عمران الأصاله والشموخ والتاريخ

الكاتب : عبدالله جسار   المشاهدات : 1,493   الردود : 3    ‏2006-05-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-22
  1. عبدالله جسار

    عبدالله جسار أسير الشوق مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2006-02-09
    المشاركات:
    33,818
    الإعجاب :
    202
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2006
    سلام الله عليكم أيها الأحبة ورحمة الله وبركاته

    رغية مني بالرقي بهذا القسم أسهم بهذا الموضوع البسيط المنقول من عدة مراجع ومواقع عن إحدى محافظات اليمن الحبيب


    محافظة عمران

    الموقع : تقع إلى الشمال من العاصمة صنعاء وتبعد عنها بمسافة حوالي ( 50 كم ) تقريباً ، يحدها من الشمال محافظة صعدة ، ومن الجنوب محافظة صنعاء ، ومن الغرب محافظتي حجة والمحويت ، ومن الشرق محافظتي الجوف وصنعاء .

    المناخ : يسـود محافظة عمران المناخ المعتدل صيفاً والبارد شتاءاً .

    التضاريس: تتوزع تضاريس محافظة عمران بين جبال عالية تتخللها الأودية والسهول ويتوسطها قاع البون الواسع الممتد من مدينة عمران حتى ذيبين بمسافة ( 50 كم ) ، وتحيط بـه سلسلة جبال عيال يزيد والأشمور ، وهي غرب عمران وتتصل بها جبال دعان ويشيع وجبال ظهر حاشد ومتوسط ارتفاعها ( 3000 متر ) عـن مستوى سطح البحر ، ثم جبل ناعط وجبل رميض بالجنوب الشرقي من مدينة حوث بالإضافة إلى سلسلة جبال الأهنوم وسلسلة جبال مسور والمصانع وبيت علمان .

    الصناعات الحرفية : تشتهر محافظة عمران بالصناعات الحرفية والمشغولات اليدويـة المتميزة مثل : المصنوعات الفضية من الحلي والمجوهرات التقليدية ، وصناعة الجنابي والنصال وصناعة المعدات الزراعية التقليدية والمشغولات اليدوية النسيجية والمصنوعات الجلدية .

    أهم المعالم السياحية والأثرية في المحافظة:

    1- مدينة عمران :

    تقع مدينة عمران شمال غرب العاصمة صنعاء على بعد ( 50 كيلومتر ) ، في القاع الفسيح الذي يطلق عليه قاع البون ، والذي يرتفع عن مستوى سطح البحر حوالي ( 2302 متراً ) تقريباً .

    يقول النسابون وفي مقدمتهم " نشوان بن سعيد الحميري " ، عن اسم عمران : أنه ينتسب إلى ملك من ملوك حمير ، وهو " ذو عمران بن ذي مراثد " وبه سمي " قصر عمران " ، يعود تاريخ المدينة إلى فترة ما قبل الإسلام ؛ فقد كانت حاضرة قبيلة " ذي مراثد " التي ذكرت في العديد من النقوش اليمنية القديمة التي عُثر عليها في خرائب المدينة ، وفي المواقع الأثرية المجاورة لها ، وتشتهر عمران بما حولها من المواقع الأثرية الغنية بمحتوياتها الأثرية المختلفة ، حيث لا يخلوا محل أو جبل من الآثار .

    وقد ذكر العديد من المؤرخين نقلاً عن " الهمداني " ، أن من بين خرائبها مبنى لقصر يطلق عليه " قصر عمران " ، وهو الذي تشغل خرائبه حيزاً كبيراً في وسط المدينة ، وقد أشار " الهمداني " إلى أنه " قصر عجيب " ، ونود هنا أن نصحح تلك المعلومة حول هوية ذلك المبنى الذي عُثر في خرائبه على العديد من النقوش مكتوبة على ألواح برونزية ، وكذلك نقوش حجرية هي الآن تزين واجهات المباني الجديدة في المدينة ، إضافة إلى تماثيل وقطع أثرية أخرى ، وهو في الأصل مبنى لمعبد كان مكرساً لإله " قبيلة ذي مراثد " أو كما تطلق عليه النقوش ( ب ن و / م ر ث د م ) ، وهو الإله ( المقة ) – الإله الرسمي لدولة سبأ – ومعبده هذا كان أحد المعابد المنتشرة في أراضي عمران أو بشكل أشمل قاع البون وصنعاء وشبام كوكبان وغيرها من الأراضي الواقعة إلى الشمال من صنعاء ، وكان هذا المعبد يحمل اسم ( هـ ر ن ) ، ويتميز هذا المعبد عن غيره من المعابد بالنسبة لطقوسه الدينية فمعظم المتعبدين فيه يطلبون من الإله ( المقة ) أن يمنحهم الأولاد الذكور، وتؤكد النقوش بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا المبنى هو بالفعل مبنى لمعبد كان يطلق عليه اسم ( هـ ر ن ) وليس قصراُ كما جاء عند " الهمداني " الذي كعادته كلما وجد مبناً أثرياً ضخماً يطلق عليه مصطلح ( قصر ) وخاصة تلك المباني الدينية التي تنتشر في قمم الجبال المشرفة على قاع البون ، والتي توجد ـ غالباً ـ على قمم وسفوح الجبال وغيرها …. ومدينة عمران اليوم مدينة تبدو متباينة بعض الشيء بالنسبة لمبانيها القائمة ، حيث تتكون من المدينة القديمة ، والمدينة الحديثة ، وتوجد الأولى داخل الأسوار القديمة التي أنشئت لأجل حمايتها قديماً ، أما الأخرى فهي خارج الأسوار ، وما يهمنا هنا هو التعريف بالمدينة القديمة ، التي يعود تاريخ المباني القائمة فيها إلى العصور الإسلامية ، فقد كانت هذه المدينة محاطة بسور من اللبن المخلوط بالتبن ، وقد تعرض للاندثار ، ولم يبق منه سوى بعض أجزائه وبوابتيه ، إذ تقع الأولى في اتجاه الشرق والأخرى في اتجاه الغرب ، وعلى جانبي هذه الأخيرة يوجد برجان دفاعيان ، كما لازالت هناك بعض الأبراج في أجزاء متفرقة من السور كانت تستخدم لأغراض الحراسة والدفاع عن المدينة ، أما بالنسبة لمباني المدينة فمعظمها مبنية من اللبن ، تتكون مـن ثلاثة إلى أربعة أدوار ، وهناك ـ أيضاً ـ مبانٍ مبنية بالأحجار المهذبة ، ويستخدم أهالي عمران الدور الأول من منازلهم كمخازن ومطابخ إضافة إلى مأوى للماشية بينما تستخدم الأدوار العليا للسكنى ؛ وعادة ما تقيم عدة أُسر في المنزل الواحد ـ أو بمعنى آخر أن العائلة المكونة من الأب والأم والأبناء المتزوجين يقيمون في مبنى واحد ـ كنوع من العادات الاجتماعية المتوارثة .

    وتنتشر في مدينة عمران القديمة العديد من مبانٍ اليهود الذين كانوا يسكنون في المدينة ولكن معظمها اندثرت بسبب مغادرة اليهود للمدينة ولم يبق منهم سوى القليل ويعيشون مع المسلمين بحقوق وواجبات متساوية بموجب دستور الجمهورية اليمنية ، وفي وسط المدينة توجد بئر قديمة طويت جدرانها بحجر البلق المنحوت ـ البازلت الفقاعي ـ ، وتاريخها يعود تقريباً إلى فترة ما قبل الإسلام كما تشير طريقة البناء المحكم للبئر ، ـ وتوجد في مدينة مأرب في مفرق السد صافر بئر تشابهها ولكنها مبنية بأحجار الجرانيت ـ وتشتهر مدينة عمران بالأراضي الزراعية الخصبة لقاع البون الذي يزرع فيه الحبوب والبقوليات وبعض الفواكه مثل الرمان والفرسك والسفرجل ، وتسقى تلك المزروعات من الآبار الجوفية التي انتشرت مؤخراً بشكل كثيف ، ويتم تصريف مياهها بواسطة الآلات الحديثة .

    - قاع البون :-

    هو قاع فسيح - سهل فسيح - ، يمتد من جنوب مدينة عمران إلى شوابة في الشمال وتبلغ مساحته ( 60 × 6 كيلومتراً ) تقريباً ، ويرتفع عن مستوى سطح البحر حوالي ( 2100 متر ) تقريباً ، ويضم إضافة إلى الجبال التي تشرف عليه مواقع أثرية عديدة ذكرها " الهمداني " في كتابه الموسوعي الإكليل الجزء الثامن وقال : ( قصر سخي وهو من عجائب اليمن ، وقصر بيت لعوة ـ في ظاهر خمر ـ ، وقصر بيت زود ، وحمير تقلب زيداً فتقول زودا ، ـ بالقرب من عجيب ـ، وهو " بيت زيد بن سيف بن عمرو " ، وهو موضع – قصر – " آل سعيد بن قيس " في ظاهر همدان بين يناعة وعجيب ـ يناعة في قاع شمس من أرحب غربي ريدة ـ ، ومنها قصر "عصام " ـ قصر بناحية ناعط من شرقها ـ ، ومنها سنحار ـ قصر كان بناعط ـ ، ومن قصور بلد همدان قصر " نوفان بن أبتع " ـ بخيوان شمال خمر ـ ، ومنها قصر " خمر " ـ وهو قصر عجيب من عيون ما في بلد همدان وهو مما يقاس بناعط ـ ، ومنها " دعان " في الظاهر ـ من بلد همدان ـ، ومنها قصر شهير ـ كان في ريدة وقد اندثر ـ ، وقصر " بيت الورد " من " آل ذي قيان " ، وقصر شرعة في ظاهر الصيد ـ شرعة شرق ريدة ـ ، وقصر " مرمل " ، وقصر " خوان " من رحابة ـ رحابة في عمران ـ ، وقصر " علمان " وقصر " عمد " ـ عمد في أعلى قاع البون ـ ، وقصر " ميفعة "، وهند ، وهنيدة ـ قصران بقاعة – ، " قاعة في قاع البون " ، وقصر " عمران " في أعلى البون وهو أعظم مآثر البون ـ وهو قصر عجيب ـ ، ومنها قصر " يشيع " في ظاهر البون ـ يشيع شمال غرب ريدة ـ ، وقصر " سخي " ـ وهو قصر عجيب ـ ومنها : قصور "مدر" و " أتوة " – مدر و أتوة في أرحب – فأما مدر فأكبر بلد همدان مآثراً ومحافداً بعد ناعط ، وفيها ( أربعة عشر قصراً ) ، فمنها ما هو اليوم خراب ، ومنها ما هو اليوم متشعث ، ومنها ما هو عامر مسكون ، ومن أقدم قصور اليمن قصر " ريدة " ـ وهو تلقم ـ ) .

