قصـة زميـلي

الكاتب : محمد سعيد   المشاهدات : 548   الردود : 0    ‏2001-02-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-02-24
  1. محمد سعيد

    محمد سعيد عضو

    التسجيل :
    ‏2001-02-15
    المشاركات:
    104
    الإعجاب :
    0
    7/24/99

    كنت أسكن مع اثنين من اخواني و ابن عمتي، في احدي المدن الجنوبية الجميلة جداً في *****،
    و في البيت الذي خلفنا كان زميلين
    عربيين و اثنين من سيريلنكا و أحد زملاؤنا العرب كان يسكن على بُعد خمسة دقائق سيراً، و لم يكن في المدينة كلها عرب غيرنا، أخويَّ الإثنين التحقوا بعدنا بسنة كما التحق بنفس الكليةأحد الأخوة العرب و هو فلسطيني من أحد المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان.
    بالنسبة لنا كنا نعمل حلقة درس ديني كل يوم سبت و قد انضم إلينا هذا الأخ الفلسطيني، و انضمامه كان جميلاً، حيث لم يكن يصلي أو يصوم مسبقاً، و كان تعليمه المدرسي في لبنان، في مدارس الراهبات المسيحية، و بدأ يصلي و يحضر الدروس الإسلامية التي كان هدفها الأول الإبقاء على أنفسنا مسلمين و ذكر الله و كذلك محاولة الإستزادة المعلوماتية عن الدين.
    بعد ثلاثة أشهر لاحظنا على الأخ الفلسطيني كثرة الصلاة بأسلوب لم يكن يوحي بأنه تدين و أحياناً يجلس طيلة الليل يُصلي، مع العلم أنه لم يصلِّ مطلقاً قبل ذلك و كان يشرب الخمر و لو على خفيف قبل أن يلتحق معنا بالكلِّيَّة، و في يوم من الأيام ذهب لحديقة الكليَّة و في شارع السيارات الضيق و عند المفترق فرد السجادة و أخذ يصلي مانعاً بذلك حركة السيارات بجميع الاتجاهات، و أيضاً توقف عن التدخين فجأة، المهم في فترة لا تزيد على أيام قلائل لا تصل إلى أسبوع من ملاحظتنا لمرضه كنا قد أرسلناه للمستشفى.
    قبل أن نرسله للمستشفى بدأ يتردد على بيتنا عدة مرات في اليوم بشكل ملفت للإنتباه و بمواعيد عجيبة، يريد أن يسأل أخي الأكبر، و كان يعرفه منذ أكثر من سنتين حيث درسا معاً في بريطانيا، و يبدأ يسأله أسئلة عن الدين، و كأنه يريد أن يتدين فجأة، و في اليوم الذي أرسلناه للمستشفي، الذي حدث؛ أننا ذهبنا للبيت في فرصة الغداء حيث كان البيت على بعد خمس دقائق من الكُليَّة، و نحن في البيت جاءنا الأخ العربي الذي يسكن مع الفلسطيني و كان مذعوراً جداً و أخذنا جميعاً و فوراً إلى بيتهم، حيث وجدنا الأخ الفلسطيني يحمل سكيناً و يطلب من السيريلنكيين أن يرفعا أيديهما إلى الحائط، و كان هو ضخم الجثة أما السيريلنكيين فكانا بحجم الترانزستور، حيث يريد أن يقيم عليهما الحد و يقتلهما لأنهما كفار.

    كان عند اخي سيارة. جلس يتكلم معه لإقناعه بأنه لا يجوز أن يقيم عليهما الحد، طبعاً عندها علمنا أنه مريض نفسياً و لكن لم نعرف بأي نوع من الأمراض النفسية. عندما هدأ أطلق سراحهما، و جلست أنا و الآخرون معه، بينما ذهب أخي و الأخ الذي يسكن معه بالسيارة إلى المستشفى و تحدثوا إلى الطبيب الذي طلب إحضاره، و تمت عملية الضحك عليه و أخذه إلى المستشفى دون علمه و هناك كان طاقم التمريض بالانتظار حيث تمت تهدئته بإبر الأدوية المخدرة، و جلس في المستشفى ثلاثة شهور، و أُشهد الله أننا لم نقصر معه، حيث قمت أنا و كنت أعرف بعض كبار القوم بترتيب الأمور له للسفر لمصر، و كان ذلك شبه مستحيل بالنسبة له كفلسطيني، كما قمت بإحضار ثلاثة أطباء واحد منهم الآن من كبار أخصائيي الطب النفسي بالإضافة إلى إمام مسجد (****)
    و
    هو عالم اقتصاد و فقيه حيث درس و عمل بالإثنتين، كما قام البقية كلٌ بدوره، بالإضافة إلى اتصالنا بأهله فأحضرنا أمه من لبنان و شقيقتيه اللتين كانتا تدرسان في بريطانيا.

