الجهاد .... والسياسة الشرعية .؟؟

الكاتب : ابو مراد   المشاهدات : 488   الردود : 9    ‏2006-05-18
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-18
  1. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
    الجهاد والسياسة الشرعية يسيران جنباً إلى جنب، يُعضد أحدهما الآخر، ويخدم أحدهما الآخر، لا ينبغي أن ينأى أحدهما عن الآخر، ولو حصل؛ تحصل الأخطاء، والتجاوزات .. والكبوات القاتلة .. ويقع الندم ولات حين مندم.
    لذا يتعين علينا أن نبين جملة من القواعد والمسائل ذات العلاقة بالسياسة ش
    الشرعية، التي ينبغي على المجاهد أن يعيها، ويتنبه لها، وهو يعيش أجواء وغمرات الجهاد .. بل وقبل أن يتحرك نحو ساحات الجهاد والمواجهة.
    من هذه القواعد والمسائل ذات العلاقة بالسياسة الشرعية، النقاط التالية:
    أولاً: اعلم أن الجهاد ـ بمعنى القتال والمحاربة ـ شُرِع لغيره لا لذاته؛ شُرع لحماية مقاصد الشريعة والحفاظ عليها، وهي: الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال.
    فإن تعطلت هذه المقاصد والمصالح .. أو تنافت ـ في مرحلة من المراحل، وفي مكانٍ من الأمكنة ـ والجهاد .. توقف الجهاد ونُظِر في أمره .. فيُقدم أو يؤخَّر .. وكذلك لو انتفت مبرراته؛ كأن يتحول دار الحرب إلى دار إيمانٍ، أو دار عهد وأمان، وكذلك الشخص الواحد عندما يتحول من صفة الكافر المحارب، إلى صفة الإنسان المؤمن، أو الكافر المعاهد المُستأمَن.
    ولو تأملنا وراجعنا نصوص الشريعة ذات العلاقة بالجهاد في سبيل الله، نجد أنها معللة بالحفاظ على المقاصد الآنفة الذكر أو بعضها؛ إذ لا يوجد نص يأمر بالقتال لمجرد القتال وحسب!
    انظر ـ على سبيل المثال ـ قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ البقرة:193.
    فعلل القتال بقوله تعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ   فَإِنِ انْتَهَوْا  عن الفتنة وعن أسبابها  فَلا عُدْوَانَ ؛ أي فلا قتال  إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ  الذين يظلمون فيعتدون على مقاصد الشريعة الآنفة الذكر أو بعضها.
    وكذلك قوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة:190.
    فعلل القتال أولاً بأن يكون  فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وهو القتال لكي تكون كلمة الله هي العليا، وثانياً للدفاع عن الأنفس والحرمات، والحفاظ عليها، كما في قوله  الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ، فإن انتهوا ودخلوا في السلم، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى  لا تَعْتَدُوا ؛ أي لا تقاتلوا؛ لأن القتال حينئذٍ يكون أقرب للعدوان، و  اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .
    وكذلك قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة:36. فعلل القتال بأن المشركين  يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ؛ وهم إذ يُقاتلونكم كافة يستهدفون مقاصد الدين الآنفة الذكر أو بعضها .. وحتى تُحافظوا على هذه المقاصد وتحموها من عدوان المشركين لا بد لكم من أن تقاتلوهم كافة  كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً .
    وكذلك قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ التوبة:12. فعلل قتالهم بأنهم يغدرون، وينقضون العهود والمواثيق، ويطعنون في الدين .. فإن قاتلتموهم  لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ  عن كل ذلك.
    وكذلك قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً النساء:75. فهو أولاً قتال  فِي سَبِيلِ اللَّهِ  لكي تكون كلمة الله هي العليا .. وثانياً هو قتال لاستنقاذ المستضعفين المؤمنين، الذين يتعرضون للتعذيب والفتنة في دينهم مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا .
    وهكذا لو أردنا أن نستطرد ذكر النصوص الشرعية ذات العلاقة بالجهاد في سبيل الله .. نصاً نصاً، ودليلاً دليلاً نجد أنها جميعها معللة بحماية مقاصد الشريعة الآنفة الذكر، والحفاظ عليها.
    ثانياً: فإن تعارضت مصالح مقاصد الشريعة الآنفة الذكر بعضها مع بعض؛ بحيث يصعب التوفيق فيما بينها، والعمل من أجلها جميعاً، وأن مراعاة بعضها يستلزم التخلي ـ مرحلياً وبصفة مؤقتة ـ عن البعض الآخر، فقواعد ونصوص الشريعة تُلزم حينئذٍ بالجهاد من أجل أوكد وأعظم مقصد من مقاصد الشريعة وإن أدى ذلك إلى التفريط بمصلحة المقاصد الدنيا الأقل مرتبة وأهمية؛ وأعظم مقاصد الشريعة مقصد حماية الدين والعقيدة والتوحيد، فلو تعارضت ـ مثلاً ـ مصلحة هذا المقصد مع مصلحة مقصد النفس أو المال .. قُدمت مصلحة مقصد الدين والعقيدة والتوحيد، ولا بد، وإن أدى ذلك إلى التفريط ببعض مصالح مقصد الحفاظ على النفس والمال.
    كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ التوبة:24.
    وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "[ ]. أي ترجعوا إلى جهادكم فتجاهدوا في سبيل الله .. وتقدموا مصلحة مقصد سلامة الدين والعقيدة والتوحيد، ومصلحة أنفسكم، وأعراضكم .. على مصلحة المال الذي يتأتى لكم من وراء الانشغال برعي البقر أو الزراعة .. فإن لم تفعلوا ذلك، وآثرتم إلا أن تقدموا مصلحة المال الذي تحصلون عليه من وراء انشغالكم بالرعي والزراعة " سلَّط الله عليكم ذلاً "، وأصبحتم عبيداً وتبعاً لأمم غيركم .. وتكالبت عليكم أمم الكفر كما تتكالب الأكلة على قصعتهم!
    ثالثاً: في العمل الجهادي لا يكفي النظر إلى ما يجوز أو إلى ما هو مباح .. لكي يُفعَل بغض النظر عن النظر إلى المصالح والمفاسد، والنتائج المترتبة على فعل هذا الجائز أو المباح!
    فإذا كان فعل مباح سيؤدي إلى تفويت فرض، أو تفريط بواجب، أو جلب ضررٍ يعلو مضرة الإمساك عن فعله .. فحينئذٍ يكون فعل هذا المباح الجائز محظوراً، أو الإمساك عن فعله هو الأولى، والأقرب لما تلزم به الأدلة النقلية والعقلية.
    من ذلك أن النبي  أمسك عن قتل رأس النفاق ابن أُبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منا الأذل .. وكان ـ قاتله الله ـ يعني بذلك النبي  .. وقد أشار بعض الصحابة على النبي  بقتله إلا أن النبي  امتنع عن فعل ذلك، وعلل منعه بقوله:" والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال .. فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً "!
    فإذا كان قتل منافق .. سيؤدي إلى مثل هذه الفتنة؛ إلى تفرق وتقاتل الأصحاب والإخوان .. وأن يتحدث الناس أن المسلمين يقتلون بعضهم بعضاً، وفي ذلك من الضرر ما فيه .. فالأولى حينئذٍ الإمساك عن قتل هذا المنافق الذي يُظهر نفاقه .. وإن كان في الأصل أن قتله جائزاً!
    ونحو ذلك القيام بعمل محدود في آثاره ومن حيث المصالح المترتبة عليه .. يؤدي إلى فوات مصالح أعظم منها، وتحصيل مفاسد أكبر من المفاسد التي استؤصِلت أو يُراد استئصالها من وراء ذلك العمل المحدود .. فحينئذٍ يكون الإمساك عن فعل ذلك العمل المحدود في آثاره ومصالحه هو الأولى، وهو الذي ينبغي القيام به.
    لا يُقبل من أي امرئٍ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يرمي قنبلته في أي اتجاه وأي مكان .. ومن دون أن يكترث بما يمكن أن يترتب على إلقائه للقنبلة بتلك الطريقة من آثار .. وبما يمكن أن تحققه من مفاسد وتفوته من مصالح معتبرة في شرع الله!
    لا يُقبل من أي امرئ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يقتل فرداً من العدو .. أو يُحدث حدثاً معيناً .. ثم ينجو بنفسه .. وهو يعلم مسبقاً أن قتله لهذا الفرد من العدو أو فعله لهذا الحدث ..سيؤدي إلى قتل واعتقال مئات من المسلمين .. وإلى انتهاك حرماتهم وأعراضهم .. وتعطيل مصالحهم الخاصة والعامة .. ثم هو لا يستطيع أن يفعل حيال ذلك شيئاً!
    لا يُقبل ـ شرعاً ولا عقلاً ـ أن يُزال ضرر صغير بضررٍ كبير، ولا منكر صغير بمنكر أكبر، ولا كفر أصغر بكفر أكبر .. حتى لو حصل ذلك باسم الجهاد والمجاهدين!
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/129: وجماع ذلك داخلٌ في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
    فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ا- هـ.
    وقال 14/472: وإذا كان قوم على بدعة أو فجور، ولو نُهو عن ذلك وقع بسبب ذلك شرٌّ أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم يُنهوا عنه .. فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي، وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً، وأما إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يُشرع إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة، فإن أدى ذلك إلى شرٍّ أعظم منه لم يُشرَع؛ مثل أن يكون الآمر لا صبر له، فيؤذى فيجزع جزعاً شديداً يصير به مذنباً، وينتقص إيمانه ودينه ا- هـ.
    رابعاً: أيما حركة جهادية لكي يُكتب لها النجاح والظفر لا بُد من أن ترقى في اهتماماتها وهمومها وآلامها إلى مستوى اهتمامات وهموم وآلام الأمة .. فتألم لأي مصاب يُصيب الأمة مهما دق أو كبر .. وتبذل قصارى جهدها على إزالته .. وتفرح لكل خير يُصيب الأمة مهما دق أو كبر.
    لا بد للحركة الجهادية الراشدة من أن تتصرف ـ بكل صدق وإخلاص وحماس ـ كراعٍ حنون ورفيق يسهر على مصالح المسلمين وحرماتهم، ويُدافع ويذود عنها .. ويحرص عليها .. مهما دقت أو كبرت .. وأينما كانوا .. أو كانت لغاتهم وألوانهم وجنسياتهم .. ولا بد من أن يَعرف ذلك عن المجاهدين ـ ويلمسوه في واقع حياتهم ـ عامة المسلمين وخاصتهم!
    وهذا المعنى هو المستفاد من قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ التوبة:128.
    ومن قوله :" ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَّى " متفق عليه.
    وقال :" المؤمنون كرجلٍ واحد؛ إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كُلُّه، وإن اشتكى عينَه اشتكى كلُّه " مسلم.
