الأدله الشرعية على عدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

الكاتب : الجبل العالي   المشاهدات : 3,891   الردود : 0    ‏2002-05-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-22
  1. الجبل العالي

    الجبل العالي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-12-19
    المشاركات:
    1,859
    الإعجاب :
    0
    الأدله الشرعية على عدم جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف لمن يبحث عن الحق

    الملف العلمي للمولد النبوي {هام جدا}نرجو نشره وجزاكم الله خير 0
    أولاً: تعريف البدعة لغة وشرعًا.

    ثانياً: حقيقة محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثالثاً: المولد النبوي ومظاهر الاحتفال به.

    رابعاً: أحداث شهر ربيع الأول.

    1. مولد النبي صلى الله عليه وسلم.

    2. موت النبي صلى الله عليه وسلم.

    3. هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    خامساً: شبهات المحتفلين والرد عليها.

    1. الاحتفال تعبير عن الفرح بمولده.

    2. تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليوم مولده.

    3. الأمر بالفرح بالرحمة في قوله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}.

    4. صوم يوم عاشوراء، وملاحظة ارتباط الزمان بالحوادث الدينية.

    5. الاحتفال بالمولد بدعة حسنة.

    6. المولد يبعث على كثرة الصلاة والسلام عليه، وهما مطلوبان شرعاً.

    7. فضل يوم الجمعة لكون آدم عليه السلام ولد فيه.

    8. استحسان العلماء والمسلمين للمولد في جميع البلاد.

    9. المولد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجانب النبوي.

    10. تقسيم البدعة على الأحكام الخمسة.

    11. قول الشافعي : (...وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود).

    12. القول بعدم فعل السلف ليس دليلاً، بل هو عدم دليل.

    13. عقّ النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه.

    سادساً: حكم الاحتفال بالمولد النبوي.

    سابعاً: ملحقات البحث.

    1. أول احتفال عُمل لمولد النبي صلى الله عليه وسلم.

    2. هل الحق يعرف بالرجال؟

    3. هل المولد يخلو من المنكرات؟

    4. القيام في المولد النبوي.

    5. أمور لا تشترط في البدعة.

    6. الآثار الناتجة عن بدعة المولد.

    7. مراجع للتوسع في الموضوع.
    ============================================

    أولاً: تعريف البدعة لغة وشرعاً:

    البدعة لغة: الشيء المخترع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ ٱلرُّسُلِ} [الأحقاف:9]، ومنه قول عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة)([1])، وقول الشافعيّ: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنّة فهو مذموم"([2]).

    قال ابن رجب: "وأمّا ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنّما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لمّا جمع النّاس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه)"([3]).

    والتعب والكلال ومنه أنّ رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدع بي فاحملني ([4])، فقال: ((ما عندي)) فقال رجل: يا رسول الله! أنا أدّله على من يحمله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله)) ([5]).

    والبدعة شرعًا: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعيّة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى([6]).

    (طريقة في الدين) الطريقة والطريق السبيل، وقيَّدت بالدين لأنَّها فيه تُخترع، وإليه يضيفها صاحبُها.

    (مخترعة) أي طريقة ابتدعت على غير مثال سابق.

    (تضاهي الشرعيّة) يعني: أنَّها تشابه الطريقة الشرعيَّة من غير أن تكون في الحقيقة كذلك؛ من التزام كيفيَّات وهيئات معيَّنة.

    (يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى)؛ لأنّ أصل الدخول فيها يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك([7]).

    قال ابن رجب: "فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه فهو ضلالة، والدين منه بريء"([8]).

    وقال: "والمراد بالبدعة: ما أحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأمّا ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة"([9]).

    قال ابن حجر: "والمراد بقوله: ((كل بدعة ضلالة)) ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام"([10]).

    مقارنة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للبدعة:

    المعنى اللغوي أعمّ من المعنى الشرعي، فالعلاقة بينهما العموم والخصوص المطلق؛ إذ كل بدعة في الشرع يطلق عليها لغة أنها بدعة، وليس كل ما يطلق عليه في اللغة أنه بدعةٌ بدعةً في الشرع.

    والبدعة في الشرع ملازمة لصفة الضلالة؛ للحديث الوارد: ((كل بدعة ضلالة))([11])، وأما البدعة بمعناها اللغوي فليست كلها ملازمة لوصف الضلالة.





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) أخرجه البخاري في صحيحه (2010).

    ([2]) انظر: فتح الباري (13/253).

    ([3]) جامع العلوم والحكم (2/128).

    ([4] ) جامع العلوم والحكم (2/128).

    ([5]) أخرجه مسلم (1893).

    ([6]) الاعتصام (1/37).

    ([7]) انظر: علم أصول البدع لعلي حسن (ص 24-25).

    ([8]) جامع العلوم والحكم (1/128).

    ([9]) جامع العلوم والحكم (2/127)

    ([10]) فتح الباري (13/254).

    ([11]) تقدم تخريجه (ص 1).
    ================================================
    ثانياً: حقيقة محبّة النبي صلى الله عليه وسلم:

    إن محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده))([1])، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين))([2]).

    قال ابن رجب: "محبَّة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان، وهي مقارنة لمحبة الله عز وجل، وقد قرنها الله بها، وتوعد من قدَّم عليهما محبَّة شيء من الأمور المحبَّبة طبعًا من الأقارب والأموال والأوطان وغير ذلك، فقال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوٰنُكُمْ وَأَزْوٰجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوٰلٌ ٱقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24].

    ولما قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت أحبُّ إليَّ من كلِّ شيء إلاَّ من نفسي فقال: ((لا يا عمر، حتَّى أكون أحبَّ إليك من نفسك)) فقال عمر: والله أنت الآن أحبُّ إليَّ من نفسي، قال: ((الآن يا عمر))([3])"([4]).

    ولا تتم هذه المحبة إلاَّ بالطاعة، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} [آل عمران:31]، وعلامة ذلك تقديم محبة الرسول على محبة كلِّ مخلوق، وذلك فيما إذا تعارض طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أوامره وداعٍ آخر يدعو إلى غيرها من هذه الأشياء المحبوبة؛ فإن قدَّم المرء طاعة الرسول وامتثال أوامره على ذلك الداعي كان دليلاً على صحة المحبة.

    وإنّما تنشأ هذه المحبَّة عن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة كماله وأوصافه وعظم ما جاء به، ولا سبيل إلى المحبَّة إلاّ بالطاعة، ولا سبيل إلى طاعته إلا بالمتابعة.

    ومحبة الرسول كما يقول ابن رجب على درجتين:

    إحداهما فرض: وهي ما اقتضى طاعته في امتثال ما أمر به من الواجبات، والانتهاء عمّا نهى عنه من المحرمات، وتصديقه فيما أخبر به من المخبرات والرضى بذلك، وأن لا يجد في نفسه حرجًا ممّا جاء به، ويسلم له تسليمًا، وأن لا يتلقى الهُدى عن غير مشكاته، ولا يطلب شيئًا من الخير إلاَّ مما جاء به.

    والدرجة الثانية فعلٌ مندوب إليه: وهي ما ارتقى بعد ذلك إلى اتباع سنته وآدابه وأخلاقه والاقتداء به في هديه وسمته وحسن معاشرته لأهله وإخوانه، وفي التخلق بأخلاقه الظاهرة في الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة، وفي جوده وإيثاره وصفحه وحلمه واحتماله وتواضعه، وفي أخلاقه الباطنة من كمال خشيته لله ومحبته له، وشوقه إلى لقائه ورضاه بقضائه، وتعلق قلبه به دائمًا، وصدق الالتجاء إليه، والتوكل والاعتماد عليه، وقطع تعلق القلب بالأسباب كلِّها، ودوام لهج القلب واللسان بذكره، والأنس به، والتنعم بالخلوة ومناجاته، ودعائه وتلاوة كتابه بالتدبر والتفكر.

    وكان أبو بكر رضي الله عنه أكمل الخلق في المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكان أكمل الخلق محبَّة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هو رضي الله عنه ولا غيره من الصحابة وهم أكمل الناس حبًا للنبي صلى الله عليه وسلم يقيمون احتفالاً بيوم مولده صلى الله عليه وسلم، ولا رأوا أن ذلك دليلاً على الحبِّ.

    فليس الحب دعوى باللسان وإلاَّ لادَّعاه كلُّ أحد، قال الحسن البصري: قال قوم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنّا نحبُّ ربنا، فأنزل الله عز وجل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31] فجعل اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عَلَمًا لحبه، وعذاب من خالفه([5]).

    وقد جاء في تفسير هذه الآية أنّها نزلت في وفد بني نجران من النصارى، وأنه أمرٌ من الله لنبيِّه محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن يقول لوفد نجران الذين قدموا عليه من النصارى: إن كان الذي تقولونه في عيسى من عظيم القول إنما تقولونه تعظيمًا لله وحبًا له فاتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك عهد عيسى عليه السلام إليكم([6]).





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) مسلم (44).

    ([2]) أخرجه البخاري (15)، ومسلم (44).

    ([3]) أخرجه البخاري (6630).

    ([4]) فتح الباري لابن رجب (1/48).

    ([5]) أخرجه ابن جرير في تفسيره (3/232).

    ([6]) انظر: تفسير ابن جرير (3/232).
    ==================================================

    =
    ثالثاً: المولد النبوي ومظاهر الاحتفال به:

    المولد هو وقت الولادة، والمراد به هنا: إقامة احتفالٍ بوقت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار الفرح والسرور بذلك.

    ويكون ذلك عادة بإقامة الولائم التي يصاحبها إقامة مجالس لقراءة الكتب التي ألّفت من أجلها، وهي مشتملة على ذكر مولده صلى الله عليه وسلم، وما صاحب ذلك من أحداث، وذكر شمائله، ومعجزاته، وتعداد أهل بيته، ومناقبهم.

    يقول صاحب رسالة (حول الاحتفال): "إننا نقول بجواز الاحتفال بالمولد الشريف والصلاة والسلام عليه، وسماع المدائح التي تقال في حقّه، وإطعام الطعام، وإدخال السرور على قلوب الأمة"([1]).

    ويقول: "فلو اجتمعنا على شيء من المدائح التي فيها ذكر الحبيب صلى الله عليه وسلم وفضله وجهاده وخصائصه، ولم نقرأ قصة المولد النبوي التي تعارف الناس على قراءتها، واصطلحوا عليها؛ حتى ظن بعضهم أنّ المولد النبوي لا يتم إلا بها، ثم استمعنا إلى ما يلقيه المتحدثون من مواعظ وإرشادات، وإلى ما يتلوه القارئ من آيات، أقول: لو فعلنا ذلك فإن ذلك داخل تحت المولد النبوي، ويتحقق به معنى الاحتفال بالمولد النبوي الشريف"([2]).