    ويقول " الهمداني " عن سبب قلة المياه السطحية في قاع البون : " وربما أسنت البون جميعها مع بلد الصيد وبلاد الخشب ، وعدمت عندهم المياه فرجعوا جميعاً إلى بئر قصر ( تلقم ) في ريدة ، فقامت بهم وحملتهم تغرف الدلاء منها الليل والنهار ولا تزداد على الغرف إلا جماماً " وبغض النظر عن ما ذكره الهمداني عن بئر ( تلقم ) في ريدة إلا أننا يجب أن نعرف أن معظم أراضي قاع البون، إن لم نقل كلها ، تستخدم المياه الجوفية في زراعتها حيث لا يوجد فيها ينابيع أو وديان غزيرة في الوقت الراهن ، وأراضي قاع البون أراضي زراعية خصبة جداً ، تزرع فيها الحبوب بأنواعها والعنب ، والبطاط ، وغيرها من الخضروات ، ومدينة عمران هي حاضرة قاع البون .

    2- مدينة ثـلاء : (((( بلاد الأسير الأصليه ))))

    تقع مدينة ثلاء شمال العاصمة صنعاء على بعد ( 45 كيلومتراً ) تقريباً ، وتعتبر أحدِ مديريات محافظة عمران ، وهي حصن وبلدة ، وصفها " الهمداني " في كتابه " صفة جزيرة العرب " بقوله : " وثلاء حصن وقرية للمرانيين من همدان ، وتقع البلدة في السفح الشرقي للحصن " .

    ومن معالمها الأثرية :-

    - الحصن : يقع الحصن في قمة الجبل الذي يشرف على مدينة ثلاء ولكن تاريخ بنائه غير معروف ، وقد ذكره " الهمداني " الذي عاش في ( القرن الرابع الهجري ) ، وهذا يعنى أن تاريخه يعود إلى أقدم من ذلك ،

    لقد تعذر معرفة ما إذا كان يعود تاريخه إلى عصور ما قبل الإسلام ويحتمل أن تاريخه يعود إلى تلك الفترة تقريباً ؛ لأن منطقة ثلاء كانت الحد الفاصل بين المأذنيين الذين كانوا يتخذون من شعوب – في شمال مدينة صنعاء – حاضرة لهم ، وبين قبيلة شبام أقيان الذين كانوا يتخذون من شبام كوكبان حاضرة لهم ، والمباني التي أقيمت عليه احتمال أن تكون مبانٍ دينية بالدرجة الأولى لإقامة دور العبادة فيها ، إلى جانب ذلك توجد تحصينات دفاعية ولكن فيما إذا كان هذا الموقع يخص هذه القبيلة أو تلك فهو أمر لا يمكن الجزم به دون القيام بدراسات أثرية على الحصن نفسه .

    وقد تغنى بهذا الحصن الكثير من الشعراء ، ومنهم " إبراهيم وأحمد بني علي المرتضي " ، فقـد قالا بيتين من الشعر الجميل لهما :

    أما رأيت ثلاء في نصب قامتـه يبدو لنا مـن حضيض الأرض تكميشا

    كأنـــه طــائر هَّيأْ قوادمه لأن يطيرْ ، ولما ينـشـر الريَّـشــا

    وأضاف " السياغي " في كتابه " معالم الآثار اليمنية " أن حصن ثلاء يمتاز بحصانته ومنعته وبه العديد من الكهوف الواسعة ، ومدافن الحبوب ، وبرك الماء ، وفي شمال هذا الجبل- ومتصل به - حصن يسمى ( الناصرة ) وهو أعلى منه وفيه مآثر وبيوت خاربة ، وفي أعلاه القلعة المنيعة الأثرية مما يعني أن قلعة أو حصن ثلاء هي من أهم القلاع والحصون الحربية ، نظراً لوجودها على قمة أعلى مرتفع في منطقة ثلاء مما حصنها تحصيناً طبيعيا جيداً ، كما يتوفر بهذه القلعة معظم العناصر الحربية اللازمة لبناء القلعة .

    - المدينة :- مدينة ثلاء تماثل غيرها من المدن المجاورة مثل مدينة حبابة ، ومدينة شبام كوكبان بالنسبة لكونها مدينة محمية بسور يحوي بداخله مباني المدينة ـ وهي المنازل الخاصة والمباني الدينية والأسواق وغيرها ـ وسور المدينة مبنَّي من الحجارة ، ويطوق المدينة والقلعة معاً ، ويصل طوله إلى أكثر من ( ألفي متر ) تقريباً ، تقام عليه أبراج المراقبة المرتفعة ، وقد تدرج ارتفاعه من مكان لآخر على طبيعة المكان وتحصينه الطبيعي ، فالجدار الشمالي له كان يصل ارتفاعه ما بين ( 18 - 20 متراً ) بينما في بقية جدرانه الشرقية والشمالية والجنوبية كان يصل ارتفاعه ما بين ( 7 - 9 أمتار ) ، وكان للسور عدة بوابات تنتشر في أجزاء متفرقة منـه ، ويصل عددها إلى ثمان بوابات ، تحف كلا منها منشآت دفاعية متمثلة في برجين عن اليمين وعن الشمال مما يجعلها صعبة الاقتحام بالرغم من اتساعها الذي يصل أحياناً إلى ( خمسة أمتار ) تقريبـاً ، أما بالنسبة لتخطيط المدينة فهي تتسم بتخطيط هندسي متقن " المنازل ، الشوارع ، الممرات الضيقة ، الجامع ، المساجد الصغيرة ، الأضرحة ، المدرسة ، السوق " ، وسنكتفي هنا بالدراسة التفصيلية لبعض المنشآت الدينيـة أهمها : " الجامع الكبير ، مسجد سعيد الكينعي ، الأضرحة ـ ضريح محمد بن الهادي ـ ، مدرسة الإمام " شرف الدين " .

    1- الجامع الكبير :- يعود تاريخ تأسيس الجامع الكبير بثلاء إلى فترة مبكرة مـن بداية العصر الإسلامي ، ويصعب تحديد تاريخه بشكل دقيق ، بسبب الإضافات والتجديدات التي تمت في البناء القديم حتى أنه لا يعرف أين يقع مكانه بالضبط ، فجدران الجامع ومنشآته أصبحت متداخلة ومختلطة إلى حد كبير ، ومن خلال الوصف المعماري للجامع سوف نحاول أن نوضح ذلك قدر الإمكان .
    يقع الجامع على تل مرتفع في وسط المدينة ، ويتم الوصول إليه من خلال ممر صاعد حيث تطل واجهته الجنوبية على فناء واسع مكشوف ، وفي الناحية الغربية منه إيوان مستطيل الشكل يفتح بعقدين نصف دائريين ، وعلى هذا الفناء زخرفت فتحة العقد الجنوبي بكتلة نباتية ضخمة على هيئة ورقة نباتية خماسية ، يعلوها فتحة مستديرة ، ويكتنفها من الناحيتين حليات معمارية متدلية إلى الأسفل ، وأغلب الاحتمال أن هذا الإيوان كان يشكل في الأصل وحدة معمارية ضمن مساحة الجامع الرئيسية ، وربما كان يستخدم للتدريس في الجامع ، كما يزيد من أهمية هذا الإيوان بقاء بعض الأشرطة الكتابية الممتدة على جدرانه بخط النسخ في الجهات الغربية والجنوبية والشرقية ، وتشمل آية الكرسي والنص التأسيسي وبعض العبارات وأبيات من الشعر ، أما النص التأسيسي فيقرأ كالتالي : ( وكان الفراغ من هذه العمارة المباركة في شهر ذي الحجة سنة سبع وتسعين وسبعمائة من الهجرة المباركة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم ) .

    ويقرأ نص آخر كالتالي : ( ما استعمل هـذا الماء في غير الشرب فهو في الحرج وأضيق من الضيق ، ولا أحله الله عليه ، يا شارب الماء الزلال عليك هذا القول حتما ، اشرب وقل *** الذي حرم الحسين ظمأ ) .

    تطل واجهة الجامع على الناحية الجنوبية من الفناء السابق ذكره ، وهي واجهة بسيطة خالية من العناصر الزخرفية ، ويتوسطها فتحة المدخل المؤدية إلى الجامع على نفس محور المحراب تقريباً ، وإلى الغرب منها مدخل آخر ، تشكل عمارة الجامع من الداخل خليطاً من القديم والجديد - كما سبق ذكره - حيث يبدو الارتباك المعماري واضحاً على أجزائـه المعمارية ونوجز وصفها فيما يلي : الجامع على هيئة مستطيل الشكل ، تبلغ مساحته الداخلية من الشمال إلى الجنوب حوالي ( 28 × 20 متراً ) ويتكون من عشر بلاطات موازية لجدار القبلة يفصلها تسع بائكات تتكون من صفوف الأعمدة ، معظمها من أعمدة مرتفعة تحمل عقوداً نصف دائرية ومدببة الشكل ، ويمكن تقسيم هذه المساحة إلى قسمين رئيسين الشمالي والجنوبي .

    - القسم الشمالي: يبلغ اتساع هذا القسم من الشرق إلى الغرب حوالي ( 18.90 متراً ) ، ويحتوي على خمس بلاطات يغطيها سقـف خشبي حـديث ، ويتعامد على محراب القبلة مجاز قاطع ، ويلاحظ أن عقود البائكات موازية لجدار القبلة باستثناء قليل منها على شكل متعامد على الجدار ويلاحظ - أيضاً - أن عدد الأعمدة في البائكات الثلاث - جهة جدار القبلة - خمسة في كل صف ، وفي البائكة الرابعة سبعة أعمدة ، وفي البائكة الخامسة والأخيرة من هذا القسم أربعة أعمدة ، ويكمل بقية الصف جدار سميك ، وقد جاء هذا الاختلاف في عدد الأعمدة نتيجة التجديدات في عمارة هذا القسم ، يتوسط جدار القبلة كتلة المحراب ، بوسطها تجويف المحراب ويتوِّجه عقد مفصص الشكل ، يعلوه شريط من الكتابة النسخية ، وتوجد دائرتان على كوشتي عقد المحراب على شكل وردة بارزة متعددة البتلات ، ويكتنف المحراب من الناحيتين ومن أعلى كتابة نسخية لآيات من القرآن الكريم : ( يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدو واعبدوا ربكم ….) وعبارة ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ علي وليَّ الله ) ؛ وذلك على مهاد من الزخرفة النباتية ، وهذا القسم من المساحة الأصلية الأولى للجامع والتي يمكن أن يعود تاريخها إلى ما قبل ( القرن الثامن الهجري ) على حد زعم الدكتور مصطفى شيحة .

    - القسم الجنوبي : يمتاز هذا القسم بامتداده من الشرق إلى الغرب ويمكن تقسيمه إلى وحدتين معماريتين رئيستين :

    - الوحدة المعمارية الشرقية : يبدو على هذه الوحدة المعمارية التي تتبع امتداد القسم الشمالي السابق - من الشمال إلى الجنوب - الإضافة أو التجديد في مساحة الجامع ، وعقود البائكات نصف دائرية مدببة الشكل ومعظمها موازٍ لجدار القبلة وقليل منها متعامد على الجدار ، ويغطيه سقف خشبي جدد مؤخراً .