    وأيما حركة جهادية لا تنتبه لهذا المعنى .. ولا تراعيه في جهادها وأعمالها ومواقفها .. وتتصرف بفوقية، وبطريقة أنانية؛ بحيث لا تهتم إلا بكوادرها وأفرادها ومصالحها الذاتية .. وليكن بعد ذلك ما يكون للأمة وسائر المسلمين .. المهم أن ينجو المجاهد من أفرادها .. أو ينجح في عمليته المحدودة الأثر .. ولو قُتل بعده ألف مسلم .. وانتهكت أعراضهم وحرماتهم .. وعُطِّلَت مصالحهم .. وألغيت مؤسساتهم ومراكزهم الدعوية والتربوية .. فالحركة الجهادية عندما تصل إلى هذا الموصل .. وتتصرف بهذه الطريقة .. فهي أولاً مخطئة شرعاً قد خالفت بذلك عشرات النصوص من الكتاب والسنة .. وهي ثانياً خسرت رصيدها من المسلمين .. وهي ثالثاً كتبت على نفسها ـ بذلك المسلك ـ الفشل والانتكاس، والهزيمة!
    خامساً: الانتباه إلى عدم الخلط بين ساحات الحرب والقتال وبين ساحات العهد والأمان، واعتبارهما سواء .. والتعامل معهما وكأنهما شيء واحد .. فهذا خطأ شرعي، وأخلاقي، وسياسي، لا تُحمد عُقباه!
    فساحات الحرب والقتال لها أحكامها، وساحات العهد والأمان لها أحكامها .. لا يخلط بينهما إلا امرؤ جاهل!
    وساحات العهد والأمان نسبية وهي قد تختلف من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى؛ ومن دولة لأخرى، فقد تكون ساحة من ساحات الحرب هي ساحة حرب بالنسبة لمجموع الأمة باستثناء من يدخل في عهدها وأمانها من الأفراد أو الجماعات بعهد استثنائي خاص بهم، أو من يعيش فيها من المسلمين بعهد وأمان، وعقد وميثاق اجتماعيين .. يلزم الطرفين المتعاقدين بالسلام والأمن الاجتماعيين .. فهؤلاء لهم أحكامهم الخاصة بهم التي تمنعهم من القتال أو إحداث أي شيء يُخل بشروط هذا العقد والأمان .. بخلاف غيرهم من أبناء الأمة خارج تلك الساحة المحاربة، فهم في حلٍّ من كل ذلك.
    وبالتالي لا يجوز لمن يعيش من المسلمين خارج تلك الساحة ممن هم في حرب معها ومع أهلها .. بأن يوجه نداءً لمن يعيش في تلك الساحة من المسلمين ممن تربطهم معها ومع أهلها مواثيق وعهود مغلظة تمنعهم ـ شرعاً وعقلاً ومروءة ـ من أن يُحدثوا فيها أي حدث: بأن يُقاتلوا .. ويُفجِّروا .. ويُكسِّروا .. وينهبوا .. ويتصرفوا وكأنهم في حرب مع القوم .. لا يجوز أن يوجه مثل هذا النداء، وذلك للأسباب التالية:
    1- لا يجوز الاستجابة لهذا النداء؛ لأن الاستجابة له يعني بالضرورة الوقوع في الغدر والخيانة .. والإسلام شدد في النهى عن ذلك .. وعدَّ ذلك من كبائر وعظائم الذنوب .. ومن خوارم المروءة والأخلاق .. ومن الأسباب التي تستدعي تسليط العدو على الغادر ناقض العهد .. وما أكثر النصوص الشرعية الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال[ ].
    2- أن الاستجابة لهذا النداء يعني بالضرورة استئصال الأقلية المسلمة التي تعيش في تلك الساحة أو الدولة .. خلال أيامٍ .. بل وسويعات .. والملامة ـ شرعاً وعقلاً ـ حينئذٍ تكون على الأقلية المسلمة التي شرَعت وبدأت بالغدر ونقض العهد بغير وجه حق.
    وفي الأثر الصحيح عن ابن عباس :" ما خَتَرَ قومٌ العهدَ إلا سلَّطَ الله عليهم العدو ".
    3- أن الاستجابة لهذا النداء يعني بالضرورة حرمان الأقلية المسلمة من حقوقها الخاصة والعامة التي تتمتع بها وهي ملتزمة بمتطلبات عهدها وعقدها مع المجتمع أو الدولة التي تعيش فيها .. ولا نلوم حينئذٍ إلا أنفسنا.
    ولكي تتضح المسألة أكثر، فإن الشيء يُعرَف بضده .. فلو عكسنا القضية بحيث يوجه الكفار المحاربون نداء إلى إخوانهم ممن يعيشون مع المسلمين في مجتمعاتهم بعهد وعقد وأمان: بأن يغدروا .. ويُقاتلوا المسلمين .. ويستحلوا حرماتهم .. فلو استجابوا لهذا النداء، فما هو الموقف الشرعي حينئذٍ من هذه الأقلية التي غدرت بالعهد والأمان .. واستحلت الحرمات؟!
    الجواب يعرفه الجميع: المحاربة والاستئصال .. وحرمانها من الحقوق التي تُمنح للمعاهد الذي يلتزم بعهده وأمانه .. ولا يغدر .. هكذا ستكون معاملة المسلمين لهم لو غدروا وبالتالي لا نلومهم لو عاملونا بما نعاملهم به لو غدرنا بهم .. ونحن في ديارهم!
    لأجل ذلك كله قلنا ونقول: أنه ليس من الدين ولا السياسة الشرعية توجيه مثل هذه النداءات أللامسؤولة .. للأقلية المسلمة التي تعيش في بلاد وديار غير المسلمين .. وترتبط مع تلك الديار وأهلها بعهود وعقود ومواثيق مغلَّظة تُلزِمها بالأمان والسلام الاجتماعيين.
    فإن قال قائل: نغزوهم في ديارهم كما غزوننا في ديارنا.
    يُقال له: دونك وذلك .. وهذا حقك .. والشرع قد ضمن لك هذا الحق .. ولكن لا تغزوهم بالغدر، ولا بأناس بينهم وبين القوم عهد وميثاق يمنعهم شرعاً وعقلاً من الاعتداء أو أن يُحدثوا أي حدثٍ يتناقض مع مقتضيات العهد والأمان الذي أُبرم بين الطرفين .. فالإسلام قد حرم ذلك.
    فقد صح عن النبي  أنه قال:" من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً ".
    وقال :" من قتلَ معاهداً لم يُرِح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً " البخاري.
    وعن حُذيفة بن اليمان  قال: ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجت وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده؛ ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسولَ الله  فأخبرناه الخبر، فقال:" انصرفا؛ نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ اللهَ عليهم " مسلم.
    النبي  وأصحابه يستعينون اللهَ على قتال كفار قريش .. بينما حذيفة ووالده يعتزلان القتال ـ في أشرف معركة عرفها التاريخ كله وإلى يوم القيامة ـ وفاء بالعهد .. ومراعاة لحرمة العهد .. وحتى لا يُقال أن أصحاب محمدٍ  ينقضون العهد!
    ما أوضح الأدلة على المسألة وأصرحها .. ومع ذلك إلى الساعة ـ وللأسف ـ لا يزال يوجد من يُجادل فيها ويُماري!
    ونقول كذلك: لساحات الحرب والقتال نصوصها الشرعية التي تُحمل عليها، ولساحات العهد والأمان نصوصها الشرعية الخاصة التي تُحمل عليها لا ينبغي الخلط بينهما .. ولا حمل نصوص
    ساحة على الساحة الأخرى .. فيقع حينئذٍ الخطأ والزلل .. والشرود عن الحق والاعتدال.
    فمن نصوص ساحات القتال والحرب على ـ سبيل المثال ـ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة:123. وقال تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة:191. وقال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة:5. وغيرها من الآيات.
    بينما النصوص ذات العلاقة بساحات العهد والأمان، كما في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ التوبة:6. وقوله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة:8. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات:13. وقوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً لقمان:15. وقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ العنكبوت:46. وغيرها من الآيات، والأحاديث التي تأمر بالإحسان إلى الجار الكافر، وإلى فقرائهم ومساكينهم .. والتعامل معهم بالرفق والحكمة .. وما أكثرها لو أردنا ذكرها.
    خلاصة القول: أن لكل ميدان نصوصه وأدلته الخاصة به .. فلا ينبغي أن تُحمل نصوص كل ميدان على الميدان المغاير والمخالف .. فيقع الخطأ والظلم .. وما أكثر من يفعل ذلك!
    سادساً: من السياسة الشرعية كذلك التمييز بين مراحل الضعف وما يتعلق بها من أحكام ونصوص شرعية، وبين مراحل القوة والتمكين وما يتعلق بها من أحكام ونصوص شرعية؛ إذ الخلط بينهما مؤداه إلى الوقوع في مخالفات وأخطاء فادحة لا تُحمد عواقبها .. قد ترتد على الصف الإسلامي بالهلاك والدمار!
    فمن كان يعيش مراحل الضعف وظروفه .. ثم أراد أن يحمل على نفسه الأحكام والنصوص التي تُحمَل على مراحل القوة والتمكين .. فهو من وجه مثله مثل من يتشبع بما لم يُعطَ، وبما ليس فيه، ومن تشبَّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زورٍ!
    ومن وجه آخر فهو يكلّف نفسه مالا تطيق وتقدر عليه .. فيعرض نفسه ـ بذلك ـ إلى الهلكة والتلف، والله تعالى يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة:195. وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا البقرة:286. وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا الطلاق:7. وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن:16.
    وفي الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منا ما استطعتم " البخاري. وفي رواية عند مسلم:" وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ".
    فالعجز القاهر ـ باتفاق أهل العلم ـ يُسقط التكليف إلى حين توفر القدرة على دفع العجز فيما تم التقصير فيه.
    وكذلك في المقابل من كان يعيش مراحل القوة والتمكين ثم أراد أن يحمل على نفسه نصوص وأحكام مراحل الاستضعاف .. فإنه بذلك يقع في التفريط فيما يجب عليه القيام به مما يقدر عليه، ومثله في ذلك مثل من يتخلف ويتهرب من القيام مما يجب عليه شرعاً أن يقوم به ومن دون أي عذر معتبر!
    فإن قيل: وهل لمراحل الاستضعاف أحكام ونصوص تتعلق بها تختلف عن الأحكام والنصوص ذات العلاقة بمراحل وظروف القوة والتمكين؟!
    أقول: نعم؛ من هذه النصوص والأحكام قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة:91. وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ النور:61. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً النساء:97. وهؤلاء هم الأقوياء الذين أرادوا أن يحملوا على أنفسهم زوراً أحكام المستضعفين، فلم يُعذَروا، وقد كشف الله كذبهم عندما زعموا الاستضعاف .. ومثل هؤلاء مثل كل قادر يريد أن يتهرب من التكاليف الشرعية تحت ذريعة الاستضعاف والعجز وما هو بضعيف ولا عاجز؛ وإنما يتعاجز ويتظاهر بالضعف والاستضعاف .. أما المستضعفين الصادقين في استضعافهم .. هم الذين يشملهم قوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً النساء:98. هؤلاء الذين يُعذرون لو تخلفوا عن الهجرة، وعن الجهاد.