    فيتلخّص من هذا كله أن من مظاهر الاحتفال:

    1- ذكر مولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وما صاحب ذلك من أحداث مزعومة.

    2- ذكر أمور حدثت له ما بين ولادته إلى ما قبل بعثته.

    3- ذكر سيرته ومعجزاته وغزواته.

    4- ذكر زوجاته وأولاده وسائر أهل بيته.

    وأكثر هذه الأمور لا يترتب على ذكرها حكم شرعي يندب إليه.

    ومن أعظم ما يلاحظ على هذا إغفال بيان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الفرائض والواجبات، التي هي مناط الاتباع، الذي هو دليل المحبة.





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) حول الاحتفال بالمولد النبوي الشريف (ص 4).

    ([2]) حول الاحتفال (ص 22-23).

    =============================================
    رابعاً: أحداث شهر ربيع الأول:

    1- مولد النبي صلى الله عليه وسلم:

    ولد النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الاثنين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن صوم يوم الاثنين: ((ذلك يوم ولدت فيه))، والجمهور على أن ذلك كان في ربيع الأول، واختلفوا أيّ يوم هو منه؟ على أقوال:

    1. ولد في اليوم الثاني من ربيع الأول، وهو قول ابن عبد البر، مستندًا على رواية الواقدي عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني([1]).

    2. ولد في الثامن من ربيع الأول، وهو قول ابن حزم([2]) ، وفيه رواية مالك عن محمد بن جبير بن مطعم، ونقل ابن عبد البر في الاستيعاب تصحيح أهل الزَّيج([3]) له، وهو المقطوع به عند الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي، ورجحه الحافظ أبو الخطاب ابن دحية في كتابه التنوير في مولد البشير النذير.

    3. ولد في العاشر من ربيع الأول، وهو قول الشعبي وأبي جعفر محمد الباقر.

    4. ولد في الثاني عشر من ربيع الأول، نصّ عليه ابن إسحاق، وفيه رواية ابن أبي شيبة عن ابن عباس وجابر، وهو المشهور عند الجمهور.

    5. ولد في السابع عشر من ربيع الأول، وهو قول الشيعة.

    وخالف الجمهور الزبير بن بكَّار حيث زعم أنّ ذلك كان في رمضان، بناء على أن أول نزول الوحي كان في رمضان بلا خلاف، وكان ذلك على رأس أربعين سنة من عمره، فيكون مولده في رمضان([4]).

    وليس المقصود التحقق في يوم مولده صلى الله عليه وسلم، وإنّما الإشارة إلى أنّ العلماء لم يتفقوا على أنّ مولده كان في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول؛ إلا أن القول بأنه كان الثامن من ربيع الأول أقوى وأرجح لعدَّة أمور:

    1. أنه الذي نقله مالك وعقيل ويونس بن يزيد ـ وهم من هم ـ عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم([5]).

    2. أنّ هذه الرواية أكدتها حسابات الفلكيّين الدقيقة، كما نقل ذلك عنهم ابن عبد البر([6]).

    3. أنّ هذا القول رجَّحه جمع من أهل العلم المحققون منهم، كابن حزم والحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي والحافظ ابن دحيَّة في كتابه (التنوير في مولد البشير)، وهو أول كتاب صُنِّف في استحباب المولد.

    ولكن وقع أيضاً في شهر ربيع الأول حدثان عظيمان آخران، هما أهمّ من حدث المولد ألا وهما: موت النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته إلى المدينة.

    2- موت النبي صلى الله عليه وسلم:

    أمّا موت النبي صلى الله عليه وسلم فهو حدث جلل عظيم، ولا يختلف أنّ ذلك كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، والجمهور على أنّه كان في اليوم الثاني عشر منه، يقول ابن رجب: "ولمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم اضطرب المسلمون، فمنهم من دُهِش فخولط، ومنهم من أُقْعِد فلم يطق القيام، ومنهم من اعتُقِل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية"([7]).

    قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنّها أعظم المصائب))([8]).

    قال القرطبي: "وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أوّل ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه"([9]).

    فأشار رحمه الله إلى أمر عظيم انقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم ألا وهو انقطاع الوحي الذي كان يتنَزل من يوم أهبط آدم إلى الأرض؛ فانقطع بموته صلى الله عليه وسلم.

    دخل أبو بكر وعمر على أم أيمن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم يتفقدانها، فوجداها تبكي، فقال لها أبو بكر: ما يبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي أنّ الوحيَ انقطع من السماء، فهيَّجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان([10]).

    لقد كان موت النبي صلى الله عليه وسلم أعظم مصيبة ابتليت بها الأمة مطلقًا، وكان له أثره العظيم على نفوس الصحابة وحالهم؛ حتى صدق فيهم وصف عائشة رضي الله عنها: صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم.

    يقول أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا([11]).

    فأيُّ احتفال يكون في يوم رزئت فيه الأمة بأعظم مصيبة في تاريخها، يقول الفاكهاني: "هذا مع أنّ الشهر الذي وُلِد فيه صلى الله عليه وسلم هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه".

    3- هجرة النبي صلى الله عليه وسلم:

    الهجرة النبويَّة حدث عظيم في تاريخ الأمة الإسلامية، لأنها كانت الخطوة الأولى في بناء الدولة الإسلامية؛ لذلك حرصت قريش أن لا يتمّ ذلك، وجهدت في محاولة منع النبي صلى الله عليه وسلم من الوصول إلى المدينة، وحدث الهجرة أهمُّ عند الصحابة رضوان الله عليهم من حادث مولده صلى الله عليه وسلم بدليل أنهم حينما أرادوا أن يجعلوا للمسلمين تأريخًا خاصًا بهم، نظروا في أعظم الأحداث التي يمكن أن يؤرخوا بها، فخيَّرهم الفاروق عمر بين حادثتين لا ثالث لهما، وهما الهجرة والبعثة، ولم يعتبروا مولده صلى الله عليه وسلم من الأهميَّة التي تجعله حدثًا يؤرخون به، ذلك لأن ولادته صلى الله عليه وسلم كانت عاديّة، كسائر البشر، وكلُ الروايات التي تذكر الأحداث التي وقعت عند ولادته وردت بأسانيد ساقطة، وأما رؤية أم النبي صلى الله عليه وسلم لنور خرج منها أضاء لها قصور بصرى فهي رؤيا منامية، رأت ذلك حين حملت به صلى الله عليه وسلم.

    فهل كان الصحابة بفعلهم هذا لم يكونوا معظمين للنبي صلى الله عليه وسلم؟!

    هذه الأحداث الثلاثة وقعت في شهر ربيع الأول، ومع ذلك لم يحدث للصحابة فيه أيَّ عبادة دينية تذكرهم بها؛ لأنهم فهموا أنّ كمال الاقتداء والمحبة إنما هو في الاتباع، جيل فريد ربَّاهم النبي صلى الله عليه وسلم على التمسك بشعائر الدين؛ فلم يزيدوا عليه قدر أُنملة، فأين من يدَّعي الاقتداء والمحبة من أصحاب الموالد من هديهم؟!





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) الاستيعاب (1/59).

    ([2]) في جوامع السيرة له (ص 7): (لثمانٍ بقين من ربيع الأول)، فلعلَّ (بقين) تصحفت عن (مضين).

    ([3]) يعني أصحاب الفلك، ووقع في بعض طبعات البداية والنهاية: (أصحاب التاريخ) وهو خطأ، انظر الطبعة التي بتحقيق التركي (3/373).

    ([4]) هذه خلاصة الأقوال التي ذكرها ابن كثير في البداية والنهاية (2/242-243)

    ([5]) وقد مال الشيخ ناصر الدين الألباني إلى هذا القول، معتمدًا على تصحيحه لهذا الأثر في صحيح السيرة النبوية (ص 13).

    ([6]) انظر: البداية والنهاية طبعة التركي (3/373).

    ([7]) لطائف المعارف (ص 114).

    ([8]) أخرجه الدارمي في سننه (84)، وصححه الألباني في الصحيحة (1106).

    ([9]) تفسير القرطبي (2/176).

    ([10]) أخرجه مسلم (103).

    ([11]) أخرجه الترمذي (3618) وقال: "هذا الحديث غريب صحيح"، وابن ماجه (1631)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3861).

    ==================================================

    ====

    خامساً: شبهات المحتفلين والرد عليها:

    الشبهة الأولى:

    الاحتفال بهذا اليوم تعبير عن الفرح بمولده صلى الله عليه وسلم، وقد انتفع به الكافر، جاء في البخاري أنّه يخفف عن أبي لهب كل يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لما بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    يقول محمد بن ناصر الدين الدمشقي:

    إذا كان هذا كافرًا جــاء ذمـه بتبـت يداه في الجحيم مخلدًا

    أتى أنّه في يـوم الاثنـين دائـمًا يخفـف عنه للسرور بأحمدا

    فما الظن بالعبد الذي كان عمره بأحمد مسرورًا ومات موحدًا

    مناقشة هذه الشبهة:

    هذا الأثر يروى عن عروة مرسلاً كما في صحيح البخاري: قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهبٍ أعتقها فأرضعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أُرِيه بعض أهله بشرِّ حِيبةٍ، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة"([1]).

    والمرسل ضعيف لا تقوم به حجة.

    وقد استدل بهذا الخبر فيمن استدل به ابن الجزري إمام القرَّاء المشهور في كتابه (عرف التعريف بالمولد الشريف)، نقل السيوطي كلامه عقب ذكره لهذا الخبر حيث قال: "فإذا كان أبو لهب الكافر الذي نزل القرآن بذمه جُوزي في النار بفرحه ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم به، فما حال المسلم الموحد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته في محبته صلى الله عليه وسلم؟! لعمري إنّما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله جنّات النعيم" ولم يعقّب عليه السيوطي بشيء.

    وقال صاحب رسالة (حول الاحتفال): "فقد جاء في البخاري أنه يخفف عن أبي لهبٍ كلَّ يوم اثنين بسبب عتقه لثويبة جاريته لماّ بشرته بولادة المصطفى صلى الله عليه وسلم" فأوهم بكلامه هذا أنّ الخبر صحيح لوروده في أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل، وأوهم كذلك أنّ في الخبر الذي ساقه البخاري أنّه يخفف عن أبي لهب كلّ يوم اثنين، والذي يرجع إلى الصحيح لا يجد هذا الكلام.