    في إحدى زياراتي له للمستشفى، جلسنا بجانبه، فبدأ يتكلم بأن الملائكة زارته و كانت الملائكة جميلة و شعرها أشقر، و عندما كلمه و الده بالهاتف قال لوالده أنه يريد أن يقيم حد القتل على كل أهل تلك البلد، ثم كان في المستشفى يقول لهم أنه
    Jesus Christ .

    جلس في المستشفى ثلاثة شهور ثم خرج، و لكن من غباء المسئولين لم يقولوا لنا كيف يمكن أن نتابع حالته، فعاد لنا و كأن شيئاً لم يكن و لم يكن هناك مانع من الكليَّة بعودته، و لم نكن نعلم أنه يجب أن لا يوقف الأدوية إلاّ بأمر الطبيب، و أحسسنا أنه طبيعي جداً لدرجة أنه كان يُحَدِّثنا عن فترة مرضه، و يقول أنه فِعلاً كان يعمل كذا و كذا و يضحك منها و لكن لم يكن هناك سيطرة، فكان يسمع أصوات تقول له إفعل كذا، و الذي لم نعرفه في حينه أنه بمجرد شعوره بأنه طبيعي أوقف تناول الدواء.

    و بعد أسبوعين، الساعة السابعة صباحاً جاءنا الأخ العربي الذي يسكن معه بشكل إستغاثة، فذهبنا لنرى ما يحدث، و إذا بالأخ الفلسطيني كان قد استيقظ مبكراً، فذهب و أخذ زجاجتي حليب مليئتين بالحليب، و ذهب إلى موقف الباص، و كما قلت سابقاً فهو ضخم الجثة، قام بوضع زجاجتي الحليب عند رأس سائق الباص مهدداً إياه و آمراً الركاب بالنزول لأنه قرر اختطاف الباص، فنزل الركاب، و أذكر أنه لم يتحرك بالباص و إنما بعد ترك الناس نزل منه، و عاد لمكان السكن حيث بدأ بأخذ زجاجات الحليب من أمام المنازل و قذفها على الشبابيك الزجاجية الخارجية، و هي عادة كبيرة المساحة، فكسر زجاج سبعة منازل مما استدعى أن يقوم الناس بطلب الشرطة التي أتت، فقام بضربهم فطلبوا سيارة أخرى، و قبضوا عليه، و أخذوه إلى السجن، و قبل الثامنة صباحاً كنا نحن في قسم الشرطة حتى نخرجه من السجن و نحوله إلى المستشفى، و أخذ ذلك منا حتى المساء، حيث طلبنا من المستشفى أوراق رسمية و تدخلت الكليَّة، و مسئول شئون الطلبة الذي هو عادة قسيس و له شأنه، و أذكر أنني عندما رأيته في السجن كان يُصلي طول النهار، و رفض أن يتعرف على أيٍ منا، و الغريب مع أنه كان مدمن تدخين إلاّ أنه كان يتوقف بسرعة البرق فور إصابته بالمرض، و منذ ذلك الوقت و هو مريض، و لكن يستطيع الشخص أن يتكلم معه بعقلانية إلاّ أن تأثير المهدئات و اضح عليه، و بعدها بأشهر و صلت و الدته من لبنان و تم ترتيب سفرهم إلى مصر.

    أي شخص يقرأ الكلام أعلاه يعتقد أن دخوله الدين قد يكون هو السبب وراء ذلك و لكن الحقيقة هي:

    في صيف عام 81، و كان حينها يدرس في بريطانيا، ذهب إلى لبنان لزيارة أهله، و كان جيرانهم من اللبنانيين الشيعة، و بغض النظر عن المذهب، الذي علمته (و الله أعلم) أنه في ذلك الوقت كان هناك خلاف ما بين التنظيمات الشيعية و الفلسطينية، و كان عنده من بين إخوانه اثنين (17 و 18 سنة) لهم جيران أصدقاء شيعة منظمين و عليه مُسلحين.

    و عندما ذهب هو إلى المنزل للإستحمام، كان أخويه يلعبون مع جيرانهم، و رغم أني لا أذكر ما قيل لي من تفاصيل، إلاّ أن ما حدث بعد ذلك أن الناس أتوا ركضاً إلى المنزل يقولون لهم أن ولديهم يتعاركون مع الجيران، فخرج مذعوراً من الحمام، و عندما وصل إلى أخويه و جدهما مضروبين بالنار، و كان واحد مات فوراً و الثاني جلس بالمستشفى 21 يوم ثم توفيَ.

    هذا ما أذكره من القصة.

    و الله أعلم
     

مشاركة هذه الصفحة