم الايمان بامامة احد بعدهم
     

مشاركة هذه الصفحة