    - الوحدة المعمارية الغربية : الواقع أن هذه الوحدة أشبه بمسجد صغير مستقل بذاته داخل المساحة الرئيسية للجامع ، ويرجع هذا المسجد الصغير في تاريخه إلى العصر العثماني في اليمن ، ويمتاز بتقارب أعمدته من بعضها حيث تقوم عليها عقود مدببة الشكل تحمل قباباً ضحلة صغيرة قليلة الارتفاع ، مناطق انتقالها من المثلثات الكروية ، وتتوسطها قبة رئيسية أكثر ارتفاعاً ، وتظهر من خارج سطح المسجد على شكل متدرج ، إن أهم ما يميز هذا المسجد الصغير كتابات بخط النسخ والثلث ، والزخارف النباتية والهندسية المنفذة بمادة الجص ، وهي تعتبر في حد ذاتها عملاً فنياً في غاية الدقة والإبداع ، وتشمل الكتابات آيات عديدة من القرآن الكريم ، وتمتد هذه العناصر - أيضاً - على بواطن القباب والعقود وواجهاتها وتيجان الأعمدة الجصية التي ملئت - أيضاً - بالكتابات والزخارف ، ويضم هذا المسجد محراباً صغيراً .

    تقع المئذنة الحالية للجامع في الناحية الجنوبية الغربية ، وهي مئذنة حديثة إسطوانية الشكل يضيق محيطها إلى أعلى ، وتنتهي بقمة مخروطية صغيرة ، أما المطاهير ـ الحمامات ـ بهذا الجامع تقع في الناحية الجنوبية ، ويتم الدخـول إليها مـن فتحة مـدخـل صغير في الناحية الغربية مـن الجـدار الجنوبي للجامع .

    2- مسجد سعيد الكينعي : يقع مسجد سعيد الكينعي في الجانب الجنوبي من مدينة ثلاء في حي يعرف باسم قرية الطلح ، وقد بناه " سعيد بن منصور بن علي الشهابي " ، فقد كان عالماً محققاً في الفقه ، سلك مسلك شيخه " إبراهيم بن أحمد الكينعي " في الزهد والورع والاشتغال بالعبادة ، وكانت وفاته في مدينة ثلاء سنة ( 893 هجرية ) ، ودفن في فناء هذا المسجد المعروف باسمه " مسجد سعيد " ، وهو مسجد صغير ينقسم إلى ثلاثة أجزاء ، الجهة الشرقية منه وتستخدم للصلاة ، والجنوبية وفيها بركة ماء – كبيرة - ، أما الباقي ففيها ثلاثة أضرحة منها واحد للشيخ " سعيد " نفسه ومذكور فيه تاريخ وفاته بالضبط في 29 شعبان من سـنـة ( 893 هجرية ) ، والضريحان الآخران مجهولان .



    3- أهم أضرحة ثـلاء ( ضريح محمد بن الهادي ) : لقد ذكر العالم الجليل " إسماعيل بن علي الأكوع " في كتابه " هجر العلم ومعاقله في اليمن " ، أنه سمع أن مقبرة مدينة ثلاء تضم رفاه ( سبعين ) عالماً مجتهداً من غير الأضرحة ، وتحوي مدينة ثلاء بين أسوارها على عدد كثير من الأضرحة لعلمائها ، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر :

    - ضريح محمد بن الهادي

    - ضريح الناصر محمد

    - أضرحة مدرسة الإمام شرف الدين

    - ضريح صلاح

    - ضريح بنت المنصور

    وسنكتفي هنا بوصف لضريح محمد بن الهادي لأنه يعتبر من أهم أضرحة مدينة ثلاء :-

    - ضريح محمد بن الهادي : يقع هذا الضريح في حي اللؤلؤة في الجزء الجنوبي الشرقي من مدينة ثـلاء وبالقرب من أحد أبواب المدينة المسمى باسمه " باب الهادي " وأسفل جامع المدرسـة ، وينسب إلى " محمد بن الهادي بن المؤيد بالله يحيى بن حمزة " ، لم يترجم له أحد من المؤرخين القدماء كما أننا لا نعرف تاريخ ميلاده ، وقد نشأ في مدينة حوث ، وله معرفة بكثير من العلوم واشتغل بالتصوف ثم قدم إلى مدينة ثلاء فسكنها وعمر ـ بنى ـ فيها قبة جميلة في بنائها وزخرفتها ، وقد بناها البناء " أحمد بن محمد الشيرازي " .

    - وفاته : توفي " محمد بن الهادي " ظهر يوم الثلاثاء آخر يوم من شهر شعبان سنة ( 849 هجرية ـ 1445 ميلادية ) .

    - وصف الضريح : هذا الضريح لم يبن كضريح ، ولكنه بُني كمسجد لإقامة الصلاة فيه ، إذ أنه من المعروف كراهية الصلاة في مبانٍ القبور ، يؤيد ذلك ما جاء منقوشاً على شريط كتابي يدور حول رقبة القبة مما يدل على أنه مسجد ، ويطلق عليه اسم القبة ، وصفتها عبارة عن بناء مربع الشكل تقريباً يصعب قياسات أضلاعه من الخارج لإحاطتها بالمباني الملحقة بها عدا الجهة الجنوبية والتي ليست كاملة إذ تقطع المباني أجزاءاً كبيرة من هذه الواجهة ويفتح فيها مداخل ، والمدخل يطل على صرح من الجهة الجنوبية ، وقد دعمت هذه الواجهة حديثاً بجدار مستحدث بني بطريقة الأبلق ومؤرخ بسنة ( 1416 هجرية ـ 1996 ميلادية ) ، تقوم على الجدران قبة ضخمة كبيرة شاهقة الارتفاع تبدو وكأنها ضحلة لضخامتها مع أنها مرتفعة كثيراً على رقبة مستديرة وزينت من الخارج بخطوط بارزة لتبدو للناظرين وكأنها مضلعة ، ويتم الوصول إلى داخل القبة عن طريق المدخل الجنوبي الذي يفضي إلى قـاعـة مـربعـة الشكل تفاوتت أبـعـادهـا قليلاً عـلـى النحو الآتي : الشرقي طوله ( 12.10 م ) والغربي ( 12.55 م ) ، والشمالي والجنوبي ( 12.60 م ) ، وقد يعزي هذا التفاوت إلى استخدام الحجارة غير المهندمة وسمك الجدار الذي يحمل القبة مما صعب على البناء ضبط الأبعاد .

    - المحراب: يتصدر جدارها الشمالي حنية عميقة عرضها ( 1.10 م ) وعمقها ( 1.20 م ) ، وارتفاعها ( 2.20 م ) ، وهي ذات عقد نصف دائري توجَّت بكوة مفصصة ، يفصل بينهما شريط كتابي نصه : ( يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ) ، ويقوم العقد على عمودين مخلقين زين بدنهما بزخارف هندسية لهما تيجان تتكون من قسمين : الأسفل دائري الشكل مزين بخطوط متكسرة ، والأعلى مربع الشكل مزين بزخارف نباتية ، كما زينت واجهة العقد بشريط كتابي بخـط الثلث ينص على : ( قال الرسول صلى الله عليه وسلم من بنا بيتاً لله بنى له الله بيتاً في الجنة ولا يصلي فـي ذلك المسجد أحداً إلا وله مثل أجره جنات تجرى من تحتها الأنهار ………. تقبل الله منهم ) ، كما يكتنف الحنية عمودان آخران مندمجان لهما تيجان يشبهان سابقيهما يقوم عليها عقد مدبب ، يفصل بين الأعمدة والعقد شريط كتابي ينص على : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله فاطمة أمة الله ) زين العقد بزخارف عربية مورقة ، كما تزين توشيحتي العقد زخارف نباتية ، قوامها وريدات سداسية البتلات ، وعلى جانبي توشيحتي العقد شريطان كتابيان نصهما :

    - الأيمن : عمل " محمد بن يحيى شرف الصانع الصنعاني " عفا الله عنه وعن كافة المسلمين .

    - الأيسر : أمر بتشييع هذا المسجد المبارك سنة ( تسع وأربعين وثمان مائة ) .

    ويقع على جانبي حنية المحراب لوحتان مستطيلتا الشكل ، زين وسطها بشكل هندسي مثمن الأضلاع ، زينت بزخارف عربية مورقة تحيط بها كتابات - في الجهة اليمنى - نصها : ( المنة لله إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) ، أما الجهة اليسرى فنصها : ( أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) صدق الله العظيم .

    ويوجد على جانبي المحراب خزانتان شرقية وغربية يغلق عليهما مصراعان من الخشب نقشت عليهما كتابات تتضمن أبيات شعرية تتكون من سطرين :

    - الأول : فاقت ثلاء رفيع القدر مولانا حامي المكارم من سراً وعلانية

    محمد البدر نجل الشبل العلم الهادي ثمرات الورى فضلاً وإحسانا

    - الثاني : وضريحه أشرقت بنور طلعته وشمخت حسناً وإتقاناً

    به ثلاء شرفت قدراً كما شرفت أرض بها المصطفى على الورى إنسانا .

    ولهذين البيتين دلالة على أن القبة ليست للصلاة فحسب - بل وضريح - وإلا ما كان تسجيل هذه الكتابات داخل القبة ـ المسجد ـ .

    كما فتح في القبة مدخلان آخران ، الأول يقع في الركن الجنوبي الغربي ويؤدي إلى المطاهير ، والثاني فتح في الضلع الجنوبي أسفل الحنية الشرقية ويؤدي إلى حجرة صغيرة تستخدم مخزناً ، إلى جانب ذلك تفتح في الجدار الشرقي نافذة كبيرة عرضها ( 1.46 م ) و ارتفاعها ( 2.14 م ) ، وينتصف جدران القاعة حنايا ركنية عميقة وكبيرة تتناسب مع سعة القاعة وضخامة القبة ، ذات عقود نصف دائرية وعلى جانبي كل حنية حنيتين صغيرتين تبدوان كأنهما مفصصتان ، مما يدل على أن للقبة منطقتي انتقال ، الأولى الحنايا الركنية الكبيرة ، والثانية الحنايا الصغيرة التي تعلو الحنايا الكبيرة ، تعلو الحنايا الصغيرة رقبة القبة ، وهي مستديرة الشكل زينت بشريط كتابي نفذ بخط الثلث على مهاد من التفريعات النباتية وبلون أبيض على أرضية زرقاء ونصه : ( بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين والحمد لله رب العالمين وصلوات الله وسلامه على النبي الأمي أفضل خلقه أجمعين وعلى سائر النبيين والمرسلين والأنبياء والصالحين ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ، اللهم نستودعك لا تضيع ودائعك يا حفيظ احفظ فالله خير حافظ وهو أرحم الراحمين ) ، إن عمارة هذا المسجد المبارك أمر بتشيعه " محمد بن الهادي بن أمير المؤمنين المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي بن الحسين نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم " تقبل الله منه وعفا عنه وغفر له ورحمه وجميع المسلمين .

    ويعلو الرقبة قبة شاهقة الارتفاع فتحت في بدنها نوافذ مستطيلة غطيت بالقمريات ، وتعتبر هذه القبة من أكبر القباب باليمن فقد أقيمت على مساحة كبيرة مما يدل على أن اليمن عرفت القباب الكبيرة التي تغطي مساحات واسعة منذ ذلك العصر .

