حوار مع الشاعر اليمني احمد الفلاحي أجراه المحرر الثقافي للثوري

الكاتب : عبد الحكيم الفقيه   المشاهدات : 1,830   الردود : 0    ‏2006-05-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-05-07
  1. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007
    حوار مع الشاعر اليمني احمد الفلاحي
    حاوره علي دهيس


    قراءتك التجربة الشعرية..المفهوم؟بالنسبة اليك ملامح التكوين ..تشكل الثقافي؟

    الحديث عن تجربة شعرية منفصلة عن المحيط الثقافي لمجتمع ما ليس بالأمر اليسير؛ لكن ربما الحديث عن ملامح تكوّن التجربة ممكن.
    قرأت أن ((الحكيم)) سئل لماذا تكتب؟ فأجاب (لأن الفنان لابد وأن تكون له وجهة نظر في الحياة وأنا أكتب وجهة نظري).
    من هذا المنطلق أقول قول توفيق الحكيم بأني أكتب وجهة نظري في الحياة. فالتجربة الشعرية تشكل ضمن هذا المفهوم تعدد وجهات النظر والرؤى خلال فترات متفاوتة هي عمر الشاعر الأدبي.
    مرحلة تشكل الوعي الثقافي للشاعر تسهم بشكل بالغ الخطورة في بلورة وجهات نظره ولابد من التفاوت بين وجهات النظر تلك.
    المسارات ومراحل الرؤيا/ الرؤى/ الرؤية للمدى/ الأفق الذي يستشف الشاعر رؤيته من خلاله تحدث تعدد الرؤى والتفاوت/ الاختلاف في وجهات النظر وان لم يحدث تفاوت/ تباين – ليس أنتكاسة بالطبع – يوجد التكرار والقولبة فيؤيد ذلك الرأي القائل بأن الشاعر يكتب طوال عمره قصيدة واحدة – بمعنى أن كل كتاباته تمثل قصيدة واحدة – بسبب ذاك التكرار وأنا لا أؤمن بهذا الزعم.
    الدهشة، البدايات الأولى، المهد جميعها تولد الدفقة الأولى، ينبلج نور الشعر، تتحد لغة الرؤيا والأبجدية، يشع الوجدان وقتئذ تولد بشرى (القصيدة).
    لذا حسب نظرية (الكاوس)/ الفوضى فإن عشوائية (الإشعاع الوجداني) – وان كان فيه ترتيب نحن نجهله – تعني عشوائية الولادة للقصيدة مما يعني التفاوت.
    أنني أؤمن بنظرية (الاستغراق) وأسعى إلى برهنتها وتطبيقها على مختلف المجالات في السياسة، التاريخ، الأدب، الفلسفة، العلم، إذ لا يمكن لفكرة (رؤيا) أن تأخذ مدلولاتها أو مساراتها لتحدث التأثير الحقيقي في مجتمع قيد الفعل ما لم تأخذ كل متغيرات التشكل كالزمن اللازم للنضج وغيره من العوامل والمتغيرات.
    إذاً لا وجود لتجربة شعرية بدون استعراقها ،ولا معنى أو حياة أو قيمة لقصيدة ولدت دون رحم أو حمل.
    ليس الأمر مقتصراً على الشعر فقط بل يشمل كل عمل أدبي أو إبداعي.
    إنني أعطي بشراي (قصيدتي) الاستعراق الكافي كي لا تموت وكذلك تجربتي كي لا تموت أو أموت بالقيصرية.


