بكاؤها كبكاء أمي _ محمد الظاهري

الكاتب : جبل الحديد   المشاهدات : 497   الردود : 1    ‏2006-04-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-15
  1. جبل الحديد

    جبل الحديد عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-12-21
    المشاركات:
    668
    الإعجاب :
    0
    بكاؤها كبكاء أمي
    15/04/2006
    محمد الظاهري- نيوزيمن:

    امرأة تبكي، وجوزة بصل في كيس بلاستيكي صغير مع حبتي طماطم، وحزمة "كراث"، وفي الكيس الآخر رغيفي خبز ضئيلين.
    امرأة تبكي ومشروع غداء فقير، حكاية لا يجب أن يقرأها من يحبون الوطن، ولا من يكرهون الوطن، ولا من يمكنهم الموت حزنا.
    هي فقط لكل اللصوص الكبار، وقساة القلوب، والكاذبين. كي يتسلوا، وكي يتأكدوا أن جهودهم تبلي حزنا.
    هي حكاية من وادي الفجيعة الذي يصنعونه كل يوم ليظلوا على قيد الثراء.
    امرأة ومشروع غداء فقير تهاووا معا خلف "كنتاكي"، هناك.. في العاصمة، فوق كوم تراب، على بقيا رصيف لم ينفذ رغم أنا دفعنا الثمن من أجل منجز.
    وقبل أن يخطب ذاك الذي صار يهذي كل يوم، صباح مساء. أنا لا أختلق، وهي لم تكن تدعي، حاولت حمل مشروع غداء الصغار وترحل، فاقعدها حزنها المثقل بالخوف.
    أسدلت على وجهها غطاء يخفي العيون، فبللت دموعها اللثام، والغطاء الأخير.
    ويلها.. كيف تجرؤ؟.. فوق الرصيف؟، وأمام كل العيون؟، تنسف المنجزات؟، وتنكر فضل أنهم يحكمونا؟.
    لم تكن تدعي، رجفت البكاء تهزها. عجزت عن مواساتها أخرى كانت تمر، ثم أخرى أصبحت صنما جديدا للعجز، ثم أنا.
    توقفت لأنها بالقرب من مركز طبي منحني بالأمس ثلاثة تقارير تقسم أن زوجي ومشروع طفلي الأول في أحشائها.. بخير.
    وقبل أن يجف حبر التقرير الأخير ماتا معا، قبل حتى مغادرة المكان، ودون مبرر. الموت هنا لا يحتاج مبرر. ولا يدين طبيبا مُزَوَرْ.
    وإذا سألت عن السبب تصبح كافرا.. وتُسأل، ألست مؤمن؟، وكأن على المسلمين أن يموتوا دائما.. دون مبرر.
    لم تمت زوجتي مرتين، ولم تكن أبنت المرأة التي تبكي هي القتيلة، رغم أنها كانت في نفس المكان الذي روعني ذات يوم. كان حزنها غير حزني. أليست أسباب بكائنا كثيرة؟.
    توقف المشاة، تساءلوا: مالها تبكي؟، ثم تحولوا أصنام عجز جديدة، وانسحاب مطأطئ، ومشاريع بكاء، ودعاء **** وطني، وكل أكاذيب السياسة.
    سألتها: مالك تبكين يا أمي؟، فدفعت بكفها فضولي، وأجهشت. اختنقت بحزنها، احتد بكاؤها المكتوم يمزقه أنين القهر في صدرها.
    ملت عليها أكثر، أسألها ملحا وقد أصبح الأسى وطنا، وليتني ما فعلت، ليتني ما توقفت مثل البقية، لكن ذاكرة مكانها أوقفتني، وبكاؤها كبكاء أمي.
    ذات يوم كانت أمي حاملا، تشتهي أكل بذور البصل، فاحتد أبي، ومنعها خوفا على بذور الموسم الآتي. فبكت كما بكت هذه التي خلف كنتاكي.
    لم أرى أمي تبكي كما حدث يومها، ولم أرى عيني أبي الوحشيتين حزينتين كيومها.
    بكت أمي قهرا وحزنا من والدي الذي طالما دللها بالأمس، ويذل كرامتها اليوم من أجل جذور بصل.
    وأبي حزين لأنه صار فلاحا فقيرا، يطمع أن يجني من حقل البصل ثمن الدقيق، وحزين لأن الرجولة، والعروبة، والإباء تحرم الاعتذار للنساء!!، لكنها لا تمنع أن يلقي إليها حفنة مما تشتهيه متصنعا عدم الاكتراث.
    في الموسم التالي لم يزرع أبي تلك البذور، لأن كبرياء أبنائه الخائف من جوعهم يرفض أن يبيعوا البصل. ويقبل أن يبيعوا البيض والأيسكريم، ويصبحوا مقاوتة وعمالا.
    أسباب بكائنا كثير، وكذلك أسباب كبريائنا الأحمق.
    صوت أمي الذي يسكنني شوقا إليها، ألح في سؤال المرأة التي تبكي على الرصيف، خلف "كنتاكي": لماذا تبكين يا أمي؟.
    جاهدت لتجيب، جاء صوتها متحشرجا يزاحمه البكاء، تقطعت عباراتها، تشظت كلماتها في وجهي.
    المؤجر يريد طردها وأبناءها لأنهم لم يدفعوا أجرة الجحر الذي يسكنون.
    زوجها في عدن، ذهب خلف لقمة العيش، ويبدوا أنه لم يجدها. أصبح الوطن كبيرا، لقد تضاعف، لكن.. اللصوص أيضا تضاعفوا.
    ليتني لم ألح في السؤال، ها أنا ذا صنم جديد للعجز، وسفر دعاء **** كل شيء، ففي وطن لا تحصل فيه على شمعة تضيئها، يمكنك أن تلعن الظلام.
    وطن أسماءه تكفي أقطار العالمين. أصبحت مجرد أسماء.. لا تلغي أن ثمانية ألاف وخمس مائة ريال هي حلم مستحيل يدمي مآقينا على رصيف.
    وطن لوثت طهره صنائع السياسيين. وتحت وطأت فقره عجزت نخوة الناس، وانشغلت كل فجيعة بنفسها، وماتت ضمائر من يقدرون على المساعدت تحت ركام المال الحرام.
    هاهم يمرون دون اكتراث، يضغطون على أبواق سياراتهم الفارهة مطولا لأن حفنة من أصنام العجز يعيقون الطريق إلى مشروع جديد يُقبَضُ ثمنه ولا ينفذ.
    addahri@hotmail.com
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-04-15
  3. دقم شيبه

    دقم شيبه قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-03-10
    المشاركات:
    7,277
    الإعجاب :
    0
    تحياتي لكاتب المقال ولمن نقل المقال

    قصة من الواقع ولو لم تكن واقع فهي من وحي الواقع
     

مشاركة هذه الصفحة