    - التركيبة التي أقيمت على القبر : كما أسلفنا أن القبة لم تبن ضريحاً ، ومع ذلك فقد وجدت كتابات بأبيات شعرية تدل على أن القبة ضريح ـ أيضاً ـ ، والتركيبة تقع إلى اليمين من مدخل القبة وهي تعلو قبر " محمد بن الهادي " ، وتتكون من مستوى واحد أخـذت الشكل المستطيل طولها ( 1.45 م ) وعرضها ( 1.25 م ) ، وارتفاعها ( 1.05 م ) ، غطيت بالجص ، ولا نعرف ماهية المادة التي بنيت منها ويحتمل أنها آجر وجص .

    - شاهد القبر : يتصدر شاهد القبر الواجهة الغربية للتركيبة ، وهو عبارة عن لوح مستطيل طوله ( 67 سم ) ، وعرضه ( 37 سم ) ، ويتكون من ( 24 سطراً كتابياً ) يتقدمهم ثلاثة أسطر كتابية نصها :

    - سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء

    - وقهر العباد بالموت والفناء

    - الحسن والحسين سبطا رسول الله

    ويتصدر هذه الأسطر الكتابية شكل لوزة تزين داخلها بكتابات تنص على : ( قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) أما نص الشاهد فهو كالتالي :

    - بسم الله الرحمن الرحيم إن المتقين

    - في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا

    - قبل ذلك محسنين كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون

    - وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل

    - والمحروم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم من وقف على قبر مسلم

    - وقال الحمد لله الذي لا يبقى إلا وجهه ولا يدوم إلا ملكه وأشهد أن لا إله إلا الله

    - وحده لا شريك له إلهاً واحداً صمداً فرداً وتراً لم يتخذ صاحبة ولا

    - ولداً لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد وأشهد أن محمد صلى الله عليه

    - عبده ورسوله جزا الله محمد عنا خيراً بما هو أهله وصلى عليه وعلى عشيرته

    - الطيبين الأخيار المصطفين الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس

    - وطهرهم تطهيراً ، غفر الله للميت ذنب خمسين سنة وكتب للقائل أربعين ألف

    - حسنة ومحا عنه أربعين ألف سيئة ورفع له أربعين ألف درجات في الجنة

    - وقال صلى الله عليه وعلى آله من زار قبراً من قبور أهل بيتي ثم مات في عامه الذي زار فيه

    - وكل الله بقبره سبعين ملكاً يسبحون إلى يوم القيامة وقال صلى الله عليه وسلم من

    - زار قبراً من قبور أهل بيتي يريد بذلك بري وصلتي زرته بالموقف يوم القيامة فآخذ

    - بعضده أنجه من أهوالها وشدائدها ، هذا قبر العبد الحقير الخائف المستجير

    - المقصر في طاعة ربه الراجي لرحمة ربه محمد بن الهادي بن أمير المؤمنين المؤيد بالله

    - يحيى بن حمزة بن علي بن الحسين نسل رسول الله رحمه الله رحمة واسعة

    - وغفر له مغفرة جامعة ، وقد أوصى إلى جميع إخوانه من المسلمين والمسلمات أن يبروه

    - بما أمكنهم من أنواع الحسنات من قراءة ودعاء أو استغفار أو صدقة أو صلاة أو صيام

    - أو غير ذلك من وجوه الحسنات تقبل الله منهم وجزا من فعل ذلك خيراً وأحسن إليه

    - كانت وفاته رحمه الله ظهر يوم الثلاثاء آخر يوم من

    - شعبان سنة تسع وأربعين وثمان مائة فرحمه ربي

    ويحيط بالشاهد من جميع جهاته شريط كتابي بمادة الجص طمست معالمه .

    4- مدرسة الإمام شرف الدين : تعتبر هذه المدرسة واحدة من سبع مدارس أنشأها المتوكل على الله " يحيى شرف الدين بن شمس الدين بن المهدي أحمد " ، والذي ينتهي نسبه إلى الإمام " الهادي بن الحسين " ( 877 - 965 هجرية ) ، أما البقية فهي في أنحاء متفرقة من اليمن ، يطلق عليها جميعاً مدرسة الإمام " شرف الدين " ، وإن لم يكن لهذه المدارس صفات المدارس المعروفة بمصطلحاتها من حيث تدريس بعض المذاهب الدينية ، فقد كانت بمثابة مساجد أطلق عليها مصطلح مدرسة ، وذلك لما عرفه الناس في عصر الدولة الرسولية حيث كانت مدارسهم متخصصة في تدريس بعض المذاهب السنية ، وقد كانت مدارس الإمام شرف الدين من المراكز الهامة في تدريس العلوم الإسلامية بها ، وتخرج منها عدد كبير من العلماء ورجال الدين في شتى فنون المعارف الإسلامية ، والمدارس السبع التي أنشأها الإمام المتوكل على الله " يحيى شرف الدين " قد روعي في كل منها أن تحتوي على مسجد للصلاة ومقصورة في مؤخرة المسجد للعلماء والمتعلمين تُدرس فيها العلوم ، بالإضافة إلى مكتبة موقوفة على العلماء والمتعلمين مع بناء غرف صغيرة في ساحة المسجد كمساكن للطلبة ، وجعل في كل مدرسة منها ما تحتاج إليه ، ووقف على المتعلمين فيها المرتبات اللازمة لمعيشتهم ، والمدارس السبع هي ( مدرسة صنعاء ، مدرسة ذمار، مدرسة السودة ، مدرسة ظفير حجة ، مدرسة ثلاء ، مدرسة كوكبان ، مدرسة حجة ) .

    تعد مدرسة ثلاء واحدة من تلك المدارس ، حيث تضم ملحقات عديدة ، من أهمها جامع أو مسجد صغير وإيوان وقبة كبيرة وضريح فضلاً عن الملحقات العديدة الأخرى ، تقع هذه المدرسة على مشارف مدينة ثلاء مـن الناحية الجنوبية حيث يصعد إليها مـن خلال عدد مـن درجات السـلالم الحجـرية ، يتم الدخول إليها – حالياً- من خلال المدخل الوحيد في الضلع الشرقي من السور الحالي ، ويفضي هذا المدخل إلى فناء واسع مستطيل الشكل تتوسطه بركة مياه كبيرة يكتفنها من الناحيتين الشمالية والجنوبية درجات مستطيلة كبيرة من السلالم الحجرية ، تطل واجهة الوحدات المعمارية الرئيسية على الفناء من الناحية الغربية حيث يصطف في الناحية الشمالية الإيوان ، إلى الجنوب منه مسجد صغير ، يليه جنوباً - أيضاً - قبة كبيرة ملحق بها ضريح صغير ، وتقع بعض المباني المتهدمة في الناحية الجنوبية الشرقية ، التي كانت بمثابة مساكن للطلبة والأساتذة ويصعد إليها بواسطة عدد من درجات السلالم ، ويؤدي إليها ممر قصير على جانبه الشرقي بعض المقابر القديمة ، عليها شواهد قبور لعلماء وفقهاء ، وفي الناحية الغربية يوجد دهليز كبير ضمن ملحقات المدرسة ، وفيما يلي وصف دقيق لبعض الوحدات المعمارية .

    - الإيوان : تبدأ عمائر الجانب الشرقي بالإيوان في الناحية الشمالية ، وهو مستطيل الشكل ، يفتح على الفناء بعقد كبير مدبب ممتد واسع سعته ( 3.42 متر ) ويغطيه سقف مسطح من الخشب ، ويتوسط جداره الشمالي محراب ، وأغلب الظن أن هذا الإيوان كان يستخدم في التدريس.

    - المسجد : يقع المسجد إلى الجنوب مباشرة من الإيوان السابق ، وبواجهته مدخلان متجاوران ويفضي المدخلان إلى المسجد مباشرة أو بيت الصلاة ومساحـتها مستطيلة الشكل طولها ( 11.44 متراً ) وعرضها ( 8.6 متراً ) ، مغطاة بسقف خشبي مسطح محمول على أربعة أعمدة مرتفعه تقوم عليها عوارض خشبية كبيرة وسميكة ممتدة من الشمال إلى الجنوب ، ومن المرجح أن سقف هذا المسجد كان مكوناً من مصندقات خشبية على غرار المصندقات التي تمثل أسلوباً فنياً وصناعة محلية في اليمن ، وقد بقي بعضها ضمن السقف المجدد - حالياً – في هذا المسجد ، ويتوسط الجدار الشمالي محراب من الجص متوج بعقد ذي إطار مفصص تعلوه جامة دائرية بداخلها كتابة بخط النسخ تقرأ ( الله ) ، يلاحظ في الناحية الجنوبية للمسجد مساحة صغيرة مستقطعة من مساحة المسجد بواسطة عقد كبير ممتد على هيئة ( حذوة فرس ) ، سعة فتحة العقد ( 3.42 متر ) ، وتعتبر هذه المساحة المستقطعة – حالياً – بمثابة ردهة قصيرة ، يتم الدخول من خلالها إلى القبة الرئيسية من الجنوب مباشرة من مساحة المسجد عن طريق فتحة مدخل ضيقة سعتها ( 52 سم ) ، وارتفاعها ( 1.55 م ) .

    - القبة : هي عبارة عن قاعة كبيرة أبعادها من الداخل ( 5.12 × 4.44 متر ) ، تغطيها قبة كبيرة مرتفعة تتكون مناطق انتقالها من أربع حنايا ركنية كبيرة وعميقة ، تحصر بينها - أيضاً - أربع حنايا مجوفة مصمتة ومعقودة بشكل زخرفي من مادة الجص ، هذا ويلاحظ وجود مقبرة في الناحية الشمالية جهة مدخل هذه القبة ، عليها بناء مستطيل من الآجر المغطى بطبقة من الجص ، كما يظهر عليه آثار بعض الكتابات المطموسة – حالياً- نتيجة للطلاء الذي طليت به مؤخراً ، والواقع أن زخارف هذه القبة تشكل في حد ذاتها وحدة فنية رائعة من أعمال الزخارف الجصية في اليمن في ( القرن العاشر الهجري ـ السادس عشر الميلادي ) إذ أنها مزدانة بدرجة لافتة للنظر بأشرطة الكتابات بخط النسخ والزخارف النباتية والهندسية التي تملأ باطن القبة وبواطن الحنايا الركنـية والدخـلات الصماء ، وتتركز الزخـرفة على جـدران القـبة وعلى الجدار الشمالي ؛ إذ يلاحظ وجود زخرفة جصية لمحراب صغير بوسط الجدار متوج بعقد مدبب تلعوه زخرفة الدروع البارزة وتكتنفه من الناحيتين أشكال البخاريات المزدانة بالتفريعات النباتية والأوراق المتعددة الفصوص ، فضلاً عن الأشرطة الكتابية ، وتتعد العناصر الزخرفية الجصية بهذه القبة لتشمل العناصر الكثيرة نذكر منها ، أشكال الورد ، والأوراق النصلية ، والرمحية ، ومناطق الدروع البارزة ، وثمار الرمان ، والأشكال النجمية ، وخلايا النحل ، والأشكال الخماسية ، والسداسية ، والإطارات المفصصة ، والأشكال التي تشع من مركز واحد ، تفتح هذه القبة في الناحية الشرقية على حجرة صغيرة مغطاة بقبة ضحلة ( مقعرة ) بواسطة عقد متسع يبلغ اتساعه ( 2.33 م ) وارتفاعه ( 2.73 م ) يشكل مدخلاً يصل بين الحجرتين وتتوسطها مقبرة تعلوها تركيبة خشبية ممتدة من الشرق إلى الغرب أبعادها ( 2.38 م × 1 م × 88 سم ارتفاعاً ) .

