اعرف برجك قبل فوات الأون وما يتعلق به

الكاتب : alzeer   المشاهدات : 656   الردود : 17    ‏2006-05-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-31
  1. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله والصلاة والسلام على
    رسول الله -صلى الله عليه- وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فقد عقد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هذا الباب
    لبيان ما جاء في الطيرة، أو في التطير من الوعيد الشديد، وحكمه، وكفارة
    ذلك لمن وقع فيه، وذكر في هذا الباب بعض ما جاء في التطير والطيرة من
    الآيات والأحاديث الدالة على عظم هذا الأمر.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور
    أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
    له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
    ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد.

    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب ما جاء في التنجيم، قال البخاري
    في صحيحه: قال قتادة: «خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء،
    ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ،
    وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به»).

    عقد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب لبيان ما يجوز من التنجيم وما
    لا يجوز، وما ورد فيه من الوعيد، وبدأ بهذا الأثر عن قتادة، يبين
    الحكمة من خلق النجوم، وأن الله -عز وجل- خلق النجوم لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: خلق الله -عز وجل- النجوم زينة للسماء، كما قال -سبحانه
    وتعالى-: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ
    الْكَوَاكِبِ ﴿6 ﴾ ﴾ [الصافات: 6]
    ، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا
    السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ [الملك: 5]

    الأمر الثاني: خلق الله -عز وجل- النجوم رجوماً للشياطين، كما قال -عز
    وجل-: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ
    الْكَوَاكِبِ ﴿6 ﴾ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴿7 ﴾ ﴾
    [الصافات: 6، 7]
    ، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
    لِّلشَّيَاطِينِ ﴾ [الملك: 5]
    ، فالنجوم من حكمة وجودها أنها تكون
    رجوماً للشياطين الذين يحاولون استراق السمع.

    الأمر الثالث: أنها علامات يهتدى بها، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر،
    كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
    يَهْتَدُونَ ﴿16 ﴾ ﴾ [النحل: 16]
    ، وقال -عز وجل-: ﴿ وَهُوَ الَّذِي
    جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ
    وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: 97]
    ، فهم يهتدون بها ليعرفوا جهة قصدهم، وليس
    المراد أنهم يهتدون بها لمعرفة شيء من الغيب أو نحو ذلك، وإنما هي
    علامات لمعرفة الجهات ونحو ذلك.

    هذه هي الحكمة الظاهرة من الكواكب، أو من خلق النجوم، كما ذكر قتادة،
    ومن ابتغى فيها غير ذلك، ومن طلب من النجوم غير ذلك فقد أضاع نصيبه،
    وتكلف ما لا علم له به، وهذا فيه إشارة للرد على أهل التنجيم الذين
    يطلبون من نظرهم إلى النجوم، يطلبون علم الغيب، أو يعتقدون أن النجوم
    بتحركاتها تؤثر على ما يكون في الأرض، من غلاء الأسعار أو رخصها، أو
    موت فلان، أو زواج فلان، أو نحو ذلك، وهو ما يعرف بعلم التنجيم، أو
    معرفة الأبراج، أو نحو ذلك.

    وهذا الأمر المبتدع المحرم قد انتشر في كثير من البلدان، وبين كثير من
    الناس، مع الأسف، وصاروا يتعلقون بهذه الخرافات، وبالاستعانة
    بالشياطين، والمنجمين، وهذا أمر من قديم الزمان، من أيام العرب
    الجاهلية، وهذا كان موجوداً، وقد عرض لأمير المؤمنين علي -رضي الله
    عنه- عرض له منجم، لما أراد أن يذهب إلى مقاتلة الخوارج ونهاه عن
    السفر، نهى أمير المؤمنين عن السفر بحجة أن القمر في العقرب، قال: إن
    ذلك سبب للهزيمة، فأوصاه بعدم الخروج لمقاتلة الخوارج، فقال علي -رضي
    الله عنه- قال: « بل نسافر، ثقة بالله وتوكلاً على الله وتكذيباً لك»،
    فسافر -رضي الله عنه- فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج،
    وحصل له النصر، وسر بذلك أعظم السرور، لما ورد في الحديث من التبشير،
    والأجر العظيم لمن قتل الخوارج.

    هذا الأمر -مسألة التنجيم- كثيرة، وموجودة من قديم الدهر، ولا زالت حتى
    الآن موجودة، وقد كَثُرَ المنجمون، وتنوعت توقعاتهم، وادعائاتهم، فتارة
    يدعون أن هناك حرب ستكون، وتارة يدعون أن هناك دولة ستسقط، أو شخص
    سيموت، أو أن هذه المرأة ستطلق، أو هذا الرجل سيتزوج، أو نحو ذلك من
    الادعاءات التي ما يصدقها في الحقيقة إلا قليل العقل، وقليل الإيمان،
    أو عديم الإيمان إذا كان يعتقد أنهم يعلمون الغيب من دون الله.

    والعجيب أن هذا التنجيم يعني كثر سوقه بين الناس، من خلال المجلات،
    والإذاعات، بل حتى صار يُسجل في بعض الأشرطة، وأنا قد استمعت لبعض ذلك،
    حتى أنهم يسجلون أشرطة خاصة بالرجال، وأشرطة خاصة بالنساء، وكل شخص
    يشتري الشريط الذي يناسب وقت ولادته من برجه، وهم يزعمون في ذلك مزاعم
    كثيرة، ويقسمون البروج إلى ذكورية، وأنثوية، ويجعلون الذكورية هوائية
    ونارية، والأنثوية يجعلونها مائية وترابية، ويجعلون لكل برج خصائص،
    فالذكورية مثل الحمل والميزان، ويجعلون لها خصائص بأنها ديناميكية، كما
    يقولون: إنها مندفعة، بخلاف الأنثوية فإنها مستقبلة، وكما يزعمون إنها
    أقل اندفاعاً، ويضعون كل برج من هذه الأبراج يصنفونه حسب هذه
    التصنيفات، مثلاً المائية هي عندهم الحوت والعقرب والسرطان، ويجعلون
    لها صفات فيزعمون أن من ولد في هذا البرج، أو هذه الأبراج أنه يكون
    مثلاً من صفات نفسه أنه حساس مثلاً، تكون عنده حساسية زائدة، وقوة
    عاطفة ورومانسية، وغير ذلك، من كلماتهم التي يرددونها، وأيضاً يصنفون
    للهوائية بعض الأبراج، كالميزان والدلو، ويجعلون صاحبها عنده إرادة
    قوية، واستقلالية، وحس نقدي، كما يقولون، إلى آخر هذه الخرافات من
    التصنيفات النارية والترابية.

    ويزعمون أن الكواكب تؤثر على هذه الأبراج على مدار السنة، وأنها تسيطر
    على حياة الإنسان، حركة هذه الأبراج تسيطر على حياة الإنسان، وكذلك
    المجموعة الشمسية، وبعدها وقربها منها، حتى إنهم أيضاً من مبالغاتهم
    ولعبهم، يحسبون الأيام التي ولد الشخص فيها في هذا البرج، فيقولون: من
    ولد في العشر الأيام تكون طبيعته كذا، العشر الأولى، والعشرة الأيام
    الوسطى طبيعته كذا.

    ثم إنهم بعد ذلك يدخلون في مقارنات بين الأبراج، فيقولون: أنت "الرجل"
    إذا كان مولود في الميزان, والمراة إذا كانت مولودة مثلاً في الثور، أو
    في برج الدلو، فتكون صفاته كذا، أوصفاتها كذا، أو يقول الصديق، إذا
    أردت أن تصادق أحد، فيأتون بأشياء كثيرة يجمعها الرجم بالغيب،
    والخرافة، واللعب على الناس، ويأتون بألفاظ محتملة، حتى إنهم يجعلون
    أحيانًا في صفات الشخص المولود في هذا البرج، يجعلون أحيانًا صفات
    متناقضة، أو محتملة، أو أحيانًا صفات لا يكاد يخلو منها شخص، حتى
    يكسبوا -كما يقال- لأنفسهم خطاً للرجعة إذا تبين كذبهم.

    ليس عجيباً أن يوجد من هؤلاء الخرافيين الذين يبتذون أموال الناس
    ويلعبون عليهم، ولكن العجيب من أناس يعيرون دينهم، وعقولهم إلى أمثال
    هؤلاء، ويجعلونهم يتصرفون في حياتهم، ويؤثرون على نفسياتهم، والعجب
    أيضاً من ذلك أن التعلق بالمنجمين ليس خاصاً بالبسطاء من الناس وعامة
    الناس، بل كما يذكر أن في كثير من بلدان العالم، تجد الوزراء والرؤوساء
    يتعلقون بالمنجمين، والتجار يتعلقون بالمنجمين ليبينوا لهم ما يصلح وما
    لا يصلح من الأزمان، والأماكن، والأشخاص، ونحو ذلك، ويرتبون على كلام
    هذا المنجم خططهم وقراراتهم وعلاقاتهم وغير ذلك، وهذا كله من الارتكاس
    في حمأة الخرافة والدجل والجهل؛ لأن الأمة المؤمنة، والأمة العاقلة، ما
    تتعلق بمثل هذه الخرافات التي ثبت - في الواقع- بطلانها، يعني المنجمون
    كذبوا كثيرًا، وظهر عوارهم كثيرًا، ومع ذلك تجد الناس يتعلقون بهم. وقد
    ذكر بعض المنجمين أنه بحلول عام 1986 كما يقولون يظهر المذنب "هالي"
    الذي يظهر كل ست وسبعين سنة، قالوا: إنه يظهر كل ستة وسبعين سنة مرة،
    وأنه إذا ظهر ستختفي قارات بأكملها، وتُحرق البراكين الأرض بمن عليها،
    ومع ذلك ظهر هذا المذنب، ولم يحصل شيء من ادعائاتهم وخرافاتهم، ومع ذلك
    لا يزال الناس يتعلقون بهم ويذهبون إليهم، وتجد -سبحان الله- أن الذي
    يتعلق بهؤلاء المنجمين ويصدقهم هو الذي يبتلى وتتعكر حياته؛ ولذلك نجد
    أن الذين يتعلقون بالمنجمين، يسلط بعضهم على بعض، تجد الشخص الذي له
    تعلق بمنجم، ويعرف أن الشخص الآخر يتأثر بكلام المنجم يسلطه عليه،
    ويقول: اذهب إليه، وقل له كذا، وزين له كذا، وهو يعرف أنه كذاب، فيذهب
    إليه ويؤثر عليه في قراراته، أو في خططه وأعماله.