    تخلقّت لديكم علاقة واسعة مع العديد من أدباء ومثقفي العراق خلال تواجدكم هناك كيف تصف تلك التجربة؟ وما هي الإضافة التي أحدثها المشهد الثقافي العراقي إلى تجربتك؟
    دخلت العراق والقرن العشرين يلفظ زفرته الأخيرة ، كانت تجربة رائعة أظنك عشت جزءًا منها مع الفرق الزمني والمكاني بين تجربتي وتجربتك.
    كتبت ذات رسالة إلى صديق عراقي في اليمن هو الدكتور حاتم الصكر بأن بغداد كفاتنة أو غانية (مومس) ترفضها في البدء لأنها ترفضك ، لكن ما أن تمنحها قلبك تمنحك كل شيء ،القلب، الجسد، الحب،... كل شيء فيها تصبح انت جزءًا منه والعكس.
    فإذا كانت المدينة هكذا فكيف بالإنسان والإنسان الذي أصبح إنساناً وليس مجرد المشروع.
    منحت بغداد قلبي ففتحت ذراعيها وقلبها أيقنت تعدها أن لا مدينة مثل بغداد تزهو وهي في أشد انكساراتها كان مقهى الجماهير هو المكان الذي قصدته بغية التعرف بالمشهد الثقافي العراقي كنت قبل ذلك أقصد مقهى الأدباء، حسن عجمي، الشهبندر، أم كلثوم، إتحاد الأدباء، ومهرجان المربد السنوي لكن لم أكن أعرف شخصا بعينه بل لقراءة المشهد عن بعد، وكان الطاغي في المحافل الرسمية مثقفوا السلطة آنذاك يمجدون جلادهم بتلذذ كالمومس لم يكن ذاك هو المشهد الحقيقي للمثقف العراقي فالمشهد هناك كبقية المجتمع العربي ينقسم إلى قسمين الأول هم من تحدثت عنهم والمشهد الحقيقي كان حقيقي بما تعنيه الكلمة فهناك مجموعة من الأدباء الكبار في العمر والشباب أعدهم بصدق مثقفوا وعمالقة الأدب العراقي الحقيقيين، لكن المساحة الأدبية التي يتنفسون من خلالها شبه معدومة في الداخل وبالأطر الضيقة كان الخارج متنفس بعضهم بحسب علاقات مع بعض زملائهم من عرب وعراقيين في الخارج.
    كنا نتهامس الكلام الممنوع والخوف يعتري المكان عندما تقرأ قصيدة خالية من زكام الأمير تقرأ بدون نبس الشفاه.
    حصرت علاقاتي التي اتسعت بأشخاص تعدهم بالأصابع هؤلاء حقيقيين أدباً وثقافة وموقف وإنسان،لكنهم قلة، نتبادل الكتب الممنوعة والمفقودة والجديدة. المثقفون العراقيون في الخارج يمثلون صورة مجسمة عن الداخل لكنها أقرب للزيف هذا قبل الحرب الأخيرة.
    الحرب جعلت المشهد العراقي يختلف تماماً عما كان في السابق مثقفوا السلطة وشعرائها بالأمس أصبحوا اليوم مثقفوا السلطة الجديدة وأعداء سلطة الأمس ، ليس الجميع بالطبع كبعض البعثيين اليمنيين كانوا أشد بعثية من صدام والبعث وعند رحيله أصبحوا أشد مؤتمرية من المؤتمر.
    بعيداً عن السياسة وعودة إلى سؤالك أضافت هذه التجربة إلي الكثير لقد تبلورت لديّ رؤى جديدة ووجهات نظر حول الكتابة والقصيدة والإنسان والفكر والحضارة.


    تعايشون ما يمكن أن يوصف بصراع الحساسيات الشعرية داخل العراق لا أعتقد أن تكون محايداً.
    سؤالي حديثكم ورؤيتكم لصراع الحساسيات الشعرية داخل العرق حالياً؟!

