الإيمان هو الأساس الحلقة (20)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 521   الردود : 0    ‏2002-05-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-17
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    دروس في الإيمان (20)

    حكم الاجتهاد في الأصول

    اجتهاد المجتهد مغفور له في الأصول وفي الفروع

    التنبيه الثاني:
    أن العالم إذا اجتهد وبذل وسعه في مسألة-إيمانية أو عملية-من مسائل الإسلام وأخطأ في اجتهاده، فإن خطأه مغفور معفو عنه، ولا يحكم عليه بالكفر، وإن حكم على من أتاها عالما معاندا أنه كافر، وهذا بخلاف ما اشتهر لدى كثير من العلماء من أنه لا يعذر المجتهد إلا في مسائل الفروع دون الأصول، ولهذا تجد أمثال هؤلاء يكفرون ويبدعون ويفسقون علماء بأعيانهم وقعوا في هذا الباب.

    وقد أبان ابن تيمية هذه المسألة أيضا، وأبدى فيها وأعاد ليسكت ألسنة حدادا سلقت من هم عند الله معذورون، وبرحمته مغمورون، وبين أن التفريق بين الفروع والأصول في نيل المجتهد عفو الله وتجاوزه، من البدع التي لم تكن معروفة لدى أهل القرون المفضلة من الصحابة والتابعين، وأنها إنما هي من أقوال بعض أهل الكلام، فقال رحمه الله:

    (... هل يمكن كل أحد أن يعرف باجتهاده الحق في كل مسألة فيها نزاع؟ وإذا لم يمكنه فاجتهد واستفرغ وسعه فلم يصل إلى الحق، بل قال: ما اعتقد أنه هو الحق في نفس الأمر، ولم يكن هو الحق في نفس الأمر، هل يستحق أن يعاقب أم لا؟ هذا أصل هذه المسألة….. -

    وذكر مذاهب العلماء إلى أن قال-:
    وأما غير هؤلاء فيقول: (هذا قول السلف وأئمة الفتوى، كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي، وغيرهم لا يؤثمون مجتهدا مخطئا في المسائل الأصولية ولا في الفروعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، ولهذا كان أبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادة أهل الأهواء-إلا الخطابية-ويصححون الصلاة خلفهم.

    والكافر لا تقبل شهادته على المسلمين ولا يصلى خلفه.

    وقالوا:
    هذا هو القول المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الدين: أنهم لا يكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدا من المجتهدين المخطئين، لا في مسألة عملية ولا علمية. قالوا: والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره....) [مجموع الفتاوى: (19/203-227)]

    وقال-أيضا-:
    (وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله، هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ؟ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره، قيل: يثبت، وقيل: لا يثبت، وقيل يثبت المبتدأ دون الناسخ.

    والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ).

    فالمتأول والجاهل المعذور، ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرا) .[ مجموع الفتاوى: (3/288)]

    وقال:
    (والخطأ المغفور في الاجتهاد، هو في نوعي المسائل الخبرية والعلمية [لعله: العملية، لأن الخبرية هي العلمية] كما قد بسط في غير موضع، كمن اعتقد ثبوت شيء لدلالة آية أو حديث، وكان لذلك ما يعارضه ويبين المراد ولم يعرفه.

    مثل من اعتقد أن الذبيح إسحاق لحديث اعتقد ثبوته، أو اعتقد أن الله لا يرى، لقوله: {لا تدركه الأبصار }، ولقوله: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب }. كما احتجت عائشة بهاتين الآيتين على انتفاء الرؤية في حق النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يدلان بطريق العموم.

    وكما نقل عن بعض التابعين أن الله لا يرى، وفسروا قوله:{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } بأنها تنظر ثواب ربها، كما نقل عن مجاهد وأبي صالح.

    أو من اعتقد أن الميت لا يعذب ببكاء الحي، لاعتقاده أن قوله: {ولا تزر وازرة وزر أخرى } يدل على ذلك وأن ذلك يقدم على رواية الراوي، لأن السمع يغلط، كما اعتقد ذلك طائفة من السلف.

    أو اعتقد أن الميت لا يسمع خطاب الحي، لاعتقاده أن قوله {إنك لا تسمع الموتى } يدل على ذلك.

    أو اعتقد أن الله لا يعجب، كما اعتقد ذلك شريح لاعتقاده أن العجب إنما يكون من جهل السبب والله منزه عن الجهل.

    أو اعتقد أن عليا أفضل الصحابة، لاعتقاده صحة حديث الطير، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي من هذا الطائر ).

    أو اعتقد أن من جس للعدو وعلمهم بغزو النبي صلى الله عليه وسلم فهو منافق، كما اعتقد ذلك عمر في حاطب، وقال: دعني أضرب عنق هذا المنافق.

    أو اعتقد أن من غضب لبعض المنافقين غضبة فهو منافق، كما اعتقد ذلك أسيد بن حضير في سعد بن عبادة، وقال: إنك منافق تجادل عن المنافقين.