    وبعد بيان سقوط هذا الخبر من حيث عدم ثبوته؛ لا يبقى بعد ذلك أيُّ داعٍ إلى مناقشة المستدلين به، إلاّ أنّه على فرض كونه متصلاً لا يصح الاحتجاج به لأمور عدة:

    أولها: أنّ هذا منام، والمنامات لا حجّة فيها، فكيف تشرع العبادات عن طريقها، قال ابن حجر: "النائم لو رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمره بشيء، هل يجب عليه امتثاله ولا بد أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر؟ فالثاني هو المعتمد" هذا في رؤيا مسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فكيف في رؤيا كافر لكافر([2]).

    الثاني: أنّ فيه على فرض اتصاله أنّ الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة؛ لكنه لا يقوى على مخالفة ظاهر قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً} [الفرقان:23]، ولا على تخصيصه، والعمل لا يثاب عليه إلا إن كان بقصد القربة، وهي لا تحصل من الكافر، قال القاضي عياض: "انعقد الإجماع على أن الكفار لا تنفعهم أعمالهم ولا يثابون عليها بنعيم ولا تخفيف عذاب، وإن كان بعضهم أشد عذاباً من بعض"([3]).

    الثالث: أنّ ما فيه من إعتاق أبي لهب لثويبة قبل إرضاعها للنبي صلى الله عليه وسلم مخالف لما عند أهل السير من أنّ إعتاق أبي لهب إيّاها كان بعد ذلك الإرضاع بدهر طويل، أشار إلى ذلك ابن حجر في فتح الباري([4])، وأوضحه في الإصابة ([5]).

    وقد أورد ابن سعد في طبقاته مرسل عروة هذا وعقَّب عليه قائلاً: "وأخبرنا محمد بن عمر عن غير واحد من أهل العلم قالوا: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة، وكانت خديجة تكرمها وهي يؤمئذ مملوكة، وطلبت إلى أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب، فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وكسوة، حتى جاءه خبرها أنّها توفيت سنة سبع مرجعه من خيبر، فقال: ((ما فعل ابنها مسروح؟)) فقيل: مات قبلها"([6]).

    قال ابن عبد البر في السيرة النبوية بعد أن ذكر إرضاع ثويبة للرسول صلى الله عليه وسلم: "وأعتقها أبو لهب بعدما هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة"([7]).

    وقال ابن الجوزي: "وكانت ثويبة تدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما تزوج خديجة، فيكرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكرمها خديجة، وهي يومئذ أمة، ثم أعتقها أبو لهب".

    وممّا سبق يتبين أنّه لم يثبت من طريق صحيح أنّ أبا لهب فرح بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن ثويبة بشرته بولادته، ولا أنّه أعتق ثويبة من أجل بشارتها إياه بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنه يخفف عنه كل يوم اثنين بسبب ذلك، كلّ ذلك لم يثبت، ومن ادَّعى شيئًا من ذلك فعليه إقامة الدليل على ما ادَّعاه، ولن يجد إلى الدليل الصحيح سبيلاً.

    الشبهة الثانية:

    تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ليوم مولده، ففي صحيح مسلم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين، فقال: ((فيه ولدت، وفيه أنزل علي))([8]).

    وكان يعبّر عن هذا التعظيم بالصوم، وهذا فيه معنى الاحتفال.

    مناقشة هذه الشبهة:

    يجاب في هذه ا لشبهة بأمور:

    1. أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يصم يوم ولادته اليوم الثاني عشر من ربيع الأول ـ إن صح أنّه كذلك ـ وإنّما صام الاثنين الذي يتكرر مجيئه في كل شهر أربع مرات، وبناء على هذا فتخصيص يوم الثاني عشر من ربيع الأول بعمل ما دون يوم الاثنين من كل أسبوع يعتبر استدراكًا على الشارع، وتصحيحًا لعمله.

    2. أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخص يوم الاثنين بالصيام، بل كان يتحرى صيام يوم الاثنين والخميس، وقال صلى الله عليه وسلم: ((تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم))([9])، وكذلك لم يحصر النبي صلى الله عليه وسلم مزية يوم الاثنين في أنه ولد فيه، بل ذكر مزية أخرى، وهي أن الأعمال تعرض فيه، فالاستدلال باستحباب صوم يوم الاثنين على جواز الاحتفال بالمولد في غاية التكلف والبعد.

    3. أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضف إلى الصيام احتفالاً كاحتفال أصحاب الموالد، من تجمعات ومدائح وأنغام وطعام وشراب، أفلا يكفي الأمة ما كفى نبيها صلى الله عليه وسلم ويسعها ما وسعه؟!

    الشبهة الثالثة:

    الفرح به صلى الله عليه وسلم مطلوب قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس:58]، فالله أمرنا أن نفرح بالرحمة، وهو صلى الله عليه وسلم أعظم رحمة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} [الأنبياء:107].

    مناقشة هذه الشبهة:

    الرحمة الواردة في هذه الآية للسلف في تفسيرها أقوال عدَّة، فمما جاء في تفسيرها وقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (بفضل الله: القرآن، وبرحمته: أن جعلكم من أهله)، وقول هلال بن يساف: (أما فضله فالإسلام، وأما رحمته: فالقرآن)([10]).

    ولم يفهم أحد من السلف أن من مظاهر هذا الفرح ومن مقتضيات امتثال الأمر به إقامة احتفال له صلى الله عليه وسلم، ومدّ موائد الطعام والشراب، والتوسعة على الناس بهما.

    وما الرحمة المشار إليها في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ} إلا القرآن والسنة اللذان جاء بهما النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالفرح به صلى الله عليه وسلم يكون باتباع هديه، وامتثال أمره، دعوة وعملاً.

    قال ابن كثير في تفسير الآية: "يخبر تعالى أن الله جعل محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلّهم، فمن قَبِل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سَعِدَ في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة"([11]).

    أمّا الاستدلال بالآية على مشروعية الاحتفال بالمولد فهذا بلا شك من قبيل حمل كلام الله على ما لم يحمله عليه السلف الصالح، وهو ما نصّ الشاطبيُّ على عدم مشروعيته؛ وهو أن الوجه الذي لم يثبت عن السلف الصالح العلم بالنص عليه لا يقبل ممن بعدهم دلالة النص عليه.

    قال ابن عبد الهادي: "ولا يجوز إحداث تأويل في آية أو في سنة لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه، ولا بيَّنوه للأمة، فإنّ هذا يتضمن أنّهم جهلوا الحق في هذا، وضلُّوا عنه، واهتدى إليه هذا المعترض المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه؟"([12]).

    ولا شك أن هذا المسلك الذي سلكه هؤلاء المستدلون بالآية على مشروعية إقامة الحفلات والولائم فرحًا بمولد النبي صلى الله عليه وسلم مسلكُ أهل البدع والضلالة، قال الشاطبي: "وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة يُحمِّلونهما مذاهبهم، ويعبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء، ولذلك أمثلة كثيرة، كالاستدلالات الباطنية على سوء مذاهبهم بما هو شهير في النقل عنهم"([13]).

    وقال في موضع آخر: "كل من اتبع المتشابهات أو حرَّف المناطات أو حمل الآيات ما لا تحتمله عند السلف الصالح أو تمسك بالأحاديث الواهيّة أو أخذ الأدلة ببادئ الرأي ليستدل على كل فعلٍ أو قول أو اعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يفوز بذلك أصلاً، والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث من غير توقف"([14]).

    الشبهة الرابعة:

    الاستدلال على مشروعية المولد بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء، وأنّ النبي صلى الله عليه وسلم في هذا كان يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى، وأنّ في تكرر زمنها فرصة لتعظيمها وتذكرها.

    مناقشة هذه الشبهة:

    لقد أورد هذا الاستدلال ابن حجر الهيثمي ولم يسبق إليه، كما ينقل عنه السيوطي، ثم رددها من بعدهما المتأخرون في هذا الزمن، وغفلوا جميعًا أنهم بهذا التقرير يفتحون بابًا للأمة أن تستحدث أعيادًا لا حصر لها، فاحتفال وعيد بمناسبة الهجرة النبوية، وآخر للبعثة النبوية، وثالث لذكرى الإسراء والمعراج، ورابع لانتصار المسلمين في بدر الكبرى، وخامس لفتح مكة وهكذا، فتغرق الأمة في أعياد مبتدعة.

    إنّ اعتبار أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء دليلاً على مشروعية المولد أمرٌ مخالفٌ لما أجمع عليه السلف من ناحية الفهم، ومن ناحية العمل، فهم لم يفهموا من تشريع النبي صلى الله عليه وسلم صوم يوم عاشوراء أنّه أراد ربط الزمان بالحوادث الدينية، ولم يتجاوزا فيه الصوم المأمور به، وما خالف إجماعهم فهو خطأ، لأنهم لا يجتمعون إلا على هدى.

    ثم إن تخريج بدعة المولد على صيام عاشوراء إنما هو من التكلف المردود؛ لأن العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا على الرأي والاستحسان والابتداع.

    وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بصوم يوم عاشوراء والترغيب فيه وسكوته عن الاحتفال بيوم مولده كافٍ في إبطال مشروعيته بهذا الدليل؛ إذ لو كان في ذلك شيء من الفضل لبيَّن ذلك لأمته، فهو صلى الله عليه وسلم لم يترك خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولم يترك شرًا إلا حذَّر الأمة منه.

    إن وقوف المؤمن في صيام يوم عاشوراء عند صيامه وصيام يومٍ قبله أو بعده مع عدم إحداث أي شيء آخر معه هو مقتضى الاتباع الكامل للنصوص الشرعية.

    الشبهة الخامسة:

    الاحتفال بالمولد لم يكن في زمنه صلى الله عليه وسلم فهو بدعة، ولكنّها بدعة حسنة لاندراجها تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية، فهي بدعة باعتبار هيئتها الاجتماعية، لا باعتبار أفرادها لوجود أفرادها في العهد النبوي.

    مناقشة هذه الشبهة:

    إنّ قيام المقتضي والموجب لعبادةٍ ما من العبادات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وانعدام المانع منها مع ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها دليل على بدعية فعلها.

    ولا تكون البدعة حسنة أبدًا، وإن اندرجت تحت الأدلة الشرعية والقواعد الكلية، فالصحابة رضوان الله عليهم أنكروا على مروان بن الحكم عندما أحدث للعيد أذانًا، مع أنه مندرج تحت قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}.