    الحساسيات موجودة في كل مكان و كل مجال وكل زمان وفي الوسط الأدبي موجودة بشكل ملفت للنظر وفي العراق الذي هو جزء من وطن كبير مفعم بالتراهات نجد الحساسيات في الوسط الأدبي على صنفيه السلطوي وأصحاب المواقف، كذلك مابين مثقفو الداخل والخارج العراقيون بشكل عام يحملون الأناء الأجوف بإستثناء البعض، كل من يملك ناصية تخصص ما أو بالتحديد الاحتراف والإبداع الحقيقي في مجالات العلوم والأدب الإبداع الفكري ويتمثل بمفهوم الثقافة ليحمل روح العالم تجده أشد تواضعاً وأقرب إلى الإنسان الإنساني لذا فإن الحساسيات لدى هؤلاء الصنف لا توجد قط بل يرحبون بكل من يبدع أو يتفوق والصنف الآخر وهو الأغلبية وهم عكس الصنف الأول تماماً لأنهم مرضى ونتاج لهذا الإفراز العفن في مجتمعات أشد عفونة.
    في إجابتي على السؤال المتعلق عن العلاقات في المشهد العراقي ذكرت بأن علاقة واسعة كنت قد كونتها مع الوسط الثقافي العراقي كان واضحاً في أغلبية ذاك المشهد ما هو مسيطر في أي مجتمع ثقافي في بلداننا العربية نتيجة الوعي الزائف – العري القيمي والنفاق وتلك الحساسية المفرطة بين أشباه المبدعين وبين بقية المشهد . كذلك بين مثقفي الداخل ضد الخارج (المهجر) لكن التمييز كان واضحاً لدى المبدع الحقيقي متمثلاً في الترفع عن تلك النزعات التي في محملها ليست إلا مجرد نزعات على مصالح آنية ، بحسب الخال قبل الحرب نفسه الآن ليشكل وقعة أوسع من أولئك الانتهازيين ولك أن تلاحظ تلك الصورة عن المشهد في الداخل العراقي بصورة المشهد العراقي في اليمن الذي يمثل صورة مصغرة عن هناك، وعندما أرى المشهد اليمني أراه أكثر سوء . وحتى أكون أكثر موضوعية وحيادية لقد أصبح للأدباء في العراق الآن متنفساً كبيراً نادر الوجود في البلدان العربية باستثناء تلك التي تولي للثقافة أهمية وللمثقف هذا المتنفس الذي نفتقر جزء منه هنا في اليمن أظهر أولئك الحقيقيين رغم كثرة غثاء الزيف .
    عفوا عزيزي احمد سؤالي عن حساسيات شعرية بوصفها توجهات وحراكا واكتمالا إبداعيا وأنت تصفها بين أشباه المبدعين وبين بقية المشهد كيف هذا؟
    تكلمت عن الحساسيات المرضية المتواجدة في كل وسط ولكنها في الثقافي تكون اشد ، ولو أخذت طابعا إبداعيا لحدث حراكا ثقافيا يمكن أن يرقى بالإبداع ويوجهه ليأخذ الطابع الحقيقي الفعلي لذاك السمو المنشود .
    المنافسة بكونها احد العوامل المساعدة في النهوض موجودة عند المتميزين من المبدعين وهي ذات حراك إبداعي فعلي تلمس أثره على الساحات الأدبية والفكرية ، وفي العراق توجد تلك الحساسية ذات التوجه الإبداعي خاصة بين المبدع في الداخل والمبدع في الخارج .

    من وجهة نظرك ترك في بومك دهشة الأصدقاء ؟
    الكثير ترك دهشة الإبداع في ذاكرتي لكن أكثر من أدهشني فيهم الشاعر الراحل / رعد عبد القادر الذي مات ولم يتنفس هواء حريته آه لو أنه بقي أسابيع لكان تنفسها كذلك عبد الزهرة زكي، أحمد خلف، علي بدر، قاسم محمد عباس، د/حيدر سعيد، سهيل نجم الذي كان هنا، نصير غدير، ريم كبه، هند جاسم، لطفية الدليمي، عدي رشيد،... والأجمل: سهيل سامي نادر والمتميز جداً الدكتور/ حاتم الصكر المقيم في اليمن والذي يعد بالفعل نموذجا للمبدع الحقيقي العراقي والذي يحضى باهتمام واسع داخل العراق وخارجه وعلى مستوى الوطن العربي .
    هناك الكثير من المبدعين والكثير ولا يسعني الحال لذكرهم الآن .