    أو اعتقد أن بعض الكلمات أو الآيات أنها ليست من القرآن، لأن ذلك لم يثبت عنده بالنقل الثابت، كما نقل عن غير واحد من السلف أنهم أنكروا ألفاظا من القرآن، كإنكار بعضهم: {وقضى ربك }، وقال: إنما هي: ووصى ربك، وإنكار بعضهم قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين } وقال: إنما هو ميثاق بني إسرائيل، وكذلك هي في قراءة عبد الله، وإنكار بعضهم: قوله:{أولم ييئس الذين آمنوا }، إنما هي: أولم يتبين الذين آمنوا، وكما أنكر عمر على هشام بن الحكم لما رآه يقرأ سورة الفرقان على غير ما قرأها، وكما أنكر طائفة من السلف على بعض القراء بحروف لم يعرفوها، حتى جمعهم عثمان على مصحف الإمام.

    وكما أنكر طائفة من السلف والخلف أن الله يريد المعاصي، لاعتقادهم أن معناه: أن الله يحب ذلك ويرضاه ويأمر به، وأنكر طائفة من السلف أن الله يريد المعاصي، لكونهم ظنوا أن الإرادة لا تكون إلا بمعنى المشيئة لخلقها، وقد علموا أن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والقرآن قد جاء بلفظ الإرادة بهذا المعنى وبهذا المعنى، ولكن كل طائفة عرفت أحد المعنيين وأنكرت الآخر.

    وكالذي قال لأهله: إذا أنا مت فأحرقوني ثم ذر وني في اليم، فوا لله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين.

    وكما قد ذكره طائفة من السلف في قوله: {يظن أن لن يقدر عليه أحد } وفي قوله: {هل يستطيع ربك أ، ينزل علينا مائدة من السماء }، وكالصحابة الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فلم يكونوا يعلمون أنهم يرونه، وكثير من الناس لا يعلم ذلك، إما أنه لم تبلغه الأحاديث، وإما لأنه ظن أنه كذب وغلط.) [مجموع الفتاوى: (20/33-36)]

    وقال أيضا:
    (وأصل هذا ما قد ذكرته في غير موضع: أن المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية، وإن سميت تلك (بمسائل أصول) وهذه (مسائل فروع) فإن هذه تسمية محدثة، قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهو على المتكلمين والأصوليين أغلب، لاسيما إذا تكلموا في مسائل التصويب والتخطئة.
    وأما جمهور الفقهاء المحققين والصوفية، فعندهم أن الأعمال أهم وآكد من مسائل الأقوال المتنازع فيها، فإن الفقهاء كلامهم إنما هو فيها، وكثيرا ما يكرهون الكلام في مسائل ليس فيها عمل، كما يقوله مالك وغيره من أهل المدينة....


    بل الحق أن الجليل من كل واحد من الصنفين:(مسائل أصول) والدقيق:(مسائل فروع).

    فالعلم بوجوب الواجبات، كمباني الإسلام الخمس، وتحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالعلم بأن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وأنه سميع بصير، وأن القرآن كلام الله، ونحو ذلك من القضايا الظاهرة المتواترة، ولهذا كان من جحد تلك الأحكام العملية المجمع عليها كفر، كما أن من جحد هذه كفر.

    وقد يكون الإقرار بالأحكام العملية أوجب من الإقرار بالقضايا القولية، بل هذا هو الغالب، فإن القضايا القولية يكفي فيها الإقرار بالجُمَل، وهو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.

    وأما الأعمال الواجبة، فلا بد من معرفتها على التفصيل، لأن العمل بها لا يمكن إلا بعد معرفتها مفصلة...

    وقولنا:
    إنها قد تكون بمنزلتها [يعني المسائل الخبرية قد تكون بمنزلة المسائل العملية] يتضمن أشياء: منها: أنها تنقسم إلى قطعي وظني. [فليس كل مسألة من مسائل العقيدة تكون قطعية]

    ومنها: أن المصيب-وإن كان واحدا-فالمخطئ قد يكون معفوا عنه، وقد يكون مذنبا، وقد يكون فاسقا وقد يكون كالمخطئ في الأحكام العملية سواء.....

    وإذا كانت قد تكون قطعية، وقد تكون اجتهادية سوغ اجتهاديتها ما سوغ في المسائل العملية، وكثير من تفسير القرآن أو أكثره من هذا الباب، فإن الاختلاف في كثير من التفسير هو من باب المسائل العلمية الخبرية، لا من باب العملية، لكن قد تقع الأهواء في المسائل الكبار كما قد تقع في مسائل العمل..) [مجموع الفتاوى:(6/56-61)]

    وبين رحمه الله أن الصحابة تنازعوا في مسائل علمية اعتقادية، كتنازعهم في مسائل عملية، وأن كل فريق منهم أقر الفريق الآخر على اجتهاده، مع بقاء الألفة والمودة بينهم، فقال:

    (وقد اتفق الصحابة-في مسائل تنازعوا فيها-على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة وغير ذلك....

    وتنازعوا في مسائل علمية اعتقادية، كسماع الميت صوت الحي، وتعذيب الميت ببكاء أهله، ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم ربه قبل الموت، مع بقاء الجماعة والألفة.

    وهذه المسائل منها ما أحد القولين خطأ قطعا، ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف، والآخر مؤد لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه ...

    ومذهب أهل السنة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد، وإن أخطأ .....) [مجموع الفتاوى: (19/122)]

    ومن لم يسعه ما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأئمة الإسلام، ومذهب أهل السنة فلتضق عليه الأرض بما رحبت.‍‍‍‍
     

مشاركة هذه الصفحة