    بل البدعة إن ثبتت أنها بدعة في الدين لا تكون حسنة أبدًا، للعموم المستفاد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة))([15])، قال شيخ الإسلام: "وما سمّي بدعة وثبت حُسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم، إمّا أن يقال: ليس ببدعة في الدين، وإن كان يسمَّى بدعة من حيث اللغة كما قال عمر: (نعمت البدعة هذه) ([16])، وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح كما يبقى فيما عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة"، وقال: "ومعلوم أنّ كل ما لم يسنه ولا استحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من هؤلاء الذين يقتدي بهم المسلمون في دينهم فإنه يكون من البدع المنكرات، ولا يقول أحد في مثل هذا أنّه بدعة حسنة"([17]).

    قال ابن رجب: "وأمّا ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه لمّا جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلُّون كذلك، فقال: (نعمت البدعة هذه)"([18]).

    الشبهة السادسة:

    أن المولد يبعث على كثرة الصلاة والسلام عليه المطلوبين بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب:56]، وما كان يبعث على المطلوب شرعًا فهو مطلوب شرعًا.

    هذه الشبهة:

    الذي يبعث حقًا على كثرة الصلاة والسلام المطلوبين بنص الآية، هو دراسة سنة النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقها عمليًا، مما يجعل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حيًا دائمًا، أما إقامة المولد مرَّة كل عام؛ فهي مدعاة إلى هجر سنته، وترك الصلاة عليه إلى أن يحين موعدها من العام المقبل.

    وواقع أصحاب الموالد خير شاهد على ذلك، فهم أبعد الناس عن تطبيق سنته في حياتهم، ويرون أنهم متى أقاموا الاحتفال في هذه الليلة فقد قاموا بما يجب عليهم تجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وأن غيرهم ممن لا يقيمها مقصر في حق النبي صلى الله عليه وسلم، أشبه ما يكون بالأعراب الجفاة. والواقع أن العكس هو الصحيح، فأهل الموالد هم أكثر الناس هجرًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتركًا لهديها، وجهلوا أن الفرح بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو فرح بما جاء به، وذلك لا يكون إلا بالاتباع، وبه يظهر أثر الحب الحقيقي، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران:31].

    قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادَّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله كما ثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، ولهذا قال: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تحب إنما الشأن أن تُحَب. قال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنّهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية"([19]).

    وأما عمل المولد الذي يقرأ فيه ما يبعث على اعتقاد أنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مقاليد السموات والأرض، وأن له حق الإقطاع في الجنة، وأن من جوده الدنيا وضرّتها، ومن علومه علم اللوح والقلم؛ فهذا ولا شك يبعث على وقوعهم في الشرك الذي لا يُغفر لصاحبه أبدًا، قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء:48]، وما كان يبعث على المنهي عنه شرعًا فهو منهيٌّ عنه شرعًا.

    الشبهة السابعة:

    يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم في فضل يوم الجمعة وعد مزاياه" ((وفيه ولد آدم)) تشريف الزمان الذي ثبت أنّه ميلاد لأي نبي كان من الأنبياء عليهم السلام، فكيف باليوم الذي ولد فيه أفضل النبيين وأشرف المرسلين.

    مناقشة هذه الشبهة:

    فضل يوم الجمعة ثابت، وهو عيد من أعياد المسلمين، وآدم خُلق يوم الجمعة ولم يولد فيه، جاء في حديث أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم))([20]).

    إن الشريعة التي عظمت يوم الجمعة هي نفسها التي أغفلت تعظيم يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان منها كل ذلك عن عمد وقصد، ولم يكن عن سهو ونسيان، فقياس ما عظمته الشريعة وشرعت فيه ما شرعت على ما لم تعظمه الشريعة ولم تشرع فيه شيئًا من العبادات أمرٌ بلغ من القبح غايته، ومن الفساد منتهاه، ومن البطلان أعلى درجاته.

    فأيُّ استدراك على الشريعة بعد هذا الاستدراك، قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3]، بل إن النهي عن تخصيص يوم الجمعة الذي خلق فيه آدم بصيام أو قيام هو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: ((لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم))، فكيف يؤخذ من النهي الاستحباب.

    الشبهة الثامنة:

    أن المولد استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلاد، وجرى به العمل في كلِّ صقعٍ، فهو مطلوب شرعًا للقاعدة المأخوذة من قول ابن مسعود: (ما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو قبيح عند الله).

    مناقشة هذه الشبهة:

    إذا كان المراد باستحسان العلماء إجماعهم فنعم؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا تخلو الأمة من قائم لله بحجته.

    ولكن من أين أن الأمّة أجمعت على استحسان بدعة المولد؟! بل الخلاف ما زال قائمًا إلى يومنا هذا ولا يزال، من أول يوم أُحدثت فيه هذه البدعة على يد حكام بني عبيد الباطنيين، واستحسنها من بعدهم في القرن السابع سلطان إربل كما تقدم تفصيله، وساعد على انتشار هذه البدعة أنّ القائمين عليها كانوا هم الحكام الذين بيدهم الحل والعقد.

    وانتشار البدعة وكثرة من يعملون بها في كثير من أصقاع العالم الإسلام لا يدل على مشروعيتها، فالحق لا يكون دائماً ملازمًا للكثرة، قال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} [الأنعام:116].

    وهذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه دليل على إبطال بدعة المولد؛ لأنّ المراد بالإجماع في الأثر إجماع الصحابة، والأثر عند الإمام أحمد في مسنده: (إنّ الله نظر إلى قلوب العباد، فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيّه، يقاتلون على دينه، فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيئ)([21]).

    قال السندي: "ظاهر السوق يقتضي أنّ المراد بهم الصحابة، على أنّ التعريف للعهد([22])، فالحديث مخصوص بإجماع الصحابة لا يعم إجماع غيرهم، فضلاً عن أن يعم رأي بعض، ثم الحديث مع ذلك موقوف غير مرفوع"([23]).

    وابن مسعود وأبو موسى الأشعري حين أنكرا على الحِلق التي تذكر الله ذكرًا جماعيًّا رأيا ذلك مخالفًا لهدي الصحابة، وعدَّا هذا العمل سيئًا، إذ قال لهم ابن مسعود: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدُّوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم صلى الله عليه وسلم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى ملَّة هي أهدى من ملَّة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحو باب ضلالة. قالوا: والله ـ يا أبا عبد الرحمن ـ ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه([24]).

    ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنّه خالف ما جاء عن ابن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما من الإنكار على الذين يجتمعون للتسبيح والتحميد والتكبير، فرأوا جميعًا أنه سيئ؛ فهو عند الله سيئ فكيف بالذين يجتمعون لقراءة موالد قد يكون فيها الشرك الصراح والكفر البواح.

    الشبهة التاسعة:

    أنّ المولد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للجناب النبوي فهو سنّة. وهذه أمور مطلوبة شرعًا وممدوحة، وجاءت الآثار الصحيحة بها وبالحث عليها.

    مناقشة هذه الشبهة:

    كون المولد اجتماع ذكر وصدقة ومدح وتعظيم للرسول صلى الله عليه وسلم صحيح، ولكنه اجتماع على سبب غير مشروع، فالعبادة يجب أن تكون موافقة للشريعة في سببها، فأيُّ إنسان يتعبد لله بعبادة مبنيّة على سبب لم يثبت بالشرع فهي عبادة مردودة ليس عليها أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    ويوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعله النبي صلى الله عليه وسلم سببًا للاجتماع للصلاة عليه، وإخراج الصدقة، وإنشاد المدائح الشركيّة التي لا تكاد تخلو منها تلك المجالس البدعيّة ومن ذلك قول صاحب البردة مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ بـه سواك عند حلول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضلاً، وإلاَّ فقـل يا زلة القدم

    فإنّ من جودك الدنيا وضرّتهـا ومن علومك علم اللوح والقلم

    والله تعالى يقول: {إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلاْرْحَامِ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34]، قال ابن مسعود: (إن كل شيء أوتيه نبيكم صلى الله عليه وسلم إلاّ علم الغيب)، ثم تلا الآية([25]).

    وما كان مؤديًا إلى ما هو منهيٌ عنه شرعًا فهو غير مطلوب شرعًا، والآثار الصحيحة جاءت بالحث على الذكر وعلى الصدقة، وبالحث على الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه، ولكنها لم تأت أبدًا بالحث على الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعطى ما هو من خصائص الله سبحانه؛ فيقع في الشرك المتوعد عليه بالخلود في النار.

    الشبهة العاشرة:

    ليس كل ما لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول بدعة سيئة منكرة، بل يجب عرض هذا المحدث على أدلة الشرع فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرم فهو محرم، أو على مكروه فهو مكروه، أو على مباح فهو مباح، أو على مندوب فهو مندوب، وللوسائل حكم المقاصد، فالعلماء قسموا البدعة إلى خمسة أقسام:

    1. واجبة، كالرد على أهل الزيغ، وتعلم النحو.

    2. مندوبة، كإحداث الربط والمدارس والأذان على المنائر.

    3. مكروهة، كزخرفة المساجد وتزويق المصاحف.

    4. مباحة، كاستعمال المنخل والتوسع في المأكل والمشرب.

    5. محرمة، وهي ما أحدث لمخالفة السنة، ولم تشمله أدلة الشرع العامة ولم يحتو على مصلحة شرعية.

    مناقشة هذه الشبهة:

    هذا التقسيم للبدعة إلى أحكام الشرع الخمسة قد ردّه جماعة من أهل العلم، قال الشاطبي: "إن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي، بل هو في نفسه متدافع؛ لأن حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي، لا من نصوص الشرع، ولا من قواعده؛ إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمور بها أو المخيَّر فيها، فالجمع بين عدِّ تلك الأشياء بدعًا وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها إو إباحتها جمع بين متنافيين"([26]).

    والمستدل بهذا التقسيم يريد أن يسوي بين البدعة وبين المصالح المرسلة، فلا بد حتى لا يروج هذا التلبيس من توضيح نقاط الاتفاق والاختلاف بين البدعة وبين المصالح المرسلة:

    أولاً: نقاط الاجتماع والاتفاق بين البدعة والمصالح المرسلة:

    1. أنّ كلاً من البدعة والمصلحة المرسلة مما لم يعهد وقوعه في عصر النبوة.

    2. أنّ كلاً من البدعة ـ في الغالب ـ والمصلحة المرسلة خالٍ عن الدليل الخاص المعيَّن؛ إذ الأدلة العامة المطلقة هي غاية ما يمكن الاستدلال به فيهما.

    ثانيًا: نقاط الافتراق بين البدعة والمصلحة المرسلة:

    1. تنفرد البدعة في أنها لا تكون إلا في الأمور التعبدية، وما يلتحق بها من أمور الدين، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإن عامة النظر فيها إنما هو فيما عُقل معناه، ولا مدخل لها في التعبدات.