    بمنحى آخر هل تصف رؤيتك للمشهد الثقافي العراقي في اليمن؟؟

    في جوابي عن المشهد العراقي تحدثت بأن المشهد العراقي في اليمن صورة مجسمة وأكثر تشويه وزيف عما في الداخل!
    ببساطة هناك مجموعة من الكتبة في اليمن يمكن عدهم بالأصابع، والأكثر سوء أنهم في مراكز مهمة في جامعاتنا مما يعصف بالوعي الحقيقي لدى طلابنا. بعيداً عن الجانب التعليمي أقول بأن أدعياء الإبداع العراقي – في مختلف جوانبه – المتواجدون في الساحة اليمنية استغلوا ذاك الفراغ الثقافي والإبداع اليمني بفعل القسر ليطفو على السطح هؤلاء كـ أوصياء على أدبنا وإبداعاتنا.
    هذا المشهد يحاول دائماً أن يجعل نفسه (العرّاب) لكنه بفعل الزيف تحول إلى مانح فرمانات الابداع من أجل مصالح ضيقة.
    للأسف لقى هؤلاء من يساعدهم من رموزنا أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه الآن، فهم الآن يقررون من هو المبدع باستثناء الدكتور حاتم الصكر الذي فعلاً نكن له كل الاحترام والتقدير لما يقدمه بصدق للساحة الثقافية اليمنية والفكر والأدب العربي بشكل عام من أثراء ورؤية ونقد، بقية تلك الفقاقيع هنا لا تقدم إلا الزيف.
    كنت في بغداد أتحدث عن المشهد العراقي الأدبي في اليمن وأذكر أسماء، يضحك الجميع هناك يقولون: (إذاً ليس لديكم أدب إذا كان هؤلاء هم من تعتبرونهم مبدعون، من تتحدث عنهم ليس لهم علاقة بالأدب أو الإبداع، وليسوا هنا سوى مجموعة كتبة لا يجيدون حتى أبجدية الكتابة).
    طبعاً استثنوا منهم حاتم الصكر باعتباره مبدع حقيقي.
    فعلاً من خلال كتابات غالبيتهم تجد ذلك الكلام واضح المعالم، سأضرب مثالاً – ليس على سبيل الحصر – ما يكتبه صبري مسلم ووجدان الصائغ عن الشميري الذي لا يرقى لأن يكون مهرجاً في دهاليز القصور أي إبداع يقدمه الشميري من كتابه (ألف ساعة حرب) حتى تلك المجموعات التي تحتوي على النظم الأجوف.
    أنظر إلى ما يكتبه على حداد أو عبد الرضا علي لا يمكن أن يمثل ما يكتبه هؤلاء سوى غثاء من أجل منافع رخيصة والحصول على عقود عمل أو من أجل بعض...
    أمل الجبوري ما الذي أهلها لتكن ممثلة ثقافية لليمن في ألمانيا.
    النفاق الثقافي والسياسي والاجتماعي في طبيعة الشخصية العراقية كما ذكرها على الوردي في كتابه (شخصية الفرد العراقي) تجسدت عند مجمل الوافدين إلى ساحتنا حيث وجدت لها متنفساً بوجود تلك الظاهرة في الساحة اليمنية الآن، أو أنها عدوى نقلت إلينا منهم.


    في (وللعبير أنياب) بدا لافتاً اشتغالكم على خط وفضاءات التفعيلة (والاحتفاء بالغنائية) بالايقاع بالصورة فيما تنخفض ذلك في أعمالك الأخيرة (بشرى) لتبرز السردية ولغة التفاصيل كمظاهر اقرب الى قصيدة النثر. السؤال قراءتكم؟ ثم هل يمكن القول أن ذلك التحول قد تم وفق تخطيط مسبق؟؟

