لماذا يكابر العرب فى الاعتراف بالمقاومة العراقية ؟

الكاتب : محمد دغيدى   المشاهدات : 425   الردود : 0    ‏2006-04-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-17
  1. محمد دغيدى

    محمد دغيدى عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-26
    المشاركات:
    195
    الإعجاب :
    0
    لماذا يكابر العرب في الاعتراف بالمقاومة العراقية؟

    قد لا يجد المرء غضاضة كبرى في تفهم مكابرة الإدارة الأمريكية في الاعتراف بالمقاومة العراقية. فهي غريمها العنود، وهي الكابس على أنفاس جنودها بالأزقة والطرقات، بالمدن والأحياء... وهي، فضلا عن ذلك، المفسد عليها في مشاريعها المستقبلية، الحائل دون انتشاء "النصر المبين" الذي حققته على بلد قيل، قبيل انطلاق الغزوة الأنجلو أمريكية عليه، إن سبل المقاومة من بين ظهرانيه منعدمة وإمكانات التصدي للاحتلال من لدن أبنائه غير ذات قيمة تذكر أو تستوجب الاحتمال... فما بالك بالاعتبار الجدي.

    لذلك، فمن الطبيعي أن تنعت الإدارة الأمريكية عناصرها (عناصر المقاومة أعني) بالمسلحين تارة، بالإرهابيين تارة أخرى وبالمتمردين في حالات عديدة، ليس فقط استهانة بقوتهم وتصلب عودهم المتزايد وانخراطهم في أشكال تنظيمية متراصة، ولكن أيضا مكابرة من لدن إدارة استرخصت على الشعوب حقها في مقاومة الاحتلال واستنكرت عليها حقها في صد العدوان المتأتي منه أو المترتب على سلوكه معها بالمظهر كما بالجوهر.

    وقد لا يجد المرء غضاضة كبرى أيضا في تفهم مكابرة حكومة الاحتلال في الاعتراف بالمقاومة العراقية. فهي نقيضها بامتياز تفكيرا وسلوكا وسبل تعامل مع المحتل. وهي المنغص عليها تساكنها الطبيعي معه (مع المحتل)، وهي فضلا عن كل هذا وذاك، البديل الموضوعي لها عندما يزول الاحتلال وتتلاشى الحبال وتنصرف الحماية عن "حكام العراق الجدد".

    لذلك فمن الطبيعي أيضا أن تصف الحكومة إياها (وفضائياتها اللقيطة) عناصر المقاومة بالإرهابيين والمجرمين والمخربين والعصابات وما سوى ذلك، ليس فقط استهجانا خالصا لما تقوم به ذات المقاومة، ولكن أيضا ادعاء من لدنها (من لدن الحكومة أعني) بأن لا وجود أو ضرورة لمقاومة ما بتوافر حكومة "شرعية، منتخبة وممثلة لكل أطياف الشعب العراقي".

    وعلى هذا الأساس، فإذا كان بالإمكان التسليم جدلا بالآية من استنكاف الإدارة الأمريكية والحكومة المنصبة من لدنها في الاعتراف بالمقاومة العراقية، فإنه من المتعذر نسبيا الوقوف عند سر استنكاف الحكومات العربية في الاعتراف بها لدرجة تجاهل وجودها باللقاءات الرسمية كما بالمؤتمرات الصحفية كما بالقمم الإقليمية الدورية كما بسواها.

    والواقع أن المتأمل في البيان الختامي لقمة الخرطوم الأخيرة مثلا لا يجد ذكرا للمقاومة بالعراق أو تلميحا لوجودها أو إيحاء بحقها في صد العدوان أو الدفاع عن الوطن، بل نجد بيانا ماسخا يطعن فيها بالسطر الأول حينما يقول: "... نجدد تضامننا مع الشعب العراقي وحكومته المنتخبة..."، تماما كما لو أن العراق لا يعيش حالة احتلال وتماما كما لو أن لا أثر للقوات الأجنبية فوق أراضيه تقرر في سيرورة حاضره ومآلات مستقبله.

