الوحدة ليست بغلةً يسوقها الحاكم كل عام صوب محافظة

الكاتب : allan2004   المشاهدات : 481   الردود : 0    ‏2006-05-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-21
  1. allan2004

    allan2004 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-04-03
    المشاركات:
    578
    الإعجاب :
    0
    حياة بالمناسبة - جمال أنعم

    الصحوة نت - خاص : http://www.alsahwa-yemen.net/default.asp?s_no=13436&c_no=1

    الوحدة ليست بغلةً يسوقها الحاكم كل عام صوب محافظة، ليست سيركاً متنقلاً بين المدائن، ولا ثور هجر، أو قربان انتخاب، لحمة ثقة، ترضية لجمهور جائع إلى العدل والمساواة..
    الوحدة ليست مائدة تبسطها السلطة سنة بعد سنة هنا وهناك لتؤلف حولها قلوب الجياع..
    ليست مناسبة لتتويج الفساد أو مهرجان مبايعة، تأكيد ولاء وطاعة للحزب الوحيد والحاكم الاوحد..
    ليست يوم سرور عابرٍ باهض الكلفة يستله سلطان الأسى من كبد الحزن ومن قلب المبكيات..
    ليست نهاراً من أغنيات ومدائح ولا ليلاً راقصاً على بحر من دموع.
    تهامة...عراء مكشوف للأحزان، سهلٌ أسهل ما فيه الموت وأصعب ما فيه الحياة.. صحراء من أوجاع متحركة، رمالٌ لا تحسن غير ابتلاع الغصة، وحواضر مأهولة بالموت، منذورة للخراب، قيضٌ، ندرة، جفافٌ يمتد إلى القلب، أوبئة، قهرٌ، فقرٌ، وشجنٌ كثير لبشرٍ يموتون بيسر، وصمت.. بسطاء حتى في ميتاتهم اليومية.
    الطريق الذي شقه الصينيون في عهد الإمام إلى صنعاء لم يصل تهامة بعد بالحياة، فمازالت تذوي على جانبي الرصيف، شاهدة طريق لا أكثر لحياة محمولة إلى مكان آخر.. في الأعالي.
    والميناء الذي أنشأه الروس في زمن الإمام -أيضاً- لم يصل تهامة بعد بعوالم ما وراء البحار، ولم يصل الحديدة بأسباب الرفاه.. هي مذ كانت مرسى سفنٍ عابرةٍ، ظهراً حاملاً، يداً ناقلة وأعيناً من فاقةٍ وفرجة متألمة.
    الطريق الوحيد المفضي إلى السعودية، مغترب الأمس الكريم لم يلبث هو الآخر أن تحول بفعل العنتريات غير المحسوبة في زمن "أم المعارك" الأولى إلى معبر طردٍ مهينٍ انكرش عبره ما يقارب مليون يمني إلى منفاهم الأم حيث عوملو بقسوة لا تليق بهم كضحايا مجانيين..
    هم الان -ومذ كرنفال الطرد الكبير- مزقٌ موزعةٌ بين أحياء مرعبة موصومة، مدبوغة بالفقر، مدموغة بلعنة اغتراب أشد، لا يستطيعون لها طرداً ولا رداً.
    ما يزيد على ربع مليون مواطن في أحراشٍ مدفوعةٍ إلى الخلف، بعيداً عن الواجهة كالمنبوذين يسمونها: أحياء وحارات مجازاً وهي مقابر جماعية لأحياء مفترضين (غليل، السلخانة، الكدف، الربصة، حارة صدام....،...، ومخيمات أخرى في المراوعة، باجل، الضحي، الصليف، حرض، عبس والزيدية).
    مسالخ ومذابح لاهبة، أفران مفتوحة تحرق الروح والجسد والكرامة؛ على امتداداتها الجحيمية وطنٌ فقيرٌ، جائع، ومهان، سقط عمداً من ذاكرة الوجود.