    ويتضح من الكتابات العديدة في الأشرطة الجصية لجدران هذه الحجرة أنها خاصة بقبر الإمام " المطهر بن شرف الدين " صاحب المدرسة ، حيث يقرأ من هذه الكتابات العديدة : ( بسم الله الرحمن الرحيم هذه قبة مولانا سيد المقام المجاهد في سبيل ذي الجلال والإكرام .. فخر الديـن والإسـلام المطهر بن أمير المؤمنين المتوكل على الله رب العالمين والد شمس الدين بن أمير المؤمنين بـن يحيى مرتضى نسل رسول رب العالمين عليه أفضل الصلاة والسلام ) ، هـذا وتغطي هذا المدفن الصغير قبة مقعرة الشكل .

    لقد ارتبط اسم الإمام " المطهر بن شرف الدين " ارتباطاً كبيراً بمدينة ثلاء وذلك من خلال الأحداث التي حدثت في عصره حيث إنـه اشتهر بتصديه للوجود العثماني في اليمن مع والده أولاً ، ثم انفرد بالسلطة بعد وفاة والده سنة ( 969 هجرية ) ، وكان من دهاه الرجال ، ويعتبره اليمنيون زعيماً يمنياً مخلصاً ، لأنـه خلص اليمن – ولفترة – من العثمانيين توفي سنة ( 980 هجرية ) ، وارتباط اسمه بمدينة ثلاء يعود إلى المعارك التي دارت بينه وبين العثمانيين في حصن ثلاء ، لقد اضطر في أواخر معاركه مع العثمانيين على أن يتحصن في مدينة ثلاء ، وقام بقذف الأحجار الضخمة منها على العثمانيين الذين أرادوا اقتحام الحصن إلا أنهم لاذوا بالفرار.

    ب- مدينة حبابة :

    تقع مدينة حبابة شمال غرب العاصمة صنعاء ، وتبعد عنها حوالي ( 45 كيلومتراً ) تقريباً ، ضمن النطاق الإداري لمديرية ثلاء ، فهي مدينة جميلة محاطة بسور دفاعي يحمي المدينة من أي هجوم مباغت ، وتحف الأبراج معظم أجزاء ذلك السور ويحف بالبوابة الرئيسية للسور برجان للحماية والدفاع عنها ، أما المدينة القديمة التي تقع داخل السور فتمتاز بتصميمها المميز للشوارع والمباني الخاصة للمنازل ؛ إضافة إلى المباني العامة ، وقد ذكر الحجري في كتابه معجم البلدان : أنها تحتوي على العديد من المساجد ، وكانت مدينة حبابة في السابق تشتهر بصفة خاصة بمعاصرها التي تستخرج الزيوت من الحبوب ، ومازالت مواضعها قائمة إلى وقتنا الحاضر ، وتعاصر مدينة حبابة مدينة ثلاء في كونها تعود إلى الفترة المبكرة من العصر الإسلامي ولكن مدينة ثلاء ظلت محتفظة بعمران مبانيها السكنية بينما المباني السكنية في مدينة حبابة قد هُجرت العديدة منها وأصبحت أطلالاً وخرائب ، وانتقل السكان إلى بناء منازلهم خارج الأسوار ، ومع ذلك ظلوا ـ أيضاً ـ محافظين على الطابع المعماري القديم .

    وتوجد بجوار مدينة حبابة سائلة تتجمع مياهها من أعلى جبال حضور المطل على جبل الزكاتي وتصب في قاع البون ، وقد أقيمت المدينة بجوار هذه السائلة وأسفل جبل ثلاء ، ذلك الجبل الذي يحتوي في قمته على بعض الخرائب القديمة .

    ج - حقة همدان ( معبد بررن ) :

    تقع حقة همدان شمال غرب العاصمة صنعاء ، وتبعد عنها حوالي ( 22 كيلومتراً ) تقريباً ، فهي ضمن النطاق الإداري لمديرية ثلاء ، تحاذي ضوران من الجهة الجنوبية الغربية ، وتحتوي على موقع أثري قديم يعود تاريخه إلى عصور ما قبل الإسلام ـ عرف باسم معبد ( بررن ) ـ ، ومعارفنا عنه جاءت عقب الحفريات الأثرية التي أقيمت فيه في عام ( 1927 م ) ، من قبل الألمانيين ( فون فيسمان ، وراثجنس ـ Wissmann . H.V , Rath jens . C ) والتي كشفت عن معبد قديم يعود تاريخه إلى ما بعد ( القرن السابع قبل الميلاد ) .

    فهو عبارة عن بناء مستطيل الشكل ، تتقدمه منصة أقيمت على تسعة أعمدة وثلاثة أروقة تحيط بذلك البناء بشكل حرف ( U ) يتكون الرواقان الجانبيان من غرفة مستطيلة أقيمت أمامها منصة تشرف على الصحن ( الفناء ) المكشوف في الوسط ، أما البوابة فهي في الجدار الجنوبي في الرواق المقابل للبناء المستطيل الذي يمثل قدس الأقداس بالنسبة للمعبد ، وبناؤه يعتبر تحفة فنية رائعة تعكس مدى التطور في بناء المعابد في الهضبة ، وتصميمه يشبه تصميم الجامع الإسلامي .

    ومن خلال دراسة النقوش التي عُثر عليها أثناء الحفريات في المعبد عرفنا أن اسم هذا المعبد هو ( ب ر ر ن ) وهو مكرس للإلهة ( ذات بعدان) إحدى الإلهات السبئية الكبيرة إلى جانب ( عثتر ، هوبس ، المقة ، ذات حميم ) ، وبذلك فإن هذا الموقع كان يتبع الدولة السبئية ، وله أهمية خاصة تظهر من خلال البناء الضخم للمعبد .

    3- مدينة ريدة :

    تقع مدينة ريـدة شرق مدينة عمران على بعد ( 22 كيلومتراً ) ، يصل إليها الطريق الإسفلتي الممتد بين مدينة عمران ومدينة حوث ، وتشتهر مدينة ريدة " بريدة البون " نسبة إلى " قاع البون " الذي تقع مدينة ريدة في شرقه واسم ريدة شهير فهناك كثيراً من المواضع تحمل نفس اسم ريدة خاصة في حضرموت .

    الاسم ( ريدة ) ، اسم قديم ظهر في أول الأمر في النقوش اليمنية القديمة ( ريدت ) ، وهي مدينة أنشأها السبئيون في مرحلة الاستيطان السبئي في القيعان ( قاع البون – قاع صنعاء – قاع جهـران ) ، وذلك في مطلع ( القرن الأول الميلادي ) ، وكانت تقيم فيها قبيلة بكيل أرباع ذريدت ، إلى جانب خليط من الناس الذين تعود أصولهم إلى نفس المنطقة .

    وكانت الإلهة ( ذات بعدان ) وهي الإلهة الرسمية بمدينة ريدة كما جاء في النقوش ويحتمل وجود معبد خاص بها في خرائب المدينة القديمة ، والإلهة ( ذات بعدان ) تدخل ضمن نطاق الآلهة السبئية التي عرفت عبادتها في معظم المناطق السبئية ، وهو ما يؤكد أن المدينة أنشئت من قبل السبئيين .

    وفي العصر الإسلامي اشتهرت مدينة ريدة بمعالمها ، فمؤرخ اليمن الجليل " الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني " ، المولود بصنعاء في نحو الربع الأخير من ( القرن الثالث الهجري ) ، والمتوفى حوالي منتصف ( القرن الرابع الهجري ) ، وقد تعرض هذا العالم للسجن لأن الملوك غضبوا عليه، وهم ولاة صنعاء في سنة ( 319 هجرية ) ومنهم الإمام " الناصر والأمير أسعد " ، وربما ـ أيضاً ـ " أبو الفتوح الخطابى " والي صنعاء ، وظل مسجوناً لمدة ( 21 شهراً و 19 يوماً ) ، وبعد أن خرج من السجن لم يكن بمأمن ، فقد ظل مطارداً إلى أن استقر في مدينة ريدة وبها قضى الهمداني بقية عمره من سنة ( 321 هجرية ) إلى تاريخ وفاته الغير معروفة تماماً ، ولعل أهم سبب دعاه للبقاء في مدينة ريدة وجود سند عائلي وقبلي ، فقد كان من سكانها " آل القاسم العثاريون " أصهار " آل جد الهمداني الأول يعقوب بن يوسف بن داوود بن سليمان " الذي نعتهم الهمداني برهطة ، ورهط الهمداني من بكيل وينتمون وفق سلسلة النسب عـنده إلى همدان ، وكانت قاع البون آنذاك هي بلاد همدان ، ويذكر " الهمداني " مدينة ريدة في كتابه " صفة جزيرة العرب " ويقول : ( إنها من قرى همدان في نجدها ، وبها البئر المعطلة والقصر المشيد وهو ( تلفم )) ، وربما كان الأصح ، كما هو في النقوش ( تلقم ) ، وكان بها " علي بن المفضل " ، كليمهم المنظور إليه منهم وله شرف وسؤدد وتقدمه عند الملوك ، كما كان في مدينة ريدة سيد همدان آنذاك " أبو جعفر أحمد بن الضحاك " الذي تعمر طويلاً - مدحه " الهمداني " وقيد أيامه وكان له الخل والصاحب - وابن الضحاك الذي تعمر طويلاً عرف بكثير من الوقائع والأيام بين أتباعه وبين الإمام " الهادي يحيى بن الحسين " وأولاده من بعده ، ومن أسباب استقرار " الهمداني " في مدينة ريدة وقوعها على مقربة من العديد من مواقع الآثار اليمنية القديمة التي عني " الهمداني " بزيارة واستقراء نقوشها ويتكرر في مؤلفاته ذكر قراءته لنقوش ناعط وتلقم وريدة وعمران ، كما ذكر الهمداني بأنه نقل كثيراً من أخبار البونيين ـ نسبة إلى سكان قاع البون ـ عن زبور قديم بخط " أحمد بن موسى " عالم أهل البون والأرجح أنه اتخذ ـ أيضاً ـ من مدينة ريدة منطلقاً لتنقلاته في أنحاء اليمن ، وفيها اشتغل بالتأليف الغزير ، ففيها كتب الإكليل بأجزائه العشرة ليكون موسوعة الحضارة اليمنية ، وقد أشار في أكثر من موضع في كتاباته أن إقامته في مدينة ريدة كانت أغنى فترات التأليف عنده ، ومؤلفات " الهمداني " التي وصلتنا في مجالي التأريخ والآثار تمتاز بكونها تتجاوز في كثير منها طابع الخرافة والقصص إلي روايات تاريخية وإلى تدوين علمي لما شاهده بنفسه من آثار اليمن القديمة وبقايا أبنية وقصور وسدود وقد كشفت التنقيبات الأثرية مؤخراً عن مصداقية لكثير مما روى أو رأى ، وكتابه المعروف بالإكليل يعتبر اليوم دليلاً هاماً للمشتغلين بالآثار اليمنية القديمة ، كما يعتبر كتابه " صفة جزيرة العرب " أول عمل علمي جغرافي في ( القرن العاشر الميلادي ) في إطار الحضارة الإسلامية إذ يحوي مادة جغرافية محددة المعالم وواضحة الإطار في عهد لم يكن علم الجغرافيا علماً قائماً بذاته ، وقد استطاع أن يقيم في كتاب واحد كل معارف عصره الجغرافية ومناهجها ، وهي معارف ومناهج قل أن ترد إبان ذلك العصر في كتاب واحد ، كما كان " الهمداني " إلي جانب ذلك كله فقيهاً وشاعراً ولغوياً وفلكياً وفيلسوفاً متعدد المشارب ، غني بالمعارف اسهم في إثراء التراث العربي الإسلامي إسهاماً بيناً ، وهذا ما رفعه إلى مصاف علماء المسلمين البارزين أما أهم بقايا مدينة ريدة القديمة فهي تلك الخرائب التي تنتشر في شرق المدينة ، وتشتمل على جبل ريدة الذي أشار إليه " الهمداني " إلى أنه يضم خرائب قصر تلقم في قمته ، كما تنتشر على الأكمات المجاورة لمدينة ريدة العديد من الخرائب التي تعود إلي عصور ما قبل الإسلام ، خاصة بقايا الأعمدة الحجرية المزينة برسوم لعناصر مختلفة إلا أن الأهالي ـ حالياً ـ يقومون بنزع الأحجار القديمة من الخرائب لبناء منازل حديثة لهم ، وسنستعرض هنا لخرائب قصر تلقم وهويته ثم سنلحقه بأسماء العلماء والباحثين الذين اشتغلوا في آثار مدينة ريدة أو زاروها فقط .

