حكايـات مـن ذاكـرة الأيــام!

الكاتب : بروميثيوس   المشاهدات : 638   الردود : 7    ‏2002-05-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-25
  1. بروميثيوس

    بروميثيوس عضو

    التسجيل :
    ‏2002-04-17
    المشاركات:
    42
    الإعجاب :
    0
    يغمض عينيه ويطلق الخيال لذاكرته فتومض الصور المتتابعة في ثنايا عقله كما لو كان يشاهد أحداث فيلم قديم.
    يتذكّر الطفل البريء الذي كان، ويعجب لتحوّلات الزمن وتعرّجاته الغريبة. ينظر الآن إلى المستقبل وعينه على الماضي. يستحضر لحظات اختلاط المشاعر وأفول الأحلام الوردية!
    وتشطح به الذاكرة إلى أيام الصبا. أيام الدراسة الأولى. ويرى والديه وقد غمرت محياهما بشائر السعادة والسرور فرحا بنجاح ابنهما في المدرسة.

    وسرعان ما ينفتح المشهد على المزيد من البؤر النابضة والمتوهجة لماض لم يندثر تماما بقدر ما انتفى عنه الزمن في رحلة طويلة ومتنوعة الملامح والسمات!

    []

    يتذكّر كيف استدعي على عجل ذات يوم قبل عشر سنوات كي يلقي عليها نظرة الوداع الأخير. كانت لحظات عصيبة لا تنسى ولا يمكن أن تمّحي دقائقها من الذاكرة.
    عندما ماتت أمه أحس بأنه كبر ثلاثين عاما دفعة واحدة! لا أحد يمكنه أن يتخيل معنى أن يرزأ إنسان بفقد أمه، صدره الرؤوم وذخره في لحظات الحيرة وفقدان الاتجاه. كان على الدوام يرى شيئا غريبا في موتها المأساوي. كانت هي تدرك جسامة المرض الذي يفترس جسدها بسرعة مخيفة وقبل الأوان، وكانت تعي تماما أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الموت، لكنها ظلت متماسكة قوية وصابرة حتى آخر لحظة.
    عندما ماتت بكى كما لم يبك من قبل في حياته!
    ويتذكر الآن باستغراب كيف أنه بدا رصينا متماسكا يوم وفاة أبيه، لكن عندما يتذكر عطف والده ومحبته الغامرة سرعان ما تشرق عيناه بالدموع!
    عندما زار غرفة أمه بعد سنوات من رحيلها وجدها كما تركها في تلك الليلة الحزينة الباردة: الصندوق الخشبي المزهّر، وصورة الكعبة على الجدار، والسبحة الطويلة وسجادة الصلاة!

    []

    وتعود به الذاكرة إلى وقت لم يعد يتبين من ملامحه الشيء الكثير. لكن ما يزال عقله الباطن يختزن الكثير من صوره المختلطة والغائمة.
    يتذكّر كيف كان الغرباء يأتون إلى القرية عبر الجبال ليفترشوا الحقول والبساتين أياما قبل أن يتابعوا رحلتهم سيرا على الأقدام. كان المشهد يتكرر سنويا وفي موعد محدد لا يتقدم ولا يتأخر.
    ومن بين ثنايا المشهد تطفو على سطح الذاكرة صورة محمد كريم!
    كان محمد كريم شابا ضعيف البنية لكنه كان عصاميا وذا عزيمة لا تلين. وكان يخبئ بين جوانحه قلبا رحيما يفيض محبة وعطفا. كان محمد وجماعته يمرون بالقرية في طريق عودتهم من رحلة الحج، أو هكذا أدرك في ما بعد. ويتذكر منظر محمد كريم وهو يحمل على ظهره والده المسن. كان أبوه يعاني من الهزال والمرض، وكان وجهه غائرا شاحبا بفعل أعراض الشيخوخة. باختصار كان بقايا إنسان.
    رحل الجميع عن القرية وبقي محمد كريم ووالده. خيّره الأهالي بين أن يقيم في المسجد وبين أن يتخذ من أحد البيوت الطينية القديمة مقاما له ولأبيه. فاختار البيت. ومع مرور الأيام اصبح محمد كريم صديقا للجميع واعتمد عليه أهل القرية في سقيا مزارعهم والعناية بها نظير اجر معلوم. كنت تراه حاملا أباه على ظهره في الصباح والمساء. لم ير الكثيرون في حياتهم شخصا برّا بوالده مثله. وهذا اكسبه محبة الجميع وعطفهم واحترامهم. كان لا يأكل طعاما إلا بعد أن يأكل والده. لم يكن أبوه يقوى على الأكل بيديه، بل كان محمد يضع اللقمة تلو الأخرى في فمه إلى أن يأخذ العجوز كفايته.
    ويوما بعد يوم كانت صحة العجوز تتحسن وعوده يقوى بعد أن دبت الحياة من جديد في جسده الكليل.
    وفي أحد الأيام فوجئ الناس بمرأى العجوز وهو يمشي على قدميه! كان ذلك بالنسبة لهم مشهدا غريبا ونادرا!
    بعد بضعة اشهر أستأذن محمد كريم في الرحيل بعد أن شفي والده وجمع من المال ما يكفي لمواصلة رحلة العودة إلى الوطن البعيد!

