بـــائـــــــع الجريـــــــــدة

الكاتب : أحمد شوقي أحمد   المشاهدات : 498   الردود : 1    ‏2006-05-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-16
  1. أحمد شوقي أحمد

    أحمد شوقي أحمد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    2,107
    الإعجاب :
    0
    بتّ أعرف هذا الرجل دهراً طويلاً، أستطيع القول أني أعرفه منذ اثنتي عشرة سنة، رغم عمري القصير إلا أني أذكر عندما كنت في الثامنة.. يأتي عبده علي بائع الصحف بوجهٍ نظيف باش ويناول جدي جريدتي المفضلة "الثوري" الصادرة عن الحزب الاشتراكي، يأخذ قيمتها ويمضي إلى حال سبيله.

    أيامٌ طويلة جداً.. وعبده علي هو عبده علي، لم يتغير.. لا يزال قصير القامة نحيل الجسد يرتدي "كوتاً" وبنطالاً، الذي استجد فقط أن عبده علي أصبح يرتدي ثياباً خلقةً وفضفاضة وأصبح يحلق شعره بشكلٍ كامل، وعلى ما يبدو أنه يقترف ذلك بيده المرتعشة، الشاهد في الأمر كثرة الجروح في راسه وعدم انتظام سياق الحلاقة.. أصبح عبده علي شاحباً جداً.. ومقرفاً قليلاً، بيد أنه قد تعلم مهنةً جديدة أتقنها كثير من اليمنيين هذهِ الأيام: "التفكير بصوتٍ عال"..

    يصحو عبده علي في الخامسة صباحاً.. ينزل ببطءٍ وتثاؤب إلى تحت تلك السيارة الخردة.. يريق ماءه.. ثم يقوم بغسل وجهه بالماء الشحيح الذي في القنينة.. وهو "بذات الوقت" يستغلها في غسل يده إثر الإمساك بقضيبه وقطراتٍ من بوله..

    يسرع عبده علي إلى مكاتب الصحف.. ثم يبدأ رحلته بالتجوال، يصرخ (جمهورية، ثورة، أكتوبر، ثوري، وحدوي، أيام) تقريباً الآن أصبح عبده علي صامتاً.. لا أحد يودّ الشراء في هذهِ المدينة.. الناس هنا تحت خطّ الفقر، لكنهم ربما يرفضون الاعتراف بذلك قليلاً.. (يا عم صالح، تشتي جريدة؟!)..(أصبحنا وأصبح الملك لله.. اهرب من قدامي يا عبده علي.. قد اليوم دبور من أولها، جئت أنت بما تبقى من دبور.. أصبح وقل يا ألله اليوم، ما كان باقي إلا أنت تخربها، امشي يا أخي تمشي بطنك..؟) يمشي عبده علي مستاءً أسفاً حزيناً.. (يا أستاذ أحمد، تشتي جرايد..؟!) (اجلس يا عبده.. أنت داري أيش مشكلة هذا البلد؟!) (أيش؟!) (مشكلته في حرف العين، حرف العين هذا صابت البلاد فيه عين، وأصبح سبب بلايا العباد) (كيف يعني يا أستاذ أحمد؟!)..(لاحظ، المسئولين حقنا أسماؤهم تبدأ بحرف العين، واللي ما يبدأ اسمه بحرف العين يبدأ اسمه بهذا الحرف، لاحظ مثلاً يا عبده علي.. أنت واحد من أكثر مصائب البلاد استعصاءً واسمك "عبده، علي" يعني أنت مصيبة دبل.. هاهاهاهاها) (جنة الجن، تشلّك وتعجن.. نحن ناقصين المهاذير هؤلاء كمان؟!)..

    يظل عبده علي، يسير من شارعٍ إلى شارع، من دهليزٍ وسردابٍ وسوق وبقالة إلى يومٍ منهكٍ بجملتهِ وتفصيله، إلى قدرٍ مغيّبٍ لا وعي لكنهه، شمسٌ حارقة، غثيانٌ ودوارٌ اعتاد عليهما.. وقدمين لم تبقَ فيهما مساحة أنملةٍ واحدة ليست مشققة.. (صندلٌ) بلاستيكيّ شديد الخشونة.. ومقطعٌ أيضاً..

    ",, الشمس مخلوقٌ مزعج.. إنها لا تعرف الرحمة.. ومن في هذا العالم ليس مزعجاً، ومن في هذا العالم يعرف الرحمة، الأرض مَزْبَلة، وهذهِ الأرض بالذات أكثر الأماكن تزبلاً وزبلاً وزبالةً، ليس مهماً أن نبحث في القاموسِ عن ترجماتٍ لتلك الكلمات السابقة، لكن بالتأكيد أنها الفاظٌ قبيحة جداً..

    هكذا يفكر عبده علي قبل أن يذهب إلى (الخادمة) تبيع الكراث.. (بكم الحزمة الكراث؟!)

    - خمسة عشر ريال..