    وكذلك قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً آل عمران:28. فهذه الآية الكريمة تُحمل على المستضعفين الذين يعيشون ظروف الضعف والخوف، والإكراه، ونحوها قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ النحل:106.
    وكذلك قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ الأنفال:60. وهذه الآية الكريمة يُعمل بمقتضاها في جميع المراحل؛مراحل الاستضعاف والعجز، ومراحل القوة؛ إذ الإعداد يجب أن يبقى ويستمر في جميع مراحل الصراع بين الحق والباطل، وما بقي الجهاد وبقيت دواعيه وأسبابه على وجه الأرض، لكن العمل بمقتضى هذه الآية يكون أوكد وأولى بحق المستضعفين في الأرض ليتمكنوا من رفع العجز والضعف عن أنفسهم، وأن ينتقلوا بأنفسهم إلى مرحلة القوة والظهور والتمكين.
    ولعل من أبرز ما يُظهر ويوضح هذا المعنى الآنف الذكر قوله  كما في الحديث الصحيح:" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " مسلم.
    فتأمل كيف تسلسلت طريقة إنكار المنكر بحسب القدرة والاستطاعة؛ فالقوي يُنكر المنكر بيده، والأقل منه قوة واستطاعة يُنكر المنكر بلسانه، والمستضعف الذي لا يقدر على شيء مما يقدر عليه من تقدم ذكرهما يُنكر المنكر بقلبه، وذلك أضعف الإيمان .. ولو أراد كل واحدٍ من هؤلاء الأنفار الثلاثة أن يُنكر المنكر على طريقة الآخر لحصل الإفراط أو التفريط، ولا بد!
    هذا الفقه في التمييز بين ما توجبه مراحل القوة والتمكين وبين ما توجبه مراحل الاستضعاف .. لا بد من أن يتنبه له العاملون من أجل الإسلام .. ومن أجل استئناف حياة إسلامية راشدة .. وقلَّ من يفعل ذلك!
    سابعاً: مما تقتضيه السياسة الشرعية كذلك تحديد العدو المباشر، الأكثر خطورة على الإسلام والمسلمين، والتي تكون مواجهته أكثر إلحاحاً من غيره .. ومن ثم توجيه الجهود لدفعه ورده واستئصاله .. وهذا لا يُمكن إلا بعد تحييد الأعداء الآخرين الأقل خطورة وعداءً .. وإشعارهم بنوع أمانٍ إن اقتضى الأمر .. وعدم إثارتهم وفتح جبهات فرعية معهم .. تستنزف الطاقات والجهود من غير طائل يُذكر .. ويكون ذلك كله على حساب مواجهة العدو الرئيسي الأشد خطراً، والأكثر إلحاحاً.
    ومن يتأمل سيرة النبي المصطفى  يُدرك هذه السياسة في جهاده ومواجهته لأعدائه؛ أعداء الدين .. فأول ما بدأ جهاده  كان محدداً ضد كفار قريش وحسب؛ الأكثر عداء، والأكثر خطراً وإلحاحاً، ثم بعد ذلك توسع جهاده ليشمل كفار قريش ومن دخل في حلفهم من قبائل العرب، ثم بعد ذلك توسع أكثر ليشمل جهاده  جميع قبائل العرب التي كانت لا تزال على دين الشرك، ثم بعد ذلك توسع جهاده  ليشمل الروم والفرس، ويطلبهم في عقر دارهم .. وكان  لا ينتقل من جبهة إلى جبهة إلا بعد أن يحسم الحرب والقتال مع الجبهة الأولى، كما أنه  كان نادراً ما يفتح عليه وعلى أصحابه جبهتين في آنٍ معاً .. حتى أنه صلوات ربي وسلامه عليه استشار أصحابه يوم وقعة الأحزاب ـ ليخفف من حصار المشركين عن المدينة ـ في أن يعطي زعيم قبيلة غطفان شطر تمر المدينة مقابل أن يتخلى وقبيلته عن القتال مع الأحزاب التي تجمعت لقتال المسلمين .. وهذا فقه لا بد للمجاهدين من أن يتنبهوا له!
    لا يُمكن أن تُعلن الحرب على الأرض كلها .. على دول الأرض كلها .. على جميع الأنظمة العربية منها والأعجمية، ومن دون استثناء .. ويُفتح معها مئات الجبهات وفي وقت واحد .. تحت عنوان أنهم كفار، وأن الأصل في محاربتهم الإباحة والجواز .. ثم نعتبر ذلك استراتيجية ناجحة!
    إن اتباع هذه الاستراتيجية .. وتوسيع دائرة الصراع بهذه الصورة .. والتغاضي عما أشرنا إليه، يعني أموراً عدة:
    منها: الخروج عن منهج النبي  في إدارة وتوجيه الصراع بين الحق والباطل كما تقدم.
    ومنها: استنزاف طاقات المجاهدين وقدراتهم ـ على تواضعها قياساً لقوات العدو ـ في معارك جانبية متفرقة .. ومن غير طائل يُذكر.
    ومنها: اشغال المجاهدين في معارك جانبية .. وفي جبهات عدة .. على حساب الجبهة الرئيسية الأكثر خطراً وإلحاحاً!
    ومنها: تحالف جميع الدول والأنظمة الحاكمة ـ على ما بينها من تباين واختلاف وتصارع ـ ضد الإسلام والمسلمين .. وبخاصة منهم المجاهدين .. لأنها جميعها تشعر أنها مستهدفة ومعنية بشكلٍ مباشر من هذه الحرب، وغير مستثناة!
    ومنها: تشديد الخناق على المسلمين بعامة .. والمجاهدين منهم بخاصة .. وعلى مصالحهم العامة والخاصة .. وانعدام وجود الساحة أو المساحة الآمنة المحدودة في الأرض التي يُمكن أن يلجأ إليها المجاهدون .. أو المسلمون المضطهدون في دينهم ودنياهم .. في ظرف من الظروف التي تضطرهم
    لشيء من ذلك!
    ومنها: انعدام الساحة الآمنة يعني بالضرورة انقطاع وتجفيف جميع موارد الإمداد البشرية منها والمالية .. وهذه نتيجة لا ينبغي الاستهانة أو الاستخفاف بها!
    ثامناً: ومما يدخل في السياسة الشرعية اجتناب القتال في الساحات المتشابهة حمالة الأوجه والتفسير .. والاقتصار على الساحات المحكمة التي لا تحتمل ولا تقبل إلا تفسيراً واحداً، وحكماً واحداً، وما أوسع وأوفر هذه الساحات!
    إن العمل والقتال في الساحات المتشابهة في صفتها وحكمها، التي تتباين الأقوال والأفهام حولها .. واستهداف أهداف متشابهة من حيث الحل أو الحرمة، يعني أموراً عدة:
    منها: الحَوْمُ حول الحمى، وإمكانية الوقوع في المخالفة الشرعية .. لأن المتشابه يحتمل كل الأوجه: يحتمل الحل والإباحة، ويحتمل الحرمة والكراهية .. وبالتالي الوقوع فيه ومقارفته، والحوم حوله، مغامرة ومقامرة .. لا تُحمد عُقباها، وفي الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" إنَّ الحلال بيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بينٌ، وبينهما أمورٌ متشابهاتٌ لا يعلمهُنَّ كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه " متفق عليه.
    فالمتشابه مريب .. والسلامة تقتضي منك أن تدع ما يريبك إلى مالا يريبك؛ كما في الحديث:" دع ما يُريبُك إلى مالا يُريبُكَ "[رواه الترمذي، وقال: حديث حسَنٌ صحيح].
    ومنها: إيصال رسالة خاطئة للناس .. مفادها أن المجاهدين يقتلون الأبرياء .. ويستهدفون أناساً وأهدافاً لا يجوز استهدافها شرعاً .. وفي ذلك من المحاذير ما فيه!
    ومنها: انقسام المجاهدين ومن وراءهم من المسلمين إلى فِرق وجماعات؛ فريق يؤيد ويبارك، وفريق يُعارض ويندد .. بحسب ما يفهم كل منهما ويبين له .. والدخول في جدالات ونقاشات وردود عقيمة تنتهي غالباً بالاتهامات والتخوين، وربما بالتكفير!
    ومنها: نفور الناس عن مبدأ الجهاد وعن عقيدة الجهاد .. وعن نصرة الجهاد والمجاهدين .. وقضاياهم العادلة .. وعن تأييدهم ودعمهم!
    ومنها: تشويه الغايات النبيلة التي لأجلها شُرِع الجهاد والقتال .. وحمل المجاهد السلاح .. وهذه نتائج لا تُحمد عواقبها، لا يُمكن الاستخفاف بها .. ومن السياسة الشرعية مراعاتها واجتنابها، واجتناب كل ما يؤدي إليها!
    تاسعاً: من السياسة الشرعية إظهار الجانب الأخلاقي من كل عملٍ ـ إن أمكن ـ يقوم به المجاهدون .. إذ لا يوجد ما يمنع شرعاً وسياسة من إرسال رسالة أخلاقية بين الفينة والأخرى تبين وتظهر نبل وأخلاق المجاهدين .. ونبل وعظمة الغايات التي يُجاهدون من أجلها!
    هذا الجانب لا ينبغي الاستهانة أو الاستخفاف به؛ فإن له آثاراً إيجابية قد تعلو الآثار التي تتأتى من وراء القتل والقتال!
    من هذه الرسائل الأخلاقية ـ على سبيل المثال ـ الإحسان إلى أسرى العدو .. ومعاملتهم معاملة حسنة .. والمن على بعضهم وإطلاق سراحهم عندما تظهر المصلحة من وراء ذلك .. وبخاصة عندما يكون الأسير كبيراً في السن .. أو امرأة .. أو له شبهة أمان تمنع من أسره والاعتداء عليه .. وكذلك إظهار خلق الشكر .. والعفو عند المقدرة وبخاصة إن كان خطأ المقدور عليه ناتجاً عن جَهل أو ضعف أو فقر أو نزوة أو شهوة عابرة .. وكذلك الوفاء بالعهد وعدم الغدر .. وإظهار الحرص الشديد على الأنفس البريئة التي صان الشرع حرماتها .. ومواساة أولياء من يُقتل خطأ على أيدي المجاهدين .. والاعتذار لهم .. ودفع الدية الشرعية لهم .. وبيان أن هذا خطأ لم يكن مقصوداً .. ونحوها من الرسائل الأخلاقية التي أمر بها الإسلام، وحض عليها .. والتي لها آثار طيبة ـ في نفوس الناس، وحتى العدو ـ تعلو آثار القنابل .. وقذائف المدافع والدبابات!
    ومن يتأمل سيرة وجهاد من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق صلوات ربي وسلامه عليه يجد آلاف الشواهد الدالة على ما ذكرناه .. فهو  لما وقع في يده يوم بدر سبعون أسيراً من كبار صناديد مشركي قريش، تذكر المطعم بن عدي، وتذكر صنيعه الجميل معه لما أجاره لأيام قلائل من أذى مشركي قريش، فقال :" لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر ـ لأطلقتهم له " البخاري. علماً أن المطعم بن عدي قد مات على الكفر والشرك!
    أعلم أن هناك من سيُقاطعني فور انتهائه من قراءة هذه الكلمات، ليقول لي: أنظر ماذا يفعلون بإخواننا في سجن جوانتنامو .. وفي سجن " أبو غريب " في العراق .. وفي سجونهم في أفغانستان، وفلسطين .. وغيرها من البلدان .....؟!
    أقول: هذا دينهم .. هذه قيمهم وثقافتهم وحضارتهم وأخلاقهم وديمقراطيتهم وإنسانيتهم التي يعملون على تصديرها للبلاد والعباد!
    لكن أترضون ـ أيها الأحبة ـ أن نقاتلهم ونجاهدهم بأخلاقهم وقيمهم وطبائعهم الفاسدة .. إذاً استوينا معهم في كثير مما يُشين المرء، ويحط من قدره ومستواه .. وهذا لا يليق بالمسلم الموحد
    المجاهد الذي يُقاتل ويُجاهد عدوه بدينه وبأخلاق نبيه  وعلى طريقته .. وليس على طريقة أحدٍ غيره.
    المجاهد في الإسلام داعية إلى الله قبل كل شيء .. يدعو إلى الله وإلى إعلاء كلمته بدمه وعرقه وهو أبلغ من دعوة اللسان والقلم .. وبالتالي لا بد من أن يكون في دعوته وجهاده مبشراً لا منفراً، كما أمر رسول الله .
    هم يُقاتلون في سبيل الطاغوت .. والمسلم يُقاتل في سبيل الله .. ولا ينبغي أن تستوي أخلاق وأفعال من يُقاتل في سبيل الله مع أخلاق وأفعال من يُقاتل في سبيل الطاغوت!