    []

    ومن بين ثنايا الذاكرة تطل العديد من الوجوه والملامح. ويبرز من بينها، فجأة، وجه الصبي "ماجد"! كان ماجد طفلا يحمل ملامح ملاك! كان هادئ الطباع وديعا رائق الحس جم البراءة. لكنه كان مصابا بمرض نادر في الدماغ! ألسنا نقول في أمثالنا الشعبية: الزين ما يكمل؟! كان ماجد باختصار تجسيدا خالصا لذلك القول المأثور.
    قصة ماجد يمكن اعتبارها، في الكثير من فصولها، ملحمة من ملاحم الصبر وتحمّل المعاناة والألم. وكان والداه هما التجسيد الحقيقي لسيزيف الذي يضرب به المثل في قوة التحمل والصبر والإصرار على بلوغ الغاية. وقد أوكلت مهمة متابعة حالة الصبي إلى "راما"! وراما هذا طبيب متمرس تعود أصوله إلى إحدى قبائل غرب أفريقيا. ويشاع بأن أسلاف راما البعيدين كانوا من الكانيبالز أو أكلة لحوم البشر. لكن لا أحد يقطع بصحة ذلك من عدمه. درس الرجل الطب في أوربا وأصبح علما من أعلام جراحة الأعصاب. كان راما بالإضافة إلى عبقريته وتمكّنه المهني شخصا غريب الأطوار بعض الشيء، إذ كان حريصا جدا على إخفاء مشاعره، ولم يكن من السهل على الإطلاق النفاذ إلى دخيلته أو سبر أغواره. ملامحه الفيزيائية كانت مزيجا من عيدي أمين ويوناس سافيمبي وبوكاسا!
    ومعظم من تعاملوا مع راما تولد لديهم الانطباع بأن افضل حالات ذلك الطبيب كانت عندما يقرر فتح جمجمة إنسان! وهذا بالضبط ما فعله بماجد وربما بمئات الأطفال الذين تشبه حالتهم حالته. كان راما يحتفظ بعلاقات قوية مع الأسر المتنفذة في المدينة. وكان بذكائه المعهود يعرف المنزلة الاجتماعية والمستوى المادي لأهل المريض. وقد ترتب على ذلك أن اصبح معظم مرضاه بلا رعاية أو اهتمام كاف. وبالرغم من التعاطف الذي أبداه الطبيب مع والدي ماجد، والعلاقة التي أقاماها معه، إلا أن وضع الصبي لم يتحسن بعد العملية. والأصح أن حالته أخذت تزداد سوءا واصبح يعاني من نوبات الصرع والغيبوبة المتكررة.
    في إحدى الليالي، ذهب والد ماجد إلى الطبيب في بيته ناقلا إليه ملاحظاته واقتراحاته بشأن حالة الصبي. كان البيت مكتظا بالممرضات اللاتي جئن في ما يبدو للتسرية عن الدكتور وإدخال البهجة إلى قلبه في يوم عيد ميلاده. لم يكن راما متزوجا رغم تجاوزه الخمسين، لكنه كان يمنّي النفس بالزواج من بلجيكية حسناء تعرف عليها في إحدى رحلاته إلى خارج البلاد. الانطباع الذي تكوّن لدى والد ماجد عن الطبيب وعن ميله العارم نحو الجنس الآخر تعزّز اكثر من خلال ما شاهده في تلك الليلة. كان راما يتمايل بجسده الضخم يمنة ويسرة وسط أضواء الشموع الخافتة وعلى أنغام الموسيقى اللاهثة بينما كانت زميلاته الآسيويات يتراقصن حوله كالفراشات الحائمة وهن يتضاحكن ويتغامزن! وكانت تموّجات الضوء المتكسرة تنعكس على جدران الصالة الفسيحة التي تمددت فوقها صور لتنانين طائرة ونمور واسود ضخمة ولوحات لنساء ذوات ملامح سوريالية غير مألوفة.
    بالنسبة لوالد ماجد، كان ذلك مشهدا دراميا يمثل نقيضا حادا لحالته المزاجية الخاصة، وقد أدرك أن الجو غير مناسب لمناقشة الموضوع الذي جاء من اجله، وأن الذوق يحتم عليه أن يتماهى مع المزاج السائد في تلك اللحظة وإلا اصبح حاله كحال العانس الساخطة على العروس في ليلة زفاف!
    كان الموقف حافزا لوالد الصبي أن يتفكر في أمر هذا الطبيب وغيره من أرباب المهنة الذين يقضون سحابة يومهم في معاينة مرضاهم ومواجهة حالات إنسانية لا تورّث سوى الهم والغم والأسى.
    وتساءل بينه وبين نفسه: أفلا يكون من حق هؤلاء أن يتمتعوا ببعض لحظات الصفاء والمتعة والسعادة بعيدا عن تأوهات المرضى وشكاوى أهلهم التي لا تنتهي؟!
    لم يكن بوسع راما أن يفعل الكثير لإنقاذ ماجد! فتدهورت حالته بسرعة وتأثرت حواسه وانشلّت أطرافه بفعل تعطّل دماغه.
    وفي فجر أول أيام شهر يناير، وهو نفس اليوم الذي ولد فيه، انطفأ ماجد مثل شمعة في مهب الريح، وصعدت روحه إلى الملكوت بعد أن لبث على هذه الحياة عشر سنوات بالتمام والكمال مخلفا في قلب أبويه حزنا لا ينقضي وحسرة لا تزول.
    قبل موته بيوم وعلى غير ميعاد، جاء جده الذي لم يكن على علم بانتكاس حالته، حاملا معه حقيبة يد خبأ داخلها قطعة قماش بيضاء .. ومصحفاً!
    وبعد أن ووري الطفل الثرى قص الجد على الحاضرين حكاية رؤيا رآها في المنام!
    كان الحاضرون ينصتون إلى تفاصيل الحلم بذهول، ولما فرغ من سرد رؤياه قال بصوت عال ونبرة واثقة: الحمد لله على كل حال! لله ما أعطى ولله ما أخذ!
    مضت سنوات على موت ماجد، لكن طيفه الأثير ما يزال يتراءى لوالديه حتى اليوم. رائحته لم تغادر المكان وروحه ما تزال حاضرة بقوة في كل ركن وزاوية من البيت! وكثيرا ما كانت والدته تهب من نومها على صدى ضحكاته الملائكية وهي تتردد في أرجاء المكان.

