ثقافة الصحراء ...

الكاتب : YaHar   المشاهدات : 805   الردود : 3    ‏2002-05-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-26
  1. YaHar

    YaHar عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-20
    المشاركات:
    353
    الإعجاب :
    0
    كم مرة سمع أحدكم أو قرأ قصيدة قديمة , يصف شاعرها نفسه فيها بأنه (( ذئب )) أظن أنه لا مجال للحصر هنا , ويمكن لذاكرة أي منا أن تسيل , فتملأ الوقت – كل الوقت - بالأمثلة.

    ومع أن هذه أرضية صلبة للدخول في الموضوع إلا أنني أرى البداية الأكثر صلابة , في البيت الشهير :

    تخاويت أنا والذيب سرحان *** دعيته فــ مان الله وجاني

    ليس هذه هي المرة الأولى التي يآخي فيها البدوي الذئب . بل لعل هذا البيت , تحديداً , يسحبنا إلى ذئب الفرزدق مباشرة :

    وأطلس عسّال وما كان صاحباً *** دعوتُ بناري موهناً فأتاني
    فلما دنا قلت : ادن دونك إنني *** وإيّاك في زادي لمشتركانِ
    فبتُ أقدُّ الزاد بيني وبينه *** على ضوء نارٍ تارة ودخانِ

    والاختلاف بين (( سرحان )) ذئب البدوي , وبين ذئب الفرزدق , لا يكاد يذكر , غير أن الاختلاف بين البدوي والفرزدق كبير , فصاحبنا البدوي , لم يحتاج إلى جهد كبير للتفاهم مع الذئب وعقد صداقة حميمة معه , كل ما احتاج إليه هو (( دعيته فـ امان الله )) لتكون النتيجة بسرعة واو العطف في النطق (( وجاني )) !, بل إن (( المخاواه )) بين البدوي وذئبة متحققة حتى قبل هذه الدعوة , وهي تأتي مع بدء البيت (( تخاويت )) كأنها مسألة طبيعية , وهي بالفعل كذلك , فالبدوي هنا جزء من الطبيعة , تماماً كما الذئب , بعكس الفرزدق , الأكثر تحضراً ومدنية , والذي بعد عن الطبيعة قليلاً , فلم يعد قادراً على التفاهم مع أشيائها بغير قليل من الصعوبة , وكثير من الحذر , ومن الأبيات السابقة يمكن لنا تخيل الصعوبة التي تبدأ بـ (( وما كان صاحباً )) وتنتهي بقسمة الزاد بينهما , أماالحذر , فنستوضحه من البيت الذي يلي الأبيات السابقة مباشرة , وما بعده :

    وقلت له لمّا تكشر ضاحكاً *** وقائم سيفي من يدي بمكانِ
    تعشّ فإن عاهدتني لا تخونني *** نكن مثل من ياذئب يصطحبانِ

    المصاحبة هنا جاءت محفوفة بالخطر , وقبل الاتفاق عليها كان الفرزدق شاهراً سيفه , وكانت ابتسامة الذئب غير واضحة المعالم , فهي تكشيرة قبل أن تكون (( ضحكة )) : (( تكشر ضاحكاً )) !, والمنفعة هنا مادية بحته (( تعشّ )) , ولا يخلو الشطر الثاني من ارتباكة خائفة : (( نكن مثل من ياذئب يصطحبانِ )) كان يمكن للجملة أن تكون أكثر سلاسة لولا خوف الفرزدق , ولكي نعرف مدى ارتباك شاعرها في نطقها , نعود لبدوينا الهادىء وجملته : (( دعيته فـ امان الله وجاني )) !!!