    عاشراً: الخروج على طواغيت الحكم والكفر والردة حقٌّ، وواجب شرعي يجب القيام والنهوض به .. وهو خيار صعب، وقد يكون مُكلِفاً .. ولكن الخيار الأكثر منه صعوبة، والأكثر منه كلفة والأشد ضرراً يكمن في السكوت عليه وعلى نظامه، والرضى بالطاغوت حاكماً على البلاد والعباد، يحكمهم بالكفر والفجور والجور والخيانة؛ لذا دلت النصوص الشرعية دلالة صريحة على وجوب الخروج عليه وعلى نظامه القائم على قوانين الكفر والشرك والظلم، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الصامت أنه قال:" بايعنا النبيَّ  على أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم منَ الله فيه برهان ". وبعض أهل العلم قد نقلوا الإجماع على ذلك.
    فإن عُلم ذلك، أقول: من السياسة الشرعية أن تُراعى جملة من الأمور قبل وخلال وبعد عملية الخروج:
    1- أن صور كفر وردة الحاكم أنواع:
    منها: أن تقتصر الردة على شخص الحاكم فقط دون غيره .. ففي هذه الحالة يقتصر الخروج وأعماله على شخص الحاكم فقط من دون أن يتعدى إلى أحدٍ سواه.
    ومنها: أن تتسع دائرة الردة لتشمل الحاكم وزمرة قليلة من أعوانه ومتابعيه .. فحينئذٍ يقتصر الخروج وأعماله على الحاكم وهذه الزمرة القليلة من أعوانه ومتابعيه ووزرائه .. ومن دون أن يتعدى إلى أحدٍ غيرهم، فضلاً عن أن يتعدى إلى مؤسسات المجتمع، ومرافق الحياة فيه.
    ومنها: أن يُتابِع الحاكمَ على كفره وردته ـ إضافة إلى الفئة اللصيقة به ـ بعض مؤسسات الحكم والمجتمع التي يقتصر عملها على حماية الطاغوت ونظامه وكفره وظلمه .. وتؤثر إلا أن تُتابعه فيما هو فيه من كفر وجور .. فحينئذٍ ينبغي أن تتوسع دائرة الخروج لتشمل كل هذه الأصناف الأنفة الذكر .. ومن دون زيادة ولا نقصان .. أو أن تتعدى أعمال الخروج لتشمل مؤسسات ومرافق أخرى للمجتمع لا شأن لها بدواعي الخروج على الحاكم ومؤسساته الخاصة به.
    عند عملية الخروج لا بد من مراعاة هذا التقسيم الآنف الذكر .. وتحديد صفة وحجم من يجب الخروج عليهم .. واعتزال ما سواهم .. قبل الشروع في عملية الخروج .. وإلا وقع الظلم، والعدوان، والله تعالى لا يُحب المعتدين.
    2- لا بد أن تكون عملية الخروج على طواغيت الكفر والردة هي مهمة الأمة، ومشروع غالبية المجتمع .. وأن تُصبح عملية الخروج ثقافة الجميع .. وحديث الجميع .. وهمَّ الجميع .. والجميع مقتنع بها .. علماء .. وطلاب علم .. وعمال .. وتجار .. وحتى النساء والأطفال .. وإن استغرق ذلك من الطليعة المؤمنة المجاهدة جهداً وبعض الوقت والزمن.
    لا ينبغي أن تقتصر عملية الخروج وكل ما يتعلق بها من مهام على فئة قليلة من الشباب المتحمس وحسب ـ وبخاصة إن وجدت العصابة أو بعض مؤسسات الدولة التي تقف في صف وخانة الطاغوت فيما هو عليه من كفر وعداء للإسلام والمسلمين ـ بعيداً عن الجماهير وشرائح المجتمع الأخرى .. ولما حاولت بعض الحركات الجهادية المعاصرة أن تفعل ذلك؛ أن تقتصر على جهود الصفوة من شبابها وحسب .. مُنيت بنكسات وضربات قاتلة .. وأتت النتائج عكسية وبخلاف المرجو!
    3- أن يُعطى الإعداد حقه .. من غير استعجال ولا إبطاء .. ومن ذلك أن يتسع تخطيط المجاهدين العاملين ـ ومعهم جميع المسلمين ـ ليشمل ما بعد إزالة الطاغية وسقوط نظامه .. إذ لا يجوز أن يقتصر التخطيط على سقوط الطاغية وحسب .. ثم ليكن بعده ما يكون .. ويأتي من يقطف ثمار جهاد المجاهدين من هو أسوأ وأكفر من الطاغوت المُزال .. كما حصل لكثير من التجارب المعاصرة .. فهذا ليس من إتقان العمل الذي يحبه الله تعالى ورسوله.
    4- توضيح الأسباب والغايات عند القيام بأي عمل كبير .. قد لا يفهمه ولا مراميه كثير من الناس .. حتى لا يكون هذا العمل فتنة لهم، ومدعاة لخوض أهل الشقاق والنفاق .. وهذا يستدعي اهتماماً أوسع في البعد الإعلامي الإسلامي.
    5- عند عملية الخروج .. لا بد من تحديد الأولويات .. وتقديم الأهم على المهم .. وعدم الانشغال عن الطاغوت وحاشيته المقربين .. بالصعاليك وبمن لا زَبْرَ له يَزْبرُه .. إلا ما كان على سبيل الدفاع عن النفس .. فالمعركة عندما تبتعد عن الطاغوت وحاشيته المقربين أركان نظامه وقصره .. فهي من جهة تستنزف طاقات وقوى الصفوة من المجاهدين في معارك جانبية لا طائل منها .. ومن جهة أخرى فهي لا تعدو بالنسبة للطاغوت وحزبه سوى أن تكون أرحاماً تَدفَع، وجيوشاً لا تَشبَع، ورواتب تُدفَع، وقبوراً تَبلَع .. ولو طالت المعركة لأكثر من ثلاثين عاماً!
    هذا الذي أردت بيانه في هذه العجالة .. وهذا الذي جاد به قلمي فيما يتعلق بشؤون الجهاد والسياسة الشرعية .. ولعلَّ تكون لي مراجعة أخرى للموضوع إن شاء الله؛ فهو أكبر من أن يوجز في هذه الصفحات .. راجياً من الله تعالى القبول .. وأن يجعل من عملي هذا مفتاح خيرٍ مغلاق شر .. إنه تعالى سميع قريب مجيب.
    وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-05-18
  3. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد.
    الجهاد والسياسة الشرعية يسيران جنباً إلى جنب، يُعضد أحدهما الآخر، ويخدم أحدهما الآخر، لا ينبغي أن ينأى أحدهما عن الآخر، ولو حصل؛ تحصل الأخطاء، والتجاوزات .. والكبوات القاتلة .. ويقع الندم ولات حين مندم.
    لذا يتعين علينا أن نبين جملة من القواعد والمسائل ذات العلاقة بالسياسة ش
    الشرعية، التي ينبغي على المجاهد أن يعيها، ويتنبه لها، وهو يعيش أجواء وغمرات الجهاد .. بل وقبل أن يتحرك نحو ساحات الجهاد والمواجهة.
    من هذه القواعد والمسائل ذات العلاقة بالسياسة الشرعية، النقاط التالية:
    أولاً: اعلم أن الجهاد ـ بمعنى القتال والمحاربة ـ شُرِع لغيره لا لذاته؛ شُرع لحماية مقاصد الشريعة والحفاظ عليها، وهي: الدين، والنفس، والعِرض، والعقل، والمال.
    فإن تعطلت هذه المقاصد والمصالح .. أو تنافت ـ في مرحلة من المراحل، وفي مكانٍ من الأمكنة ـ والجهاد .. توقف الجهاد ونُظِر في أمره .. فيُقدم أو يؤخَّر .. وكذلك لو انتفت مبرراته؛ كأن يتحول دار الحرب إلى دار إيمانٍ، أو دار عهد وأمان، وكذلك الشخص الواحد عندما يتحول من صفة الكافر المحارب، إلى صفة الإنسان المؤمن، أو الكافر المعاهد المُستأمَن.
    ولو تأملنا وراجعنا نصوص الشريعة ذات العلاقة بالجهاد في سبيل الله، نجد أنها معللة بالحفاظ على المقاصد الآنفة الذكر أو بعضها؛ إذ لا يوجد نص يأمر بالقتال لمجرد القتال وحسب!
    انظر ـ على سبيل المثال ـ قوله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ البقرة:193.
    فعلل القتال بقوله تعالى: حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ   فَإِنِ انْتَهَوْا  عن الفتنة وعن أسبابها  فَلا عُدْوَانَ ؛ أي فلا قتال  إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ  الذين يظلمون فيعتدون على مقاصد الشريعة الآنفة الذكر أو بعضها.
    وكذلك قوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة:190.
    فعلل القتال أولاً بأن يكون  فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وهو القتال لكي تكون كلمة الله هي العليا، وثانياً للدفاع عن الأنفس والحرمات، والحفاظ عليها، كما في قوله  الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ، فإن انتهوا ودخلوا في السلم، وكانت كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى  لا تَعْتَدُوا ؛ أي لا تقاتلوا؛ لأن القتال حينئذٍ يكون أقرب للعدوان، و  اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .
    وكذلك قوله تعالى: وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة:36. فعلل القتال بأن المشركين  يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ؛ وهم إذ يُقاتلونكم كافة يستهدفون مقاصد الدين الآنفة الذكر أو بعضها .. وحتى تُحافظوا على هذه المقاصد وتحموها من عدوان المشركين لا بد لكم من أن تقاتلوهم كافة  كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً .
    وكذلك قوله تعالى: وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ التوبة:12. فعلل قتالهم بأنهم يغدرون، وينقضون العهود والمواثيق، ويطعنون في الدين .. فإن قاتلتموهم  لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ  عن كل ذلك.
    وكذلك قوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً النساء:75. فهو أولاً قتال  فِي سَبِيلِ اللَّهِ  لكي تكون كلمة الله هي العليا .. وثانياً هو قتال لاستنقاذ المستضعفين المؤمنين، الذين يتعرضون للتعذيب والفتنة في دينهم مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا .
    وهكذا لو أردنا أن نستطرد ذكر النصوص الشرعية ذات العلاقة بالجهاد في سبيل الله .. نصاً نصاً، ودليلاً دليلاً نجد أنها جميعها معللة بحماية مقاصد الشريعة الآنفة الذكر، والحفاظ عليها.
    ثانياً: فإن تعارضت مصالح مقاصد الشريعة الآنفة الذكر بعضها مع بعض؛ بحيث يصعب التوفيق فيما بينها، والعمل من أجلها جميعاً، وأن مراعاة بعضها يستلزم التخلي ـ مرحلياً وبصفة مؤقتة ـ عن البعض الآخر، فقواعد ونصوص الشريعة تُلزم حينئذٍ بالجهاد من أجل أوكد وأعظم مقصد من مقاصد الشريعة وإن أدى ذلك إلى التفريط بمصلحة المقاصد الدنيا الأقل مرتبة وأهمية؛ وأعظم مقاصد الشريعة مقصد حماية الدين والعقيدة والتوحيد، فلو تعارضت ـ مثلاً ـ مصلحة هذا المقصد مع مصلحة مقصد النفس أو المال .. قُدمت مصلحة مقصد الدين والعقيدة والتوحيد، ولا بد، وإن أدى ذلك إلى التفريط ببعض مصالح مقصد الحفاظ على النفس والمال.
    كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ التوبة:24.
    وفي الحديث فقد صح عن النبي  أنه قال:" إذا تبايعتم بالعِينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلَّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم "[ ]. أي ترجعوا إلى جهادكم فتجاهدوا في سبيل الله .. وتقدموا مصلحة مقصد سلامة الدين والعقيدة والتوحيد، ومصلحة أنفسكم، وأعراضكم .. على مصلحة المال الذي يتأتى لكم من وراء الانشغال برعي البقر أو الزراعة .. فإن لم تفعلوا ذلك، وآثرتم إلا أن تقدموا مصلحة المال الذي تحصلون عليه من وراء انشغالكم بالرعي والزراعة " سلَّط الله عليكم ذلاً "، وأصبحتم عبيداً وتبعاً لأمم غيركم .. وتكالبت عليكم أمم الكفر كما تتكالب الأكلة على قصعتهم!