    هذا كلها الحقيقة من ضعف العقيدة، وضعف الإيمان، وأيضاً ضعف العقل
    والبصيرة، حيث أن الناس يتعلقون بهؤلاء الجهال.

    ذكر الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- في كتابه: "معارج القبول" قال: «إنه
    في وقتهم كان هناك شخص من هؤلاء الدجالين، فذهب إليه شخص يكشف عواره،
    واستشاره في زواجه من امرأة، وقال: إني أريد أن أتزوج امرأة فلانية من
    العائلة الفلانية ونحو ذلك، فما تشير عليّ به؟ فقال له هذا الدجال: إنك
    إن تزوجتها لا يبلى لك ثوب معها -بمعنى: أنك تموت-، فما قال قولته هذه،
    قال له هذا الرجل: بل إني قد تزوجتها، ومعي منها خمسة أولاد، وبدأ
    يناديهم واحداً واحداً، حتى يظهر كذب هذا الدجال على الناس».

    فالمقصود أن هؤلاء يروج سوقهم عند رواج سوق الخرافة، وضعف العقيدة،
    والإيمان في قلوب الناس، وهناك دراسة حقيقة أيضاً اطلعت عليها، أجريت
    هذه الدراسة على أكثر من أربعمائة شخص، في بعض الدول، ووجد أن قرابة
    نصف هؤلاء، كلهم يؤمنون بقدرة الفلكيين على التنبؤ بالمستقبل، فهذا يدل
    على النسبة الكبيرة التي تصدق بهذه الخرافة وتتعلق بها، بل إنه قد
    أُجريت في بعض الوزارات الحكومية في بعض الدول العربية، أجريت دراسة
    وجد أن خمسة وسبعين من الموظفين في تلك الدائرة الحكومية، كلهم يواظبون
    على قراءة ما يُسمى بالبخت، وفي الصحف اليومية، فيقرؤونها، وهؤلاء
    أعمارهم ليسوا صغاراً، بل كباراً يصلون إلى أكثر من خمسين، فانظر كيف
    يتعلق هؤلاء بكلام هؤلاء المنجمين الدجالين، مما يبين لك الجهل العظيم
    الذي يعيشه كثير من المسلمين، بعقيدتهم وبإيمانهم وتعلقهم بمثل هذه
    الخرافات.

    رواج سوق مثل هؤلاء المنجمين، مع أن ما يقولونه غالباً يكون كذباً،
    وتجد يظهر عليهم مثل الفكاهات، ويتداول الناس قصصهم وخرافاتهم بشكل
    كبير، ومع ذلك نجد أن هناك إقبال عليهم، ونجد الاتصالات في القنوات
    الفضائية أيضًا، يقبل الناس عليهم بشكل كبير ما أبرز أسباب ذلك
    الإقبال؟.

    هو -سبحان الله- كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: (أن
    الناس يتعلقون بما وافق ) لما تكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن
    الكهان، وأنهم يكذبون معها مائة كذبة، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-
    أن الناس يتعلقون بما صدق فيه، أو بما وافق قوله الوقع فيه، وينسون
    بقية الكذب، والكذب الكثير والغالب عليه، وهذا لما جبل عليه بعض القلوب
    الضعيفة، والعقول أيضًا الخرافية، من التعلق بمثل ذلك.

    فالمنطق العقلي يقول: إن من كان خطأه أكثر من صوابه فإنه لا يتعلق به،
    لكن هؤلاء ولنقول أن صوابهم واحد بالمائة، وهذا حتى لو أن إنسان أراد
    أن يتخرص، فربما يقع كلامه بأكثر من هذه النسبة، فكيف يتعلق الناس بهم،
    والناس يتخرصون، ويبين كذبهم أحيانًا، ويأتون بكلمات محتملة أحيانًا
    أخرى -كما قلت- يعني مثلاً قد يقول لك: أنت في اليوم الفلاني ستقابل
    شخص عزيز عليك، والناس في الغالب أنه كل يوم يقابلون شخص عزيز عليهم،
    أو يقول: أنت سيمر بك موقف لا تحبه، فحينما يتعلق الشخص بهؤلاء، يبدأ
    يوسوس يتفطن، ويوجد المناسبات البعيدة لأي موقف يحصل منه، أو يحصل
    عليه، فيقول: هذا الذي قاله.
    حتى يصدق كلامهم.


    تابع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-05-31
  3. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد لله والصلاة والسلام على
    رسول الله -صلى الله عليه- وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

    فقد عقد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- هذا الباب
    لبيان ما جاء في الطيرة، أو في التطير من الوعيد الشديد، وحكمه، وكفارة
    ذلك لمن وقع فيه، وذكر في هذا الباب بعض ما جاء في التطير والطيرة من
    الآيات والأحاديث الدالة على عظم هذا الأمر.

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور
    أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي
    له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده
    ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد.

    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب ما جاء في التنجيم، قال البخاري
    في صحيحه: قال قتادة: «خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء،
    ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ،
    وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به»).

    عقد المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الباب لبيان ما يجوز من التنجيم وما
    لا يجوز، وما ورد فيه من الوعيد، وبدأ بهذا الأثر عن قتادة، يبين
    الحكمة من خلق النجوم، وأن الله -عز وجل- خلق النجوم لثلاثة أمور:

    الأمر الأول: خلق الله -عز وجل- النجوم زينة للسماء، كما قال -سبحانه
    وتعالى-: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ
    الْكَوَاكِبِ ﴿6 ﴾ ﴾ [الصافات: 6]
    ، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا
    السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ ﴾ [الملك: 5]

    الأمر الثاني: خلق الله -عز وجل- النجوم رجوماً للشياطين، كما قال -عز
    وجل-: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ
    الْكَوَاكِبِ ﴿6 ﴾ وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴿7 ﴾ ﴾
    [الصافات: 6، 7]
    ، وقال في الآية الأخرى: ﴿ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا
    لِّلشَّيَاطِينِ ﴾ [الملك: 5]
    ، فالنجوم من حكمة وجودها أنها تكون
    رجوماً للشياطين الذين يحاولون استراق السمع.

    الأمر الثالث: أنها علامات يهتدى بها، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر،
    كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
    يَهْتَدُونَ ﴿16 ﴾ ﴾ [النحل: 16]
    ، وقال -عز وجل-: ﴿ وَهُوَ الَّذِي
    جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ
    وَالْبَحْرِ ﴾ [الأنعام: 97]
    ، فهم يهتدون بها ليعرفوا جهة قصدهم، وليس
    المراد أنهم يهتدون بها لمعرفة شيء من الغيب أو نحو ذلك، وإنما هي
    علامات لمعرفة الجهات ونحو ذلك.

    هذه هي الحكمة الظاهرة من الكواكب، أو من خلق النجوم، كما ذكر قتادة،
    ومن ابتغى فيها غير ذلك، ومن طلب من النجوم غير ذلك فقد أضاع نصيبه،
    وتكلف ما لا علم له به، وهذا فيه إشارة للرد على أهل التنجيم الذين
    يطلبون من نظرهم إلى النجوم، يطلبون علم الغيب، أو يعتقدون أن النجوم
    بتحركاتها تؤثر على ما يكون في الأرض، من غلاء الأسعار أو رخصها، أو
    موت فلان، أو زواج فلان، أو نحو ذلك، وهو ما يعرف بعلم التنجيم، أو
    معرفة الأبراج، أو نحو ذلك.

    وهذا الأمر المبتدع المحرم قد انتشر في كثير من البلدان، وبين كثير من
    الناس، مع الأسف، وصاروا يتعلقون بهذه الخرافات، وبالاستعانة
    بالشياطين، والمنجمين، وهذا أمر من قديم الزمان، من أيام العرب
    الجاهلية، وهذا كان موجوداً، وقد عرض لأمير المؤمنين علي -رضي الله
    عنه- عرض له منجم، لما أراد أن يذهب إلى مقاتلة الخوارج ونهاه عن
    السفر، نهى أمير المؤمنين عن السفر بحجة أن القمر في العقرب، قال: إن
    ذلك سبب للهزيمة، فأوصاه بعدم الخروج لمقاتلة الخوارج، فقال علي -رضي
    الله عنه- قال: « بل نسافر، ثقة بالله وتوكلاً على الله وتكذيباً لك»،
    فسافر -رضي الله عنه- فبورك له في ذلك السفر، حتى قتل عامة الخوارج،
    وحصل له النصر، وسر بذلك أعظم السرور، لما ورد في الحديث من التبشير،
    والأجر العظيم لمن قتل الخوارج.

    هذا الأمر -مسألة التنجيم- كثيرة، وموجودة من قديم الدهر، ولا زالت حتى
    الآن موجودة، وقد كَثُرَ المنجمون، وتنوعت توقعاتهم، وادعائاتهم، فتارة
    يدعون أن هناك حرب ستكون، وتارة يدعون أن هناك دولة ستسقط، أو شخص
    سيموت، أو أن هذه المرأة ستطلق، أو هذا الرجل سيتزوج، أو نحو ذلك من
    الادعاءات التي ما يصدقها في الحقيقة إلا قليل العقل، وقليل الإيمان،
    أو عديم الإيمان إذا كان يعتقد أنهم يعلمون الغيب من دون الله.

    والعجيب أن هذا التنجيم يعني كثر سوقه بين الناس، من خلال المجلات،
    والإذاعات، بل حتى صار يُسجل في بعض الأشرطة، وأنا قد استمعت لبعض ذلك،
    حتى أنهم يسجلون أشرطة خاصة بالرجال، وأشرطة خاصة بالنساء، وكل شخص
    يشتري الشريط الذي يناسب وقت ولادته من برجه، وهم يزعمون في ذلك مزاعم
    كثيرة، ويقسمون البروج إلى ذكورية، وأنثوية، ويجعلون الذكورية هوائية
    ونارية، والأنثوية يجعلونها مائية وترابية، ويجعلون لكل برج خصائص،
    فالذكورية مثل الحمل والميزان، ويجعلون لها خصائص بأنها ديناميكية، كما
    يقولون: إنها مندفعة، بخلاف الأنثوية فإنها مستقبلة، وكما يزعمون إنها
    أقل اندفاعاً، ويضعون كل برج من هذه الأبراج يصنفونه حسب هذه
    التصنيفات، مثلاً المائية هي عندهم الحوت والعقرب والسرطان، ويجعلون
    لها صفات فيزعمون أن من ولد في هذا البرج، أو هذه الأبراج أنه يكون
    مثلاً من صفات نفسه أنه حساس مثلاً، تكون عنده حساسية زائدة، وقوة
    عاطفة ورومانسية، وغير ذلك، من كلماتهم التي يرددونها، وأيضاً يصنفون
    للهوائية بعض الأبراج، كالميزان والدلو، ويجعلون صاحبها عنده إرادة
    قوية، واستقلالية، وحس نقدي، كما يقولون، إلى آخر هذه الخرافات من
    التصنيفات النارية والترابية.