    2. وتنفرد البدعة بكونها مقصودة بالقصد الأول لدى أصحابها؛ فهم في الغالب يتقربون إلى الله بفعلها، ولا يحيدون عنها، بخلاف المصلحة المرسلة فإنها مقصودة بالقصد الثاني دون الأول، فهي تدخل تحت باب الوسائل؛ لأنها إنما شرعت لأجل التوسل بها إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة.

    3. وتنفرد البدعة بأنها تؤول إلى التشديد على المكلفين وزيادة الحرج عليهم؛ بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها تعود بالتخفيف على المكلفين ورفع الحرج عنهم، أو إلى حفظ أمر ضروري لهم.

    4. وتنفرد البدعة بكونها مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها، بخلاف المصلحة المرسلة، فإنها ـ لكي تعتبر شرعًا ـ لا بد أن تندرج تحت مقاصد الشريعة، وأن تكون خادمة لها، وإلا لم تعتبر.

    5. تنفرد المصلحة المرسلة بأن عدم وقوعها في عصر النبوة إنما كان لأجل انتفاء المقتضي لفعلها، أو أنّ المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه، بخلاف البدعة فإن عدم وقوعها في عهد النبوة كان مع قيام المقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، وانتفاء المانع.

    فالذي يدخل قضية الرد على أهل الزيغ، وتعلم النحو، وإحداث المدارس والأذان على المنائر، وكتابة المصحف الشريف في البدعة مغالط، يخلط بين البدعة وبين المصلحة المرسلة.

    وإذا أردنا أن نعرض بدعة المولد النبوي على هذه الأقسام التي اخترعوها؛ فلن تحتلَّ بعد النظر المنصف على ضوء الكتاب والسنة إلا القسم الخامس:

    قال الفاكهي في بدعة المولد: "إما أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مباحًا، أو مكروهًا، أو محرمًا، وهو ليس بواجب إجماعًا، ولا مندوبًا؛ لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على من تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع، ولا فعله الصحابة، ولا التابعون، ولا العلماء المتديِّنون ـ فيما علمت ـ وهذا جوابي عنه بين يدي الله تعالى إن عنه سئلت. ولا جائز أن يكون مباحًا؛ لأن الابتداع في الدين ليس مباحًا بإجماع المسلمين، فلم يبق فيه إلا وصفان، والتفرقة بين حالين:

    أحدهما: أن يحمله رجلٌ من ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام، فهذا الذي وصفناه بدعة مكروهة([27]) وشناعة؛ إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام سرج الأزمنة، وزين الأمكنة.

    والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يعطي أحدهم الشيء وتتبعه نفسه، وقلبه يؤلمه ويوجعه، لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات، واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الغانيات، إما مختلطات بهم، أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو، ونسيان يوم المخاف.

    وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهنّ رافعاتٍ أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاء، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد؛ غافلات عن قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ} [الفجر:14].

    وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحل ذلك بنفوس موتى القلوب، وغير المشتغلين بالآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات، لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ((بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ))([28])"([29]).

    الشبهة الحادية عشرة:

    قال الإمام الشافعي: "ما أحدث وخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا فهو البدعة الضالة، وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود".

    مناقشة هذه الشبهة:

    إنَّ هذا الكلام من الإمام الشافعي، ومثله قوله: "البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم"([30])، وكلام عمر رضي الله عنه: (نعمت البدعة هذه).

    كل هذه العبارات لا إشكال فيها، ولا اعتراض عليها، ولكن النزاع في كونها تدل على أن هناك بدعة في الدين مخترعة ليس لها مثال سابق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد الله بها، يمكن أن تسمى بدعة حسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((كل بدعة ضلالة))، فليست هناك بدعة في الدين إلا وهي ضلالة بنص هذا الخبر.

    فلا يعني الإمام الشافعي بقوله: "وما أحدث من الخير ولم يخالف شيئًا من ذلك فهو المحمود" البدعةَ في الدين أبدًا، وإنَّما عنى البدعة اللغويَّة التي تعتبر من المصالح المرسلة كجمع القرآن في مصحف واحد، وجمع الناس عليه خشية افتراقهم في كتاب الله، وفتح المدارس ونشر العلم عن طريق التصنيف، وكجمع عمر الناس في صلاة التراويح على إمام واحد، لم يأت بشيء مبتدع ليس له سابق مثال من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس ليلتين، ثم ترك ذلك خشية أن يفرض عليهم، فلما توفي صلى الله عليه وسلم أمن ذلك، وإنما قال عمر: (نعمت البدعة هذه) لأن جمعهم هكذا كان بعد أن كانوا يصلون فرادى وجماعات متفرقة في آنٍ واحد في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى البدعة في كلامه البدعة اللغوية كما تقدم بيانه.

    وكيف يفهم من كلامهم أن في الدين بدعة حسنة لا تخالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا أو أثرًا، فما من بدعة في الدين إلا تخالف قول الله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3]، وتخالف قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ))([31])، وتخالف إجماع أهل العلم على مقتضى هذه الآية أنّ الدين كَمُل، وأن الرسول بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، قال الإمام مالك: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة؛ لأن الله يقول: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا"([32]).

    والبدعة في الدين تخالف الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم، قال أبو ذر: (لقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علمًا) ([33]).

    وقيل لسلمان: قد علَّمكم نبيُّكم صلى الله عليه وسلم كلَّ شيء حتى الخراءة!! قال: فقال: أجل، لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول، وأن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم([34]) .

    بل قد ورد إنكار ابن مسعود على جماعة تحلَّقوا يذكرون الله ويسبحونه ويهللونه، وحكمه عليهم أنهم أصحاب ضلالة، وبدعة الذكر الجماعي في تقسيمهم بدعة حسنة.

    فهذه النقول عن الشافعي وغيره لا حجة فيها على هذا التقسيم الباطل عند أهل الفهم الصحيح، وحاشا الشافعي الإمام الحجة أن يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كلَّ بدعة ضلالة))، بل ما أراد الشافعي بالبدعة المحمودة إلا البدعة اللغويَّة.

    قال ابن رجب: "والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأمّا ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغة"([35]).

    الشبهة الثانية عشرة:

    كل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة، ولم يشتمل على منكر فهو من الدين.

    وقول المتعصب: إن هذا لم يفعله السلف ليس هو دليلاً له، بل هو عدم دليل كما لا يخفى على من مارس علم الأصول.

    مناقشة هذه الشبهة:

    إن من مارس علم الأصول يدرك أن قائل هذا الكلام مُغَالِط، يُلَبِس على عوام الناس، فإن العلم بعدم فعل السلف لهذه البدعة دليلٌ، فيجب على من يردُّ عليهم دليلَهم هذا أن يثبت أنّ واحدًا من السلف فعله ليستقيم له الردّ.

    بخلاف ما لو قالوا: "لا نعلم أحدًا من السلف عمل به"، فعدم العلم ليس علماً بالعدم، وهم لم يقولوا ذلك، بل جزموا بأنّ هذا الفعل لم يفعله أحدٌ من السلف.

    وقد نقل غير واحد من العلماء أن هذه البدعة لم يعملها أحد في القرون الثلاثة المفضَّلة، قال شيخ الإسلام: "لم يفعله السلف الصالح مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه"([36])، وقال العلامة الفاكهاني: "لا أعلم لهذا المولد أصلاً في كتاب ولا سنة، ولا يُنقل عمله عن أحدٍ من علماء الأمة"([37])، وقال الأستاذ أبو عبد الله محمد الحفار: "ليلة المولد لم يكن السلف الصالح ـ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم ـ يجتمعون فيها للعبادة ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُعظم إلا بالوجه الذي شرع به تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله لكن يتقرب إلى الله جل جلاله بما شرع"([38]).

    وقال ابن حجر كما نقله عنه السيوطي: "أصل عمل المولد بدعة، لم ينقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة".

    وقال السخاوي: "عمل المولد لم ينقل عن أحد من السلف الصالح في القرون الثلاثة الفاضلة، وإنما حدث بعدُ"([39]).

    وقال الشيخ ظهير الدين جعفر التزمنتي: "هذا الفعل لم يقع في الصدر الأول من السلف الصالح مع تعظيمهم وحبهم له ـ أي للنبي صلى الله عليه وسلم ـ إعظامًا ومحبة لا يبلغ جمعنا الواحد فيهم ولا ذرة منه"([40]) .

    أمّا الاستدلال بحديث: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء))([41]) فمردود، ردّ عليه الإمام الشاطبي فذكر أن من يستدل به يزعم أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة)) من اخترع السنة من عند نفسه بشرط أن تكون حسنة، لا من عمل بسنة ثابتة، ويدَّعي أن التعبير عن العمل بالسنة الثابتة يكون: من عمل بسنتي أو سنة من سنتي وما أشبه ذلك، يردّ عليه بأن يقال: يلزم منه التعارض بين الأدلة، وأنَّ السبب الذي جاء لأجله الحديث هو الصدقة المشروعة، بدليل ما في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار ـ أو العباءة ـ متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام فصلَّى، ثم خطب، فقال: (({يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ} إلى آخر الآية: {إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1]، والآية التي في الحشر: {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} [الحشر: 18]، وبعد: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره)) حتى قال: ((ولو بشق تمرة)) قال: فجاءه رجل من الأنصار بِصُرَة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء)) فتأملوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سنّ سنة حسنة)) تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حتى بتلك الصرّة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسرّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال: ((من سن في الإسلام سنة حسنة)) الحديث، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنّة"([42]).

    الشبهة الثالثة عشرة:

    تخريج السيوطي لبدعة المولد على حديث أنس أن النبي عقَّ عن نفسه بعد النبوة، قال: مع أنه قد ورد أن جده عقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين وتشريعًا لأمته، كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات.

    مناقشة هذه الشبهة:

    الحديث الذي استند عليه السيوطي حديث لا يثبت عند أهل العلم بالحديث، وهو عند عبد الرزاق في مصنفه، قال: أنبأنا عبد الله بن محرر عن قتادة عن أنس أنّ النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة([43]).

    وعبد الله بن محرر قال عنه أحمد: ترك الناس حديثه. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، إلا أنَّه كان يكذب ولا يعلم، ويقلب الأخبار ولا يفهم، وقد ولي الرقة للمنصور([44]).