    ثالثاً: في العمل الجهادي لا يكفي النظر إلى ما يجوز أو إلى ما هو مباح .. لكي يُفعَل بغض النظر عن النظر إلى المصالح والمفاسد، والنتائج المترتبة على فعل هذا الجائز أو المباح!
    فإذا كان فعل مباح سيؤدي إلى تفويت فرض، أو تفريط بواجب، أو جلب ضررٍ يعلو مضرة الإمساك عن فعله .. فحينئذٍ يكون فعل هذا المباح الجائز محظوراً، أو الإمساك عن فعله هو الأولى، والأقرب لما تلزم به الأدلة النقلية والعقلية.
    من ذلك أن النبي  أمسك عن قتل رأس النفاق ابن أُبي لما قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منا الأذل .. وكان ـ قاتله الله ـ يعني بذلك النبي  .. وقد أشار بعض الصحابة على النبي  بقتله إلا أن النبي  امتنع عن فعل ذلك، وعلل منعه بقوله:" والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال .. فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبراً "!
    فإذا كان قتل منافق .. سيؤدي إلى مثل هذه الفتنة؛ إلى تفرق وتقاتل الأصحاب والإخوان .. وأن يتحدث الناس أن المسلمين يقتلون بعضهم بعضاً، وفي ذلك من الضرر ما فيه .. فالأولى حينئذٍ الإمساك عن قتل هذا المنافق الذي يُظهر نفاقه .. وإن كان في الأصل أن قتله جائزاً!
    ونحو ذلك القيام بعمل محدود في آثاره ومن حيث المصالح المترتبة عليه .. يؤدي إلى فوات مصالح أعظم منها، وتحصيل مفاسد أكبر من المفاسد التي استؤصِلت أو يُراد استئصالها من وراء ذلك العمل المحدود .. فحينئذٍ يكون الإمساك عن فعل ذلك العمل المحدود في آثاره ومصالحه هو الأولى، وهو الذي ينبغي القيام به.
    لا يُقبل من أي امرئٍ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يرمي قنبلته في أي اتجاه وأي مكان .. ومن دون أن يكترث بما يمكن أن يترتب على إلقائه للقنبلة بتلك الطريقة من آثار .. وبما يمكن أن تحققه من مفاسد وتفوته من مصالح معتبرة في شرع الله!
    لا يُقبل من أي امرئ ـ حتى لو سمى نفسه مجاهداً ـ أن يقتل فرداً من العدو .. أو يُحدث حدثاً معيناً .. ثم ينجو بنفسه .. وهو يعلم مسبقاً أن قتله لهذا الفرد من العدو أو فعله لهذا الحدث ..سيؤدي إلى قتل واعتقال مئات من المسلمين .. وإلى انتهاك حرماتهم وأعراضهم .. وتعطيل مصالحهم الخاصة والعامة .. ثم هو لا يستطيع أن يفعل حيال ذلك شيئاً!
    لا يُقبل ـ شرعاً ولا عقلاً ـ أن يُزال ضرر صغير بضررٍ كبير، ولا منكر صغير بمنكر أكبر، ولا كفر أصغر بكفر أكبر .. حتى لو حصل ذلك باسم الجهاد والمجاهدين!
    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 28/129: وجماع ذلك داخلٌ في القاعدة العامة: فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت؛ فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد.
    فإن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته ا- هـ.
    وقال 14/472: وإذا كان قوم على بدعة أو فجور، ولو نُهو عن ذلك وقع بسبب ذلك شرٌّ أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم يُنهوا عنه .. فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي، وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً، وأما إذا زاد شره وعظم وليس في مقابلته خير يفوته لم يُشرع إلا أن يكون في مقابلته مصلحة زائدة، فإن أدى ذلك إلى شرٍّ أعظم منه لم يُشرَع؛ مثل أن يكون الآمر لا صبر له، فيؤذى فيجزع جزعاً شديداً يصير به مذنباً، وينتقص إيمانه ودينه ا- هـ.
    رابعاً: أيما حركة جهادية لكي يُكتب لها النجاح والظفر لا بُد من أن ترقى في اهتماماتها وهمومها وآلامها إلى مستوى اهتمامات وهموم وآلام الأمة .. فتألم لأي مصاب يُصيب الأمة مهما دق أو كبر .. وتبذل قصارى جهدها على إزالته .. وتفرح لكل خير يُصيب الأمة مهما دق أو كبر.
    لا بد للحركة الجهادية الراشدة من أن تتصرف ـ بكل صدق وإخلاص وحماس ـ كراعٍ حنون ورفيق يسهر على مصالح المسلمين وحرماتهم، ويُدافع ويذود عنها .. ويحرص عليها .. مهما دقت أو كبرت .. وأينما كانوا .. أو كانت لغاتهم وألوانهم وجنسياتهم .. ولا بد من أن يَعرف ذلك عن المجاهدين ـ ويلمسوه في واقع حياتهم ـ عامة المسلمين وخاصتهم!
    وهذا المعنى هو المستفاد من قوله تعالى: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ التوبة:128.
    ومن قوله :" ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم، وتعاطفهم، كمثل الجسدِ إذا اشتكى عضواً تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهر والحُمَّى " متفق عليه.
    وقال :" المؤمنون كرجلٍ واحد؛ إذا اشتكى رأسَهُ اشتكى كُلُّه، وإن اشتكى عينَه اشتكى كلُّه " مسلم.
    وأيما حركة جهادية لا تنتبه لهذا المعنى .. ولا تراعيه في جهادها وأعمالها ومواقفها .. وتتصرف بفوقية، وبطريقة أنانية؛ بحيث لا تهتم إلا بكوادرها وأفرادها ومصالحها الذاتية .. وليكن بعد ذلك ما يكون للأمة وسائر المسلمين .. المهم أن ينجو المجاهد من أفرادها .. أو ينجح في عمليته المحدودة الأثر .. ولو قُتل بعده ألف مسلم .. وانتهكت أعراضهم وحرماتهم .. وعُطِّلَت مصالحهم .. وألغيت مؤسساتهم ومراكزهم الدعوية والتربوية .. فالحركة الجهادية عندما تصل إلى هذا الموصل .. وتتصرف بهذه الطريقة .. فهي أولاً مخطئة شرعاً قد خالفت بذلك عشرات النصوص من الكتاب والسنة .. وهي ثانياً خسرت رصيدها من المسلمين .. وهي ثالثاً كتبت على نفسها ـ بذلك المسلك ـ الفشل والانتكاس، والهزيمة!
    خامساً: الانتباه إلى عدم الخلط بين ساحات الحرب والقتال وبين ساحات العهد والأمان، واعتبارهما سواء .. والتعامل معهما وكأنهما شيء واحد .. فهذا خطأ شرعي، وأخلاقي، وسياسي، لا تُحمد عُقباه!
    فساحات الحرب والقتال لها أحكامها، وساحات العهد والأمان لها أحكامها .. لا يخلط بينهما إلا امرؤ جاهل!
    وساحات العهد والأمان نسبية وهي قد تختلف من شخص لآخر، ومن جماعة لأخرى؛ ومن دولة لأخرى، فقد تكون ساحة من ساحات الحرب هي ساحة حرب بالنسبة لمجموع الأمة باستثناء من يدخل في عهدها وأمانها من الأفراد أو الجماعات بعهد استثنائي خاص بهم، أو من يعيش فيها من المسلمين بعهد وأمان، وعقد وميثاق اجتماعيين .. يلزم الطرفين المتعاقدين بالسلام والأمن الاجتماعيين .. فهؤلاء لهم أحكامهم الخاصة بهم التي تمنعهم من القتال أو إحداث أي شيء يُخل بشروط هذا العقد والأمان .. بخلاف غيرهم من أبناء الأمة خارج تلك الساحة المحاربة، فهم في حلٍّ من كل ذلك.
    وبالتالي لا يجوز لمن يعيش من المسلمين خارج تلك الساحة ممن هم في حرب معها ومع أهلها .. بأن يوجه نداءً لمن يعيش في تلك الساحة من المسلمين ممن تربطهم معها ومع أهلها مواثيق وعهود مغلظة تمنعهم ـ شرعاً وعقلاً ومروءة ـ من أن يُحدثوا فيها أي حدث: بأن يُقاتلوا .. ويُفجِّروا .. ويُكسِّروا .. وينهبوا .. ويتصرفوا وكأنهم في حرب مع القوم .. لا يجوز أن يوجه مثل هذا النداء، وذلك للأسباب التالية:
    1- لا يجوز الاستجابة لهذا النداء؛ لأن الاستجابة له يعني بالضرورة الوقوع في الغدر والخيانة .. والإسلام شدد في النهى عن ذلك .. وعدَّ ذلك من كبائر وعظائم الذنوب .. ومن خوارم المروءة والأخلاق .. ومن الأسباب التي تستدعي تسليط العدو على الغادر ناقض العهد .. وما أكثر النصوص الشرعية الدالة على ذلك لو أردنا الاستدلال[ ].
    2- أن الاستجابة لهذا النداء يعني بالضرورة استئصال الأقلية المسلمة التي تعيش في تلك الساحة أو الدولة .. خلال أيامٍ .. بل وسويعات .. والملامة ـ شرعاً وعقلاً ـ حينئذٍ تكون على الأقلية المسلمة التي شرَعت وبدأت بالغدر ونقض العهد بغير وجه حق.
    وفي الأثر الصحيح عن ابن عباس :" ما خَتَرَ قومٌ العهدَ إلا سلَّطَ الله عليهم العدو ".
    3- أن الاستجابة لهذا النداء يعني بالضرورة حرمان الأقلية المسلمة من حقوقها الخاصة والعامة التي تتمتع بها وهي ملتزمة بمتطلبات عهدها وعقدها مع المجتمع أو الدولة التي تعيش فيها .. ولا نلوم حينئذٍ إلا أنفسنا.
    ولكي تتضح المسألة أكثر، فإن الشيء يُعرَف بضده .. فلو عكسنا القضية بحيث يوجه الكفار المحاربون نداء إلى إخوانهم ممن يعيشون مع المسلمين في مجتمعاتهم بعهد وعقد وأمان: بأن يغدروا .. ويُقاتلوا المسلمين .. ويستحلوا حرماتهم .. فلو استجابوا لهذا النداء، فما هو الموقف الشرعي حينئذٍ من هذه الأقلية التي غدرت بالعهد والأمان .. واستحلت الحرمات؟!
    الجواب يعرفه الجميع: المحاربة والاستئصال .. وحرمانها من الحقوق التي تُمنح للمعاهد الذي يلتزم بعهده وأمانه .. ولا يغدر .. هكذا ستكون معاملة المسلمين لهم لو غدروا وبالتالي لا نلومهم لو عاملونا بما نعاملهم به لو غدرنا بهم .. ونحن في ديارهم!
    لأجل ذلك كله قلنا ونقول: أنه ليس من الدين ولا السياسة الشرعية توجيه مثل هذه النداءات أللامسؤولة .. للأقلية المسلمة التي تعيش في بلاد وديار غير المسلمين .. وترتبط مع تلك الديار وأهلها بعهود وعقود ومواثيق مغلَّظة تُلزِمها بالأمان والسلام الاجتماعيين.
    فإن قال قائل: نغزوهم في ديارهم كما غزوننا في ديارنا.
    يُقال له: دونك وذلك .. وهذا حقك .. والشرع قد ضمن لك هذا الحق .. ولكن لا تغزوهم بالغدر، ولا بأناس بينهم وبين القوم عهد وميثاق يمنعهم شرعاً وعقلاً من الاعتداء أو أن يُحدثوا أي حدثٍ يتناقض مع مقتضيات العهد والأمان الذي أُبرم بين الطرفين .. فالإسلام قد حرم ذلك.
    فقد صح عن النبي  أنه قال:" من أمَّن رجلاً على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً ".
    وقال :" من قتلَ معاهداً لم يُرِح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً " البخاري.
    وعن حُذيفة بن اليمان  قال: ما منعني أن أشهدَ بدراً إلا أني خرجت وأبي حُسيل ـ والده ـ قال: فأخذَنا كفار قريش، قالوا: إنكم تريدون محمداً، فقلنا: ما نريده؛ ما نريد إلا المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لننصرفنَّ إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسولَ الله  فأخبرناه الخبر، فقال:" انصرفا؛ نفي لهم بعهدهم، ونستعينُ اللهَ عليهم " مسلم.