    ويزعمون أن الكواكب تؤثر على هذه الأبراج على مدار السنة، وأنها تسيطر
    على حياة الإنسان، حركة هذه الأبراج تسيطر على حياة الإنسان، وكذلك
    المجموعة الشمسية، وبعدها وقربها منها، حتى إنهم أيضاً من مبالغاتهم
    ولعبهم، يحسبون الأيام التي ولد الشخص فيها في هذا البرج، فيقولون: من
    ولد في العشر الأيام تكون طبيعته كذا، العشر الأولى، والعشرة الأيام
    الوسطى طبيعته كذا.

    ثم إنهم بعد ذلك يدخلون في مقارنات بين الأبراج، فيقولون: أنت "الرجل"
    إذا كان مولود في الميزان, والمراة إذا كانت مولودة مثلاً في الثور، أو
    في برج الدلو، فتكون صفاته كذا، أوصفاتها كذا، أو يقول الصديق، إذا
    أردت أن تصادق أحد، فيأتون بأشياء كثيرة يجمعها الرجم بالغيب،
    والخرافة، واللعب على الناس، ويأتون بألفاظ محتملة، حتى إنهم يجعلون
    أحيانًا في صفات الشخص المولود في هذا البرج، يجعلون أحيانًا صفات
    متناقضة، أو محتملة، أو أحيانًا صفات لا يكاد يخلو منها شخص، حتى
    يكسبوا -كما يقال- لأنفسهم خطاً للرجعة إذا تبين كذبهم.

    ليس عجيباً أن يوجد من هؤلاء الخرافيين الذين يبتذون أموال الناس
    ويلعبون عليهم، ولكن العجيب من أناس يعيرون دينهم، وعقولهم إلى أمثال
    هؤلاء، ويجعلونهم يتصرفون في حياتهم، ويؤثرون على نفسياتهم، والعجب
    أيضاً من ذلك أن التعلق بالمنجمين ليس خاصاً بالبسطاء من الناس وعامة
    الناس، بل كما يذكر أن في كثير من بلدان العالم، تجد الوزراء والرؤوساء
    يتعلقون بالمنجمين، والتجار يتعلقون بالمنجمين ليبينوا لهم ما يصلح وما
    لا يصلح من الأزمان، والأماكن، والأشخاص، ونحو ذلك، ويرتبون على كلام
    هذا المنجم خططهم وقراراتهم وعلاقاتهم وغير ذلك، وهذا كله من الارتكاس
    في حمأة الخرافة والدجل والجهل؛ لأن الأمة المؤمنة، والأمة العاقلة، ما
    تتعلق بمثل هذه الخرافات التي ثبت - في الواقع- بطلانها، يعني المنجمون
    كذبوا كثيرًا، وظهر عوارهم كثيرًا، ومع ذلك تجد الناس يتعلقون بهم. وقد
    ذكر بعض المنجمين أنه بحلول عام 1986 كما يقولون يظهر المذنب "هالي"
    الذي يظهر كل ست وسبعين سنة، قالوا: إنه يظهر كل ستة وسبعين سنة مرة،
    وأنه إذا ظهر ستختفي قارات بأكملها، وتُحرق البراكين الأرض بمن عليها،
    ومع ذلك ظهر هذا المذنب، ولم يحصل شيء من ادعائاتهم وخرافاتهم، ومع ذلك
    لا يزال الناس يتعلقون بهم ويذهبون إليهم، وتجد -سبحان الله- أن الذي
    يتعلق بهؤلاء المنجمين ويصدقهم هو الذي يبتلى وتتعكر حياته؛ ولذلك نجد
    أن الذين يتعلقون بالمنجمين، يسلط بعضهم على بعض، تجد الشخص الذي له
    تعلق بمنجم، ويعرف أن الشخص الآخر يتأثر بكلام المنجم يسلطه عليه،
    ويقول: اذهب إليه، وقل له كذا، وزين له كذا، وهو يعرف أنه كذاب، فيذهب
    إليه ويؤثر عليه في قراراته، أو في خططه وأعماله.

    هذا كلها الحقيقة من ضعف العقيدة، وضعف الإيمان، وأيضاً ضعف العقل
    والبصيرة، حيث أن الناس يتعلقون بهؤلاء الجهال.

    ذكر الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- في كتابه: "معارج القبول" قال: «إنه
    في وقتهم كان هناك شخص من هؤلاء الدجالين، فذهب إليه شخص يكشف عواره،
    واستشاره في زواجه من امرأة، وقال: إني أريد أن أتزوج امرأة فلانية من
    العائلة الفلانية ونحو ذلك، فما تشير عليّ به؟ فقال له هذا الدجال: إنك
    إن تزوجتها لا يبلى لك ثوب معها -بمعنى: أنك تموت-، فما قال قولته هذه،
    قال له هذا الرجل: بل إني قد تزوجتها، ومعي منها خمسة أولاد، وبدأ
    يناديهم واحداً واحداً، حتى يظهر كذب هذا الدجال على الناس».

    فالمقصود أن هؤلاء يروج سوقهم عند رواج سوق الخرافة، وضعف العقيدة،
    والإيمان في قلوب الناس، وهناك دراسة حقيقة أيضاً اطلعت عليها، أجريت
    هذه الدراسة على أكثر من أربعمائة شخص، في بعض الدول، ووجد أن قرابة
    نصف هؤلاء، كلهم يؤمنون بقدرة الفلكيين على التنبؤ بالمستقبل، فهذا يدل
    على النسبة الكبيرة التي تصدق بهذه الخرافة وتتعلق بها، بل إنه قد
    أُجريت في بعض الوزارات الحكومية في بعض الدول العربية، أجريت دراسة
    وجد أن خمسة وسبعين من الموظفين في تلك الدائرة الحكومية، كلهم يواظبون
    على قراءة ما يُسمى بالبخت، وفي الصحف اليومية، فيقرؤونها، وهؤلاء
    أعمارهم ليسوا صغاراً، بل كباراً يصلون إلى أكثر من خمسين، فانظر كيف
    يتعلق هؤلاء بكلام هؤلاء المنجمين الدجالين، مما يبين لك الجهل العظيم
    الذي يعيشه كثير من المسلمين، بعقيدتهم وبإيمانهم وتعلقهم بمثل هذه
    الخرافات.

    رواج سوق مثل هؤلاء المنجمين، مع أن ما يقولونه غالباً يكون كذباً،
    وتجد يظهر عليهم مثل الفكاهات، ويتداول الناس قصصهم وخرافاتهم بشكل
    كبير، ومع ذلك نجد أن هناك إقبال عليهم، ونجد الاتصالات في القنوات
    الفضائية أيضًا، يقبل الناس عليهم بشكل كبير ما أبرز أسباب ذلك
    الإقبال؟.

    هو -سبحان الله- كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث: (أن
    الناس يتعلقون بما وافق ) لما تكلم النبي -صلى الله عليه وسلم- عن
    الكهان، وأنهم يكذبون معها مائة كذبة، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم-
    أن الناس يتعلقون بما صدق فيه، أو بما وافق قوله الوقع فيه، وينسون
    بقية الكذب، والكذب الكثير والغالب عليه، وهذا لما جبل عليه بعض القلوب
    الضعيفة، والعقول أيضًا الخرافية، من التعلق بمثل ذلك.

    فالمنطق العقلي يقول: إن من كان خطأه أكثر من صوابه فإنه لا يتعلق به،
    لكن هؤلاء ولنقول أن صوابهم واحد بالمائة، وهذا حتى لو أن إنسان أراد
    أن يتخرص، فربما يقع كلامه بأكثر من هذه النسبة، فكيف يتعلق الناس بهم،
    والناس يتخرصون، ويبين كذبهم أحيانًا، ويأتون بكلمات محتملة أحيانًا
    أخرى -كما قلت- يعني مثلاً قد يقول لك: أنت في اليوم الفلاني ستقابل
    شخص عزيز عليك، والناس في الغالب أنه كل يوم يقابلون شخص عزيز عليهم،
    أو يقول: أنت سيمر بك موقف لا تحبه، فحينما يتعلق الشخص بهؤلاء، يبدأ
    يوسوس يتفطن، ويوجد المناسبات البعيدة لأي موقف يحصل منه، أو يحصل
    عليه، فيقول: هذا الذي قاله.
    حتى يصدق كلامهم.


    تابع
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-05-31
  5. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    نعم، تتعلق النفس الضعيفة بمثل هذه العبارات المحتملة.


    ما عقوبة ذلك يا شيخ؟ قد يغفل الناس عن الذنب الذي يرتكبونه بسؤال
    هؤلاء، من ذنب عظيم، رجم بالغيب؟.


    وهذا يشبه الذي سبق معنا، في درس سابق من إتيان الكهان، وأن إتيان
    الكهان كفر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى عرافاً فصدقه
    فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) وهؤلاء يدخلون في
    جملة الكهان، وأيضاً من الرجم بالغيب، يجمعهم الرجم بالغيب، أو أحيانًا
    الاستعانة ببعض الشياطين، فهذا كله كفر، قد يكون كفراً مخرج من الملة،
    أو كفر أصغر، بحسب اعتقاد هذا الشخص الذاهب إليهم، كما سبق تفصيله في
    باب الكهانة.


    طرحتم شيخنا في الحلقة الماضية سؤالين، أولهما: يقول : تعلم منازل
    الكواكب والأبراج ما حكمه؟


    يقول: علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم التأثير، وعلم التسيير.


    أما التأثير: فهو أن يعتقد أن النجوم مأثرة، ولها فاعلية، بمعنى أنها
    تخلق الحوادث والشرور، فهذا شرك أكبر؛ لأنه ادعى أن مع الله خالقاً
    آخر، فهذا ينقله عن الملة، فهو قد جعل للمخلوق المسخر خالقاً مسخراً،
    يقول الله –تعالى- : ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
    وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ الله ﴾ [النمل: 65]
    .


    أما علم التسيير: فهو أن يستدل بها:


    أولاً: على المصالح الدينية، كأن يريد أن يستدل بالنجوم على جهة
    القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبله، والنجم الفلاني يكون ثلث
    الليل بعده.


    ثانياً: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، وهذا لا بأس به، كأن
    يستدل بها على الجهات فهذا جائز..


