يافل.. من يشتريك؟! ( فكري قاسم )

الكاتب : المنسـي   المشاهدات : 383   الردود : 0    ‏2006-05-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-23
  1. المنسـي

    المنسـي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    49,862
    الإعجاب :
    4



    فكري قاسم ( 16/11/2005 )

    [​IMG]



    إلى صبية الفل.. نبيل سبيع.. جمال عامر.. محمد الحاضري, وآخرون سيأتي دورهم..



    --------------------------------------------------------------------------------


    أيهما أفضل.. رائحة الفل أم رائحة البارود؟.. سؤال غبي جدا.. أعترف بذلك.. واعترف في المقابل أنني لو لم أكن كائن حي (مدخن) لتمنيت أن اكون عقد فل في يد أحد الصبية السمر وهو واقفا على قارعة الطريق يقنعك ببساطة ان تشتري فل (علشان) زوجتك تحبك اليوم أكثر.


    سائق السيارة الذي كنت جالسا الى جواره في كرسي المقدمة.. صرخ في وجه الصبي بلطف (وخر ياولد.. ماحد يشتي فل) وداس على بنزين السيارة وهو يسكب عرقاً له لون ورائحة كمان


    كنت واحداًَ من بين (8) ركاب مطننين آخر طنانه في بطن البيجو..


    جميعهم يلوك القات, ووجوههم ساكنة فيما يشبه صمت مقبرة, ومؤشر السرعة داخل (الطبلون) كنت اراقبه يرقص بانحنائة (120)كم في الخط الطويل قادماً من الحديدة الى تعز.. وبلفقيه يغني: (يامروح بلادك), وأنا للأمانة أشتي اروح بلادي سليم معافى.. ويااااارب سترك.


    إن السائق الذي لايحتفي برائحة الفل, فضلا عن ركاب (مطننين) لا يبدو الأمر بصحبتهم مطمئناً.. ولا اعرف – في المقابل- ماالذي ينتظرنا خلف لسان الاسفلت الطوييييييل..


    وعليييييك يا الله..


    مرة ثانية- في (حيس) توقفت السيارة.. الدنيا حر.. والسائق يسكب عرقا له رائحة تتطور اكثر فاكثر.. والحمد لله نطت رائحة الفل مرة ثانية من نافذة السيارة وكان بضعة من الصبية السمر يتدلون بوجوههم من النوافذ حاملين الفل, يرددون دونما انتظام:


    - امفل ياعم.. طري.. آده وصل.. آده مافتش..


    - - اشتري وخلي زوجتك تحبك..


    - كان طموحي لحظتها ان اشتري كل مافي ايديهم من الفل.. لا لأحب زوجتي.. بل لاحب السائق اولاً!!


    احد الركاب في كراسي الوسط.. وهو مشغولاً بتكويرة القات في فمه لما سمع الصبية يرددون: (اشتري لزوجتك.. عشان تحبك اكثر) قال برزانه عجيبة (تحبني والا عمره لاحبت!!) وقال مخزن عبقري آخر: (عاد احنا شنفل فلهن.. أمشي ياسواق؟!)...


    همست للسائق من باب الدعابة فقط: (اشتري لزوجتك فل علشان تحبك).. لم يرد بكلمة على الاطلاق, بل رمقني بنظرة احتقار- الله لا وراكم كيف!!- ثم ضغط على بنزين السيارة ومضى يقول لي بلهجة الناصح:


    - كون ابرد من هولا البعساس ما قبيلي الا بغباره!!..


    - وأكد (مبحشم) أخر من الركاب في الخلف:


    - - مارجال الا أبو عينها؟!


    وتحولت الرحلة الى نصائح في الرجولة, عرفت معها لماذا كان صاحبنا يسكب عرقا له لون ورائحة.. وعرفت أيضا أن (لفل) حق النصارى.. اما المسلمين يشتروا (شذاب).. وكأننا في (ولاد) لم يبلغ الأربعين بعد...






    · طبيعي جداً ان يحدث مثل ذلك, لأن سنوات طويلة لنظام عفن, أفقدتنا الإحساس بالجمال, حولت حياتنا الى مواجهة قبيحة مع الآخر, ومشاعرنا الانسانية صارت اشبه بـ(علبة) كبريت ووحده البارود من يشعلها, والقبح أهم مشكاة تضاء..


    · في تصوري أن القنبلة الذرية التي ضربت (نجازاكي) و(هيروشيما) العام 1945م, تساوي بحدثها الكارثي انتشار قيم القبح, والعفاطة في مجتمع يحكمه نظام متخلف.. مع ملاحظة الفرق بينهما طبعاً.


    فالأولى- القنبلة- أحدثت تشوهاً في الشكل وفي الأرض, استطاع اليابانيون تجاوزه, فيما (القبح) ياسادة يحدث شوهاً في الذهن والوجدان.. وأيهما اخطر؟ اترك الاجابة عليكم, ومن يلاحظ شكل وحال المجتمع اليمني في السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات او لنقل وحتى ماقبل حرب صيف 94م.. يكتشف الفرق.


    · كانت البلد شمالاً وجنوباً لايزال فيها من الاحساس بالجمال مايكفي لأن نعيش مبتسمين.


    كانت السينما, والمسرح, وفرق الرقص, والسيرك, والفنون. وأسماء فنية وادبية وحضور لشخصيات نسائية، عجز طيح طيح هذا النظام الجالس فوق رؤوسنا (27) سنة أن يكرر مثلها, وصار كل شيء مسوخ.. صار كل شيء عرقاً له لون ورائحة و(قِلًة حياء) كمان..


    بائع الفل.. لا يشبه بائع البندقية, لذا يبدو غير محظوظاً في بلد باع المزهرية واشترى الهراوات والرصاص!


    بإمكان أولئك الصبية- بائعي الفل- أن يعلموا (الاعفاط) درساً في العيش البسيط الحلال. ولكن هل بإمكان القبح أن يغادر عقلياتهم ويعتذر عما فعل؟...


    المفارقة العجيبة.. والموجعة معاً,. ان يشاهد المرء صبية، بكل أمان يحملون الفل من شارع الى شارع, ويجد على النقيض صبية آخرون يحملون البنادق والجنابي ليقطعون الشارع!


    على كل حال.. يوماً ما سينتصر الجمال.. ستنتصر ثقافة الفل, وتعبر الشارع بأمان...


    يوما ما...
     

مشاركة هذه الصفحة