    [​IMG]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-05-26
  3. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    أبدعت .. أيها الفنان الذي أجادت ريشته !!

    نعم أخي / بروميثيوس ..

    فقد أستطعت أن تجمع في رائعتك بين الحياة والموت ، وحب الأبن لأمه وأبيه ، وحنان الأبوين لأبنهما وعلاقة الطبيب بمرضاة .. فعلا لقد نبشت ذاكرة الأيام وجئت بالجديد المفيد ..

    لك الحب .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-05-26
  5. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    اخي الأديب ...بروميثيوس ..

    الأسلوب السردي في القصة وواقعيتها او قربها من الواقع في ثوب أدبي وقالب من فصحى تحمل دلالة ذائقة عالية وجميلة وهدف مرسوم من ((بر والدين )) وصورة (( للحياة والموت )) التي وقف أمامها أديبنا درهم ...

    لكن يتشتت الذهن بالقارئ في توارد الأسماء وفقدان القناطر في بعض الأحداث او مايسمى (( ترابط الحدث في الأقصوصة )) ..

    يبقى أن نسجل لأديبنا كل المحبة والتقدير ..
    ونشد على يدية في المضي في هذا الدرب المتألق ..
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-05-27
  7. بروميثيوس

    بروميثيوس عضو

    التسجيل :
    ‏2002-04-17
    المشاركات:
    42
    الإعجاب :
    0
    أخي الكريم درهم:
    وافر شكري وتقديري لأنك مررت على كلماتي. وقد سرّني كثيرا أن ما كتبته لقي صدى طيبا في نفس إنسان بمثل حساسيتك ورقة شعورك. شكرا لك أيها العزيز درهم.