    تقول: فيها وجهين فإذا اعتقد أن هذه النجوم هي المدبرة للأمور مثل أن
    ينسب إليها نزول المطر وحصول البرد، فهذا شرك وكفر مخرج عن الملة.


    الأخت ذكرت وجه واحداً، قالت وجهين، وذكرت وجهاً واحداً.


    والوجه الثاني: أن يتعلم هذه النجوم، وأن يستدل بحركاتها على الفصول،
    وأوقات الحصاد والبذور، فهذا من الأمور المباحة؛ لأنه يستعان بذلك على
    أمور دنيوية..



    إجابة جيدة وجميلة في التفصيل، وذكر حكم تعلم المنازل، ويمكن أن نذكرها
    بتفصيل أكثر على النحو التالي.


    أقسام التنجيم، وحكم الاعتقاد في النجوم:


    القسم الأول: أن يعتقد أن الكواكب فاعلة مختارة بذاتها، وأنها مؤثرة
    على ما يحصل في هذا الكون، وفي الأرض، من الغلاء أو الرخص أو الموت أو
    الحياة أو غير ذلك، فهذا الاعتقاد كفر مخرج من الملة. وهذا هو دين
    الصابئة المنجمين الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويسجدون لها،
    ويتذللون لها، ويسبحون لها، ويدعونها من دون الله، ويبنون لهذه الكواكب
    هياكل على هذه الكواكب -يعني مواضع للعبادة- ويصورون في هذا الهيكل
    صورة الكوكب، ويتخذونه لعبادته، وتعظيمه، والاستعانة به، ويزعمون أن
    روحانية ذلك الكوكب تنزل عليهم، وتخاطبهم، وتقضي حوائجهم، وهم في
    الحقيقة إنما يخاطبهم الشياطين، ويزينون لهم، وهم يظنون أن هذه الكواكب
    هي التي تخاطبهم، هذا هو القسم الأول، وهو كما علمنا كفر مخرج من
    الملة.


    القسم الثاني: أن يجعلها سبباً لمعرفة الغيب، هو لا يعتقد أنها هي التي
    تتصرف أو تدبر شيئًا من الكون، ولكنه يقول: أنا أستدل بهذه الكواكب
    وحركاتها، أستدل بذلك على بعض ما يحصل في المستقبل، أو ما غاب عنا،
    فيستدل بحركاتها واجتماعها، وافتراقها على ما يكون، من موت، وحياة،
    ورزق، ويقول: ليست هي التي تميت وتحي، لكن نحن نستدل بهذا على ذلك،
    ونعرف بهذه الحركات أنه سيحصل مثلاً كارثة في المكان الفلاني، أو سيولد
    لفلان ولد، أو نحو ذلك.


    وهذا في الحقيقة: كفر مخرج من الملة لماذا؟ لأن فيه ادعاء علم الغيب
    الذي لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ قُل
    لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ الله
    ﴾ [النمل: 65]
    ، إذن هذان الصنفان أو النوعان كفر.


    القسم الثالث: أن يجعل هذه النجوم سبباً في بعض الحوادث، وليست هي
    الفاعلة استقلالاً، وإنما يقول: هذه سبب لما حصل من الخير أو الشر، مع
    اعتقاد أن الله -سبحانه وتعالى- هو الخالق وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه
    جعل ما ليس بسبب سبباً، وفي الحقيقة أنها ليست هي بسبب لا شرعاً ولا
    قدراً، لم يجعل الله -عز وجل- حركات النجوم سبباً لما يحصل في الأرض من
    الغلاء أو ضده، ولا لموت أحد ولا لحياته، كما قال النبي -صلى الله عليه
    وسلم- لما كسفت الشمس قال: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا
    لحياته) فمن جعلها سبباً، فقد أشرك شركاً أصغر لا يخرج من الملة، ولكنه
    كما هو معلوم، الشرك الأصغر من أكبر الكبائر.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-05-31
  7. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    نعم، تتعلق النفس الضعيفة بمثل هذه العبارات المحتملة.


    ما عقوبة ذلك يا شيخ؟ قد يغفل الناس عن الذنب الذي يرتكبونه بسؤال
    هؤلاء، من ذنب عظيم، رجم بالغيب؟.


    وهذا يشبه الذي سبق معنا، في درس سابق من إتيان الكهان، وأن إتيان
    الكهان كفر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أتى عرافاً فصدقه
    فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- ) وهؤلاء يدخلون في
    جملة الكهان، وأيضاً من الرجم بالغيب، يجمعهم الرجم بالغيب، أو أحيانًا
    الاستعانة ببعض الشياطين، فهذا كله كفر، قد يكون كفراً مخرج من الملة،
    أو كفر أصغر، بحسب اعتقاد هذا الشخص الذاهب إليهم، كما سبق تفصيله في
    باب الكهانة.


    طرحتم شيخنا في الحلقة الماضية سؤالين، أولهما: يقول : تعلم منازل
    الكواكب والأبراج ما حكمه؟


    يقول: علم النجوم ينقسم إلى قسمين: علم التأثير، وعلم التسيير.


    أما التأثير: فهو أن يعتقد أن النجوم مأثرة، ولها فاعلية، بمعنى أنها
    تخلق الحوادث والشرور، فهذا شرك أكبر؛ لأنه ادعى أن مع الله خالقاً
    آخر، فهذا ينقله عن الملة، فهو قد جعل للمخلوق المسخر خالقاً مسخراً،
    يقول الله –تعالى- : ﴿ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ
    وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ الله ﴾ [النمل: 65]
    .


    أما علم التسيير: فهو أن يستدل بها:


    أولاً: على المصالح الدينية، كأن يريد أن يستدل بالنجوم على جهة
    القبلة، فالنجم الفلاني يكون ثلث الليل قبله، والنجم الفلاني يكون ثلث
    الليل بعده.


    ثانياً: أن يستدل بسيرها على المصالح الدنيوية، وهذا لا بأس به، كأن
    يستدل بها على الجهات فهذا جائز..


    تقول: فيها وجهين فإذا اعتقد أن هذه النجوم هي المدبرة للأمور مثل أن
    ينسب إليها نزول المطر وحصول البرد، فهذا شرك وكفر مخرج عن الملة.


    الأخت ذكرت وجه واحداً، قالت وجهين، وذكرت وجهاً واحداً.


    والوجه الثاني: أن يتعلم هذه النجوم، وأن يستدل بحركاتها على الفصول،
    وأوقات الحصاد والبذور، فهذا من الأمور المباحة؛ لأنه يستعان بذلك على
    أمور دنيوية..



    إجابة جيدة وجميلة في التفصيل، وذكر حكم تعلم المنازل، ويمكن أن نذكرها
    بتفصيل أكثر على النحو التالي.


    أقسام التنجيم، وحكم الاعتقاد في النجوم:


    القسم الأول: أن يعتقد أن الكواكب فاعلة مختارة بذاتها، وأنها مؤثرة
    على ما يحصل في هذا الكون، وفي الأرض، من الغلاء أو الرخص أو الموت أو
    الحياة أو غير ذلك، فهذا الاعتقاد كفر مخرج من الملة. وهذا هو دين
    الصابئة المنجمين الذين يعبدون الشمس والقمر والكواكب ويسجدون لها،
    ويتذللون لها، ويسبحون لها، ويدعونها من دون الله، ويبنون لهذه الكواكب
    هياكل على هذه الكواكب -يعني مواضع للعبادة- ويصورون في هذا الهيكل
    صورة الكوكب، ويتخذونه لعبادته، وتعظيمه، والاستعانة به، ويزعمون أن
    روحانية ذلك الكوكب تنزل عليهم، وتخاطبهم، وتقضي حوائجهم، وهم في
    الحقيقة إنما يخاطبهم الشياطين، ويزينون لهم، وهم يظنون أن هذه الكواكب
    هي التي تخاطبهم، هذا هو القسم الأول، وهو كما علمنا كفر مخرج من
    الملة.


    القسم الثاني: أن يجعلها سبباً لمعرفة الغيب، هو لا يعتقد أنها هي التي
    تتصرف أو تدبر شيئًا من الكون، ولكنه يقول: أنا أستدل بهذه الكواكب
    وحركاتها، أستدل بذلك على بعض ما يحصل في المستقبل، أو ما غاب عنا،
    فيستدل بحركاتها واجتماعها، وافتراقها على ما يكون، من موت، وحياة،
    ورزق، ويقول: ليست هي التي تميت وتحي، لكن نحن نستدل بهذا على ذلك،
    ونعرف بهذه الحركات أنه سيحصل مثلاً كارثة في المكان الفلاني، أو سيولد
    لفلان ولد، أو نحو ذلك.


    وهذا في الحقيقة: كفر مخرج من الملة لماذا؟ لأن فيه ادعاء علم الغيب
    الذي لا يعلمه إلا الله -عز وجل-، والله -سبحانه وتعالى- يقول: ﴿ قُل
    لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ الله
    ﴾ [النمل: 65]
    ، إذن هذان الصنفان أو النوعان كفر.


    القسم الثالث: أن يجعل هذه النجوم سبباً في بعض الحوادث، وليست هي
    الفاعلة استقلالاً، وإنما يقول: هذه سبب لما حصل من الخير أو الشر، مع
    اعتقاد أن الله -سبحانه وتعالى- هو الخالق وحده، فهذا شرك أصغر؛ لأنه
    جعل ما ليس بسبب سبباً، وفي الحقيقة أنها ليست هي بسبب لا شرعاً ولا
    قدراً، لم يجعل الله -عز وجل- حركات النجوم سبباً لما يحصل في الأرض من
    الغلاء أو ضده، ولا لموت أحد ولا لحياته، كما قال النبي -صلى الله عليه
    وسلم- لما كسفت الشمس قال: (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا
    لحياته) فمن جعلها سبباً، فقد أشرك شركاً أصغر لا يخرج من الملة، ولكنه
    كما هو معلوم، الشرك الأصغر من أكبر الكبائر.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-05-31
  9. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    القسم الرابع: هو ما يسمى بعلم التسيير، وهو الاستدلال بالنجوم
    والكواكب، يستدل بالنجوم والكواكب على الأوقات والجهات، وكمعرفة القبلة
    وجهات السير ونحو ذلك، وأيضاً يستدل بمعرفة هذه على معرفة أوقات البذر
    والحرث، ونحو ذلك مما يحتاجه أهل الحرث والزراعة، فهذا النوع هو الذي
    يسمى بعلم التسيير، وهذا ذكره بعض أهل العلم، وذكر المؤلف هنا -رحمه
    الله- أن بعض السلف كرهه، كرهه بعض السلف كقتادة وابن عيينة، ولكن
    الصحيح أنه جائز؛ لأن عامة السلف يرخصون في ذلك، وكون الإنسان يستدل
    بهذه على القبلة والجهات، ليس في ذلك شيء، كما قال الله -عز وجل-: ﴿
    وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16 ﴾ ﴾ [النحل: 16]
    ، فهذا
    ليس فيه محذور على الصحيح، إلا إذا بالغ الشخص في تعلم هذه الأشياء إلى
    حد يجعله يوسوس ويشكك في محاريب المسلمين، فمن تعمقه وتقعره في ذلك،
    يبدأ يقول للناس: قبلتكم منحرفة ونحو ذلك، فيصل إلى التشكيك في ذلك،
    فهذا يمكن أن يحمل عليه كراهية السلف لذلك. والله أعلم.