    1- قصر تلقم : لقد دارجدل طويل حول الاسم فيما إذا كان ( تلفم ) أو ( تلقم ) أو ( تلثم ) فقد ذكره " الهمداني " باسم ( تلفم ) في الجزء الثاني من الإكليل إلا أن النساخ لهذا الجزء من كتاب الإكليل قد نقلوه مرة ( تلقم ) ومرة أخرى ( تلثم ) ونقطة الخلاف تدور حول الحرف الثالث من الاسم فيما إذا كان ( ف ، أو ق ، أو ث ) ولكن ظهر اسم ( تلقم ) في النقوش اليمنية القديمة التي عُثر عليها في مدينة ريدة والمناطق المجاورة لها ، وبذلك زال الشك في الاسم ، وتلقم كما جاء في النقوش - وخاصة النقوش الموسومة بـ ( RY . 533 , Nami . 23 , ; RES . 4193 ) - هو اسم لمدينة ( هـ ج ر ن / ت أ ل ق م ) ، وهي مدينة مجاورة أو ملاصقة لمدينة ريدة كما يفهم من النقوش ، وكان فيها معبد خاص بالإلهة ( شمس ) صاحبة معبد ( تألقم ) ، وعليه فإن القصر الذي ذكره الهمداني ما هو إلا مبنى معبد الإلهة ( شمس ) والذي يحمل الاسم القديم ( تألقم ) وهو الذي تنتشر الآن أعمدته ونقوشه وأحجاره في أجزاء متفرقة من المدينة وبعضها الآخر استخدم في بناء المباني الحديثة ، وقد أكد وجود المعبد بل المعبدبن في مدينة ريدة العلماء والباحثون الذين زاروا ريدة وفي مقدمتهم المستشرق النمساوي ( إدوارد جلازر ـ Glaser . E ) الذي زارها في شهر ديسمبر من عام ( 1883 م ) ، ونقل منها نقوشها كما قدم وصفاً لبقايا مبانيها القديمة ، ثم زارها " يحيى خليل نامي " في سنة ( 1936 م ) ، ونقل منها نقشين كانا يزينان أحد المباني في مدينة ريدة آنذاك ، ثم زارها المستشرق ( بارثوكس ـ (Barlhoux.j في عامي ( 36 - 1937 م ) ، ثم زارها المستشرق الروسي ( جرياز نيفتش ) في إبريل ( 1971 م ) ، وأخيراً البعثة الأثرية الفرنسية (MAFRAY ) في أكتوبر ( 1972 م ) ، وهي التي أكدت أن في مدينة ريدة يوجد معبدان للآلهة القديمة هما معبد للآلهة ( شمش ) الذي سبق وأن ذكرنا بأن الهمداني سماه قصر ( تلفم ) ، أما الآخر فهو معبد للإله ( سمع ) ولكن نتيجة للتوسع العمراني في مدينة ريدة لا يمكن تحديد موضعه بالضبط ، كما يوجد الآن في مدينة ريدة مسجدها المشهور بجامع الحسين ، وهو جامع بني بالكامل بأحجار أثرية من خرائب المدينة القديمة وفيه قبر الإمام " المهدي الحسين بن القاسم " المتوفى في سنة ( 404 هجرية ) .

    ب- قرية الغولي :

    " قرية الغولي " أحد قرى مديرية ريدة ويطلق هذه الاسم على جبل مرتفع في أقصى قاع البون من جهة الشمال الغربي ويبعد عن مدينة ريدة قرابة ( 8 كيلومتراً ) ، والاسم له تفسير قدمته النقوش التي عُثر عليها في خرائب المنطقة ، فقد جاء اسم ( ع ج ب م ) كاسم لأسرة كانت تسكن المنطقة، أما الغولة فهو يطلق على منطقة ذات تشكيلة طبوغرافية معينة .

    وأول من زار غولة عجيب كان الباحث اليمني " أحمد حسين شرف الدين " في منتصف ( عقد الستينات من هذا القرن ) ، وقد أشار إلى الجبل الذي يطلق عليه عجيب بأنه جبل يقع في وسط منطقة غنية بالآثار ومن حول الجبل تتناثر خرابات عديدة ، وفي وسط النقيل أو في قرية الغولي بالضبط يوجد آثار قصر ضخم يسميه الأهالي هناك ( قصر شاهر ) ثم زار هذا الجبل المستشرق الروسي ( جريازنيفتش ـ P.A.Grjaznevic ) ، ومـؤخراً زاره المستشرق الفرنسي ( كريستيان روبان ـ Christian Robin ) ، وهو الذي قام بدراسة لهذه المنطقة ، وجمع من ( غولة عجيب ) عدة نقوش ومخربشات ، أهمها نقش طويل يذكر الاسم القديم للمدينة التي كانت تقوم في ( غولة عجيب ) ، وهي مدينة ( ذمطتم ) ، ( هـ ج ر ن / ذ م ط ت م ) ، وقد كانت تضم هذه المدينة ضمن مبانيها معبداً ضخماً شيد للإله ( المقة ) ، وكان يسمى ( ر ي م ن ) ، وبقاياه أو خرائبه تقع في ذلك الموضع الذي يطلق عليه الآن ( قصر شاهر ) ، والذي سبق أن شاهده " أحمد حسين شرف الدين " ، ويبدو من خلال ذلك النقش الذي نشره ( كرستيان روبان ) أن ( غولة عجيب ) كانت تتبع بشكل أو بآخر مقولة " شبام أقيان " التي كانت " شبام كوكبان " حاضرتها .

    ج - ناعـط ـ قرية العصا ـ :

    ناعط ـ قرية العصا ـ قرية من قرى مديرية ريدة ، تقع في بلاد خارف من حاشد شرق مدينة عمران وتبعد عنها حوالي ( 12 كيلومتراً ) تقريباً ، وتبعد عن مدينة ريدة حوالي ( 20 كم ) إلى الجنوب الشرقي منها ، وهي بلدة مشهورة كثيراً بالآثار التي تعود إلى عصور ما قبل الإسلام ، وقد وصفها " الهمداني " في كتابه الموسوعي الأكليل الجزء الثامن بقوله : ( قد نظرت في بقايا مآثر اليمن وقصورها سوى غمدان فإنه لم يبق منه سوى قطعة من أسفل جدار ، ولم أر مثل ناعط ، ومأرب ، وضهر ، ولناعط الفضل ، وهي مصنعة بيضاء مدورة ، منقطعة في رأس جبل ثنين ، وهو أحد جبال البون ومرتفع مقابل لقصر تلفم ، وهو جـبل في سرة همدان ، وهي ريـدة مسكن الهمداني ، فمن قصور ناعط قصر " الملكة الكبير " الذي يسمى " يعرق " ، ومنها قصر " ذي لعوة المكعـب " ، وذلك لكعاب خارجية في معازب حجارته والمعازب جمع معزب وهي قطع الحجارة الضخمة الموقصة ـ المهندمة ـ على هيئة الدرق الصغار ، وذرعت في معزب منه ( سبعة أذرع إلا ثلث بالذراع التامة ) ، وبها عمرا هذان القصران ما يزيد على عشرين قصراً كباراً ، سوى أماكن الحاشية ، وكان عليها سور ملاحك ( متلاحم ) بالصخر المنحوت ، وما فيها من قصر إلا وتحته كريف للماء مجوف في الصـفاء مصهرج ، فما نزل من السطح ابتلعته ، وفيها الإسطوانات العظيمة ، طول كل واحدة منها ( نيف وعشرون ذراعاً مربعة ) ، ولا تحضن الواحدة منها إلا رجلين ، وفيها بقايا مسامير حديدية ، قيل إنها كانت مراقي إلى رؤوسها ، وإنه كان يثقب عليها الشمع إذا أرادوا الصرخة فتنظر النار من جبل سفيان الذي يشفي على عيان ، ومن جبل حضور ورأس مدع ، وجبل ذخار ، وظاهر حزقان .. ) ، وذلك الوصف جعل الكثير من الباحثين والدارسين لحضارة اليمن القديم ، يقومون بزيارة ناعط للتأكد مما أورده " الهمداني " ، وفي مقدمتهم المستشرق النمساوي ( إدوارد جلازر ـ Glaser .E ) ، الذي زارها في ( 1882 م ) ثم مؤخراً في ( 1936 م ) زارها المصري " خليل يحيى نامي " ، والذي قام بجمع ونشر مجموعة من نقوشها القديمة ، ومن خلال الوصف الذي قدمه " نامي " لناعط نجد أن " الهمداني " قد أجاد في وصف المدينة والنقوش التي تزين جدران قصر ناعط ، ونضيف إلى وصفه قصيدته التي يصف فيها ناعطاً - أيضاً - شعراً : فمن يك ذا جهل بأيام حميـر وآثارهم في الأرض فليأت ناعـطا

    يجـد عمداً تعلو القنا مرمرية وكرسي رخـام حولـه وبلائـطا

    ملاحك لا ينفـذ المـاء بينها ومبهومـة مثل الفـراخ خرائـطا

    على كرف من تحتها ومصانع لها بسقوف السطح ليس وقـابطـا

    تخال حنين الريح في نزعاتها إذا اخترقت بين الزئيـر برايطــا

    كأن رفعت عنها البنات أكفها بأول يـوم قـبل أمسـك فارطــا

    ترى كل تمثال عليها وصورة سباعاً ووحشاً في الصفاح خلائطا

    نجائب ما تنفك تنظر قابضـاً لإحدى يديه في الجبال وباسـطـا

    ومستنفعات من عقاب وأجدل على أرنب هم ذا فـراخ وقامطـا

    وسرب ظباء قد نهلن لمخنق وغضف ضراء قد تعلقن باسطـا

    أما الاسم ناعط فهو الاسم القديم للمدينة ، والتي تطلق عليها النقوش ـ أيضاً ـ مصطلح مدينة فنجد مثلاً النقش الموسوم بـ ( CIH . 107/2 ) ، يذكر ( هجر همو / نعطم ) ، وتقع ناعط في قمة جبل ثنين ، وهو ـ أيضاً ـ مذكور في النقوش القديمة بنفس التسمية ( ث ن ي ن ) .