    وقد نص مسلم في مقدمته على تركه لحديث عبد الله بن محرر، قال رحمه الله: "وكذلك مَن الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضًا عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عُرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته رواتهم، أو لم يكونوا فقهاء، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبوله، ولا مستعمله. فمن هذا الضرب عبد الله بن محرر... فلسنا نعرِّج على حديثه، ولا نتشاغل به؛ لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا"([45]).

    وهذا الحديث قد تفرد بروايته عبد الله بن محرر، قال البزار: "تفرَّد به عبد الله بن محرر وهو ضعيف"([46]).

    وقال الذهبي: "ومن بلاياه روى عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد ما بعث"([47]).

    وقال ابن القيم: "إنّما تركوا ابن محرر لهذا الحديث"([48]).





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) صحيح البخاري : كتاب النكاح، باب: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ويحرم من الرضاعة (5101).

    ([2]) فتح الباري (12/389).

    ([3]) انظر: فتح الباري (9/146).

    ([4]) فتح الباري (9/146).

    ([5]) الإصابة (4/250).

    ([6]) طبقات ابن سعد (1/108).

    ([7]) الاستيعاب (1/55).

    ([8]) أخرجه مسلم (2454).

    ([9]) أخرجه الترمذي (747).

    ([10]) انظر هذه الآثار في تفسير الطبري (11/124-125).

    ([11]) تفسير القرآن العظيم (5/380).

    ([12]) الصارم المنكي (ص 427).

    ([13]) الموافقات (3/71).

    ([14]) الاعتصام (1/231).

    ([15]) أخرجه أحمد (4/126 – 127)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (43).

    ([16]) تقدم تخريجه.

    ([17]) مجموع الفتاوى (27/152)

    ([18]) جامع العلوم والحكم (2/128).

    ([19]) تفسير ابن كثير (2/25).

    ([20]) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (3/118).

    ([21]) المسند (1/379)، وحسَّن الشيخ شعيب إسناده في طبعته (6/84).

    ([22]) أي أنّ (أل) التعريف في قوله (المسلمون) للعهد، وليست للجنس، فلا يدخل فيه مَن سوى الصحابة.

    ([23]) نقلاً عن تعليق الشيخ شعيب في طبعته للمسند (6/85).

    ([24]) رواه الدارمي (1/72).

    ([25]) انظر: تفسير ابن جرير (21/89).

    ([26]) الاعتصام (1/188-220).

    ([27]) ولا يتقرب إلى الله تعالى بفعل المكروهات.

    ([28]) أخرجه مسلم (145).

    ([29]) المورد في عمل المولد (ص 13).

    ([30]) نقله ابن حجر في فتح الباري (13/253).

    ([31]) أخرجه البخاري (2697)، ومسلم (1718) من حديث عائشة رضي الله عنها.

    ([32]) انظر: الاعتصام (1/49).

    ([33]) أخرجه أحمد (20854).

    ([34]) أخرجه مسلم (262).

    ([35]) جامع العلوم والحكم (2/127).

    ([36]) الاقتضاء (1/294).

    ([37]) المورد في عمل المولد (ص 8).

    ([38]) انظر: القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل (ص 437)، ضمن رسائل حكم الاحتفال بالمولد النبوي.

    ([39]) السيرة الشامية (1/439).

    ([40]) السيرة الشامية (1/442).

    ([41]) سبق تخريجه.

    ([42]) الاعتصام (1/142-145).

    ([43]) المصنف (4/329).

    ([44]) انظر: الميزان للذهبي (2/500).

    ([45]) مقدمة صحيح مسلم.

    ([46]) انظر: فتح الباري (9/595).

    ([47]) الميزان (2/500).

    ([48]) تحفة المودود (ص 88).
    ==================================================

    ======
    سادساً: حكم الاحتفال بالمولد النبوي:

    وبعد؛ فإن بدعة المولد النبوي بدعة منكرة، يضلل فاعلها، لأن دين الله تعالى قد كمل ولله الحمد، قال تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3]، قال الإمام مالك: "فما كان في ذلك اليوم دين، فهو ديناً، وما لم يكن في ذلك اليوم ديناً فليس من الدين"([1]).

    ولا شك أن بدعة المولد أحدثها العبيديون حكام الدولة الفاطمية، وهم زنادقة ملاحدة، ولم يجرِ عليها عمل القرون الثلاثة المفضلة، فهي بدعة محدثة. وكل بدعة فهي ضلالة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة)).

    وكل أمر محدث فهو مردود على صاحبه بقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ)) قال النووي: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به"([2]).

    وقال: "وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات"([3])، وقال: "وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به"([4]).

    وعليه فبدعة المولد النبوي ضلالة مردودة على صاحبها، لا وزن لها في الشريعة، ولا قدر، جاء في حاشية الشيخ العدوي المالكي على مختصر خليل في مبحث الوصية([5]): "أما الوصية على المولد الشريف فذكر الفاكهاني أن عمل المولد مكروه".

    وقال محمد عليش في فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك([6])، لما سئل عن رجل عنده بقرة فمرضت والحال أنها حامل، فقال: إن شفى الله بقرتي فعلي ذبح ما في بطنها في مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فشفاها الله تعالى، وولدت أنثى ثم تراخى عن ذبحها حتى كبرت وحملت، فهل يلزمه ذبحها بعينها، أو يلزمه أن يذبح بدلها، أو لا يلزمه شيء؟ قال: لا يلزمه شيء؛ لأنَّ عمل المولد للرسول صلى الله عليه وسلم ليس مندوبًا خصوصًا إن اشتمل على مكروه، كقراءة بتلحين أو غناء، ولا يسلم في هذه الأزمان من ذلك ما هو أشد منه، والنذر إنما يلزم به ما ندب، والله أعلم).





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) سبقت الإشارة إليه.

    ([2]) شرح مسلم (12/16).

    ([3]) المرجع السابق.

    ([4]) المرجع السابق.

    ([5]) (8/168).

    ([6]) (1/171).
    ==================================================

    ========
    سابعاً: ملحقات الموضوع:

    · أوّل احتفال عُمِل لمولد للنبيّ صلى الله عليه وسلم:

    قال المقريزي: "ذكر الأيام التي كان الخلفاء الفاطميون يتخذونها أعيادًا ومواسم تتسع بها أحوال الرعيّة وتكثر نعمهم؛ كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعيادٌ ومواسمُ، وهي موسم رأس السنّة، وموسم أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، ومولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومولد الحسن، ومولد الحسين عليهما السلام، ومولد فاطمة الزهراء عليها السلام، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه...) إلى آخر سرده لتلك الأعياد والمواسم([1]). وقد ذكر ذلك أيضًا القلقشندي في صبح الأعشى([2]).

    وأكَّد هذه النسبة إلى الفاطميين من المعاصرين العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية (المتوفى سنة 1354هـ)، بل ذكر أنّ أوّل من أحدثها بالتحديد منهم المعز لدين الله الفاطمي([3]).

    واتفق العلامة محمد بخيت المطيعي الحنفي مع الأستاذ علي محفوظ على أنَّ الملك المظفر أبا سعيد إنما أحدث المولد النبوي بمدينة إربل في القرن السابع بعد الفاطميين([4]).

    وهؤلاء الفاطميّون لم يعترف بنسبهم إلى أهل البيت أحد من أهل العلم الثقات، بل ألَّفوا في الطعن والقدح فيهم الكتب والمحاضر، وشهدوا عليهم بالإلحاد والزندقة والإباحيّة. قال الباقلاني: "هم قوم يظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض"([5]).

    وكانوا يُحدِثون في هذه الاحتفالات أمورًا شنيعة ذكرها المقريزي في خططه عقّب عليها العلامة محمد بخيت المطيعي بقوله: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميّون في المولد النبوي جزمت بأنّه لا يمكن أن يحكم عليه بالحلّ"([6]).

    فهذا الاحتفال لا شكّ في أنّه محدث بعد القرون الثلاثة، وأنّ الذين أحدثوه هم من أخبث الفرق التي انتسبت إلى الإسلام إن لم تكن أخبثها.

    قاموا على هذه الاحتفالات بُغية التأثير على العامة المحرومين، ظنًا منهم أنّ هذه الموالد ستؤكد نسبهم المزعوم، فوسعوا على الناس فيها، وصرفوا الأموال الطائلة عليها، فأقبل النّاس على تلك الموائد العظيمة التي كانت تُعَدُّ لهم، وصاروا ينتظرونها كلّ عام بنفس مستشرفة، وهكذا توالت السنوات، وتعارف الناس عليها؛ حتى صارت عقيدة يموت عليها الكبير، وينشأ عليها الصغير، ثم انتهت دولة بني عبيد ولكن الاحتفال بها استمر، وصار لها سلطان على العلماء لجريان عمل الناس عليها.

    · هل الحق يعرف بالرجال؟

    إنَّ الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال يعرفون بالحق، إنّ الحق مرتبط بالدليل، ولا تعلق له بذوات الخلق قلة أو كثرة، وهذا هو المذهب الحق الذي مشى عليه السلف الصالح، فلم يكن الحق عندهم يجري على لسان أحد غير النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يقرّون إلا ما دلّ عليه الدليل.

    يقول مالك بن أنس وهو يشير إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم: "كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر"([7])،وأخبر أبو حنيفة أن الحق لا يتعلق به فقال: "حرامٌ على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي؛ فإننا بشرٌ، نقول القول اليوم، ونرجع عنه غدًا"([8]).

    وقال الشافعي: "إذا صح الحديث فهو مذهبي"([9])، وقال: "أجمع المسلمون على أنَّ من استبانت له سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد"([10]).

    وقال أحمد: "لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي والثوري، وخذ من حيث أخذوا"([11]).

    وعليه؛ فما أعظم خيبة من يأتي إلى مجموعِ كلامٍ لشيخ الإسلام ابن تيمية، الإمام الذي قمع الله به البدع والمحدثات، ويُلفِّق منه كلامًا يوهم به عامة الناس أن ابن تيمية عليه رحمة الله تعالى يقول بمشروعية المولد ظنًا منه أنّ القائلين ببدعية المولد سيتركون قولهم؛ لقول شيخ الإسلام لكونه معظمًا عندهم.

    كالذي صنعه صاحب رسالة (حول الاحتفال) حينما عنون فيها لفصل بعنوان: رأي ابن تيمية في المولد، ثم ساق فيه كلامًا لابن تيمية بتر فيه أوَّله وآخره، لأنها قاضية على بطلان دعوته، ونصّ كلام ابن تيمية فيه كما نقله في رسالته "قد يثاب بعض الناس على فعل المولد، وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له، والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع. ثم قال: واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل شرًا بالنسبة إلى الإعراض عن الدين بالكلية كحال المنافقين والفاسقين. هذا وقد ابتلي به أكثر الأمة في الأزمان المتأخرة، فعليك هنا بأدبين:

    أحدهما: أن يكون حرصك على التمسك بالسنة باطنًا وظاهرًا في خاصتك وخاصة من يطيعك، واعرف المعروف وأنكر المنكر.