    أخي الفاضل الصراري:
    شكرا جزيلا لك يا عزيزي على كلماتك الطيبة. وأرجو أن الفت انتباهك أخي الصراري إلى أن ما كتبته أنا لا اعتبره قصة قصيرة وانما هي مجرد خواطر سريعة من وحي الذاكرة. وأنت تعلم أن للقصة القصيرة قواعد وأسسا فنية ومنهجية كما يجب أن يمتلك كاتبها الأدوات الضرورية لكي يبدع ويكون قادرا على التفرد والتجاوز. ولو أنني حولت الموضوع إلى بناء فني يحمل ملامح قصة قصيرة لكان مختلفا جدا شكلا ومضمونا. أما بشان ما ذكرته عن كثرة توارد الأسماء وفقدان القناطر في الموضوع، فأمر أعذرك عليه لأنك نظرت للموضوع باعتباره قصة واحدة لها بداية ووسط ونهاية، رغم أنني ذكرت في بداية الخواطر أنها مجرد ومضات من الذاكرة تستحضر وجوها وصورا محددة وتتوقف عند لحظات بعينها من الماضي، وبين كل صورة وأخرى وضعت فاصلا للدلالة على أن كل صورة هي حكاية قائمة بذاتها، لكن اللوحات الثلاث تتلاقى في كونها جميعا تحمل مضامين ودلالات أخلاقية وإنسانية معينة.
    شكري وتقديري لشخصك الكريم مرة أخرى.

    هل زرت هذا الموقع مؤخرا:
    http://najran.biz/vb/forumdisplay.php?s=&forumid=47
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-06-05
  9. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    عندما ماتت أمه أحس بأنه كبر ثلاثين عاما دفعة واحدة...!!!

    عمل ابداعي رائع ..

    الخلاق بروميثيوس.. تأكد سيدي.. ما أنجزته يفوق كل ثناء ولا يسعنا إلا أن نمني النفس بما ستجود به علينا في قادم الأيام لنقتفي خيالك الخصب عبر لغتك الراقية..
    من القلب سلام .
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-06-06
  11. بروميثيوس

    بروميثيوس عضو

    التسجيل :
    ‏2002-04-17
    المشاركات:
    42
    الإعجاب :
    0
    شكرا أخي العزيز جرهم على تجشمك عناء السؤال عني، وأريد أن أقول إنني رغم انشغالي هذه الأيام أتابع عن كثب إبداعاتك وإبداعات كافة الاخوة والأخوات هنا، وسيكون لنا لقاء قريب ان شاء الله.
    تحياتي وتقديري لشخصك الكريم.
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-06-06
  13. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    شكراً عزيزي بروميثيوس على كلامك الرقيق ...

    تقبل خالص تحيتي وتقديري
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2002-06-06
  15. لابيرنث

    لابيرنث مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-05-11
    المشاركات:
    7,267
    الإعجاب :
    0
    رائع عزيزي بروميثيوس ....

    وان كنت اوافق استاذي الصراري بأن ما صغته هو عبارة عن قصة قصيرة استخدمت اسلوب الفلاش باك ... في تسلسل متناغم وجميل ...
    آسراً ارواحنا باسلوبك الغني ...
    سمها خواطر سمها صور من الذاكرة او قصة او اي شيء ....

    هذا لن يمنع انها بلغت حداً رائقاً من الامتاع واللذة ...

    لكن احدى تشبيهاتك قد صدمتني ...
    احسست بانها انتشلتني من قمة ابداعك الى قاع التفكير والمقارنة ...
    انها قولك يا عزيزي :
    ==========
    قصة ماجد يمكن اعتبارها، في الكثير من فصولها، ملحمة من ملاحم الصبر وتحمّل المعاناة والألم. وكان والداه هما التجسيد الحقيقي لسيزيف الذي يضرب به المثل في قوة التحمل والصبر والإصرار على بلوغ الغاية .
    ==========
    عزيزي ان سيزيف لا يمثل الا العبثية ... العقاب المتنامي في الاذلال ...
    ربما ينطبق هذا عند قول احد الفلاسفة ان كل منا يجسد سيزيف في حياته ....
    سيزيف يجسد العمل العبثي الدائم المستمر بلا جدوى ....
    عقاب مثل عقاب بروميثيوس او غيره من ابطال الاوليمب ...
    *************

    لكن عملك يعتبر لوحة رائعة لن تنسى ...
    ابداع خطته انامل احست بما تكتبه ...

    فما خرج من القلب يدخل الى القلب
    وما خرج من الفم فلن يجاوز الاذن

    ودمتم مع محبتي
     

مشاركة هذه الصفحة