    1- قصرا ناعط : لقد سبق أن ذكرنا بأن " الهمداني " حدد قصرين في ناعط ، باسميهما قصر يعرق ، وقصر ذي لعوة المكعب ، إضافة إلى عشرين قصراً أخرى كبار ، ونود هنا أن نصحح ما جاء عند الهمداني الذي يحدد بأن ذلكما القصرين كانا للملوك ، وأن أسفلهما مبانٍ خاصة بحاشية الملك ، وفي الحقيقة - وبحسب ما جاء فـي النقوش القديمة التي عُثر عليها في ناعط - فإن ذلكما القصران هما بناءان لمعبدين قديمين للآلهة التي كانت تعبد في مدينة ناعط ، فالقصر الأول هو خاص بالإله ( عثتر ) ـ معبود قدماء اليمنيين ـ وهو المعبد الذي كان يسمى ( ثنين ) ، وهو الاسم الذي يطلق ـ أيضاً ـ على الجبل الذي تقع ناعط في قمته ، أما المعبد الآخر فهو خاص بالإله ( تألب ريام ) وكان يسمى ( حدثنين ) وذلك كما جاء في النقوش القديمة ، أما بقية القصور العشرين عند " الهمداني " فهي معابد للآلهة المحلية الصغيرة للقبائل التـي كانت تستوطن ناعطاً وما جاورها ، وتؤكد ـ أيضاً ـ صدق ما ذهبنا إليه تلك القطع الأثرية التي عُثر عليها في خرائب القصرين ، فهي قطع تستخدم للأغراض الطقوسية داخل المعابد ، وليست من القطع الأثرية التي توضع في المنازل ، ونؤكد هنا بأن الملوك وخاصة - ملوك مملكة سبأ كانوا يديرون أمور الدولة من المعبد وليس من القصر ، فقد كان المعبد يحتوي المجلس الإداري للدولة إلى جانب كونه مخصصاً للأغراض الدينية ، واسم ( ذي لعوة ) الذي أطلقه " الهمداني " عـلى أحـد القصرين

    ظهر في النقوش كاسم لقبيلة كانت تستوطن ناعطاً ، وليس كاسم لمعبد .

    الموقع الأثري ـ حالياً ـ عبارة عن خرائب مدمرة تماماً ، ويوجد بقايا أعمدة إسطوانية متناثرة ، وفي بعض رؤوسها تيجان مزخرفة وبقايا الأحجار القديمة وشظايا فخاريات ولم يبق إلا عمودان صخريان قائمان على قواعد صخرية ضخمة مساحة الواحدة حوالي ( 4 مترات ) وهذان العمودان بارتفاع ( 8 مترات ) وسمك ( مترين ) ، لا يزالان شاهدين على عظمة تلك الحضارة ، كما توجد بقايا صهاريج المياه المنحوتة في الصخر بعضها مدمر والبعض الآخر لا زال يؤدي وظائفه في حجز المياه وبالذات صهريجان كبيران مازلا صالحين للاستخدام ، وبجانب الموقع استحدثت قرية صغيرة معظم أحجارها من الخرائب الأثرية تسمى عند الأهالي ـ قرية العصا ـ ينسبونها إلى عصا الملك الحميري " أسعد الكامل " كما يعتقدون ، وعلى مسافة ( ربع كيلومتر ) من القرية يوجد مبنى يسمى قصر القصير بقمة الجبل ، قوام بنائه أحجار البلق لازال بحالة جيدة ومدخله في الجهة الجنوبية .

    4- مدينة ظفار ذيبين :

    تقع ظفار ذيبين شمال شرق مدينة ريدة على بعد حوالي ( 30 كيلومتراً ) وتنتمي إلى عزلة سفيان التابعة لقبيلة بكيل ، ولكنها في أقصى حـدود هذه القبيلة ، ومجاورة لمرهبة التابعة لبكيل وبني جبار التابعة لحاشد وأرحب بكيل ، وهي - حالياً – مديرية من مديريات محافظة عمران ، تقع خرائب ظفار على هضبة صخرية تشرف على وادي ذيبين من الجنوب الغربي ووادي جبار ، ومن الجنوب الشرقي شوابة ، ومن الشمال الغربي وادي ورور ، وتقع خرائب المدينة بين دار الحجر والقاهرة ، ومن الجنوب القفل ، ومن الشرق قضف المنصورة ورأس المدينة ، ومن الغرب تعز - وهي غير المحافظة المعروفة لليمن - والطفة والقلاع التي كانت تحمى المدينة كانت موزعة فوق أربع قمم جبلية تسمى ( دار الحجر ، والقاهرة ، والقفل ، وتعز ) ، وهي قلاع وفرت لها طبيعتها الجغرافية أهمية كبيرة في الدفاع عن المدينة ، ومن بقاياها .

    - القفل : تقع على قمة أكمة القفل بعض الخرائب وأماكن للحراسة حيث تشرف هذه الأكمة على وادي بني جبار وشوابة .

    - القاهرة : تقع على قمة أكمة القاهرة تحصينات دفاعية تمثلت في السور الذي أحدثت فيه فتحة واحدة فقط للباب مجهزاً بأبراج دفاعية ضخمة ، كما توجد أبراج دفاعية أخرى في الجزء الشرقي والشمالي من السور .

    - دار الحجر: وهي قلعة محاطة أقيمت على قمة ، لها تحصينات دفاعية طبيعية ، تمثلت في الانحدار الشديد لصخورها ماعدا في الردهة الجنوبية الشرقية التي أقيم فيها جدار ضخم مازال محتفظاً بقوته وصلابته إلى وقتنا الحاضر ، وباب هذه القلعة مازال قائماً في جهة الشرق .

    - تعز: وهي قلعة مثلثة الشكل تقريباً ، أحيطت جهتان منها بسور ضخم ، أما الجهة الثالثة فهي ذات صخور شديدة الانحدار لا يمكن الصعود منها .

    ومن الآثار الباقية في تلك القلاع والتي تستحق الذكر مسجد صغير بجوار قلعة دار الحجر ، ويعود تاريخه إلى عهد الإمام " المنصور " ، ويمتاز بطابع خاص وزخرفة مميزة تشابه زخارف المساجد التي بناها الإمام المنصور " عبدالله بن حمزة " في مطلع ( القرن السابع الهجري ) ، كما يوجد – أيضاً - جامع كبير داخل قلعة القاهرة ويبدو من هيئة بنائه أنه قد هدم عدة مرات وأعيد بناؤه بعد كل هدم .

    وتنتشر في تلك القلاع العديد من صهاريج المياه ، وهي التي كانت تستخدم كخزانات مياه يتم استخدامها في أيام الحروب والدفاع عن المدينة ، وإلى جانبها توجد الكثير من الخرائب لمنازل قديمة وغيرها من المباني .

    وأشهر مساجد ظفار مسجد أو جامع ظفار الذي بناه الإمام المنصور " عبدالله بن حمزة " ، والذي يحتوي في داخله ضريح ذلك الإمام ، وكان أول من لجأ إلى موضع ظفار ذيبين هو " أبو الفتح الديلمي " ؛ وذلك ليحتمي به من زحف الداعي " علي بن محمد الصليحي " عليه ، وعرف في ذلك الوقت باسم أكمة الإمام " أبي الفتح " نسبة إليه ، أما ظفار فهو الاسم الذي أطلقه إمام المذهب الزيدي الإمام المنصور بالله " عبدالله بن حمزة " الذي ظهر في الفترة ( 583 - 614 هجرية ) ، وهو الذي أسس ظفار ليكون معقلاً له ليحتمي ويعتصم به حتى لا تطال إليه يد الدولة الأيوبية في اليمن ، بعد أن كان يسكن حصن كوكبان ، وأحياناً حصن ذي مرمر ( شبام الغراس ) وأحياناً مدينة براقش ـ في الجوف ـ ، وقد أشار إليه بذلك الشيخ " غزوان بن أسعد السريحي " ، وكان من أكبر أعوانه ومؤيديه ، فشرع في بنائه يوم الإثنين لعشرين خلت من شوال سنة ( 600 هجرية ) ، وقد اتخذه بعدئذ داراً لملكه ومستقراً لسلطانه ، وعمر فيه جامعاً شرع في بنائه لأيام خلت من جمادى الآخر سنة ( 602 هجرية ) ، ولم يفرغ من عمل نقوشه وزخارفه إلا سنة ( 638 هجرية ) على يد أخيه الأمير " يحيى بن حمزة " ، كما هو مكتوب على جداره .

    1- مسجد ظفار ذيبين :

    يتكون مسجد " ظفار ذيبين " من بناء مستطيل الشكل يتجه ضلعه الصغير إلى الشمال ، له بابان الأول في الجدار الجنوبي والآخر في الجدار الشرقي ، ويتكون من بيت الصلاة ـ رواق القبلة ـ ورواقين جانبيين ، أما في الرواق المقابل ، فيبدو أنها لم تستغل للصلاة ، وتشرف تلك الأروقة على صحن في الوسط أقيم في منتصف ضلعه الجنوبي ضريح أمام البوابة الجنوبية ، كما أقيم ضريح آخر في الزاوية الجنوبية الشرقية ، وهما ضريحان مربعان أقيمت عليهما قبتان ، أما في الجهة الشرقية فتوجد بركة للماء إضافة إلى منارة المسجد المرتفعة والمزخرفة ، حيث إنها بنيت بالآجر المحروق .

    وتعتبر زخارف مسجد " ظفار ذيبين " آية في الجمال والإبداع ، وهي زخارف انتشرت في معظم أجزاء الجدران الداخلية خاصة جدار القبلة والمحراب ، وقد نفذت هذه الزخارف بالجص بأشكال زخرفية قوامها تفريعات ووريقات نباتية متداخلة إضافة إلى كتابات بالخط الكوفي ، وعلاوة على ذلك فهناك زخارف الضريحين حيث زخرف الضريح الذي يقع في الصحن في المنطقة الانتقالية للقبة بزخارف هندسية وكتابات متداخلة بالخط الكوفي ، أما الضريح الآخر فيعتبر أجمل تحفة معمارية في اليمن بزخارفه في الجدران الداخلية والقبة فقد جمعت زخارفه ما بين زخارف نباتية وهندسية ، وكتابات بالخط الكوفي وخط النسخ ، وخطوط متداخلة ، ولا ننسى أن سقف المسجد خاصة في رواق القبلة كان يحتوي على مصندقات خشبية مزخرفة بألوان مختلفة ، أجملها لون مـاء الذهب ، ويظهر من الخارج جمال المسجد بارتفاع مئذنته الجميلة المزخرفة إضافة إلى القبتين اللتين تعلوان الضريحين .