    لا أكاد أصدق أن الرئيس امتلك من قوة الاعصاب ما دفعه لزيارة أي من تلك الاحياء المهمشة ولو فعلها حقاً لكنت عليه من المشفقين لما قد يصيبه من تعاسة المشهد المشوه لوجه الحكم.
    ولو وجه حقاً ببناء مدينتين لأولئك المهدمين -بحسب أخبار الانجازات الهاطلة علينا بغزارة من غيمة الوحدة الدوارة التي رست فوق الحديدة- لقدرنا حجم المرارة التي سكنت قلبه وهو يقف حاسراً على بعض شعبه في العراء.. هناك حيث لا يتورع المؤتمر ولا يخالجه الخجل من أن ينصب راياته فوق العذابات صوراً طافحة بالبشر، خيولاً جامحة، ملصقات على واجهات ملتصقة بقاع الجحيم.
    عن أي إعادة اعتبار للحديدة يتحدث الكذابون المعتبرون، فرح يوم وبهجة ليلة يعيدان اعتبارها المهدر على مدى زمنٍ من الانتقاص والحرمان.
    يتوقف الزمان، تحبس المشاريع في قمقم الحكم، يحول الحول، يطير بساط الوحدة وعلى المدينة المختارة -فجأة- ينفتح الصنبور، فتهطل البركات وتنهال أحجار الأساس، يتطاير الغبار، يبرز «حبطرش» وحده فارداً ذراعيه العملاقتين على الجموع الفقيرة «شبيك لبيك خيرات الوحدة بين يديك».
    ما يحدث هو عين الاساءة للوحدة كتاريخ فارق في حياة اليمن واليمنيين، ما يحدث لا يعيد الاعتبار لأحد، إنما هو تفريغ فاضح للمعاني العظيمة، تحويل الوحدة إلى حصان بشائر، حبسٌ للحقوق، تأجيل مهين للواجبات، ترحيل متعمدٌ للحياة، عيش مربوط بذيل الكذب، حياة بالمناسبة...
    ليست الحديدة هدفاً مركزياً للمشاريع ولا أبناءها، كل هذا ليس إلا من أجل الحزب الحاكم وحده، ليس إلا من أجل أن يُرى سعيداً مبتهجاً راضياً عن نفسه في مدينة لم تعد ترى ذاتها، محافظة يكتسحها الفقر والمؤتمر الشعبي العام، يمنحها الفساد حسن سيرة وسلوك، ينعتها بـ«الوفية» لأنها تبادله وفاء بنكران وذكراً بنسيان وشكراً مقابل جحود غير محدود.
    محافَظة «محافِظة» على الطاعة، مسرفة في مشاعرها الكريمة تجاه الحزب الحاكم ورغم فاقتها تؤثره بنفسها على نفسها، ولو كانت هي الخصاصة ذاتها، مستعدة للامتنان على لا شيء.. وهي صاحبة المنة..
    قد تعد الأمر سخاءاً تهامياً أصيلاً؛ فلا أكرم من تهامة ورحابة صدرها..
    أبناء تهامة أوفياء، محبون، صرحاء، كفضاءاتهم المفتوحة، فيهم نبلٌ راسخٌ، وَجودٌ خصبٌ يزهر في الوجوه وإن أقفرت الأكف، وهم سريعو الاهتزاز والطرب، لم يمنحهم البحر من مزاجه سوى جيشان المشاعر ونداوة الطبع، لم يمنحهم قلقه، اضطرابه، غضبه واندفاعاته المباغتة.
    وفي تهامة حزنٌ عميقٌ غنائي الطابع، يرى فيه البعض سلبية طاغية، ويوم التهامي عيده، يكفيه القليل ليفرح، كنزه من القناعة أوفر من فقره.
    لا اعتبار للحديدة فيما يجري ولا لإنسانها الصبور، الناس فيها كائنات ملحقة، وجود ثانوي مكمل، ديكور مسرح «هِتيفة» صالحون..
    الحديدة وجعٌ هاجع على بحر أحمرٍ لم يكفِ ليكون «خطاً أحمراً» يدرأ عنها صروف الفساد وغوائل الفاقة، تغفو طاوية على بحر سخيٍ ، وتنهض ووجهتها البر الشحيح، تطلب الصيد من كف صياد عامٍ يفترس وطناً بأسره..