    الثاني: أن تدعو الناس إلى السنة بحسب الإمكان، فإذا رأيت من يعمل هذا، ولا يتركه إلا إلى شرٍّ منه، فلا تدعو إلى ترك منكر بفعل ما هو أنكر منه أو بترك واجب أو مندوب تركه أضر من فعل ذلك المكروه, ولكن إذا كان البدعة نوع من الخير فعوِّض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان إذ النفوس لا تترك شيئًا إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيرًا إلا إلى مثله أو إلى خير منه، ثم قال: فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك؛ إنه يحسن من الناس ما يستقبح من المؤمن المسدد، ولهذا قيل للإمام أحمد عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار، ونحو ذلك، فقال: دع، فهذا أفضل ما أنفق فيه الذهب أو كما قال.

    مع أن مذهبه أن زخرفة المصاحف مكروهة، وقد تأول بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجديد الورق والخط، وليس مقصود أحمد هذا، وإنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كره لأجلها" ([12]).

    ولنا مع هذا النقل الذي نقله عن شيخ الإسلام وقفتان:

    الأولى: عدم الأمانة في النقل، وهذه تتمثل في نقطتين:

    1 ـ إضافة جمل لم يقلها شيخ الإسلام مثل قوله في أول النقل: "قد يثاب بعض الناس على فعل المولد" فهذا الكلام غير موجود في النقل الذي نقله عن شيخ الإسلام.

    2 ـ حذفه كلام شيخ الإسلام الذي هو نصٌ في بدعية المولد، فعند قوله في أول النقل: "والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع" بتر الناقل الكلام الذي بعده وهذا نصه: "من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدًا مع اختلاف الناس في مولده، فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشدَّ محبَّة لرسول الله وتعظيمًا له منّا، وهم على الخير أحرص وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، فإن هذه هي طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان"([13]).

    فهذا الذي حذفه صاحب رسالة (حول الاحتفال) هو رأي شيخ الإسلام في المولد، وأنها بدعة محدثة.

    الثانية: قول شيخ الإسلام: "فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته".

    إنَّ البدعة لو كانت شرًا محضًا لما قبلها الناس، ولما انتشرت إلا عند المبطلين الزنادقة، ولكنها تروج ويقبلها النّاس لما فيها من الحق الذي اختلط بالباطل، فشيخ الإسلام يقول: (أن من يفعل قد يثاب) و(قد) هنا على بابها للتقليل فهو قد يثاب على ما في بدعة المولد من الأمور المشروعة كإطعام الطعام، وعلى ما في قلبه من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، وقصد حسن، ولكنه أيضًا آثم بإحداثه هذا الأمر، وهذه المسألة مسألة أنه قد يكون مثابًا آثمًا في آن واحد لانفكاك الجهة لها نظائر، كالمصلي في الأرض المغصوبة.

    والبدع والمحدثات ليست طريقًا لإظهار الحب والتعظيم، بل الحب والتعظيم كل التعظيم إنما يكون في الاتباع وهو الذي تحقق كماله لدى الصحابة الذين لم يزيدوا على هدي النبي صلى الله عليه وسلم قدر أنملة، فكانوا أكمل الناس محبة وتعظيمًا للنبي صلى الله عليه وسلم.

    · هل المولد يخلو من المنكرات؟

    إن المولد لا يخلو أبدًا من المنكرات، قال السيد محمد رشيد رضا: "فالموالد أسواق الفسوق، فيها ضيام للعواهر، وخانات للخمور، ومراقص يجتمع فيها الرجال لمشاهدة الراقصات الكاسيات العاريات، ومواضع أخرى لضروب من الفحش في القول والفعل يقصد بها إضحاك الناس، وبعض هذه الموالد يكون في المقابر، ويرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة، التي يضربونها وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة احتفالاً باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا بهذا العمل الشريف في عرفهم"([14])، وإن خلا من اختلاط الرجال بالنساء، وارتكاب المحرمات، وكثرة الإسراف فإنه لا يخلو من أعظم المنكرات، وهو الشرك بالله، واتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالإخلال بالتبليغ، والشريعة بالقصور والنقص، فإذا قمنا باستعراض سريع للكتب المشهورة العمد نجد أنها لا تخلو أبدًا من الخرافات والاعتقادات الفاسدة والأحاديث الموضوعة الباطلة.

    خذ مثلاً مولد ابن الديبع الذي قام على طبعه صاحب (حول الاحتفال) جاء فيه كما ينقل الشيخ محمد رشيد رضا: "فسبحانه تعالى من ملك، أوجد نور نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من نوره، قبل أن يخلق آدم من الطين اللازب، وعرض فخره على الأشياء وقال: هذا سيد الأنبياء، وأجل الأصفياء، وأكرم الحبائب".

    علق الشيخ محمد رشيد قائلاً: "فهذا كذب صريح لم يروه المحدثون"([15])، قال السخاوي منبهًا على ما في تلك الموالد: "أكثر ما بأيدي الوعاظ منه ـ أي مما يقرأ في المولد ـ كذب واختلاق، بل لا يزالون يولدون ما هو أقبح وأسمج مما لا تحل روايته ولا سماعه، بل يجب على من علم بطلانه إنكاره، والأمر بترك قراءته"([16]) ، وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "لم نطَّلع على قصة من قصص المولد النبوي الشريف إلا ورأينا فيها كثيرًا من الأخبار الموضوعة"([17]).

    وفيما يقرأ أيضًا تلك الليلة الشرك الصراح، كقصيدة البوصيري المشتملة على الشرك الأكبر، كقوله:

    يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم

    إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي فضـلاً وإلا فقـل يا زلَّة القدم

    فإنّ من جودك الدنيا وضرَّتها ومن علومك علم اللوح والقلم

    ويقرأ أيضًا قول البكري:

    ولذ به في كل ما تــرتجي فإنه المـأمن والمعـقـل

    ونـاده إن أزمـة أنشبـت أظفارها واستحكم المعضل

    يا أكرم الخلـق على ربـه وخير من فيهم بـه يسأل

    قد مسني الكرب وكم مرة فرَّجت كربًا بعضه يعضل

    عجل بإذهاب الذي أشتكي فإن توقفت فمن ذا أسأل

    وفي المولد الذي ألَّفه ابن حجر الهيتمي من الشرك قوله: "ولا غاية لاستيعابه - أي خصائصه صلى الله عليه وسلم - وسيرة سيدنا ومولانا وذخرنا وملاذنا وملجئنا وممدنا ومنقذنا ومكملنا وناصحنا"([18])، فإذا كان صلى الله عليه وسلم هو الملاذ والملجأ فأين الله؟!

    أما المنكرات الأخلاقية والاجتماعية فحدث ولا حرج، ودعوى أنه يمكن إقامة مولد خال منها ليس لها حقيقة. وهو الحق الذي شهد به أصحاب الموالد أنفسهم حيث قال ابن حجر الهيثمي في الموالد التي تفعل في زمانه: "أكثرها مشتمل على خير؛ كصدقة وذكر، وصلاة وسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه، وعلى شر، بل شرور لو لم يكن منها إلاَّ رؤية النساء للرجال الأجانب، وبعضها ليس فيه شر، لكنه قليل ونادر"([19]).

    ومن طريف ما يذكر من منكرات هذا المولد أن السيوطي ذكر في كتابه الحاوي: أن الملك المظفر مبتدع بدعة المولد([20]) قد أعد سماطًا في أحد الموالد التي يقيمها، وضع عليه خمسة آلاف رأس غنم مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة فرس، ومائة ألف زبديَّة، وثلاثين ألف صحن حلوى، وأنه أقام سماعًا للصوفية من الظهر إلى الفجر، وكان يرقص فيه بنفسه مع الراقصين([21]).

    قال الشيخ أبو بكر الجزائري: "فكيف تحيا أمة ملوكها دراويش يرقصون في حفلات الباطل؟!وإنا لله وإنا إليه راجعون"([22]).

    · القيام في المولد:

    القيام الذي يكون في المولد يسمّى بـ (الفزة) ومرادهم منه القيام بسرعة، وذلك عند ورود ذكر ولادة النبي صلى الله عليه وسلم وخروجه إلى الدنيا، ويسمّى عندهم أيضاً بـ (الحضرة)؛ لأنّ كثيرًا منهم يزعم أنّ روح النبي صلى الله عليه وسلم تحضر عندها، ويقولون: (حضر، حضر)، ويتركون النافذة مفتوحة لتدخل روح النبي صلى الله عليه وسلم منها، فجمعوا بين البدعة وبين إساءة الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ يجعلونه مخالفاً لما أمر الله به في كتابه قال تعالى: {لَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوٰبِهَا} [البقرة:189].

    وهذا القيام قد استحبَّه صاحب رسالة (حول الاحتفال)([23]) مع أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حال حياته نهى عنه وكرهه من الصحابة، فكيف يقع استحبابه عليه في بدعة الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم.

    قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عصا، فقمنا إليه، فقال: ((لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضها بعضًا))([24]).

    وقال أنس رضي الله عنه: (ما كان شخص أحب إليهم من النبي صلى الله عليه وسلم،وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك)([25]).

    فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كره القيام له، ونهى عنه وأخبر أنه من فعل الأعاجم، فكيف بالقيام عند ذكر ولادته وخروجه إلى الدنيا؟! فهذا أولى بالنهي لجمعه بين البدعة والتشبه بالأعاجم.

    والقوم لا يقفون عند هذا الحد، بل يزعمون أن هذا القيام عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم لأجل أن روح النبي تحضر في ذلك الوقت، وأنه يصافح المجتمعين في المجلس، وهو اعتقاد ليس عليه كتاب ولا سنة ، ولا أثر عن خير القرون.

    الأشعار الشركية التي تتلى في المولد:

    إن الأشعار التي فيها الشرك الصراح؛ لا يرى القوم في روايتِها شيئًا من ذلك؛ لأنّهم يرون أنّ الكاف في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم)) للتمثيل، أي: لا تقولوا فيَّ قول النصارى في عيسى، وقولوا ما سوى ذلك؛ لذلك يقول البوصيري:

    دع ما ادعتـه النصـارى في نبيهم
    وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
    فإن فضـل رسـول الله ليـس له

    واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
    وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
    حدٌّ فيعرب عنـه نـاطـق بنـعم


    والصحيح أن الكافَ في الحديث للتعليل وليست للتشبيه كقوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً} [البقرة:151]، وقوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} [البقرة:191]، فالنبي صلى الله عليه وسلم ينهى أمته عن إطرائه الموصل إلى الغلو؛ لأجل ما حصل للنصارى، فقالوا: عيسى ابن الله.