    (وللعبير أنياب) ديواني الأول صدر ببغداد وكتب عنه هناك في العديد من الصحف من قبل أدباء لم أكن على صلة أو معرفة ولو سطحية بهم ولعل السبب في ذلك كون الديوان ليس فيه دلائل على كوني غير عراقي سوى بعض التواريخ وأماكن كتابة القصائد لكن هذا لم يكن كاف لبرهنة يمانيتي كون وجود قبيلة الفلاحي في العراق بشكل ملفت وغالبية من العراقيين أقاموا في اليمن.
    بعض النقاد تحدث في جلسة نقدية عنه بأن الغنائية تكاد تخلوا باستثناء التفعيلة والتدوير الغالب على قصائد المجموعة وقاموس الشاعر اللفظي غزير ومفردات المجموعة وألفاظها غالبيتها مفردات متداولة في شبه الجزيرة وبلاد الشام وتخلو تماما من مفردات متداولة في بلاد الرافدين.
    ومجموعتي الأخيرة (بشرى) والتي ستنشر عن دار المدى الثقافية فرع بغداد حال عودتي إلى بغداد تختلف تماماً عن (وللعبير أنياب) لكن السردية والتفاصيل لم تكن كما ذكرت لأنها برأي تشكل ومضات ولحظات إشعاع وجداني وفي مثل هذه الومضات تخلو من التفاصيل.
    القراءة بالطبع كلما تنوعت واختلفت تزيد من ثراء القارئ المعرفي والأسلوبي بمقدار التنوع والإلتحام مع المقروء يكون الأثر، لكن لم أبتعد باهتماماتي المعرفية عما كنت أهتم به وأنا في اليمن لكن قراءتي ببغداد كانت أكثر تنوعاً بسبب توفر الكتاب بمختلف مجالاته ليس كما هنا فالغالب على السوق الكتيبات ذات الإتجاه التجهيلي. كل ذلك جعل التحول في الكتابة ممكن كون (أنياب العبير) أستغرق ومعه أنا وآن لبشرى أن تولد.


    المشهد اليمني؟ تجربة الاغتراب عن الوطن؟؟

    الاغتراب أم الغربة؟ عن الوطن؟
    لأن الاغتراب له مدلول فلسفي شامل أكثر من مفهوم الغربة والتي تعني بالمفهوم الضيق البعد عن الوطن.
    الإنسان بطبيعته، مؤطر بالاغتراب من حيث السيسوثقافي أو السياسي. بمعنى أننا مشبعون بالاغتراب (النفسي) الداخلي والاغتراب الاجتماعي، الثقافي، السياسي وعن الغربة فكلنا مغتربون في أوطاننا.. وطني غربتي، غربتي وطني.

    من منا لا يشعر بالضياع تارة والوحشة تارة أخرى. لم تكن الفترة التي قضيتها خارج الوطن أشد وطأة من الفترة التي أقضيها الآن في الوطن فالأخيرة أشد. لعل عدم الخروج من الوطن إلى آخر هو أفضل كي لا يلاحظ الفرق والاختلاف بكل شيء بالإنسان بالمكان بالزمن بالنظام بالإدارة بالثقافة بالسلوك بـ... الخ.

    لكن المهد /الأرض /الوطن يأخذ مساحة كبيرة من الحب والحنين لدى الإنسان خارج وطنه الأم، وان كنت لا أعتبر الوطن وطن إذا لم تملك فيه مأوى وأصدقاء حقيقيين فالوطن بنظري هو مجمل العلاقات الإنسانية الجميلة، هو الشعور بالأمن البيولوجي والاجتماعي الأمن الثقافي وطن أنت فيه تتمتع بكل الحقوق التي هي لك وتلتزم بالواجبات التي عليك، وطن فيه عقد اجتماعي نافذ الفعالية وليس في أدراج المكتبات. وطن يشعر الإنسان بآدميته، أم الوطن المكان يظل في القلب والوطن الزمان أشبه بالتراتيل الوطنية التي تفرغ من محتواه بواسطة الوطن الإنسان.
    أعتبر الغربة عن الوطن لازمة للمثقف كلزوم وجود لغة أخرى، باعتبارها نافذة على الآخر لمعرفة تجربته الفكرية وطريقة التفكير كذلك التواجد في وطن آخر يمثل معرفة التجربة المكانية والاجتماعية، ما لم تكن الغربة قسرية يكون التأمل أفضل، فالسفر له فوائد عديدة (خمس) كما ذكرها أحدهم.