    نعم يا شيخ بعض الناس يقول: هناك موسم المطر، أو موسم البذر، أو
    غيرها، فإذا حل النجم، ولم ينزل المطر، يحدث في نفسي نوع من الاستغراب،
    هل يدخل أيضاً هذا في ذلك؟.


    هذا بالنسبة لقول: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولعله يأتي تفصيله في الباب
    الذي يلي هذا، ولكن المقصود إذا كان يعرف أن هذا النجم جرت العادة أن
    يبذر فيه، وجاءت سنة الله -سبحانه وتعالى- أن يكون هذا الوقت مناسب
    للبذر، وليس هو الذي ينبت الزرع، لكن مناسبته البذر، فمن يعرف بعض ذلك
    فلا شيء فيه، إذا لم يجعلها سبباً، وهي ليست بسبب، فالمقصود أن تعلم
    هذه الأشياء ما يسمى بعلم التسيير لا بأس به، وهو قول عامة السلف.


    قال المؤلف -رحمه الله تعالى- : (وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم
    يرخص ابن عيينة فيه، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى
    -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يدخلون
    الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) رواه أحمد وابن حبان في
    صحيحه).


    أشار المؤلف -رحمه الله- هنا إلى مذهب قتادة وابن عيينة، ومذهب الإمام
    أحمد وإسحاق وهو قول عامة السلف بالجواز.


    ختم المؤلف -رحمه الله- هذا الباب بحديث أبي موسى -رضي الله عنه-، أن
    رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن
    الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر)، والشاهد منه قوله: (مصدق بالسحر)
    وسبق معنا أن التنجيم هو معدود من ضمن أنواع السحر، كما عقد المؤلف
    -رحمه الله- لذلك باباً مستقلاً، وذكر التنجيم من ضمن هذه الأنواع.


    فالمصدق بالسحر متوعد بأنه لا يدخل الجنة، ومن ذلك المصدق بكلام
    المنجمين الذين يدعون علم الغيب، ويزينون للناس بعض الأشياء، ويكذبون
    في أقوالهم رجماً بالغيب، وهذا الحديث رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه
    الذهبي، والمصدق بالسحر - كما قلنا- أنه يدخل في ذلك المنجم؛ لأنه يدعي
    علم الغيب؛ وسبق الحديث: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من
    السحر، زاد ما زاد) فالتنجيم معدود من ضمن أنواع السحر.


    وأحب أن أنبه هنا إلى مسألة وهي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا
    يدخل الجنة) فهل مدمن الخمر، وقاطع الرحم، والمصدق بالسحر لا يدخل
    الجنة مطلقاً؟


    أما المصدق بالسحر فسبق معنا أنه يختلف، قد يكون كفر مخرج من الملة إذا
    اعتقد أنه يعلم الغيب من دون الله، وأنه يعلم ما سيكون من دون الله
    ونحو ذلك، فهذا كفر مخرج من الملة، أما إذا ذهب إليه ولم يصدقه فهذا لا
    يكون مخرجاً من الملة، لكن المدمن للخمر أو القاطع للرحم هل يقال أنه
    إذا مات فإنه لا يدخل الجنة؟ بمعنى أنه مثل الكفار؟ أم لذلك معنى آخر،
    وتفسير لهذا الحديث؟


    هذا الحديث وما شابهه اختلف فيه الناس على مذاهب:


    - مذهب الخوارج ونحو من الوعيدية كالمعتزلة: أنهم لا يدخلون الجنة
    مطلقاً؛ لأن مرتكب الكبيرة عند هؤلاء خارج من الإيمان.


    فالخوارج يقولون: خرج من الإيمان ودخل في الكفر، ومرتكب الكبيرة عندهم
    كافر، وهو إذا مات مصراً عليها فهو مخلد في نار جهنم والعياذ بالله.


    - مذهب المعتزلة، يقولون: إنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو
    في منزلة بين المنزلتين - لا مؤمن ولا كافر- ويسمونه فاسقاً، وإذا مات
    على ذلك فإنه يخلد في النار، فيتفق المعتزلة والخوارج في مسألة خلود
    مرتكب الكبيرة الذي مات مصراً عليها بلا توبة. يتفقون على أنه مخلد في
    نار جهنم، وإن قال المعتزلة إنه يخلد في نار الفاسقين، والخوارج
    يقولون: إنه يخلد في نار الكافرين، لكن هذا الخلاف شبه لفظي؛ لأنهم
    يتفقون بأنه لا تنفعه شفاعة الشافعين، ولا تناله رحمة أرحم الراحمين،
    وأنه لا يخرج من النار أبد الآبدين.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-05-31
  11. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    القسم الرابع: هو ما يسمى بعلم التسيير، وهو الاستدلال بالنجوم
    والكواكب، يستدل بالنجوم والكواكب على الأوقات والجهات، وكمعرفة القبلة
    وجهات السير ونحو ذلك، وأيضاً يستدل بمعرفة هذه على معرفة أوقات البذر
    والحرث، ونحو ذلك مما يحتاجه أهل الحرث والزراعة، فهذا النوع هو الذي
    يسمى بعلم التسيير، وهذا ذكره بعض أهل العلم، وذكر المؤلف هنا -رحمه
    الله- أن بعض السلف كرهه، كرهه بعض السلف كقتادة وابن عيينة، ولكن
    الصحيح أنه جائز؛ لأن عامة السلف يرخصون في ذلك، وكون الإنسان يستدل
    بهذه على القبلة والجهات، ليس في ذلك شيء، كما قال الله -عز وجل-: ﴿
    وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16 ﴾ ﴾ [النحل: 16]
    ، فهذا
    ليس فيه محذور على الصحيح، إلا إذا بالغ الشخص في تعلم هذه الأشياء إلى
    حد يجعله يوسوس ويشكك في محاريب المسلمين، فمن تعمقه وتقعره في ذلك،
    يبدأ يقول للناس: قبلتكم منحرفة ونحو ذلك، فيصل إلى التشكيك في ذلك،
    فهذا يمكن أن يحمل عليه كراهية السلف لذلك. والله أعلم.


    نعم يا شيخ بعض الناس يقول: هناك موسم المطر، أو موسم البذر، أو
    غيرها، فإذا حل النجم، ولم ينزل المطر، يحدث في نفسي نوع من الاستغراب،
    هل يدخل أيضاً هذا في ذلك؟.


    هذا بالنسبة لقول: مُطرنا بنوء كذا وكذا، ولعله يأتي تفصيله في الباب
    الذي يلي هذا، ولكن المقصود إذا كان يعرف أن هذا النجم جرت العادة أن
    يبذر فيه، وجاءت سنة الله -سبحانه وتعالى- أن يكون هذا الوقت مناسب
    للبذر، وليس هو الذي ينبت الزرع، لكن مناسبته البذر، فمن يعرف بعض ذلك
    فلا شيء فيه، إذا لم يجعلها سبباً، وهي ليست بسبب، فالمقصود أن تعلم
    هذه الأشياء ما يسمى بعلم التسيير لا بأس به، وهو قول عامة السلف.


    قال المؤلف -رحمه الله تعالى- : (وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم
    يرخص ابن عيينة فيه، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. وعن أبي موسى
    -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثة لا يدخلون
    الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر) رواه أحمد وابن حبان في
    صحيحه).


    أشار المؤلف -رحمه الله- هنا إلى مذهب قتادة وابن عيينة، ومذهب الإمام
    أحمد وإسحاق وهو قول عامة السلف بالجواز.


    ختم المؤلف -رحمه الله- هذا الباب بحديث أبي موسى -رضي الله عنه-، أن
    رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن
    الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر)، والشاهد منه قوله: (مصدق بالسحر)
    وسبق معنا أن التنجيم هو معدود من ضمن أنواع السحر، كما عقد المؤلف
    -رحمه الله- لذلك باباً مستقلاً، وذكر التنجيم من ضمن هذه الأنواع.


    فالمصدق بالسحر متوعد بأنه لا يدخل الجنة، ومن ذلك المصدق بكلام
    المنجمين الذين يدعون علم الغيب، ويزينون للناس بعض الأشياء، ويكذبون
    في أقوالهم رجماً بالغيب، وهذا الحديث رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه
    الذهبي، والمصدق بالسحر - كما قلنا- أنه يدخل في ذلك المنجم؛ لأنه يدعي
    علم الغيب؛ وسبق الحديث: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من
    السحر، زاد ما زاد) فالتنجيم معدود من ضمن أنواع السحر.


    وأحب أن أنبه هنا إلى مسألة وهي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا
    يدخل الجنة) فهل مدمن الخمر، وقاطع الرحم، والمصدق بالسحر لا يدخل
    الجنة مطلقاً؟


    أما المصدق بالسحر فسبق معنا أنه يختلف، قد يكون كفر مخرج من الملة إذا
    اعتقد أنه يعلم الغيب من دون الله، وأنه يعلم ما سيكون من دون الله
    ونحو ذلك، فهذا كفر مخرج من الملة، أما إذا ذهب إليه ولم يصدقه فهذا لا
    يكون مخرجاً من الملة، لكن المدمن للخمر أو القاطع للرحم هل يقال أنه
    إذا مات فإنه لا يدخل الجنة؟ بمعنى أنه مثل الكفار؟ أم لذلك معنى آخر،
    وتفسير لهذا الحديث؟


    هذا الحديث وما شابهه اختلف فيه الناس على مذاهب:


    - مذهب الخوارج ونحو من الوعيدية كالمعتزلة: أنهم لا يدخلون الجنة
    مطلقاً؛ لأن مرتكب الكبيرة عند هؤلاء خارج من الإيمان.