    يأخذ حزمة الكراث، يمر بالبقالة ويأخذ قطعة خبز، عبده علي يمر بالحارة يركض خلفه الصبية يجرون بنطاله المقطوع من الأسفل.. (عبده علي، يا أهبل.. عبده علي، يا أهبل) يجري عبده علي تحت إبطه الأيمن كمية كبيرة من الصحف، وتحت إبطه الأيسر غداءه "الخبز، الكراث" وهو ممسك بيديه على حزام بنطالهِ، يركض بسرعة كي لا يقع بنطاله بفعل تحرشات الصبيةِ به..

    "لو سمحتم، فكوا، أنتم ما عندكم أسر تربيكم؟!.. فكوا يا عيال الكلب، آخ.. من الذي جدلني بالحجر.. يا عيال ********، يا عيال الكلب.. أمشوا لعنة الله عليكم).. يردد عبده علي العبارات الأخيرة، وقد وقعت منه الصحف و"الغداء" وهو يرميهم بالحجارة، بفعل شجّةٍ في رأسه خلفتها رمية طائشة من أحد الصبية..

    - الثانية ظهراً:

    عبده علي يمشي في الطريق وبيده اليمنى الجرائد المتسخة، وبيدهِ اليسرى كيسٌ أسود، فيه بقايا ما يرميه الرجال من القات الغير صالح "للمضغ" والتي يرمونها للماشية، يتكئ إلى حجرٍ في صرحةٍ صغيرة في الحارة.. ويبدأ مضغ القات السيء..

    (أنا من؟! أنا عبده علي.. والا عبده حليمة؟! لأ، أنا عبده علي الأهبل، العيال يقولوا كذه.. لا لا، أنا مش أهبل، أنا ذكي، ذكي جداً ومثقف كمان.. أقرأ جرايد.. بس أنا أهبل.. العيال يجروا بعدي ويجروا سروالي إلى أن يفلت، أنا أهبل.. صح انا أهبل..)

    عند أذان المغرب.. شيء ما تجلى في عبده علي، شيء مخيف ومرعب على ما يبدو.. حزم عبده علي جرائده وجمع كلّ ما في جيوبهِ من مالٍ كان يتأهب لإرساله إلى والدتهِ في القرية "ألفين ريال بالتمام والكمال.."مضى عبده علي بخطىً مرتعشة ويبز عنها قرار خطير.. مخيف.. تجلياتٌ أوليات لفصلٍ محتدم في أبضاعه، فصل لا أعي كنهه بعد..!

    ذهب عبده علي إلى بائع الجاز.. (لو سمحت دبه جاز).. أجابه العجوز البائع: (ألف وخمسمائة).. (تفضل يا حاج..) أخذ عبده علي جالون الجاز، ومضى.. ولم ينسَ بأن يشتري سبرت وأسبرين وبعض المستحضرات التي قد تنفع في "السكر"..

    خلط عبده علي مخاليطه.. وبدأ بالشرب.. اتكأ على جالون الجاز، أكل بقايا القات، خلع بنطاله ومضى يترندع في المكان (يا عيال الكلب، تعالوا شوفوني، بدون ما تجروا بعدي.. شوفوووني) كان الوقت زهاء منتصف الليل.. أخذ عبده علي جالون الجاز وبدأ بصبه على نفسه.. اغتسل به.. أوقد عود ثقاب، ورماه على نفسه.. تضرّمت النار، مضى عبده علي يجري ثم يعود، يجري ثم يعود، (آآآآآآه، يا بلاد الضياع، يا بلاد الموووووت.. يا دولة النصابين.. آآآآآه، أنا باموت وباسيبكم يا حقراء.. آآآآآآآه أنا مجنوووون.. أنا عبده علي الأهبل.. أرررررررع.. أرررررع.. آآآآه، حرقتوا يا عيال العاهرة،، اسعفوووووني، أنا بامووووووووووت..) وقع عبده علي على الأرض.. وقال بصوتٍ بدأ يخفت قليلاً قليلاً (يا عيال الـ...آه.. يا بلاد القهر، خلاص.. باسيبك.. مع السـ...آه..).

    كان المشهد مخيفاً ومرعباً.. ولو لم يكن غلا تجلياً لما هو حاصل.. جاءت الشرطة بسرعة.. أخذوا جثته وأودعوها في السيارة، تبرّع ثلاثةٌ من العسكر بضرب الناس بالهراوات لتفريقهم (يا الله.. كل واحد يروح يرقد يا غجر، امشوا تمشي بطونكم) تحركت تلك المجسمات من أشباهِ البشر المخدر.. مدندلةً يديها ورءوسها وهم يتحدثون بخوفٍ عن هذا المصير البائس.. انتهى الموضوع، كتب في محضر الحادثة (انتحر بإحراق نفسه بمادة الجاز).. صعد الضابط الأوّل إلى السيارة، تبعه الثاني في الكرسي المجاور:

    - رأيك.. ليش ما انتحر ببترول.. كان بيحرق سريع قبل ما يسب الدولة..

    - يا أخي تبطر على النعمة.. يحمد ربه أنه انتحر بجاز، غيره ما حصل ينتحر..

    يضحك الاثنان بصفاقة.. ويمضيان.

    15/ 5/ 2006م​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-05-29
  3. ash

    ash عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-07-17
    المشاركات:
    385
    الإعجاب :
    0
    سلمت أناملك ..
    ومشكووووووووووور ..
     

مشاركة هذه الصفحة