    كأنني أشعر بالفوائد بتلك الغربة وأثرها على تجربتي كبير، تبلورت وجهات نظر كثيرة/رؤى/ رؤية واستغراق.


    قبل الولوج بدرب الإجابة أود القول انه : اذا أردت أن تعرف نظام سياسي أو إداري في بلد ما فاذهب مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم ، فان كانت بحالة جيدة معناه وجود نظام إداري وسياسي جيد ،فالتربية تمثل الانعكاس الحقيقي للإدارة، ومخرجاتها تمثل لبنة المجتمع الأساسية، فالمدخلات ومعالجتها ونوعية المعالجة تؤدي إلى مخرجات تتوافق مع تلك المعالجة والكيفية.
    الجميع يعرفون عن التعليم في اليمن ومخرجاته ما هي؟
    بالطبع المتعلمون أكثر أمية، والساسة أكثر انتكاسة، والمثقفون أكثر فصاما، ناهيك عن الوعي الزائف لدى السياسي المثقف والمثقف السياسي، ليس الجميع ولكن... ؟
    هذا الاستطراد لابد منه، لأنني لا أتصور بنية علمية وثقافية ما لم يكن التعليم سليم.. ووفق ما نراه في الواقع اليمني نجده لا يفرق كثيراً عن بعض الدول ذات الأنظمة القمعية، بل قد يزيد سوءًَ بسبب التراكيب الاجتماعية ذات التوجه الشيئي.
    عندما تتحول شريحة واسعة من أشباه المثقفين إلى أبواق وظواهر صوتية ذات خواء كريه.. فماذا ترجو؟؟
    للحصول على منصب سياسي أو إداري! ما عليك إلا امتشاق القلم.. وأشرع بالكتابة الملبدة بالزكام أو كن أكثر فساداً وسرقةً.. فبقدرها تنال الجزاء، فالجزاء ليس من جنس العمل!!
    الواقع أن الأنظمة العربية في مجملها تكاد تتطابق مع بعض الاختلافات.
    تحدثت عن المشهد العراقي قبل سقوط نظامه وعنه الآن؛ الزيف هو الزيف هو الذي يحل دائماً في بلدان لا تملك عقد اجتماعي أو دستور، وإن وجد تكون معطلة الفعالية موادها باستثناء تلك التي تجير لصالح النظام، حينئذ تدخل البلاد في دوامة وغيبوبة تبعية بفعل القسر؛ فيحل النفاق السياسي والاجتماعي خوفا وطمعا، وذلك تنعدم القيم.
    بفعل تلك الغيبوبة أيضاً تغيب الثقافة الحقيقية والتمثل للقيم والثقافة عند أولئك المثقفين، فينشر الوعي الزائف غباره ليعم القبح ويختفي الجمال وفق قانون الطبيعة ليكون أحدهما هو السائد والآخر هو المتنحي، صورته في ذلك صورة الخير والشر على مر العصور.