    ولو أوغلنا في التاريخ أكثر , لحصلنا على علاقة هادئة و طبيعية بين الإنسان والذئب , تشبه إلى حد كبير تلك العلاقة الحاصلة بين البدوي وذئبه سرحان , فعصر الفرزدق لا يشبه عصر البدوي , والذي يشبه عصر البدوي هو العصر الجاهلي , ولو اقتربنا قليلاً من الشنفري وذئبه لحصلنا على نتيجة تكاد تكون مطابقة للبدوي وذئبه , يقول الشنفري :

    وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ** أزلّ تهاداه التنائف أطحل
    غدا طاوياً إن عارض الريح هافياً ** يخوت بأذناب الشعاب ويعسل
    فلما لواه القوت من حيث أمّه ** دعا فأجابته نظائر نحّلُ

    هذه الصحبة , أو (( الخوة )) متحققة دون الحاجة أصلاً لإعلانها وللأستاذ يوسف اليوسف بحث قيم , بعنوان (( من شعرنا وشعرهم )) يخلص فيه إلى أن ذئب الشنفري ليس سوى الشنفري ذاته , يقول: (( ثمة وحدة بين الشاعر والذئب , أي أن هناك تطابق هوية بينهما , فالذئب هو الشاعر نفسه , ذاب فيه واندمج وإياه في كيفية واحدة )) وفي موضع آخر (( الشاعر ينطلق من نوه سياسية فحواها إقامة تماثل بينه وبين الذئب عبر لفظة (( كما )) ومثلما تعمل القفار على (( تهادي )) الذئب فإنها تعمل على تهادي الشنفري نفسه )).

    ومن حكايات البادية الشهيرة , ما يؤكد تلاحم الذئب مع الإنسان وذوبانهما في بعضهما البعض , ولعلنا نتذكر تلك المرأة التي واعدت زوجها في مساء محدد , لتخلو به دون دراية أهلها الذين أخذوها منه لخلاف قبلي , وكانت إشارة الموعد (( عواء )) كعواء الذئب , أنتج أن صارت المرأة حاملاً , فلما أخبرت أهلها بالحقيقة , ذهب أصغر إخوتها , لديار الزوج , وجرّ على الربابة :

    يا ذيب يا اللي تالي الليل عوّيت ** ثلاث عويات قويات وصلاب
    انشدك بالله عقبهن ويش سويت ** يوم الثريا دلبحت والقمر غاب

    فما كان من الزوج إلا أن طلب الربابة (( وجرّ )) عليها:

    أنا أشهد أني عقب جوعي تعشيت ** وخذيت شاه الذيب من بين الاطناب
    درب النقا ولا الردى ما تهقويت ** ردوا حلالي يا عريبين الانساب

    وإذا كان الشعر العربي يبدأ (( رسمياً )) بامرىء القيس ومعه , فإن أول من تعامل شعرياً مع الذئب هو امرىء القيس نفسه :

    ووادٍ كجوف العير قفر قطعته ** به الذئب يعوي كالخليع المعيّل ِ
    فقلت له لمّا عوى : إن شأننا ** قليل الغنى إن كنت لما تمّولِ
    كلانا إذا ما نال شيئاً أفاته ** ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ

    وهي أبيات ردها بعض النقاد , وأنكروها على امرىء القيس بحجة أن أبناء الملوك لا يقولون مثل هذا الكلام , إلا أن أديبنا وشاعرنا صلاح عبدالصبور دافع عن الأبيات ونسبها إلى امرىء القيس في بحث ممتع ضمنه كتابه (( قراءة جديدة في شعرنا القديم )) قائلاً : (( تلك حال رجل مضيع , كأنه خليع خلعته قبيلته , فضرب ضائعاً في الصحراء , متوحداً كأنه ذئب شرس يطلب قليل الطعام أو قليل الإنصاف والإنتقام )) .

    لكن صلاح عب الصبور يذهب بنا بعد ذلك إلى نهاية شبه مأساوية بين الإنسان والذئب , حيث تنتهي العلاقة بينهما لا إلى قتل الذئب للإنسان كما كان متوقعاً , بل على العكس تماماً , حيث يقتل الإنسان صاحبه الذئب , منهياً , لا على الصحبة فقط , ولا على الذئب فحسب , ولكن على علاقته بالطبيعة , وتقدمه نحو المدينة والمعمار , حيث الإنسان ليس أحد أجزء الطبيعة فحسب , لكنه الجزء الفاعل في تحريكها وإعادة صياغتها , بما منحه الله من عقل , ومهاره , ففي حين بقي الذئب هو .. هو (( أطلس )) عند امرىء القيس والبحتري , إلا أن (( البحتري )) الأكثر بعداً عن الطبيعة بحكم التطور الحضاري يقتل ذئبه :

