الساحره

الكاتب : بن ذي يزن   المشاهدات : 717   الردود : 0    ‏2001-03-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-03-01
  1. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    بلدتي البعيدة، النائية، حيث الشمس والقمح وكروم العنب والتين، والثلوج وليالي الشتاء الطويلة...‏






    لا أعرف بالضبط متى بدأت قصتي هذه، الذي أعرفه تماماً هو أنها لم تنته بعد... رغم مرور زمن طويل على حدوثها.‏

    الزمان: أمسية حزينة، ماطرة، من أمسيات الخريف.‏

    أصرّت جدتي أن تأخذني معها، حملتني بين ذراعيها ووضعتني على أبي مسعود ـ حمار جدتي العجوز ـ‏

    قالت وهي تتأكّد من مكاني على ظهر الحمار:‏

    ـ اسمع يا عفريت ..‏

    ـ سامع...‏

    ـ إذا رأيت فتاة ما داخل الحقل لا تتكلّم معها أبداً.. سامع؟!‏

    ـ سامع.‏

    ثم قلتُ بعد قليل بينما أمسكت جدتي الحبل وخطت نحو الطريق الترابي القديم:‏

    ـ ماذا قلت يا جدتي، فتاة.؟! أية فتاة؟!..‏

    وقفت جدتي، ووقف معها أبو مسعود، حدّقت في وجهي:‏

    ـ هناك فتاة جميلة تعيش في الحقول، إذا رأيتها لا تحكي معها، مفهوم..‏

    ـ لماذا؟!..‏

    ـ أنت افعل ما أقوله لك. سامع. وإلاّ أرجعتك إلى البيت..‏

    ـ طيّب.. طيّب... كما تريدين، بشرفي، لن أحكي معها أبداً..‏

    تابعت جدتي طريقها بخطواتها الكسولة، الثقيلة، وهي تمسك الحبل في حين بدأت مخيلتي تسبح في بحر من الأحلام..‏

    رغم أنني جئت مع جدتي أكثر من مرة إلى الحقل، ما معنى أن تخبرني في هذه الأمسية عن تلك الفتاة. فتاة جميلة وتسكن هذه الحقول؟ كيف تترك القرية وتأتي لتعيش هنا.؟!.. ربما جدتي تكذب علي لكي لا أعذبها على الطريق، وهكذا تُشغل مخيلتي بهذه القصّة الغريبة.‏

    ـ 2 ـ‏

    فركتُ عينيّ بأصابعي، وكدتُ أقع عن ظهر الحمار، صحتُ فجأة بأعلى صوتي:‏

    ـ جدتي... جدتي... انظري إلى هناك، انظري..‏

    التفتت جدتي غاضبة:‏

    ـ اسكت يا عفريت.. اسكت.‏

    تذكرت اتفاقنا، لكنني لم أستطع أن أمسك لساني:‏

    ـ من هذه البنت يا جدتي، آه، ما أروعها.. لماذا لم تخبريني عنها من قبل؟‏

    وحاولت أن أكثر من الأسئلة، إنّما جدتي وقفت واستدارت نحوي ثم نهرتني بعنف:‏

    ـ لا تعرف صوتك يا قرد.. يا سعدان، الآن تخاف وتهرب..‏

    نهق أبو مسعود وحرّك ذيله وأذنيه، ثم تقدّم وراء جدتي.. وعند باب الحقل وقفت الجدة، وقالت كأنها تحكي مع نفسها:‏

    ـ ابقْ هنا يا سعدان مع الحمار، سأعود بعد قليل..‏

    ـ خذيني معكِ.‏

    حملت جدتي السلة وهمست وهي تدخل الحقل:‏

    ـ سوف أقنع الفتاة أن تأتي وتسلّم عليكَ.‏

    تقدمت جدتي في الحقل عدة أمتار، ثم رأيتها تمد السلة لتعطيها لتلك الفتاة الساحرة..‏

    وقفت جدتي تنتظر، بينما انطلقت الساحرة الصغيرة تجمع العنب والتين، لتعود بعد أقل من خمس دقائق وقد امتلأت السلة بين يديها.‏