    وقد كانت مدينة ظفار - إضافة إلى ما سبق - من أهم مراكز العلم وهجره في ديار الزيدية ، سكنها علماء دين مشهورون ، وزاد من أهميتها وقوعها في وسط ثلاث قبائل ، هي مرهبة من الشمال والغرب وأرحب من الجنوب ، وسُفيان من الشرق ، وهذه القبائل الثلاث كلها من بكيل ، وقد تعهدت بحماية ظفار وحماية من يسكن فيها من علماء وأئمة وطلبة علم .

    كما أن مؤسسها الإمام المنصور " عبدالله بن حمزة " كان مهتماً بنشر علوم المذهب الزيدي ، وكان من أكبر علمائه ، فقد كان يُرسل إلى العراق من يقتني له الكتب النادرة شراءً أو استنساخاً ، وعلى وجه الخصوص كتب المعتزلة التي كان له اليد الطولى في حفظها وبقائها في اليمن حتى اليوم ، بعد أن أبيدت في سائر أنحاء العالم الإسلامي ، وقد جمع الإمام في خزانته أعداداً كثيرة من الكتب في شتى الفنون والمعارف الإسلامية ، وقد نقل الإمام " يحيى بن محمد بن حميد الدين " في سنة ( 1344 هجرية ـ 1926 ميلادية ) ما بقي من هذه الخزانة إلى مكتبة الأوقاف في الجامع الكبير بصنعاء التي بناها لغرض حفظ ما تبقى من كتب ومخطوطات اليمن ، والإمام المنصور " عبدالله بن حمزة " من أكبر أئمة اليمن علماً وشهرةً ، أعلن دعوته الأولى من الجوف محتسباً سنة ( 583 هجرية ) ، ثم أعلن دعوته بالإمامة من هجرة دار معين في صعدة في شهر ذي العقدة سنة ( 593 هجرية ) ، وبايعه من تابعه يوم الجمعة 13 ربيع الأول سنة ( 594 هجرية ) ، وبعد أن تولى الإمامة سن الضرائب ، ـ وهو أول من سنها في عصر ما بعد الإسلام ـ ، والضريحان الموجودان في مسجد ظفار الأول للأمام المنصور" عبدالله بن حمزة " ، والآخر لابنه " داوود ".

    ب - وادي ورور : ومن المعالم التاريخية والأثرية لمديرية ظفار ـ ذيبين في محافظة عمران " وادي ورور" يقع إلى الشمال الغربي من حصن ظفار ذيبين ، وتمتاز أراضيه بخصوبتهـا ، وتعتمد الزراعة في أراضيه على مياه الآبار ، ومعظم منتجاته الزراعية من الأعناب ، وتأتي أهمية هذا الوادي من أهمية المعبد الذي كان يقع على إحدى تلاله ، وهو معبد ( نعمان ) ، الذي كان مكرساً للإله ( المقة ) كبير آلهة سبأ ، لقد أجريت عدة دراسات سابقة لمعرفة موقع هذا المعبد ولكنها لم تحدده بدقة إلى أن نشر الأستاذ الدكتور " إبراهيم الصلوي " مؤخراً نقشاً عُثر عليه في إحدى مزارع ذلك الوادي أثناء عملية شق الأرض لغرسها بأشجار العنب ، وقد كان النقش مدفوناً في باطن الأرض ، ويرجح الدكتور " إبراهيم " أن السيول قد جرفته من إحدى التلال القريبة .

    معبد ( نعمان ) كان قد ارتبط في نقوش أخرى بمعبد ( هـ ر ن ) الذي يقع في مدينة عمران ، وعليه فقد رجح الباحثين أن يكون بالقرب من مدينة عمران ، وبالفعل فإن معبد ( نعمان ) من خلال نقش الدكتور " الصلوي " أصبح معروفاً بأنه يقع في وادي ورور ، ويذكر ذلك النقش الذي دونه شخصان بأنهما تقربا إلى الإله ( المقة ) في معبده معبد ( نعمان ) بالمسند ـ أي بالنقش ـ ، وذلك بمناسبة توليهما وظيفة السدانة ـ الكهانة ـ في ذلك المعبد ، وقد توصل الدكتور " الصلوي " إلى أن الاسم ( نعمان ) مازال يطلق على موضع في منطقة مرهبة الآن ، وتقع شرقي حصن ظفار ـ ذيبين ووادي ورور ، و ( نعمان ) هو اسم لحصن ووادٍ يوازي وادي شوابة ، وتصب مياهه في وادي خبش الذي تصب مياهه في وادي هران ، ونحتمل أن تقع خرائب معبد ( نعمان ) على ذلك الحصن ، وبرغم أن منطقة ( نعمان ) التي ظهرت في نقوش عديدة بأنها تتبع اتحاد قبيلة سمعي وهي من الأملاك الخاصة لملك قبيلة سمعي إلا أنها في هذا النقش تتبع دولة سبأ وذلك لوجود معبد لإله ( المقة ) ، ويحتمل أن ( نعمان ) التي كانت تتبع قبيلة سمعي غير ( نعمان ) هـذه ، ومعبد ( نعمان ) هذا يعتبر من أهم ثلاثة معابد للإله ( المقة ) في قاع البون ، وتاريخه بالتأكيد يعود إلى فترة الاستيطان السبئي في الهضبة فيما بعد ( القرن الأول الميلادي ) .

    5- مدينة خـــمر : ((0 مسقط رأس الأسير )))

    تقع مدينة خمر شمال مدينة ريدة بمسافة ( 22 كيلومتراً ) ، وهي مدينة أثرية قديمة ، يعود تأريخها إلى عصور ما قبل الإسلام ، وقد ذكر أحد النقوش اليمنية القديمة - والذي عُثر عليه في مدينة خمر - اسم " خمر " باعتباره اسماً لقبيلة ويحتمل أن ذلك الاسم ـ أيضاَ ـ اسم المدينة القديمة .

    يطل على هذه المدينة جبل توجد على قمته بقايا خرائب المدينة القديمة ، ويحتمل أنها بقايا أحد معابد الإله السبئي الكبير ( المقة ) وكان يطلق على هذا المعبد اسم ( ريمن ) ، وقد ذكره " الهمداني " باعتباره قصراً ملكياً سماه " قصر خمر " حيث قال : ( قصر خمر - وهو قصر عجيب من عيون ما في بلد همدان - وهو مما يقاس بناعط ، وهو أوسع وفيها معازب عظام – المعازب جمع معزب وهي قطع الحجارة الضخمة الموقصة ـ المهندمة ـ من ( خمسة عشر ذراعاً ) إلى ( عشرة أذرع طولاً ) - ، وبه آثار ، وهو كثير المياه ، وهو في ظاهر عجيب ؛ ذلك هو وصف الهمداني كما رآه في عصره قبل ( ألف عام ) تقريباً ، أما الآن فقد أصبح خرائب .

    ينسب إلى خمر الملك الحميري " أسعد الكامل " ، والذي تطلق عليه النقوش اليمنية القديمة اســم " أب كرب أسعد " ، وقد حُرف اسمه عند الإخباريين إلى " أسعد الكامل " ، وأحاطته مؤلفاتهم بالأساطير ، فقد ذكر " الهمداني " على لسان ذلك الملك ، شعراً قال فيه :

    أيها الناس لست أعرف قوماً مثل همدان خُولتي الأبطالِ

    خمر مولـدي وفي مسنديها مولدي حين تم نور الهلالِ

    ويضيف " الهمداني " : وفيهم ترشح ونشأ ( الهمدانيون ) ، وكانت فصاحته منهم ، ذلك ما جاء عند " الهمداني " ، ولكن يبدو أنه على سبيل الفخر لأن " أب كـرب أسعد ـ أسعد الكامل ـ كان ملكاً ريدانياً ينتمي إلى قبائل " ذي ريدان " التي كانت حاضرتهم " ظفار ـ يريم " ، وقد ذاع صيته لأنه استطاع أن يوحد اليمن كاملاً في الرُبع الأول من ( القرن الخامس الميلادي ) ، وهو الأمر الذي ترتب عليه إضافة لقب ملكي طويل إلى اسمه ( ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنات وإعرابهم طوداً وتهامة ) ، فقد وصل نفوذه إلى الصحراء العربية في الشمال ، وشرقاً حتى أراضي نزار في البحرين ، وأراضي عُمان ، وتهامة اليمن في الغرب ؛ ونتيجة لأنه أحد الملوك المتأخرين فقد ذاع صيته عند الإخباريين والمؤرخين المسلمين لدرجة أن " الهمداني " جعله بنسبه ينتهي إلى الهمدانيين ، وهو ما يجعل الهمدانيين يضيفون إلى قبيلتهم الكثير من الكبرياء والشموخ والفخر .

    ومن خرائب قصر خمر أخذ الأهالي معظم الأحجار التي بنيت بها منازلهم الحديثة ، وقد سكن خمر أقلية من اليهود إلا أن الكثير منهم قد غادرها ولم يبق منهم إلا القليل يميزون أنفسهم عن غيرهم بظفر خصلتين من شعرهم ، وجعلها تنسدل على خدودهم ، ولكنهم متساوون في الحقوق والواجبات بموجب الدستور ، ويمارسون عاداتهم وتقاليدهم بحرية تامة ، واشتهروا على مر الزمن بصناعاتهم التقليدية من الفضيات التي تُشكل على هيئة حُلي للنساء وغيرها ، إضافة إلى مشغولاتهم الجصية كالقمريات التي تُزين نوافذ المباني وغيرها من المشغولات اليدوية والصناعات الحرفية .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-05-23
  3. مطير الضبح

    مطير الضبح قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-02-02
    المشاركات:
    9,856
    الإعجاب :
    1
    هلا اخي اسير







    ليس العيب النقل


    اخي

    كم اسعدتني بوجودك هنا و مشاركاتك باول موضوع لك عن محافظة عمران


    واشكرك على النقل وتعريفنا ببعض المناطق الاثرية

    والسياحية وبما تشمله هذه المحافظة من كنوز ثمينة

    تصدق ما كنت اعرف هذا كلة
    والبعض لا يعرف كم مديرات او منطاق سياحية في محافظتة

    لكن ان شاء الله سنجعل السياحة باليمن عبر المجلس اليمني




    والف شكر لك والف تقدير

    حتى الموضوع طويل

    ومحافظة عمران محافظة تحتضن في اراضيها كنوز ثمينة

    وهذه المحافظة مظلومة من ناحية الاعلام والترويج السياحي


    واذا فية معك صور

    جيبهن لنا

    وتحياتي لك...

    يا عيووووووووووووني؟؟

     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-05-23
  5. مطير الضبح

    مطير الضبح قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2006-02-02
    المشاركات:
    9,856
    الإعجاب :
    1
    وانت من عمران

    وجب عليك الصور

    مهما كان الامر



    وجب عليك الصور


    حتى اي صور من معالمها الاثرية

    او ورينا قريتك

    عشان اذا جينا نزورك

    في عرسك
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2010-09-23
  7. الـعمري

    الـعمري عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2009-02-28
    المشاركات:
    866
    الإعجاب :
    0
    مشكزرررررررررررررررررررررررررررررررررررر
     

مشاركة هذه الصفحة