    ماذا عن المشهد الأدبي بالتحديد؟
    تتممة لما سبق يمكن القول برؤية مجردة ليس عن اليمن فحسب أو أي بلد في العالم بل عن (الإنسان المشروع) فهو برغم ما وصل إليه من تقدم وتخلف في نفس الوقت مازال مجرد مشروع. ومن ناحية تاريخية السؤال يفرض نفسه: كم هو عمر (الإنسان الحضاري).. تقريباً ما بين سبعة إلى تسعة ألاف عام، أي أنه حسب نظرية (الاستغراق) لم يأخذ الفترة الكافية ليصبح إنساناً بمعنى الإنسان (الإنساني)/ القيمي، ومع ذلك فهناك أناس نستطيع الحكم عليهم – من تمثلهم لمجمل المفاهيم والقيم الإنسانية والحضارية – أنهم (إنسان) بكل معنى الإنسانية وبأنهم قد عبروا حاجز الارتقاء القيمي بعد أن عبروا (الارتقاء البيولوجي).
    المشهد الأدبي جزءً من المشهد الثقافي في اليمن، فهو انعكاس جميل عن قبح أجمل.
    الواقع الاجتماعي والسياسي طغيا على الناتج الثقافي والأدبي. فالأمراض الاجتماعية والثقافية المتوارثة من (قريش من القبيلة إلى الدولة) مروراً (في العقد الاجتماعي) و (المجتمع المدني) رجوعاً إلى (اليمن من الباب الخلفي) وصولاً إلى (إنهم يخربون التعليم) ليطفو على السطح (أريد أن أتوب ولكن) و (دمعة على التوحيد) و(بدائع الزهور) و(الجواهر اللماعة في استحضار ملوك الجن في الوقت والساعة) وتريد أن نتحدث عن مشهد يمني ثقافي وأدبي!!!
    انظر إلى المكتبات في اليمن بشكل عام وإلى مكتبات الجامعة بشكل خاص ما هو السائد.. وماذا يمكن أن ينتج ذاك من ثقافة أو أدب أو مجرد وعي باليومي من باب والصحي من باب آخر، القراءة تكاد أن تكون معدومة، و (شربة الديدان) في الكراج بباب اليمن ينادى عليها بمكبرات الصوت، ويروي بائعها أن (أخر دودي لقي مصرعه البارحة)، يقاطعه محدث ديني صارخاً تارة ومتعجباً كيف أن الصحفي الدنمركي مسخه الله قرد تارة أخرى يأتي ذاك الصوت من عربة متجولة لبيع الكاسيت.
    الوسط الأكاديمي لا يقرأ ويكرر نفسه، الأدباء والشعراء والكتاب المتفردون قلة، والمنشورات ضحلة مع أن هناك قفزة في عاصمة الثقافة متمثلة في النشر والطبع إلا أن الغثاء دائماً يطفو في المحافل الرسمية، مع ذلك فهي خطوة جيدة. الجرائد أشبه بالفقاعات وتخلو اللهم البعض من قيمة ذات جدوى. الجميل هو ما أقرأه في المشهد اليمني عبر الانترنت وليس المطبوعات والجرائد، قد يكون ذلك لوجود تلك المساحة والمتنفس الذي يلقاه البعض بدلاً عن المقص، جعل ذلك الانتشار عبر الانترنت الآخر (أقصد الخارج) يطلع على المشهد الأدبي والصحفي في اليمن بدلا عن العزلة التي يحاط بها المبدع الحقيقي في اليمن.

    قراءتك ؟ومن يستهويك في المشهد الداخلي؟؟

    كل ما يمكن أن يقع تحت يدي أقراءة ذلك بحكم النشأة العلمية في بيت والدي الذي جعل من الكتاب خير جليس لنا ووالدي أيضاً خير جليس كونه مكتبة متنقلة .
    في بداياتي كانت قراءتي الدينية هي الغالب ثم اتجهت إلى القراءة في الفكر الصوفي ثم في فترة دراستي الجامعية كنت أقراء الفلسفة والفكر . فلسفة العلم، الأدب ، الرياضيات وفلسفتها والفيزياء كان أي شيء يتعلق بفلسفة العلم والكون يجذبني .
    أكثر ما أدهشني في الشعر هو معلقة امرء القيس والمتنبي بشكل عام والبردوني بشكل خاص .أقرأ نزار ،الجواهري ،درويش أقرأ أنسي الحاج ،أدونيس ،عباس بيضون ،السياب باكورة قراءتي في الشعر الحر والماغوط ،إدوارد سعيد ،سعيد عقل ،الجابري ،أركون . قرأت ت.إليوت ،طاغور ،أقرأ لشعراء أجانب بشكل واسع درويش تطربني موسيقاه ،ونزار بساطته الممتنعة ،السياب شعريته وعالمه ،والبياتي قريته وذبابه .