    ـ 3 ـ‏

    عدنا بعد حوالي ساعة ونصف وأنا ما زلتُ غير متأكد تماماً من أن الذي رأيته حلماً أم حقيقة.‏

    قلتُ محاولاً تفسير ما حدث من خلال جدتي:‏

    ـ جدتي.. إذا كنت تحبينني قولي لي من تكن تلك الفتاة؟!...‏

    ـ "يحبّك برص وعشر خرس". قلتُ لكَ لا تذكر سيرتها على لسانكَ!..‏

    ـ طيّب، كما تريدين، لكن ـ وحياة الباشا وغلاوة جدي، قولي لي فقط اسمها.‏

    ـ اسكت الآن، وسأخبرك فيما بعد إذا بقيت "آدمي وشاطر"..‏

    ـ 4 ـ‏

    في الليل، حلمتُ بها، كانت أشد روعة وجمالاً، اقتربت مني، ثم أمسكت يدي وركضت...‏

    وحين استيقظتُ كانت جدتي نائمة، تشخر وتتقلّب في فراشها كدودة مريضة..‏

    وفي الخارج كانت النجوم كثيرة، ومضيئة، تسلّلتُ إلى الحظيرة، ركبتُ على أبي مسعود بغيظ وعصبية:‏

    ـ هيا.. إلى الكرم..‏

    بدت لي النجوم أكبر مما مضى وأقرب إلى الأشجار والجبال، يقولون أن هنالك أناس مثلنا يعيشون فوق النجوم، لكنهم أجمل منا بكثير وأشد طيّبة ووفاء...‏

    ربطتُ الحمار عند باب الحقل ودخلتُ كأنني أدخل عالماً مسحوراً مليئاً بالأساطير، لم ينهق أبو مسعود كما في المرة الماضية، بل وقف يتأملني بشيء من السخرية والعتب بعينيه الكبيرتين...‏

    دخلتُ بهدوء.. وشرعت أدور باحثاً عنها، تحت العرائش وأشجار التين... وحين يأست وقفتُ وسط الحقل وناديت عليها بأعلى صوتي.‏

    لكن أحداً لم يسمعني، فعدتُ حزيناً، وحيداً إلى حيث ربطت الحمار، إنما لم أجده، لعله أراد معاقبتي فهرب وتركني وحيداً؟!‏

    ـ 5 ـ‏

    في المنزل، كان الجيران يبحثون عني....‏

    وما أن شاهدني المختار، حتى سألني بعتب شديد:‏

    ـ أين كنت يا عبد الله؟‏

    ـ في الحقل..‏

    لم يجب، تأملّني بكثير من الحزن والأسى..‏

    ـ لم أعتد رؤية الناس هكذا في منزلنا الصغير، الضيّق كبيت السلحفاة، كانوا كثراً غصّت الغرف الثلاث بهم، فخرج بعضهم ليقف على جانبي الطريق.‏

    حاول ابن خالتي، وعمي منعي من الدخول، لكنني استطعت أن أهرب من بين أيديهم كما تهرب الأسماك من أصابع الأطفال، ولمحتُ وأنا أدخلُ من الباب الخلفي أبا مسعود يقف هناك تحت شجرة الحور، رأسه إلى الأسفل، وقد ذبل جسده، وانكمش على نفسه كأنه مرض فجأة بالسل أو الإيدز..‏

    كانت النسوة يجلسن حول جدتي الممدّدة وسط غرفة الجلوس، حاولتُ التقدم لأودعها لآخر مرة في حياتي اليتيمة، المعذّبة، فجأة تجمّدتُ في أرضي، كأن أوتاداً من المسامير دُقت في قدمي، حاولتُ التراجع أو الفرار، إنما وجه الساحرة الصغيرة الجالسة قرب نعش جدتي منعني، فحرتُ في أمري لدقائق، ثم لم أعد أعرف بالضبط ماذا حدث لي.. وجدتُ نفسي أنهار وسط الحشد وأنا أهذي بكلامٍ غريب، ممزوج بدموع مالحة، ومرّة، تشبه كثيراً تلك الحياة التي سأحياها بعد رحيل جدتي...‏



    سهيل الشعار‏
     

مشاركة هذه الصفحة