    فالخوارج يقولون: خرج من الإيمان ودخل في الكفر، ومرتكب الكبيرة عندهم
    كافر، وهو إذا مات مصراً عليها فهو مخلد في نار جهنم والعياذ بالله.


    - مذهب المعتزلة، يقولون: إنه خرج من الإيمان ولم يدخل في الكفر، فهو
    في منزلة بين المنزلتين - لا مؤمن ولا كافر- ويسمونه فاسقاً، وإذا مات
    على ذلك فإنه يخلد في النار، فيتفق المعتزلة والخوارج في مسألة خلود
    مرتكب الكبيرة الذي مات مصراً عليها بلا توبة. يتفقون على أنه مخلد في
    نار جهنم، وإن قال المعتزلة إنه يخلد في نار الفاسقين، والخوارج
    يقولون: إنه يخلد في نار الكافرين، لكن هذا الخلاف شبه لفظي؛ لأنهم
    يتفقون بأنه لا تنفعه شفاعة الشافعين، ولا تناله رحمة أرحم الراحمين،
    وأنه لا يخرج من النار أبد الآبدين.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-05-31
  13. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    مذهب المرجئة، يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، فإنهم لا يعملون بهذه
    الأحاديث، ويقولون: من قال: لا إله إلا الله فإنه محرم على النار مهما
    عمل من الذنوب والمعاصي.


    - مذهب أهل السنة والجماعة: معلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة في
    مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً عليها فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء عفا
    عنه ابتداءً، وإن شاء عذبه، وإن عذبه فإنه لا يخلده في النار؛ لأن
    النار لا يخلد فيها موحد، بل إن عذبه فإنه يعذبه بقدر ذنبه، ويخرج من
    النار بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، كما دلت على ذلك
    الأحاديث المتواترة.


    فأهل السنة والجماعة، حينما قرروا هذه العقدية بناءً على الأحاديث
    والآيات الواردة في ذلك، من وعيد العصاة، ومن عدم خلودهم في النار، من
    عصاة الموحدين، نظروا في هذا الحديث، وما شابهه، أن بعض مرتكبي الكبيرة
    لا يدخلون الجنة، مثل هذا الحديث، ومثل حديث: (لا يدخل الجنة نمام)،
    (لا يدخل الجنة قاطع) ، ونحو ذلك، فقالوا: إن الحديث هذا لا يتعرض له
    بتأويل ليكون من باب الزجر الشديد، ولكنهم طبعاً حتى الذين قالوا هذا
    يقطعون بأنه لا يخلد في النار موحد، وأن أهل التوحيد لابد أن يكون
    مآلهم إلى الجنة، وبعضهم قال: لا يدخل الجنة مع أول الداخلين، وبعضهم
    قال: لا يدخل الجنة بلا عذاب، وهذا يشبه القول الأول، إلا أن يشاء الله
    مغفرة ذنبه، فالمقصود أنه لا يفهم من هذا الحديث أنه لا يدخل الجنة
    مطلقاً، وإنما يفسر هذا الحديث بما يتوافق مع مجموع النصوص الشرعية؛
    لأن النصوص الشرعية تتوافق ولا تتعارض.
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-05-31
  15. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    مذهب المرجئة، يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، فإنهم لا يعملون بهذه
    الأحاديث، ويقولون: من قال: لا إله إلا الله فإنه محرم على النار مهما
    عمل من الذنوب والمعاصي.


    - مذهب أهل السنة والجماعة: معلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة في
    مرتكب الكبيرة إذا مات مصراً عليها فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء عفا
    عنه ابتداءً، وإن شاء عذبه، وإن عذبه فإنه لا يخلده في النار؛ لأن
    النار لا يخلد فيها موحد، بل إن عذبه فإنه يعذبه بقدر ذنبه، ويخرج من
    النار بشفاعة الشافعين، أو برحمة أرحم الراحمين، كما دلت على ذلك
    الأحاديث المتواترة.


    فأهل السنة والجماعة، حينما قرروا هذه العقدية بناءً على الأحاديث
    والآيات الواردة في ذلك، من وعيد العصاة، ومن عدم خلودهم في النار، من
    عصاة الموحدين، نظروا في هذا الحديث، وما شابهه، أن بعض مرتكبي الكبيرة
    لا يدخلون الجنة، مثل هذا الحديث، ومثل حديث: (لا يدخل الجنة نمام)،
    (لا يدخل الجنة قاطع) ، ونحو ذلك، فقالوا: إن الحديث هذا لا يتعرض له
    بتأويل ليكون من باب الزجر الشديد، ولكنهم طبعاً حتى الذين قالوا هذا
    يقطعون بأنه لا يخلد في النار موحد، وأن أهل التوحيد لابد أن يكون
    مآلهم إلى الجنة، وبعضهم قال: لا يدخل الجنة مع أول الداخلين، وبعضهم
    قال: لا يدخل الجنة بلا عذاب، وهذا يشبه القول الأول، إلا أن يشاء الله
    مغفرة ذنبه، فالمقصود أنه لا يفهم من هذا الحديث أنه لا يدخل الجنة
    مطلقاً، وإنما يفسر هذا الحديث بما يتوافق مع مجموع النصوص الشرعية؛
    لأن النصوص الشرعية تتوافق ولا تتعارض.
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2006-05-31
  17. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    يقول: بالنسبة لسؤال حكم قول: مطرنا بنوء كذا وكذا، يقول: هو كفر أصغر
    لا يخرج من الملة ؛ لأنه من كفر النعمة، ونسبتها إلى غير الله -عز
    وجل-؛ لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس على أنه فاعل
    ؛ لأنه قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؟



    يقول: قال ابن رجب في حكم تعلم منازل النجوم: « المأذون في تعليمه
    التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم
    التسيير: فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو
    جائز عند جمهور أهل العلم ».



    يقول: لا يخلوا من أمرين قول: مطرنا بنجم كذا وكذا، يقول: لا يخلوا من
    أمرين: إن زعم واعتقد أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر فهذا شرك أكبر
    مخرج من الملة، وإن زعم واعتقد أن الله هو الذي أنزل المطر وهو المؤثر،
    ولكنه جرت العادة بوجود المطر عند سقوط هذا النجم، فهذا شرك أصغر،
    ويستدل بما جاء عن زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: (صلى بنا رسول الله
    -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل
    فلما انصرف أقبل على الناس .... ) إلى آخر الحديث.


    تفصيل جيد من الإخوة ولعلنا -إن شاء الله- نأتي إليه في شرح الباب الذي
    يلي هذا.


    باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء


    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء،
    وقول الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
    ﴿82 ﴾ ﴾ [الواقعة: 82]
    ).


    عقد المؤلف -رحمه الله-هذا الباب؛ لبيان حكم الاستسقاء بالأنواء، وهذا
    لبيان الوعيد الشديد الأكيد لمن استسقى بالأنواء.


    والأنواء: هي جمع نوء، وهي: منازل القمر. وهي ثمانية وعشرين نجماً
    معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط في الغرب كل ثلاثة عشرة ليلة
    منزلة، مع طلوع الفجر، وتطلع مقابلتها في نفس الوقت من المشرق، هكذا كل
    ثلاثة عشرة ليلة، حتى تنتهي وتنقضي مع انقضاء السنة.


    كانت العرب تزعم أنه مع سقوط النجم، مع سقوط المنزلة، وطلوع رقيبها،
    يكون مطر، أو رياح، أو نحو ذلك، وينسبون ذلك إلى النجم، ينسبون ما يحصل
    إلى النجم بسقوطه أو نوءه، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، أو الدبران،
    السماك، ونحو ذلك، وإنما سمي نوءاً؛ لأنه إذا سقط الساقط من هذه
    الأنواء، ناء الطالع بالمشرق، يسقط بالمغرب وينوء الآخر بالمشرق يعني:
    ينهض ويطلع رقيبه في المشرق.


    ذكر المؤلف -رحمه الله- تحت هذا الباب بعض الآيات والأحاديث، وبدأ
    بقوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿82 ﴾ ﴾
    [الواقعة: 82]
    ، وجاء في الحديث: أن الرزق هو الشكر، ﴿ وَتَجْعَلُونَ
    رِزْقَكُمْ ﴾، يعني: شكركم، كما ورد عن علي -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى
    النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي
    وغيرهما، قال: (﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾، يعني: شكركم، ﴿ أَنَّكُمْ
    تُكَذِّبُونَ ﴾، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا )، هذا التكذيب، يعني
    تكذيب الرزق وجعل الشكر هو أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا
    وكذا، فهذا الحديث وإن ضعفه بعضهم، لكنه صح أيضاً من قول ابن عباس -رضي
    الله عنه- ومعناه صحيح، حيث إن الشخص حينما يأتيه رزق من الله -سبحانه
    وتعالى- ، بمطر أو نحو ذلك، فيقول: يجعل هذا الرزق بأن ينسبه إلى غير
    الله، فهذا من التكذيب، ومن الكفران لنعمة الله -سبحانه وتعالى-.


    قال:( وعن أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله
    عليه وسلم- قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر
    بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)).


    نعم، وهذا حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- وهو الحديث الذي رواه
    مسلم وغيره، وفيه بيان لبعض أمور الجاهلية التي لا تزال في الأمة
    المحمدية، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن هذه الأمور التي هي
    من شأن الجاهلية ومن فعلهم، وهذا نسبتها إلى الجاهلية دليل على أنها
    مذمومة، ودليل على أنه منهي عنها؛ لأن بعض الناس يظن حينما يسمع هذا
    الحديث، يقول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنها ستكون في أمته،
    وهذا إخبار إقرار. نقول: لا، هذا إخبار إنكار، إخبار نهي. ومن دلائل
    النهي فيه: أن نسبه إلى الجاهلية، ولم ينسبها إلى الإسلام، ونسبتها إلى
    الجاهلية دليل على ذم فاعلها، وعلى النهي عن هذه الجاهلية، والجاهلية
    قد تكون زمانية، وقد تكون مكانية.