    والحقيقة أنه لو تسنى للمرء أن يجد بعضا من "ظروف التخفيف" لهذه الحكومات، على الأقل بقمة الخرطوم، لقال التالي دونما تردد كبير:

    · فالحكومات العربية بالقمة إياها وجدت نفسها "محرجة" أمام كرسي العراق الذي "اعتلاه" ممثل حكومة الاحتلال بضغط مباشر من الأمريكان وبتواطؤ واضح من الأمانة العامة للجامعة العربية. كيف للقمة إذن أن تتبنى مبدأ الاعتراف بالحق في المقاومة ومندوب الاحتلال جالس، متربع على كرسي ما كان له أن يمتطيه لولا قوى الاحتلال الأنجلوأمريكي؟

    · والحكومات العربية (أو بعضا منها على الأقل بالخليج ومصر) تواطأت على احتلال العراق ففتحت له المضايق والمطارات والقواعد العسكرية، بل منها من أجاز بأراضيه إقامة القاعدة المركزية للتحكم في العمليات أثناء الغزو وفيما بعده. كيف لحكومات من هذا القبيل أن "تشرعن" لوجود مقاومة بالعراق وهي مطوقة بمعاهدات مع الاحتلال ومرهونة القرار حتى بدون معاهدات؟

    · والحكومات العربية (بالقمة المذكورة كما من خارج أسوارها) مطواعة، رخوة المفاصل، مهلهلة البنيان، عرضة للتهديد من الخارج كما من الداخل سواء بسواء... كيف لها أن تعصي أوامر الأمريكان وهي تعلم علم اليقين أن بيدهم (لا بأيدي سواهم) أسرار الحل والعقد... أعني سبل بقاء هذا النظام وإمكانات تهاوي ذاك جملة وبالتفصيل؟

    بالتالي، فهي (فرادى كما بالقمم الجماعية) في وضع يضعها بالمحك حقا من اتخاذ موقف من كذا قضايا "حساسة" قد تجر عليها الويلات آنا أو استقبالا وقد تحول دونها ودون استمرار غطاء الدعم والحماية الضامن لاستمرارها في الزمن والمكان.

    وإذا كنا على قناعة بأن المقاومة العراقية ليست في حاجة إلى اعتراف من لدن هذه الجهة أو تلك (حتى وإن كان الاعتراف العربي بها رافدا معنويا كبيرا لها)، فإننا نستطيع الجزم أيضا بأن اندلاعها لم ينتظر الضوء الأخضر من ذات الدول، بل تأتى لها كرد فعل طبيعي (مشروع ومعترف به) على وضعية احتلال هي الشاذة عن القياس فيما وضعية المقاومة هي القاعدة واللازمة الأساس.

    قد تكون مكابرة الدول العربية في الاعتراف بالمقاومة العراقية نابعة من خوفها المباشر من البطش الأمريكي (الخشن منه كما اللين سواء بسواء)، وقد تكون متأتية تلقائيا من عدم قدرتها على إسناد المقاومة إياها (مالا أو بالعتاد). لكن المؤكد حقا أن ذات الدول إنما تخشى، بالبداية وبالمحصلة النهائية، ثقافة المقاومة التي أجج نارها العراقيون ولن يطول الأمد حتى تمتد عدواها، بهذا الشكل أو ذاك، إلى نظام عربي مقطع الأوصال، مهترئ البنى ولا ينتظر حقيقة الأمر، إلا رصاصة الرحمة لتخلص الشعوب منه.

    وثقافة المقاومة المتحدث فيها هنا لا تحيل فقط على المناهضة العسكرية المباشرة أو اعتماد أسلوب حرب العصابات (كما في العراق وأفغانستان وفلسطين)، بل وأيضا إلى تنظيم العصيان المدني في وجه النظم العميلة، المتواطئة والمهينة بذلك لشعوبها وللأمة برمتها.

    وهي أيضا (ثقافة المقاومة أقصد) لا تنحصر قطعا في مواجهة النظم القائمة، بل تتعداها إلى استنبات القابلية على رفض الاستسلام وخلق القدرة على تجاوز المهادنات والقبول بالأمر الواقع.

    وعلى هذا الأساس، فإن مكابرة الحكومات العربية في الاعتراف بالمقاومة العراقية إنما هو نابع من تخوفها من عدواها وخشية امتدادها إليها إن هي تمادت في الاعتداد بغير أبنائها والمراهنة على جبهات غير جبهتها الداخلية وبأدواتها الذاتية.

    إن استنبات ثقافة المقاومة هي التي من شأنها استقبالا أن تحمي الشعوب ضد الهجمات الخارجية. هي التي ستضمن لها سبل المناعة والقوة وتحول، فوق كل هذا وذاك، دون تجرؤ هذه القوة أو تلك عليها...

    بثقافة المقاومة وعبرها ومن خلالها تستطيع النظم العربية تدارك الأخطاء واستنباط العبر... فلتتأمل جيدا في انتصارات المقاومة بالعراق قبل أن يفوت الأوان.



    د. يحي اليحياوي- باحث وأكاديمي من المغرب
    تاريخ الماده:- 2006-04-16
     

مشاركة هذه الصفحة