    النبي  وأصحابه يستعينون اللهَ على قتال كفار قريش .. بينما حذيفة ووالده يعتزلان القتال ـ في أشرف معركة عرفها التاريخ كله وإلى يوم القيامة ـ وفاء بالعهد .. ومراعاة لحرمة العهد .. وحتى لا يُقال أن أصحاب محمدٍ  ينقضون العهد!
    ما أوضح الأدلة على المسألة وأصرحها .. ومع ذلك إلى الساعة ـ وللأسف ـ لا يزال يوجد من يُجادل فيها ويُماري!
    ونقول كذلك: لساحات الحرب والقتال نصوصها الشرعية التي تُحمل عليها، ولساحات العهد والأمان نصوصها الشرعية الخاصة التي تُحمل عليها لا ينبغي الخلط بينهما .. ولا حمل نصوص
    ساحة على الساحة الأخرى .. فيقع حينئذٍ الخطأ والزلل .. والشرود عن الحق والاعتدال.
    فمن نصوص ساحات القتال والحرب على ـ سبيل المثال ـ قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ التوبة:123. وقال تعالى: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة:191. وقال تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة:5. وغيرها من الآيات.
    بينما النصوص ذات العلاقة بساحات العهد والأمان، كما في قوله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ التوبة:6. وقوله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الممتحنة:8. وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ الحجرات:13. وقوله تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً لقمان:15. وقوله تعالى: وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ العنكبوت:46. وغيرها من الآيات، والأحاديث التي تأمر بالإحسان إلى الجار الكافر، وإلى فقرائهم ومساكينهم .. والتعامل معهم بالرفق والحكمة .. وما أكثرها لو أردنا ذكرها.
    خلاصة القول: أن لكل ميدان نصوصه وأدلته الخاصة به .. فلا ينبغي أن تُحمل نصوص كل ميدان على الميدان المغاير والمخالف .. فيقع الخطأ والظلم .. وما أكثر من يفعل ذلك!
    سادساً: من السياسة الشرعية كذلك التمييز بين مراحل الضعف وما يتعلق بها من أحكام ونصوص شرعية، وبين مراحل القوة والتمكين وما يتعلق بها من أحكام ونصوص شرعية؛ إذ الخلط بينهما مؤداه إلى الوقوع في مخالفات وأخطاء فادحة لا تُحمد عواقبها .. قد ترتد على الصف الإسلامي بالهلاك والدمار!
    فمن كان يعيش مراحل الضعف وظروفه .. ثم أراد أن يحمل على نفسه الأحكام والنصوص التي تُحمَل على مراحل القوة والتمكين .. فهو من وجه مثله مثل من يتشبع بما لم يُعطَ، وبما ليس فيه، ومن تشبَّع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زورٍ!
    ومن وجه آخر فهو يكلّف نفسه مالا تطيق وتقدر عليه .. فيعرض نفسه ـ بذلك ـ إلى الهلكة والتلف، والله تعالى يقول: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة:195. وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا البقرة:286. وقال تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا الطلاق:7. وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ التغابن:16.
    وفي الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" وإذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منا ما استطعتم " البخاري. وفي رواية عند مسلم:" وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم ".
    فالعجز القاهر ـ باتفاق أهل العلم ـ يُسقط التكليف إلى حين توفر القدرة على دفع العجز فيما تم التقصير فيه.
    وكذلك في المقابل من كان يعيش مراحل القوة والتمكين ثم أراد أن يحمل على نفسه نصوص وأحكام مراحل الاستضعاف .. فإنه بذلك يقع في التفريط فيما يجب عليه القيام به مما يقدر عليه، ومثله في ذلك مثل من يتخلف ويتهرب من القيام مما يجب عليه شرعاً أن يقوم به ومن دون أي عذر معتبر!
    فإن قيل: وهل لمراحل الاستضعاف أحكام ونصوص تتعلق بها تختلف عن الأحكام والنصوص ذات العلاقة بمراحل وظروف القوة والتمكين؟!
    أقول: نعم؛ من هذه النصوص والأحكام قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ التوبة:91. وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ النور:61. وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً النساء:97. وهؤلاء هم الأقوياء الذين أرادوا أن يحملوا على أنفسهم زوراً أحكام المستضعفين، فلم يُعذَروا، وقد كشف الله كذبهم عندما زعموا الاستضعاف .. ومثل هؤلاء مثل كل قادر يريد أن يتهرب من التكاليف الشرعية تحت ذريعة الاستضعاف والعجز وما هو بضعيف ولا عاجز؛ وإنما يتعاجز ويتظاهر بالضعف والاستضعاف .. أما المستضعفين الصادقين في استضعافهم .. هم الذين يشملهم قوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً النساء:98. هؤلاء الذين يُعذرون لو تخلفوا عن الهجرة، وعن الجهاد.
    وكذلك قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً آل عمران:28. فهذه الآية الكريمة تُحمل على المستضعفين الذين يعيشون ظروف الضعف والخوف، والإكراه، ونحوها قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ النحل:106.
    وكذلك قوله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ الأنفال:60. وهذه الآية الكريمة يُعمل بمقتضاها في جميع المراحل؛مراحل الاستضعاف والعجز، ومراحل القوة؛ إذ الإعداد يجب أن يبقى ويستمر في جميع مراحل الصراع بين الحق والباطل، وما بقي الجهاد وبقيت دواعيه وأسبابه على وجه الأرض، لكن العمل بمقتضى هذه الآية يكون أوكد وأولى بحق المستضعفين في الأرض ليتمكنوا من رفع العجز والضعف عن أنفسهم، وأن ينتقلوا بأنفسهم إلى مرحلة القوة والظهور والتمكين.
    ولعل من أبرز ما يُظهر ويوضح هذا المعنى الآنف الذكر قوله  كما في الحديث الصحيح:" من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " مسلم.
    فتأمل كيف تسلسلت طريقة إنكار المنكر بحسب القدرة والاستطاعة؛ فالقوي يُنكر المنكر بيده، والأقل منه قوة واستطاعة يُنكر المنكر بلسانه، والمستضعف الذي لا يقدر على شيء مما يقدر عليه من تقدم ذكرهما يُنكر المنكر بقلبه، وذلك أضعف الإيمان .. ولو أراد كل واحدٍ من هؤلاء الأنفار الثلاثة أن يُنكر المنكر على طريقة الآخر لحصل الإفراط أو التفريط، ولا بد!
    هذا الفقه في التمييز بين ما توجبه مراحل القوة والتمكين وبين ما توجبه مراحل الاستضعاف .. لا بد من أن يتنبه له العاملون من أجل الإسلام .. ومن أجل استئناف حياة إسلامية راشدة .. وقلَّ من يفعل ذلك!
    سابعاً: مما تقتضيه السياسة الشرعية كذلك تحديد العدو المباشر، الأكثر خطورة على الإسلام والمسلمين، والتي تكون مواجهته أكثر إلحاحاً من غيره .. ومن ثم توجيه الجهود لدفعه ورده واستئصاله .. وهذا لا يُمكن إلا بعد تحييد الأعداء الآخرين الأقل خطورة وعداءً .. وإشعارهم بنوع أمانٍ إن اقتضى الأمر .. وعدم إثارتهم وفتح جبهات فرعية معهم .. تستنزف الطاقات والجهود من غير طائل يُذكر .. ويكون ذلك كله على حساب مواجهة العدو الرئيسي الأشد خطراً، والأكثر إلحاحاً.
    ومن يتأمل سيرة النبي المصطفى  يُدرك هذه السياسة في جهاده ومواجهته لأعدائه؛ أعداء الدين .. فأول ما بدأ جهاده  كان محدداً ضد كفار قريش وحسب؛ الأكثر عداء، والأكثر خطراً وإلحاحاً، ثم بعد ذلك توسع جهاده ليشمل كفار قريش ومن دخل في حلفهم من قبائل العرب، ثم بعد ذلك توسع أكثر ليشمل جهاده  جميع قبائل العرب التي كانت لا تزال على دين الشرك، ثم بعد ذلك توسع جهاده  ليشمل الروم والفرس، ويطلبهم في عقر دارهم .. وكان  لا ينتقل من جبهة إلى جبهة إلا بعد أن يحسم الحرب والقتال مع الجبهة الأولى، كما أنه  كان نادراً ما يفتح عليه وعلى أصحابه جبهتين في آنٍ معاً .. حتى أنه صلوات ربي وسلامه عليه استشار أصحابه يوم وقعة الأحزاب ـ ليخفف من حصار المشركين عن المدينة ـ في أن يعطي زعيم قبيلة غطفان شطر تمر المدينة مقابل أن يتخلى وقبيلته عن القتال مع الأحزاب التي تجمعت لقتال المسلمين .. وهذا فقه لا بد للمجاهدين من أن يتنبهوا له!
    لا يُمكن أن تُعلن الحرب على الأرض كلها .. على دول الأرض كلها .. على جميع الأنظمة العربية منها والأعجمية، ومن دون استثناء .. ويُفتح معها مئات الجبهات وفي وقت واحد .. تحت عنوان أنهم كفار، وأن الأصل في محاربتهم الإباحة والجواز .. ثم نعتبر ذلك استراتيجية ناجحة!
    إن اتباع هذه الاستراتيجية .. وتوسيع دائرة الصراع بهذه الصورة .. والتغاضي عما أشرنا إليه، يعني أموراً عدة:
    منها: الخروج عن منهج النبي  في إدارة وتوجيه الصراع بين الحق والباطل كما تقدم.
    ومنها: استنزاف طاقات المجاهدين وقدراتهم ـ على تواضعها قياساً لقوات العدو ـ في معارك جانبية متفرقة .. ومن غير طائل يُذكر.
    ومنها: اشغال المجاهدين في معارك جانبية .. وفي جبهات عدة .. على حساب الجبهة الرئيسية الأكثر خطراً وإلحاحاً!
    ومنها: تحالف جميع الدول والأنظمة الحاكمة ـ على ما بينها من تباين واختلاف وتصارع ـ ضد الإسلام والمسلمين .. وبخاصة منهم المجاهدين .. لأنها جميعها تشعر أنها مستهدفة ومعنية بشكلٍ مباشر من هذه الحرب، وغير مستثناة!
    ومنها: تشديد الخناق على المسلمين بعامة .. والمجاهدين منهم بخاصة .. وعلى مصالحهم العامة والخاصة .. وانعدام وجود الساحة أو المساحة الآمنة المحدودة في الأرض التي يُمكن أن يلجأ إليها المجاهدون .. أو المسلمون المضطهدون في دينهم ودنياهم .. في ظرف من الظروف التي تضطرهم
    لشيء من ذلك!
    ومنها: انعدام الساحة الآمنة يعني بالضرورة انقطاع وتجفيف جميع موارد الإمداد البشرية منها والمالية .. وهذه نتيجة لا ينبغي الاستهانة أو الاستخفاف بها!
    ثامناً: ومما يدخل في السياسة الشرعية اجتناب القتال في الساحات المتشابهة حمالة الأوجه والتفسير .. والاقتصار على الساحات المحكمة التي لا تحتمل ولا تقبل إلا تفسيراً واحداً، وحكماً واحداً، وما أوسع وأوفر هذه الساحات!