    فالجاهلية الزمانية، جاهلية الزمان: هي التي كانت قبل مبعث النبي -صلى
    الله عليه وسلم-، فببعثته انتهى الزمن الجاهلي، وهذه جاهلية ما قبل
    البعثة، جاهلية في الأقوال، والأفعال، والعقائد، في أشياء كثيرة، يمكن
    أن تنسب إلى الجاهلية، وكل ما خالف الشرع فهو جاهلية، كما قال الله-عز
    وجل-: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ﴾
    [الأحزاب: 33]
    ، فالمرأة المتبرجة نقول: هذه فيها صفة من صفات الجاهلية
    الأولى، هذه جاهلية في تبرجها، وكذلك الصفات الواردة ذكرها في هذا
    الحديث، والتي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في أمته من يفعل
    ذلك، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في أمته من سيفعل ذلك، مع
    حرمته وذم فاعله، فشأن الجاهلية، وأمر الجاهلية، وصفة الجاهلية هذه قد
    تكون في بعض المسلمين، فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأربع
    في أمته، وأنهم لا يتركونهن، يعني على مدار الزمن، وأنها قد تكون في
    بعض أمته، وذكر منها:


    الصفة الأولى: (الفخر بالأحساب). والحسب: هو المآثر، مآثر الشخص في
    ماله، أو حسبه يعني مآثر آبائه وأجداده، مما يكون عندهم من الكرم
    والشجاعة، أو الدين، أو العلم، أو غير ذلك، فيفتخر بذلك، يفتخر بما كان
    عليه آباؤه من الشرف، والحسب والمآثر فيبدأ يعددها ويفاخر بها، وهذا من
    صفة الجاهلية. وقد يكون في بعض المسلمين من يفعل ذلك، وهذا الفعل
    مذموم؛ لأنه منسوب إلى الجاهلية، ولو كان محموداً لما نسب إلى
    الجاهلية، التي أنقذنا الله منها ببعثة النبي محمد -صلى الله عليه
    وسلم-.


    الصفة الثانية: التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث:
    (الطعن في الأنساب) ومعنى: (الطعن في الأنساب) يعني ذمها، وعيبها،
    والوقوع فيها، فمن طعن في نسب أحد من إخوانه المسلمين، وذمه، وعابه في
    نسبه، ففيه جاهلية، فهو جاهلي في هذه الصفة، وقد حدث أن أبا ذر -رضي
    الله عنه- عير بلالاً فقال له: (يا ابن السوداء، فأنكر عليه النبي -صلى
    الله عليه وسلم- وقال: أعيرته بأمه؟! إنك امرء فيك جاهلية، إنك امرء
    فيك جاهلية ) يعني فيك صفة من صفات الجاهلية؛ ولكن أبا ذر -رضي الله
    عنه- كما روي في بعض الآثار أنه ندم على هذه الكلمة، حتى إنه - كما
    ذكر- جعل وجهه في الأرض، وقال: لبلال طء خدي برجلك -رضي الله عنهم
    أجمعين-.


    فالمقصود: أن الطعن في الأنساب، وذم الأنساب هذا من صفات الجاهلية، ومع
    الأسف تجد من الناس في هذا العصر من يتبارون في ذم نسب بعضهم لبعض،
    وينظمون القصائد في ذلك، وكل واحد يذم الآخر في نسبه، ويفخر بنسبه هو،
    وهذا كله من صفات الجاهلية، التي حذر منها النبي -صلى الله عليه وسلم-،
    فهو كما حذر من الفخر بالأنساب والأحساب، ممن قد يكونوا من جَثَى جهنم،
    فإنه أيضاً حذر من الطعن في أنساب الغير.


    والله -عز وجل- يقول: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ ﴾
    [الحجرات: 13]
    ، قال الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
    خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
    وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13]
    ، ما قال: لتفاخروا، أو
    لتطاعنوا في أنسابكم، وإنما قال ﴿ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
    عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]
    .



    فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر في هذا الحديث، أن هذه الصفة صفة
    جاهلية، وأنها من أخلاق الجاهلية، وإن كان هذا لا يوجب كفر صاحبها، أو
    فسقه، ولكنه دليل على ذمه هذا وتحريمه والنهي عنه.


    ذكر بعد ذلك الاستسقاء بالنجوم, هذا هو الشاهد من إيراد الحديث في هذا
    الباب - أنه الاستسقاء من النجوم- ومعنى الاستسقاء، يعني نسبة السقيا،
    أو نسبة مجيء المطر إلى النجوم.


    والاستسقاء: هو طلب السقيا، قد يطلبها من نجم، يطلب السقيا من النجم،
    وهذا لا شك أنه كفر؛ لأن الاستسقاء لا يجوز أن يطلب إلا من الله
    -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك شرع للمسلمين أنه إذا أجدبت الأرض، وقلت
    الأمطار، أن يستسقوا، ويطلبوا السقيا من الله -سبحانه وتعالى- ويقولون:
    اللهم أغثنا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما من يطلبونها من
    النجم، فهم في الحقيقة كفار، وقد ينسبونها إلى النجم، وقد يفسر
    الاستسقاء بالنجوم، بأن نسبة هذا المطر إلى النجم، وسيرد تفصيله بعد
    قليل.


    بقي في هذا الحديث أنه قال: (والنياحة على الميت)، والنياحة على الميت
    هذه من صفات الجاهلية.


    النياحة على الميت: هو رفع الصوت بالندب على الميت، وتعداد محاسن الميت
    على جهة النوح، ورفع الصوت والصياح، وهذا فيه تهييج للأحزان، وإدامة
    لها، وتسخط على الرحمن -عز وجل- وتعرض للآثام؛ ولذلك نهى النبي -صلى
    الله عليه وسلم- عن النياحة، وأخبر أنها من صفات الجاهلية، فالنياحة
    على الميت من صفات الجاهلية، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن
    النائحة إذا لم تتب قبل موتها - يعني من هذه الصفة- فإنها تُقام يوم
    القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب -والعياذ بالله-، هذه
    النائحة التي اتصفت بهذه الصفة التي فيها تسخط على قضاء الله وقدره،
    وفيها تجديد للأحزان وإدامة لها، هذه جزاؤها أنها تقام يوم القيامة -
    تقام من قبرها- وعليها سربال، وهو الثوب السابغ، سربال من قطران.


    والقطران: هو إما أن يفسر بالرصاص المذاب، أو بالزفت، أو نحو ذلك، تلبس
    هذا ليكون عليها كاللباس الكامل على جسدها، يكون أبلغ في عذابها -
    والعياذ بالله - فيلطخن به، ويكون لهؤلاء النائحات كالقمص على أجسادهن،
    حتى يكون اشتعال النار في أجسادهن أعظم - والعياذ بالله-، ورائحتهن
    أنسب، فعليها لباس من قطران، وعليها درع من جرب، ليزداد الألم بالحِكة
    من ذلك، والعذاب بهذا القطران، - والعياذ بالله-، وهذا كله فيه وعيد
    لمن تشبه بأخلاق الجاهلية، التي هي في الحقيقة تأخر، وهي تنازل عن عزة
    الإسلام إلى أخلاق الجاهلية؛ ولذلك لما حصل مشادة بين بعض أبناء
    المهاجرين والأنصار، قال رجل: يا للمهاجرين، وقال آخر: يا للأنصار،
    فأنكر عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، مع أن كلمة المهاجرين
    والأنصار كلمتان إسلاميتان، لكنهما استعملتا في نعرة الجاهلية، في نخوة
    الجاهلية، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمرهم بأن يَدَعوا هذا
    الشيء؛ لأنها دعوة منتنة وجاهلية، وأمرهم بأن ينصروا الظالم والمظلوم،
    يُنصر الظالم بكفه عن ظلمه، وينصر المظلوم بالوقوف معه، لا أن يُنصر
    هذا الشخص لأنه من القبيلة الفلانية، أو على القبيلة الفلانية؛ لأنه
    يعاديها في أمور جاهلية، وإنما الواجب أن يكون معيار ذلك هو الحب في
    الله، والبغض في الله، والفرح بنعمة الله -سبحانه وتعالى- الذي سمَّانا
    مسلمين.
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2006-05-31
  19. alzeer

    alzeer عضو

    التسجيل :
    ‏2005-06-22
    المشاركات:
    142
    الإعجاب :
    0
    يقول: بالنسبة لسؤال حكم قول: مطرنا بنوء كذا وكذا، يقول: هو كفر أصغر
    لا يخرج من الملة ؛ لأنه من كفر النعمة، ونسبتها إلى غير الله -عز
    وجل-؛ لأن المراد نسبة المطر إلى النوء على أنه سبب وليس على أنه فاعل
    ؛ لأنه قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؟



    يقول: قال ابن رجب في حكم تعلم منازل النجوم: « المأذون في تعليمه
    التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل محرم قليله وكثيره، وأما علم
    التسيير: فيتعلم ما يحتاج إليه من الاهتداء ومعرفة القبلة والطرق، وهو
    جائز عند جمهور أهل العلم ».



    يقول: لا يخلوا من أمرين قول: مطرنا بنجم كذا وكذا، يقول: لا يخلوا من
    أمرين: إن زعم واعتقد أن للنجم تأثيراً في إنزال المطر فهذا شرك أكبر
    مخرج من الملة، وإن زعم واعتقد أن الله هو الذي أنزل المطر وهو المؤثر،
    ولكنه جرت العادة بوجود المطر عند سقوط هذا النجم، فهذا شرك أصغر،
    ويستدل بما جاء عن زيد بن خالد -رضي الله عنه- قال: (صلى بنا رسول الله
    -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل
    فلما انصرف أقبل على الناس .... ) إلى آخر الحديث.


    تفصيل جيد من الإخوة ولعلنا -إن شاء الله- نأتي إليه في شرح الباب الذي
    يلي هذا.


    باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء


    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء،
    وقول الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
    ﴿82 ﴾ ﴾ [الواقعة: 82]
    ).


    عقد المؤلف -رحمه الله-هذا الباب؛ لبيان حكم الاستسقاء بالأنواء، وهذا
    لبيان الوعيد الشديد الأكيد لمن استسقى بالأنواء.


    والأنواء: هي جمع نوء، وهي: منازل القمر. وهي ثمانية وعشرين نجماً
    معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط في الغرب كل ثلاثة عشرة ليلة
    منزلة، مع طلوع الفجر، وتطلع مقابلتها في نفس الوقت من المشرق، هكذا كل
    ثلاثة عشرة ليلة، حتى تنتهي وتنقضي مع انقضاء السنة.


    كانت العرب تزعم أنه مع سقوط النجم، مع سقوط المنزلة، وطلوع رقيبها،
    يكون مطر، أو رياح، أو نحو ذلك، وينسبون ذلك إلى النجم، ينسبون ما يحصل
    إلى النجم بسقوطه أو نوءه، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا، أو الدبران،
    السماك، ونحو ذلك، وإنما سمي نوءاً؛ لأنه إذا سقط الساقط من هذه
    الأنواء، ناء الطالع بالمشرق، يسقط بالمغرب وينوء الآخر بالمشرق يعني:
    ينهض ويطلع رقيبه في المشرق.