    وأطلس ملءُ العين يحمل زوره ** وأضلاعه من جانبيه شوى نهدُ
    له ذنب مثل الرشاء يجره ** ومتن كمتن القوس أعوج مُنأدُ
    طواه الطوى حتى استمر مريره ** فما فيه إلا العظم والروح والجلدُ

    إلى أن قال :

    عوى ثم أقعى فارتجزتُ فهجتهُ ** فأقبل مثل البرق يتبعه الرعدُ
    فأوجزتهُ خرقاء تحسب ريشها ** على كوكب ينقض والليل مسودُ
    فما ازداد إلا جرأةً وصارمةً ** وأيقنتُ أن الأمر منه هو الجدُ
    فأتبعتها أخرى فاضللتُ نصلها ** بحيث يكون اللب والرعب والحقدُ
    فخر وقد أوردته منهل الردى ** على ظمأٍ لو أنه عذب الوِردُ


    إن حركة العلاقة بين الذئب والعربي كما يوضحها الشعر , ظلت دائماً مقياساً دقيقاً لقرب الإنسان من الطبيعة أو بعده عنها , ومن الواضح أن هذه العلاقة التي بدأت منذ الجاهلية قوية وحميمية راحت تضمحل رويداً رويداً إلى أن تلاشت في زمن البحتري حيث أن الحضارة الإسلامية في أوج تألقها وفي قمة مجدها , لكن ومع تدهور هذه الحضارة , واضطرار الإنسان للعودة إلى الطبيعة , عادت تلك العلاقة لقوتها السابقة , وأعلن الإنسان عبر (( وثيقة )) شعرية الموقف (( تخاويت أنا والذيب سرحان )) , تلك الوثيقة التي اتكأ عليها فيما بعد الشاعر شالح بن هدلان في وصيته للذئب :

    يا ذيب أنا بوصيك لا تاكل الذيب *** كم ليلةٍ عشاك عقب المجاعة


    ملاحظة : كتب هذا البحث فهد عافت

    تحياتي لكم .. بالمناسبة كل من لديه معلومة عن الذئب فليشارك بها .. ولكم خالص الود والشكر ...



    يهــــر ...
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-05-27
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    إختيار ينم عن رفعة ذوق صاحبه ..

    بارك الله فيك أيها الحبيب / يهر .. على ما أمتعتنا به من خلال هذا البحث القيم ..

    والشكر والأحترام لكاتبه المبدع ..

    لك الود .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-05-27
  5. YaHar

    YaHar عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-20
    المشاركات:
    353
    الإعجاب :
    0
    الذئب.. أسماء وكنى ..

    للذئب عند العرب أسماء عدة .. ومن أسمائه : لحيف وأوس (( يصغر على أويس )) والسرحان .. والسيد .. والعسّال .. والأزل .. والخاطف .. والسمسام .. وذؤالة .. والعملس .. والسلق .. وكنيته (( أبو مذقة )) لأن لونه كذلك .. كما يكنى (( أبا جعدة )) والجعدة الشاة .. وقيل نبت طيب الريح ينبت في الربيع .. ومن كناه أيضاً (( أبو ثمامة )) .. و (( أبو جاعد )) .. و (( أبو رعلة )) .. و (( أبو سلعامة )) .. و (( أبو العطلس )) .. و (( أبو كاسب )) .. و (( أبو سبلة )) .. ويقال للأنثى : ذئبة .. وسلقة .. وولد الذئب يدعى : دغفل .. أو جرو.

    وتدّعي العرب أن الذئب ينجب من الضبع .. ويسمى الولد السمع .. ويسمى ولد الضبع من الذئبة عسبار .. ولكن ذلك ادّعاء لا صحة له ...



    يهــــر ...
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-06-21
  7. عشتار

    عشتار عضو

    التسجيل :
    ‏2002-05-12
    المشاركات:
    72
    الإعجاب :
    0
    YaHar



    :) رااااااااااااااائع اخي الكريم فكم نحن بحاجة للنهل من ثقافتنا الراقية وبث


    الروح فيها 0



    تحياتي


    عشتار
     

مشاركة هذه الصفحة