    إن العمل والقتال في الساحات المتشابهة في صفتها وحكمها، التي تتباين الأقوال والأفهام حولها .. واستهداف أهداف متشابهة من حيث الحل أو الحرمة، يعني أموراً عدة:
    منها: الحَوْمُ حول الحمى، وإمكانية الوقوع في المخالفة الشرعية .. لأن المتشابه يحتمل كل الأوجه: يحتمل الحل والإباحة، ويحتمل الحرمة والكراهية .. وبالتالي الوقوع فيه ومقارفته، والحوم حوله، مغامرة ومقامرة .. لا تُحمد عُقباها، وفي الحديث، فقد صح عن النبي  أنه قال:" إنَّ الحلال بيِّنٌ، وإنَّ الحرامَ بينٌ، وبينهما أمورٌ متشابهاتٌ لا يعلمهُنَّ كثيرٌ من الناس؛ فمن اتقى الشُّبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشُّبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه " متفق عليه.
    فالمتشابه مريب .. والسلامة تقتضي منك أن تدع ما يريبك إلى مالا يريبك؛ كما في الحديث:" دع ما يُريبُك إلى مالا يُريبُكَ "[رواه الترمذي، وقال: حديث حسَنٌ صحيح].
    ومنها: إيصال رسالة خاطئة للناس .. مفادها أن المجاهدين يقتلون الأبرياء .. ويستهدفون أناساً وأهدافاً لا يجوز استهدافها شرعاً .. وفي ذلك من المحاذير ما فيه!
    ومنها: انقسام المجاهدين ومن وراءهم من المسلمين إلى فِرق وجماعات؛ فريق يؤيد ويبارك، وفريق يُعارض ويندد .. بحسب ما يفهم كل منهما ويبين له .. والدخول في جدالات ونقاشات وردود عقيمة تنتهي غالباً بالاتهامات والتخوين، وربما بالتكفير!
    ومنها: نفور الناس عن مبدأ الجهاد وعن عقيدة الجهاد .. وعن نصرة الجهاد والمجاهدين .. وقضاياهم العادلة .. وعن تأييدهم ودعمهم!
    ومنها: تشويه الغايات النبيلة التي لأجلها شُرِع الجهاد والقتال .. وحمل المجاهد السلاح .. وهذه نتائج لا تُحمد عواقبها، لا يُمكن الاستخفاف بها .. ومن السياسة الشرعية مراعاتها واجتنابها، واجتناب كل ما يؤدي إليها!
    تاسعاً: من السياسة الشرعية إظهار الجانب الأخلاقي من كل عملٍ ـ إن أمكن ـ يقوم به المجاهدون .. إذ لا يوجد ما يمنع شرعاً وسياسة من إرسال رسالة أخلاقية بين الفينة والأخرى تبين وتظهر نبل وأخلاق المجاهدين .. ونبل وعظمة الغايات التي يُجاهدون من أجلها!
    هذا الجانب لا ينبغي الاستهانة أو الاستخفاف به؛ فإن له آثاراً إيجابية قد تعلو الآثار التي تتأتى من وراء القتل والقتال!
    من هذه الرسائل الأخلاقية ـ على سبيل المثال ـ الإحسان إلى أسرى العدو .. ومعاملتهم معاملة حسنة .. والمن على بعضهم وإطلاق سراحهم عندما تظهر المصلحة من وراء ذلك .. وبخاصة عندما يكون الأسير كبيراً في السن .. أو امرأة .. أو له شبهة أمان تمنع من أسره والاعتداء عليه .. وكذلك إظهار خلق الشكر .. والعفو عند المقدرة وبخاصة إن كان خطأ المقدور عليه ناتجاً عن جَهل أو ضعف أو فقر أو نزوة أو شهوة عابرة .. وكذلك الوفاء بالعهد وعدم الغدر .. وإظهار الحرص الشديد على الأنفس البريئة التي صان الشرع حرماتها .. ومواساة أولياء من يُقتل خطأ على أيدي المجاهدين .. والاعتذار لهم .. ودفع الدية الشرعية لهم .. وبيان أن هذا خطأ لم يكن مقصوداً .. ونحوها من الرسائل الأخلاقية التي أمر بها الإسلام، وحض عليها .. والتي لها آثار طيبة ـ في نفوس الناس، وحتى العدو ـ تعلو آثار القنابل .. وقذائف المدافع والدبابات!
    ومن يتأمل سيرة وجهاد من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق صلوات ربي وسلامه عليه يجد آلاف الشواهد الدالة على ما ذكرناه .. فهو  لما وقع في يده يوم بدر سبعون أسيراً من كبار صناديد مشركي قريش، تذكر المطعم بن عدي، وتذكر صنيعه الجميل معه لما أجاره لأيام قلائل من أذى مشركي قريش، فقال :" لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر ـ لأطلقتهم له " البخاري. علماً أن المطعم بن عدي قد مات على الكفر والشرك!
    أعلم أن هناك من سيُقاطعني فور انتهائه من قراءة هذه الكلمات، ليقول لي: أنظر ماذا يفعلون بإخواننا في سجن جوانتنامو .. وفي سجن " أبو غريب " في العراق .. وفي سجونهم في أفغانستان، وفلسطين .. وغيرها من البلدان .....؟!
    أقول: هذا دينهم .. هذه قيمهم وثقافتهم وحضارتهم وأخلاقهم وديمقراطيتهم وإنسانيتهم التي يعملون على تصديرها للبلاد والعباد!
    لكن أترضون ـ أيها الأحبة ـ أن نقاتلهم ونجاهدهم بأخلاقهم وقيمهم وطبائعهم الفاسدة .. إذاً استوينا معهم في كثير مما يُشين المرء، ويحط من قدره ومستواه .. وهذا لا يليق بالمسلم الموحد
    المجاهد الذي يُقاتل ويُجاهد عدوه بدينه وبأخلاق نبيه  وعلى طريقته .. وليس على طريقة أحدٍ غيره.
    المجاهد في الإسلام داعية إلى الله قبل كل شيء .. يدعو إلى الله وإلى إعلاء كلمته بدمه وعرقه وهو أبلغ من دعوة اللسان والقلم .. وبالتالي لا بد من أن يكون في دعوته وجهاده مبشراً لا منفراً، كما أمر رسول الله .
    هم يُقاتلون في سبيل الطاغوت .. والمسلم يُقاتل في سبيل الله .. ولا ينبغي أن تستوي أخلاق وأفعال من يُقاتل في سبيل الله مع أخلاق وأفعال من يُقاتل في سبيل الطاغوت!
    عاشراً: الخروج على طواغيت الحكم والكفر والردة حقٌّ، وواجب شرعي يجب القيام والنهوض به .. وهو خيار صعب، وقد يكون مُكلِفاً .. ولكن الخيار الأكثر منه صعوبة، والأكثر منه كلفة والأشد ضرراً يكمن في السكوت عليه وعلى نظامه، والرضى بالطاغوت حاكماً على البلاد والعباد، يحكمهم بالكفر والفجور والجور والخيانة؛ لذا دلت النصوص الشرعية دلالة صريحة على وجوب الخروج عليه وعلى نظامه القائم على قوانين الكفر والشرك والظلم، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، عن عبادة بن الصامت أنه قال:" بايعنا النبيَّ  على أن لا نُنازعَ الأمرَ أهلَه؛ إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم منَ الله فيه برهان ". وبعض أهل العلم قد نقلوا الإجماع على ذلك.
    فإن عُلم ذلك، أقول: من السياسة الشرعية أن تُراعى جملة من الأمور قبل وخلال وبعد عملية الخروج:
    1- أن صور كفر وردة الحاكم أنواع:
    منها: أن تقتصر الردة على شخص الحاكم فقط دون غيره .. ففي هذه الحالة يقتصر الخروج وأعماله على شخص الحاكم فقط من دون أن يتعدى إلى أحدٍ سواه.
    ومنها: أن تتسع دائرة الردة لتشمل الحاكم وزمرة قليلة من أعوانه ومتابعيه .. فحينئذٍ يقتصر الخروج وأعماله على الحاكم وهذه الزمرة القليلة من أعوانه ومتابعيه ووزرائه .. ومن دون أن يتعدى إلى أحدٍ غيرهم، فضلاً عن أن يتعدى إلى مؤسسات المجتمع، ومرافق الحياة فيه.
    ومنها: أن يُتابِع الحاكمَ على كفره وردته ـ إضافة إلى الفئة اللصيقة به ـ بعض مؤسسات الحكم والمجتمع التي يقتصر عملها على حماية الطاغوت ونظامه وكفره وظلمه .. وتؤثر إلا أن تُتابعه فيما هو فيه من كفر وجور .. فحينئذٍ ينبغي أن تتوسع دائرة الخروج لتشمل كل هذه الأصناف الأنفة الذكر .. ومن دون زيادة ولا نقصان .. أو أن تتعدى أعمال الخروج لتشمل مؤسسات ومرافق أخرى للمجتمع لا شأن لها بدواعي الخروج على الحاكم ومؤسساته الخاصة به.
    عند عملية الخروج لا بد من مراعاة هذا التقسيم الآنف الذكر .. وتحديد صفة وحجم من يجب الخروج عليهم .. واعتزال ما سواهم .. قبل الشروع في عملية الخروج .. وإلا وقع الظلم، والعدوان، والله تعالى لا يُحب المعتدين.
    2- لا بد أن تكون عملية الخروج على طواغيت الكفر والردة هي مهمة الأمة، ومشروع غالبية المجتمع .. وأن تُصبح عملية الخروج ثقافة الجميع .. وحديث الجميع .. وهمَّ الجميع .. والجميع مقتنع بها .. علماء .. وطلاب علم .. وعمال .. وتجار .. وحتى النساء والأطفال .. وإن استغرق ذلك من الطليعة المؤمنة المجاهدة جهداً وبعض الوقت والزمن.
    لا ينبغي أن تقتصر عملية الخروج وكل ما يتعلق بها من مهام على فئة قليلة من الشباب المتحمس وحسب ـ وبخاصة إن وجدت العصابة أو بعض مؤسسات الدولة التي تقف في صف وخانة الطاغوت فيما هو عليه من كفر وعداء للإسلام والمسلمين ـ بعيداً عن الجماهير وشرائح المجتمع الأخرى .. ولما حاولت بعض الحركات الجهادية المعاصرة أن تفعل ذلك؛ أن تقتصر على جهود الصفوة من شبابها وحسب .. مُنيت بنكسات وضربات قاتلة .. وأتت النتائج عكسية وبخلاف المرجو!
    3- أن يُعطى الإعداد حقه .. من غير استعجال ولا إبطاء .. ومن ذلك أن يتسع تخطيط المجاهدين العاملين ـ ومعهم جميع المسلمين ـ ليشمل ما بعد إزالة الطاغية وسقوط نظامه .. إذ لا يجوز أن يقتصر التخطيط على سقوط الطاغية وحسب .. ثم ليكن بعده ما يكون .. ويأتي من يقطف ثمار جهاد المجاهدين من هو أسوأ وأكفر من الطاغوت المُزال .. كما حصل لكثير من التجارب المعاصرة .. فهذا ليس من إتقان العمل الذي يحبه الله تعالى ورسوله.
    4- توضيح الأسباب والغايات عند القيام بأي عمل كبير .. قد لا يفهمه ولا مراميه كثير من الناس .. حتى لا يكون هذا العمل فتنة لهم، ومدعاة لخوض أهل الشقاق والنفاق .. وهذا يستدعي اهتماماً أوسع في البعد الإعلامي الإسلامي.
    5- عند عملية الخروج .. لا بد من تحديد الأولويات .. وتقديم الأهم على المهم .. وعدم الانشغال عن الطاغوت وحاشيته المقربين .. بالصعاليك وبمن لا زَبْرَ له يَزْبرُه .. إلا ما كان على سبيل الدفاع عن النفس .. فالمعركة عندما تبتعد عن الطاغوت وحاشيته المقربين أركان نظامه وقصره .. فهي من جهة تستنزف طاقات وقوى الصفوة من المجاهدين في معارك جانبية لا طائل منها .. ومن جهة أخرى فهي لا تعدو بالنسبة للطاغوت وحزبه سوى أن تكون أرحاماً تَدفَع، وجيوشاً لا تَشبَع، ورواتب تُدفَع، وقبوراً تَبلَع .. ولو طالت المعركة لأكثر من ثلاثين عاماً!
    هذا الذي أردت بيانه في هذه العجالة .. وهذا الذي جاد به قلمي فيما يتعلق بشؤون الجهاد والسياسة الشرعية .. ولعلَّ تكون لي مراجعة أخرى للموضوع إن شاء الله؛ فهو أكبر من أن يوجز في هذه الصفحات .. راجياً من الله تعالى القبول .. وأن يجعل من عملي هذا مفتاح خيرٍ مغلاق شر .. إنه تعالى سميع قريب مجيب.
    وصلى الله على محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-05-18
  5. ابورغد