    ذكر المؤلف -رحمه الله- تحت هذا الباب بعض الآيات والأحاديث، وبدأ
    بقوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴿82 ﴾ ﴾
    [الواقعة: 82]
    ، وجاء في الحديث: أن الرزق هو الشكر، ﴿ وَتَجْعَلُونَ
    رِزْقَكُمْ ﴾، يعني: شكركم، كما ورد عن علي -رضي الله عنه- مرفوعاً إلى
    النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي
    وغيرهما، قال: (﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ ﴾، يعني: شكركم، ﴿ أَنَّكُمْ
    تُكَذِّبُونَ ﴾، يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا )، هذا التكذيب، يعني
    تكذيب الرزق وجعل الشكر هو أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا
    وكذا، فهذا الحديث وإن ضعفه بعضهم، لكنه صح أيضاً من قول ابن عباس -رضي
    الله عنه- ومعناه صحيح، حيث إن الشخص حينما يأتيه رزق من الله -سبحانه
    وتعالى- ، بمطر أو نحو ذلك، فيقول: يجعل هذا الرزق بأن ينسبه إلى غير
    الله، فهذا من التكذيب، ومن الكفران لنعمة الله -سبحانه وتعالى-.


    قال:( وعن أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله
    عليه وسلم- قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر
    بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة)).


    نعم، وهذا حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- وهو الحديث الذي رواه
    مسلم وغيره، وفيه بيان لبعض أمور الجاهلية التي لا تزال في الأمة
    المحمدية، كما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن هذه الأمور التي هي
    من شأن الجاهلية ومن فعلهم، وهذا نسبتها إلى الجاهلية دليل على أنها
    مذمومة، ودليل على أنه منهي عنها؛ لأن بعض الناس يظن حينما يسمع هذا
    الحديث، يقول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنها ستكون في أمته،
    وهذا إخبار إقرار. نقول: لا، هذا إخبار إنكار، إخبار نهي. ومن دلائل
    النهي فيه: أن نسبه إلى الجاهلية، ولم ينسبها إلى الإسلام، ونسبتها إلى
    الجاهلية دليل على ذم فاعلها، وعلى النهي عن هذه الجاهلية، والجاهلية
    قد تكون زمانية، وقد تكون مكانية.


    فالجاهلية الزمانية، جاهلية الزمان: هي التي كانت قبل مبعث النبي -صلى
    الله عليه وسلم-، فببعثته انتهى الزمن الجاهلي، وهذه جاهلية ما قبل
    البعثة، جاهلية في الأقوال، والأفعال، والعقائد، في أشياء كثيرة، يمكن
    أن تنسب إلى الجاهلية، وكل ما خالف الشرع فهو جاهلية، كما قال الله-عز
    وجل-: ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ﴾
    [الأحزاب: 33]
    ، فالمرأة المتبرجة نقول: هذه فيها صفة من صفات الجاهلية
    الأولى، هذه جاهلية في تبرجها، وكذلك الصفات الواردة ذكرها في هذا
    الحديث، والتي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في أمته من يفعل
    ذلك، أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن في أمته من سيفعل ذلك، مع
    حرمته وذم فاعله، فشأن الجاهلية، وأمر الجاهلية، وصفة الجاهلية هذه قد
    تكون في بعض المسلمين، فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأربع
    في أمته، وأنهم لا يتركونهن، يعني على مدار الزمن، وأنها قد تكون في
    بعض أمته، وذكر منها:


    الصفة الأولى: (الفخر بالأحساب). والحسب: هو المآثر، مآثر الشخص في
    ماله، أو حسبه يعني مآثر آبائه وأجداده، مما يكون عندهم من الكرم
    والشجاعة، أو الدين، أو العلم، أو غير ذلك، فيفتخر بذلك، يفتخر بما كان
    عليه آباؤه من الشرف، والحسب والمآثر فيبدأ يعددها ويفاخر بها، وهذا من
    صفة الجاهلية. وقد يكون في بعض المسلمين من يفعل ذلك، وهذا الفعل
    مذموم؛ لأنه منسوب إلى الجاهلية، ولو كان محموداً لما نسب إلى
    الجاهلية، التي أنقذنا الله منها ببعثة النبي محمد -صلى الله عليه
    وسلم-.


    الصفة الثانية: التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث:
    (الطعن في الأنساب) ومعنى: (الطعن في الأنساب) يعني ذمها، وعيبها،
    والوقوع فيها، فمن طعن في نسب أحد من إخوانه المسلمين، وذمه، وعابه في
    نسبه، ففيه جاهلية، فهو جاهلي في هذه الصفة، وقد حدث أن أبا ذر -رضي
    الله عنه- عير بلالاً فقال له: (يا ابن السوداء، فأنكر عليه النبي -صلى
    الله عليه وسلم- وقال: أعيرته بأمه؟! إنك امرء فيك جاهلية، إنك امرء
    فيك جاهلية ) يعني فيك صفة من صفات الجاهلية؛ ولكن أبا ذر -رضي الله
    عنه- كما روي في بعض الآثار أنه ندم على هذه الكلمة، حتى إنه - كما
    ذكر- جعل وجهه في الأرض، وقال: لبلال طء خدي برجلك -رضي الله عنهم
    أجمعين-.


    فالمقصود: أن الطعن في الأنساب، وذم الأنساب هذا من صفات الجاهلية، ومع
    الأسف تجد من الناس في هذا العصر من يتبارون في ذم نسب بعضهم لبعض،
    وينظمون القصائد في ذلك، وكل واحد يذم الآخر في نسبه، ويفخر بنسبه هو،
    وهذا كله من صفات الجاهلية، التي حذر منها النبي -صلى الله عليه وسلم-،
    فهو كما حذر من الفخر بالأنساب والأحساب، ممن قد يكونوا من جَثَى جهنم،
    فإنه أيضاً حذر من الطعن في أنساب الغير.


    والله -عز وجل- يقول: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ ﴾
    [الحجرات: 13]
    ، قال الله -عز وجل-: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا
    خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
    وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13]
    ، ما قال: لتفاخروا، أو
    لتطاعنوا في أنسابكم، وإنما قال ﴿ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
    عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]
    .



    فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر في هذا الحديث، أن هذه الصفة صفة
    جاهلية، وأنها من أخلاق الجاهلية، وإن كان هذا لا يوجب كفر صاحبها، أو
    فسقه، ولكنه دليل على ذمه هذا وتحريمه والنهي عنه.


    ذكر بعد ذلك الاستسقاء بالنجوم, هذا هو الشاهد من إيراد الحديث في هذا
    الباب - أنه الاستسقاء من النجوم- ومعنى الاستسقاء، يعني نسبة السقيا،
    أو نسبة مجيء المطر إلى النجوم.


    والاستسقاء: هو طلب السقيا، قد يطلبها من نجم، يطلب السقيا من النجم،
    وهذا لا شك أنه كفر؛ لأن الاستسقاء لا يجوز أن يطلب إلا من الله
    -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك شرع للمسلمين أنه إذا أجدبت الأرض، وقلت
    الأمطار، أن يستسقوا، ويطلبوا السقيا من الله -سبحانه وتعالى- ويقولون:
    اللهم أغثنا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، أما من يطلبونها من
    النجم، فهم في الحقيقة كفار، وقد ينسبونها إلى النجم، وقد يفسر
    الاستسقاء بالنجوم، بأن نسبة هذا المطر إلى النجم، وسيرد تفصيله بعد
    قليل.


    بقي في هذا الحديث أنه قال: (والنياحة على الميت)، والنياحة على الميت
    هذه من صفات الجاهلية.


    النياحة على الميت: هو رفع الصوت بالندب على الميت، وتعداد محاسن الميت
    على جهة النوح، ورفع الصوت والصياح، وهذا فيه تهييج للأحزان، وإدامة
    لها، وتسخط على الرحمن -عز وجل- وتعرض للآثام؛ ولذلك نهى النبي -صلى
    الله عليه وسلم- عن النياحة، وأخبر أنها من صفات الجاهلية، فالنياحة
    على الميت من صفات الجاهلية، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن
    النائحة إذا لم تتب قبل موتها - يعني من هذه الصفة- فإنها تُقام يوم
    القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب -والعياذ بالله-، هذه
    النائحة التي اتصفت بهذه الصفة التي فيها تسخط على قضاء الله وقدره،
    وفيها تجديد للأحزان وإدامة لها، هذه جزاؤها أنها تقام يوم القيامة -
    تقام من قبرها- وعليها سربال، وهو الثوب السابغ، سربال من قطران.


    والقطران: هو إما أن يفسر بالرصاص المذاب، أو بالزفت، أو نحو ذلك، تلبس
    هذا ليكون عليها كاللباس الكامل على جسدها، يكون أبلغ في عذابها -
    والعياذ بالله - فيلطخن به، ويكون لهؤلاء النائحات كالقمص على أجسادهن،
    حتى يكون اشتعال النار في أجسادهن أعظم - والعياذ بالله-، ورائحتهن
    أنسب، فعليها لباس من قطران، وعليها درع من جرب، ليزداد الألم بالحِكة
    من ذلك، والعذاب بهذا القطران، - والعياذ بالله-، وهذا كله فيه وعيد
    لمن تشبه بأخلاق الجاهلية، التي هي في الحقيقة تأخر، وهي تنازل عن عزة
    الإسلام إلى أخلاق الجاهلية؛ ولذلك لما حصل مشادة بين بعض أبناء
    المهاجرين والأنصار، قال رجل: يا للمهاجرين، وقال آخر: يا للأنصار،
    فأنكر عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك، مع أن كلمة المهاجرين
    والأنصار كلمتان إسلاميتان، لكنهما استعملتا في نعرة الجاهلية، في نخوة
    الجاهلية، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأمرهم بأن يَدَعوا هذا
    الشيء؛ لأنها دعوة منتنة وجاهلية، وأمرهم بأن ينصروا الظالم والمظلوم،
    يُنصر الظالم بكفه عن ظلمه، وينصر المظلوم بالوقوف معه، لا أن يُنصر
    هذا الشخص لأنه من القبيلة الفلانية، أو على القبيلة الفلانية؛ لأنه
    يعاديها في أمور جاهلية، وإنما الواجب أن يكون معيار ذلك هو الحب في
    الله، والبغض في الله، والفرح بنعمة الله -سبحانه وتعالى- الذي سمَّانا
    مسلمين.
     

مشاركة هذه الصفحة