    ويبين ذلك ويوضحه ما حكاه عبد الله بن الشخير، قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: ((السيد هو الله تبارك وتعالى)). قلنا: وأفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً، فقال: ((قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان))([26]).

    فهم يتقربون إلى الله بالشرك، ويمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم بما حارب عليه المشركين، فما أشدّ ضلالهم وأبعدهم عن الهُدى.

    · أمور لا تشترط في البدعة:

    1. لا يشترط في البدعة ألا يوجد لها بعض الفوائد، بل قد توجد لبعض البدع بعض الفوائد؛ إذ ليست البدع من قبيل الباطل الخالص الذي لا حق فيه، ولا من الشر المحض الذي لا خير فيه.

    قال ابن تيمية: "لأنّ جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شرّ راجح على ما فيها من الخير؛ إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملته الشريعة، فنحن نستدل بكونها بدعة على أنّ إثمها أكثر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي، وأقول إنّ إثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض؛ لاجتهاد أو غيره"([27]).

    2. لا يشترط في البدعة أن تفعل على وجه المداومة والتكرار، بل إنّ الشيء قد يفعل مرّة واحدة دون تكرار ويكون بدعة، وذلك كالتقرب إلى الله بفعل المعاصي أو بالعادات.

    3. لا يشترط في البدعة أن تفعل مع قصد القربة والتعبد، بل إنّ الشيء ربما كان بدعة دون هذا القصد، فلا يشترط ـ مثلاً ـ قصد التعبد في البدع الحاصلة من جهة الخروج على نظام الدين؛ كالتشبه بالكافرين، ولا في الذرائع المفضية إلى البدعة، إلا أنّ غالب البدع ـ خاصة في باب العبادات ـ تجري من جهة قصد القربة.

    4. لا يشترط في البدعة أن يوصف فاعلها بسوء القصد وفساد النية، بل قد يكون المبتدع مريدًا للخير، ومع ذلك فعمله يوصف بأنه بدعة ضلالة، كما ورد ذلك في أثر ابن مسعود رضي الله عنه، قال: (وكم من مريد للخير لن يصيبه)([28]).

    5. لا يشترط في البدعة أن تخلو من دلالة الأدلة العامّة عليها، بل قد تدل الأدلة العامة المطلقة عليها من جهة العموم، ولا يكون ذلك دليلاً على مشروعيتها من جهة الخصوص؛ إذ إنّ ما شرعه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، كقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} [الأحزاب: 41]، فإنه لا يقتضي بعمومه مشروعية الأذان للعيدين على وجه الخصوص.

    · الآثار الناتجة عن بدعة المولد:

    1. التعبد لله تعالى بما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما حكم بأنّه ضلالة.

    2. القدح في كمال الشريعة الإسلامية، وردّ قول الله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً} [المائدة:3].

    3. الطعن في أمانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يؤدِ الأمانة، ولم ينصح الأمة.

    4. تصيير هذا اليوم عيدًا يحرم فيه الصوم ويُمنع، كما أفتى بذلك ابن عبَّاد وابن عاشر، كما بيَّنه الحطَّاب في مواهب الجليل (2/406).

    وقال أحمد بن بابا: (قال ابن عباد في رسائله: كنت قدمًا خرجت يوم مولده صلى الله عليه وسلم إلى ساحل البحر، فوجدت هناك السيد الحاج ابن عاشر رحمه الله وجماعة من أصحابه معهم طعام يأكلونه، فأراد منّي الآكل، فقلت: إني صائم، فنظر إلى السيد الحاج نظرة منكرة، وقال: هذا يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصوم، كالعيد، فتأملت مقاله فوجدته حقًا، وكأنه أيقظني من النوم) ([29]) .

    5. الطعن في محبة الصحابة رضي الله عنهم له صلى الله عليه وسلم، حيث لم يقيموا له مولداً.

    6. التشبه بالنصارى في احتفالهم بعيد ميلاد عيسى عليه السلام، جاء في التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوي([30]) في معرض تقريره أن الاحتفال يوافق اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "وإذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر، فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر".

    فتعقبه الملا علي قاري في المورد الروي في المولد النبوي بقوله: "مما يرد عليه أنّا أُمِرنا بمخالفة أهل الكتاب"([31]).

    7. اعتقاد ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر، وهو ما قرره القسطلاني([32])، فردَّ عليه الملا علي قاري بقوله: "أغرب القسطلاني، وقال: ليلة مولده صلى الله عليه وسلم أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة ذكرها، حيث لا يفيد الإطلاق مع أن الأفضلية ليست إلا لكون العبادة فيها أفضل بشهادة النص القرآني، {لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر:3]، ولا تعرف هذه الأفضلية لليلة مولده صلى الله عليه وسلم، لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا عن أحد من علماء الأمة"([33]).

    8. الإسراف في المولد النبوي إسرافًا شديدًا جدًا، حتى قال محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية: "وأنت إذا علمت ما كان يعمله الفاطميُّون ومظفر الدين في المولد النبوي جزمت بأنه لا يمكن أن يحكم عليه بالحل"([34]).

    9. ما اشتملت عليه هذه البدعة من المنكرات الأخلاقية، مثل:

    أ- استعمال الأغاني وآلات الطرب، قال ابن الحاج: "مضوا في ذلك على العوائد الذميمة في كونهم يشتغلون في أكثر الأزمنة التي فضلها الله، وعظمها ببدع ومحرمات"([35]).

    يا عصبة ما ضرَّ أمَّة أحمد وسعى على إفسادها إلاَّ هي

    طار ومزمارٌ ونغمة شادنٍ أرأيت قـط عبـادةً بملاهي؟!

    ب- قلة احترام كتاب الله؛ فإنهم يجمعون بينه وبين الأغاني.

    ج- الافتتان بالمردان؛ فإن الذي يغني في الاحتفالات ربما يكون شابًا جميل الصورة نظيف الكسوة حسن الهيئة.

    د- اختلاط الرجال بالنساء.

    10. تصيير المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، بسبب وقوعه في هذه الليلة.

    11. رواية الأحاديث الموضوعة المنكرة، مما يدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار))([36])، وقوله: ((من حدَّث عني بحديث يُرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين)) ([37]).

    12. اعتقادهم أن في هذا اليوم ساعة لا يوافقها عبدٌ بالدعاء إلا أجيبت دعوته، قياسًا على يوم الجمعة.

    13. تلاوة الأشعار في مدح النبي صلى الله عليه وسلم على ما فيها من معانٍ شركية صارخة.

    · مراجع للتوسع في الموضوع:

    1. المورد في عمل المولد للإمام أبي حفص تاج الدين الفاكهانِي.

    2. حكم الاحتفال بالمولد النبوي، والردّ على من أجازه للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ.

    3. حكم الاحتفال بالمولد النبوي للشيخ عبد العزيز بن باز.

    4. الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن العلوي، وبيان أخطائهم في المولد النبوي للشيخ حمود بن عبد الله التويجري.

    5. الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف للشيخ أبي بكر الجزائري.

    6. القول الفصل في حكم الاحتفال بمولد خير الرسل للشيخ إسماعيل الأنصاري.

    7. الاحتفال بالمولد بين الاتباع والابتداع لمحمد بن شقير البخاري([38]).

    8. البدع الحوليَّة لعبد الله بن عبد العزيز التويجري.

    9. اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم لشيخ الإسلام.

    10. الاعتصام للشاطبي.

    11. الإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ.

    12. أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنّة والبدعة من الأحكام لمحمد بخيت المطيعي الحنفي.

    13. قواعد معرفة البدعة لمحمد بن حسين الجيزانِي.

    14. حوار مع المالكي للشيخ عبد الله بن منيع.





    --------------------------------------------------------------------------------

    ([1]) الخطط (1/490).

    ([2]) (3/498).

    ([3]) انظر: أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام لمحمد بخيت (ص44، 45).

    ([4]) انظر أحسن الكلام (ص 52)، والإبداع في مضار الابتداع لعلي محفوظ (ص 126).

    ([5]) نقلاً عن ابن كثير في البداية والنهاية (11/387).

    ([6]) أحسن الكلام (ص 52).

    ([7]) انظر: منهاج السنة النبويّة (3/503).

    ([8]) تاريخ ابن معين، وانظر: صفة صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم للألباني (ص 46).

    ([9]) انظر: المجموع (1/136).

    ([10]) انظر: إعلام الموقعين (1/7).

    ([11]) انظر: إعلام الموقعين (2/182).

    ([12]) حول الاحتفال بالمولد المولد النبوي الشريف (ص 19ـ 21)، وأحال على الاقتضاء.

    ([13]) الاقتضاء (1/294).

    ([14]) تفسير المنار (2/74-75).

    ([15]) انظر: فتاوى السيد محمد رشيد رضا (2/464).

    ([16]) نقلاً عن الملا علي قاري في المورد الروي (ص 32).

    ([17]) فتاوى السيد محمد رشيد رضا (4/1243).

    ([18]) مولد النبي صلى الله عليه وسلم، لابن حجر الهيتمي، (ص 33).

    ([19]) الفتاوى الحديثية (ص 109).

    ([20]) أخذها عن حكام بني عبيد.

    ([21]) انظر: مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي (681 ـ 682).

    ([22]) الإنصاف (ص 362) مطبوعة ضمن مجموعة رسائل في حكم الاحتفال بالمولد النبوي.

    ([23]) حول الاحتفال (ص 24-31).

    ([24]) أخرجه أحمد (21677)، وأبو داود (5230).

    ([25]) أخرجه أحمد (11936).

    ([26]) رواه أبو داود (4806)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (4021).

    ([27]) الاقتضاء (1/290).

    ([28]) أخرجه الدارمي (1/68 ـ 69).

    ([29]) الديباج المذهب في أعيان المذهب (ص 71).

    ([30]) (ص 14).

    ([31]) (ص 29 ـ 30).

    ([32]) المواهب اللدنية (1/135، 136).

    ([33]) المورد الروي (ص 97).

    ([34]) سبقت الإشارة إليه.

    ([35]) انظر: القول الفصل (ص 654).

    ([36]) أخرجه البخاري (107)، ومسلم (2).

    ([37]) أخرجه مسلم في المقدمة (ص 9).
     

مشاركة هذه الصفحة