    لم تحظ يوماً بكرسي المحافظ لكنها حافظة للعهد، في انتخاب غير الحفيظ وغير الأمين.. تنهض خلف من ينهض بها نحو القبر ويسارع بها إلى الموت.. يخرجها كذب الأفراح، ولا يستثيرها صدق الأتراح..
    ما يمر بها اليوم ليست إلا سحابة زيف، تدرك جيداً أن لا زرع من وراءها ولا طلع؛ ومع ذاك تبدي استبشاراً ينم عن حرمان عميق، ويأس بالغ، ومن الفقر ما يوهن العزم ويقتل الطموح، ومن القهر ما يجعل من الإنسان أعدى عدو لذاته.
    لكم تساءلت وأنا أغرق في أوجاع تهامة: كيف تخذل روحها المتألمة مرة بعد مرة؟ وهل يمكن للجسد أن يخون الروح حد الرقص على حشرجاتها؟ وحد الغناء على بكائها، هل يمكن أن يتحول المقموع إلى «بهلوان» أو «أراجوز» مهرج قسري.. في كرنفال كذبٍ مفضوح يشبه جنازة "خمسة نجوم"؟
    هذا كثير، ليس ضحكاً في بيت للعزاء.. هو أبشع من ذلك، إنه استخدام لميت في عرض مضحكٍ..
    تعرف الحديدة آلامها ونعلم من أحزانها الكثير والكذب السافر يضطرك -أحياناً- للتشهير به إلى إشهار عوراتك المخبوءة تحت بقايا الكبرياء الكسير..
    350 مجنوناً احتجزوا في «دار السلام» ريثما تمر البهجة بسلام، شوارع الحديدة الرئيسية والتي سيمر منها القوم كُنست من المخلفات وجموع المتسولين وسكان الارصفة.. وأعلنت الاحياء المهمشة محميات مؤقتة ومناطق معزولة.
    لا تسألوا كيف سيتسنى لهم تجفيف الشوارع الطافحة بالبلاليع في «الدهمية» وسواها، يمكن تجنب تلك المنغصات من خلال إدارة حكيمة لحركة المواكب الفخيمة.
    كان يكفي وفاءً للوحدة أن تنفق هذه المليارات على مواطني المحافظة، كان يكفي لكي تحبكم تهامة أن تجففوا أحزانها، أن تعلنوا الحرب على أمراضها المزمنة (السرطان، الملاريا، التيفوئيد، الفشل الكلوي، فيروسات الكبد، الفقر، الفساد، البطالة، القهر، نهابي الأراضي، سجون المتنفذين، الإقطاع الجديد لقطاع الطرق من أثرياء الفساد.. من حولوا تهامة إلى أجير وعامل باليومية في معسكرات زراعية، هي أكثر من أن تعد أو تحصى)..
    تعرف الحديدة آلامها جيداً، تدرك أن الأفراح العابرة لا تبلسم الجراح الغائرة، ولا تطرد العذابات المقيمة..
    تعرف أن الفرح انبعاث عفوي ينجز تعابيره الخاص وبلا كلفة أو إجبار ودونما قفز على واقع مطحون تنكسر على صفحته كل المعاني العظيمة وتبدو فوقه الاحلام الكبار تافهة ضحلة.
    ليحتفل القوم ما دامت الصرخة أخفض من قرع الطبل، وما دامت الآهة أخفت من صهيل الملق..
    لا عظمة في أن تُمدح في محيط اللعنة، ولا مجد في أن ترقص في حضرتك الآلام، ولا فخار في أن يشير اليك بالضائعون المضيعون.
    هذا فرحٌ ليس للحديدة منه غير الكدر، فرحُ حزبٍ سعيدٍ بكونه الحاكم المالك لأسباب الفرح ومواطني الفرحة.. فلتصدح الاغنيات وليرقص المتعبون وليتقدم المداحون ولتضج الخطابات ولتبلغ النشوة عنان السماء وليطلق المحجوبون في علب الصفيح وخلف السواتر العازلة سخرياتهم المريرة غناءً يشبه القهقهة... وحلمنا بعروسة بحر فإذا بالمولودة قردة..
     

مشاركة هذه الصفحة