    ولكن ماذا عن أدنيس وعباس بيضون ؟

    أدونيس أقرأه بتفحص مثل ما كنت أقراء فصوص الحكم لإبن عربي لكنه متخلف ورجعي كما أعده الغذامي في نقده الثقافي كونه يبحث عن الابوة، وعباس بيضون أقراء التشكيل في كتاباته.
    ما هذا؟؟ اسمح لي ..هذا ليس صحيحا ..فـ ادونيس ليس كذلك ..هذا كلام فاسدُ ولا منطقي ..كيف تقرأون الرجل ؟ ادونيس ياخي ظاهرة الحداثة ..الأبرز شعرياً وتنظيراً نقدياً ..شعرياً وفكريا..انه الزلزال المعرفي في سياق العصر العربي.نعم هو الأكثر من سكن التراث وتغلغل داخله بشكل مخيف ..أفناه معرفة ونقده من اعمق أعماقه. هل هنا رجعية؟ أنا لم اقرأ الغذامي تحديدا اقصد لم اقرأ رأيه وحكمه هاذين.. ولكن أسألك أنت أين هو تخلف ورجعية ادونيس ؟ كيف اكتشفت انه يبحث عن الابوة ؟؟
    ذلك التفحص الذي أوليه لـ أدونيس الشاعر عندما أقرأه جعل أدونيس عندي بمصاف عمالقة الحداثة والتجديد،وهو بالفعل على مختلف المجالات والمستويات ، فهو الناقد المبدع درس التراث وتغلغل فيه وقضى ردها من الزمن في غربلته كما ذكرت ، لكني أنا ضد اللاهوت والصنمية والهرمية وتقديس الشخوص والأبوة حتى وان وجد التفرد، لكن الإقرار بالإبداع والتميز لا ينكره إلا الجاهل،أنا ضد أن يصل الأمر إلى اعتبار هؤلاء لأنفسهم آباء وقديسون (العرّابون ) يقصون كل من خلفهم .
    تخيل أن الأبوة والقداسة الشخوصية عرقلت تأخرنا قرون ،لو أن أدونيس ، نزار،سعيد عقل ،أصحاب النظارات السميكة وكل الأوصياء الآباء اكتفوا بإبداعاتهم وإسامتهم وما قدموه من إبداع رائع ....ثم أعطوا تلك الفكرة الأبوية والريادة لكان أفضل ولما قلت ما قلت.
    ادونيس هو كل ما ذكرت وأكثر والغذامي في نقده الثقافي لم يجعل التخلف والرجعية لـ أدونيس ونزار والبقية .. إنما هذه الصفة جعلت متلازمة مع كل من يدعي الريادة ويسعى إلى الصنمية .

    ذكرت البردوني بشكل خاص لماذا ؟ وهل هناك من الشعراء اليمنيين لهم خصوصية في قراءتك ؟

    من ذكرتهم ليسوا من أقرأهم فقط بل أقراء كل جميل والبرد وني أقراءه بخصوصية كونه يستلزم مني البحث عن الحوادث والمناسبات التي حدثت في تاريخ اليمن وعنى بذكرها .
    يطربني الآن عبد الحكيم الفقية ،نجيب الورافي يستحثني روعة شعره حفظه ويدهشني كناقد ولكنه لا يكتب باستمرار ، أغتسل بمسحوق التعب اليومي لعبد الوكيل السروري أقرأ نسيان المقرئ ، وألهو في مرقص الشيباني ،نبيل سبيع ، علي دهيس ،القعود ،إياد الحاج ،آمنة يوسف ،ابتسام المتوكل ،بشرى المقطري ،نادية مرعي ،هدى أبلان ،فتحي أبو النصر ،محمود ياسين ،أحمد السلامي ،محمد عبد الوكيل جازم ،حبيب سروري ،محمد اللوزي ،أحمد العواضي ،فكري قاسم، احمد الجرادي،نبيلة الزبير،عبدالله علوان ،اكرم عبد الفتاح،احمد دماج ،محمد علي الشامي ،محمد ناجي ،...
    وأكثر رصانة في النقد عبد الودود سيف كونه الناقد الأفضل في الساحة اليمنية ،وعبد الباري طاهر ،وقادري أحمد حيدر ومحمد المقالح في الجانب الفكري،الدكتور ابوبكر السقاف فيلسوفا ومفكرا.
     

مشاركة هذه الصفحة