    ابورغد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-12-18
    المشاركات:
    6,823
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وبا المجهود الطيب
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-05-18
  7. ابورغد

    ابورغد قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-12-18
    المشاركات:
    6,823
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وبا المجهود الطيب
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-05-18
  9. الذيباني11

    الذيباني11 عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-06-04
    المشاركات:
    419
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك اخي ابو مراد وجزاك الله خيرا على هذا العرض الشامل لموضوع الجهاد واحكامه
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-05-18
  11. الذيباني11

    الذيباني11 عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-06-04
    المشاركات:
    419
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك اخي ابو مراد وجزاك الله خيرا على هذا العرض الشامل لموضوع الجهاد واحكامه
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-05-19
  13. يافعي بيقرح قوح

    يافعي بيقرح قوح عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    412
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وبا المجهود الطيب

    اللهم انصر اخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-05-19
  15. يافعي بيقرح قوح

    يافعي بيقرح قوح عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    412
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك وبا المجهود الطيب

    اللهم انصر اخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2006-05-21
  17. سامي السامي

    سامي السامي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-04-10
    المشاركات:
    180
    الإعجاب :
    0
    عزيزي أبو مراد :

    غالب ظني أن هذا المقال بقلم أبو بصير الطرطوسي .

    والرجل له تعقلات جيدة في أبواب الجهاد ، ومسائل التترس ، والأمان ؛ فهو من أعقل من كتب فيها من رموز التيار الجهادي .

    وإن كانت له مبالغات حادة في التكفير ، والحكم على الآخرين .

    وأشنع تلك المبالغات : تكفيره للشيخ القرضاوي .

    هدى الله الجميع لما يحبه ويرضاه .
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2006-05-21
  19. ابو مراد

    ابو مراد قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-02-06
    المشاركات:
    3,299
    الإعجاب :
    0
    نعم اخي سامي , هذا المقال من ابحاث الشيخ \ ابو بصير حفظه الله .

    اما قولك له مبالغات في مسائل التكفير , فاعتقادي ان الشيخ ( وانا اعرفع شخصيا ) ملتزم في هذه

    المسائل بمنهج اهل السنة , اما بالنسبة لتكفيرة القرضاوي فهو اجتهاد منه , لا سيما والقرضاوي

    قد صدرت منه كفريات , وان كنا لا نوافق الشيخ في تكفيره .
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة