* رئيس سابق لجهاز الموساد الإسرائيلي يكتب عن ا لعلاقة اليمنية بالجهاد العالمي

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 601   الردود : 5    ‏2006-04-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-12
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    الحرب على الإرهاب تعتمد على درجة تعاون البلدان الإسلامية وجديتها في مكافحته
    نظرة حديثة للعلاقة اليمنية بالجهاد العالمي
    12/04/2006
    أصيف مالك - ترجمة صحيفة الوسط:

    يخضع في الوقت الراهن للمحاكمة العشرات من أعضاء القاعدة وذلك للاشتباه بتخطيطهم للقيام بهجمات إرهابية ضد مسئولين يمنيين وأهداف غربية في الداخل والخارج. ولسوء الحظ فإن هروب 23 من أعضاء تنظيم القاعدة من أكثر السجون تحصنا في مطلع شهر فبراير يلقي ظلالا على أهم فصول الحرب على الإرهاب.

    الحرب الأهلية الأفغانية:
    لعبت اليمن الشمالية برئاسة الرئيس على عبد الله صالح دور المصدر الرئيسي للمتطوعين في الجهاد الأفغاني خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي. وبالمقابل كان الجنوب اليمني بقيادة الحزب الاشتراكي اليمني يقف مع نظام الحكم الشيوعي المفترض في أفغانستان ووجه كل طاقاته لمنع المتطوعين من التوجه إلى أفغانستان.
    وتقدر مجلة جانز انتلجينس رفيو الدورية (Jane's Intelligence Review) التي تصدر في بريطانيا بأن عدد المتطوعين اليمنيين المشاركين في الحرب الأفغانية يصل إلى 3000 متطوع بعضهم شاركوا في ساحات القتال وساهم البعض الآخر منهم في تقديم الدعم من بلادهم.
    اليمن الشمالية آنذاك والتي أصبحت الجمهورية اليمنية الموحدة (في مطلع العام 1990) على العكس مما كانت عليه الجمهورية العربية المصرية، فتحت ذراعيها مرحبة بأبنائها العائدين من أفغانستان والراغبين في العودة إلى وطنهم بعد انتهاء الحرب و انهيار النظام الشيوعي الحاكم في كابول في العام 1992م.
    ووجد العائدون في حزب الإصلاح الذي تعود جذوره إلى التحالف القبلي لقبائل حاشد في اليمن الشمالي ملجأ وملاذاً وهو الحزب الذي يتزعمه الشيخ عبدالمجيد الزنداني وهو نفسه يعتبر أحد الحلفاء الأفغان وصديقاً حميماً لعبدالله عزام وأسامه بن لأدن. ودخل الزنداني في العام 1993م المعترك السياسي في اليمن حيث أصبح بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في نفس العام عضوا في الحكومة اليمنية الموحدة. ولعبت اليمن دورا آخر، حيث شكلت محطة عبور للمجاهدين الأفغان من جنسيات أخرى أهمهم المجاهدون المصريون الذين كانوا يتوقون للعودة إلى بلدانهم بعد الحرب. وكان كبار المسئولين اليمنيين والمصريين على رغم النجاح الذي تحقق في إحضار العشرات من المجاهدين إلى المحكمة فإن نجاحهم لم يتم بمعزل عن المجتمع المحلي و عناصر في الجيش والأجهزة الأمنية



    اطلاع خلال العام 1993م بأن العديد من القادة الأفغان المصريين الذين استوطنوا في اليمن وكانوا متورطين في محاولات اغتيال رئيس الوزراء المصري السيد عاطف عبيد في نوفمبر من العام 1993م والرئيس حسني مبارك أثناء زيارته في شهر يونيو لدولة إثيوبيا.
    وقبل اندلاع الحرب الأهلية في اليمن الموحد في شهر يونيو من العام 1994م كان المجاهدون الأفغان العائدون في صف الحكومة في صنعاء. وكانت هذه الجماعات تكن الكثير من الكراهية للماركسيين والشيوعيين وقدمت يد العون للإطاحة بالنظام «الملحد»الماركسي والذي كان يدير البلاد في المنطقة الجنوبية من الجمهورية الموحدة.
    وكشف الشيخ طارق الفضلى، رئيس منظمة الجهاد الإسلامي والابن الربيب للزنداني، بأن أسامة بن لادن هو من قام بدعم عمليات الاغتيالات ضد كبار الماركسيين اليمنيين في أوائل الثمانينيات وكان هو من شارك في طرح فكرة الإطاحة بالنظام الحاكم في الجزء الجنوبي من اليمن.
    (.........)
    وقد أقدمت منظمة طارق الفضلي على اغتيال عدد من كبار أعضاء الحزب الاشتراكي اليمني بعد قيام الوحدة في اليمن وكان متورطا بالقيام بهجمات ديسمبر 1992م الإرهابية على اثنين من الفنادق في مدينة عدن والتي كان ينزل فيها جنود أمريكيون آنذاك. شارك الفضلي في السياسة اليمنية وذلك بعد انضمامه إلى الحزب الحاكم برئاسة علي عبد الله صالح. وفي السنوات الأخيرة كان الهدوء قد عاد للمجتمع اليمني وكان على ما يبدو أن عامل المتطرفين الإسلاميين قد توقف عن تمثيل تهديد حقيقي للنظام القائم. ومع ذلك رفضت الحكومة اليمنية تنفيذ مطلبين من المطالب الأولية للمجاهدين الأفغان والتي انحصرت بطلب السماح لهم بالانضمام إلى قوائم الجيش اليمني وأن يمنحوا الحرية بالقيام بأعمالهم في الجزء الجنوبي من اليمن.
    ونتيجة لرفض الحكومة التجاوب مع تلك المطالب أدى ذلك إلى اندلاع معارك طاحنة بين المجاهدين الأفغان والقوات الحكومية في مدينة عدن الساحلية. وتم قمع المليشيات المتطرفة التي واجهت إما السجن أو الطرد إلى خارج اليمن. وفي السنتين اللتين لحقتا ذلك النجاح في تجنب قوات الأمن تأسس جيش عدن أبين الإسلامي بقيادة زين العابدين المحضار، وهو مجاهد أفغاني آخر. وأعلنت هذه المنظمة نفسها الوريث لحركة الجهاد الإسلامي اليمني والحليف الأهم لأسامة بن لادن. وقام أعضاؤها بتأسيس معسكرات تدريبية في منطقة أبين في جنوب اليمن ودعوا إلى إيجاد نظام الخلافة الإسلامي في اليمن وإلى إنهاء التواجد الأمريكي البريطاني من شبه الجزيرة العربية ككل ومن اليمن بشكل خاص. وحرض جيش عدن أبين على اختطاف الأجانب والقيام بهجمات إرهابية ضدهم في اليمن.. كل ذلك بهدف الضغط على الحكومة لإطلاق سراح أعضاء المنظمة من السجن وإنهاك القطاع السياحي الداعم للاقتصاد اليمني و طرد الأجانب من البلاد.حينما رفضت السلطات اليمنية ضم المجاهدين إلى قوائم الجيش أسسوا منظمات راديكالية بدأت بتقويض النظام




    وكان جيش عدن أبين الإسلامي قد أقدم على تنفيذ هجمات وتفجيرات انتحارية بالتعاون مع تنظيم القاعدة على المدمرة يو إس إس كول (USS COLE) في شهر أكتوبر من العام 2000م في ميناء عدن، وهو الهجوم الذي أسفر عنه مصرع 17 بحارا من سلاح البحرية الأمريكية بالإضافة إلى اثنين من مرتكبي الهجوم الانتحاري وكلاهما كانا من المجاهدين العائدين من أفغانستان. وكان جيش عدن أبين يتلقى دعماً ماليا من الزعيم الإسلامي البريطاني أبو حمزة المصري ومن أسامة بن لادن، الذي كان قد أعلن في تصريح له بتاريخ 23 أغسطس من العام 1996م الحرب على وأن تواجد المجاهدين في الجزء الجنوبي من اليمن يمثل تهديدا استراتجيا «للتحالف الإسرائيلي الصليبي» في المنطقة.

    دور المتطوعين اليمنيين في التمرد في العراق
    كان خلدون الحكيمي البالغ من العمر 29 عاما و من سكان مدينة عدن واحداً من المشتبه بهم في التورط بالقيام بهجمات إرهابية على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول (USS COLE) في أكتوبر من العام 2000م. وفي 11 أبريل من العام 2003م تمكن من الفرار من سجن الأمن السياسي في مدينته وتم القبض عليه وسجنه لمدة ثمانية أشهر وتم الإفراج عنه بعد ذلك وفي التاسع عشر من يوليو 2005م قام بالترتيب لهجمات انتحارية ضد قوات التحالف في العراق وكان قد سبقه بيوم واحد صالح مناع وهو شخص آخر من سكان عدن ويبلغ من العمر 28 عاما حيث قام بهجمات انتحارية مماثلة في العراق. وفي 1 نوفمبر 2005م ألقت قوات التحالف القبض على يمنيين كانوا يقومون بجولات استطلاعية لصالح تنظيم القاعدة جنوب مدينة بغداد. وأكد مسئولون في الاستخبارات الأمريكية بأن المتطوعين الإسلاميين اليمنيين ينتمون إلى حركات تمرد عراقية منظمة تواجه القوات الأمريكية في العراق، بالإضافة إلى متطوعين من المملكة العربية السعودية والأردن وسورية ولبنان وبلدان أخرى من العالم (بما فيهم المجاهدون الأفغان). وكان هؤلاء المتطوعون يتوافدون إلى العراق قبل وبعد غزوه بقيادة القوات الأمريكية و كانوا يتلقون تدريباتهم في معسكرات في العراق والتي كان البعض منها يقع بالقرب من مدينة بغداد. وأوضحت دراسة حديثة أجراها أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الإستراتيجية و الدولية أن نسبة المجاهدين الأجانب في العراق والذين يحملون الجنسية اليمنية تصل إلى 17%. وهذه النسبة لا يدخل ضمنها مقاتلون من جنسيات أخرى تلقوا تدريباتهم في اليمن. ووفقا لصحيفة (الثوري) فإن عدد التفجيرات الانتحارية التي قام بها متطوعون يمنيون في العراق تصل إلى عشرين هجوما انتحاريا.
    لعب رجال الدين دورا حاسما في تأهيل المتطوعين الإسلاميين للجهاد من أفغانسان وحتى العراق، وعلى رأسهم عبدالمجيد الزنداني، رئيس اتحاد قبائل حاشد اليمنية في الشمال ورئيس مجلس شورى حزب الإصلاح اليمني وعضو حركة الإخوان المسلمين ومؤسس جامعة الإيمان الدينية الصديق الوثيق لعبد الله عزام وأسامه بن لادن



    وعلى نفس الصعيد الذي كانت عليه الحال في الحالة الأفغانية بدا الأمر كذلك في العراق حيث لعب رجال الدين دورا حاسما في تأهيل المتطوعين الإسلاميين للجهاد. وكان من أبرز الشخصيات اليمنية التي سهلت وصول المتطوعين الإسلاميين من مختلف الجنسيات بشكل عام ومن جنسيات يمنية بشكل خاص إلى العراق الشيخ عبدالمجيد الزنداني، رئيس اتحاد قبائل حاشد اليمنية في الشمال ورئيس مجلس شورى حزب الإصلاح اليمني وعضو حركة الإخوان المسلمين ومؤسس جامعة الإيمان الدينية في صنعاء. ولقد تمت الإشارة في السابق إلى علاقة الصداقة الوثيقة بين عبد الله عزام وأسامه بن لادن مع عبد المجيد الزنداني الذي كان معروفا بدوره كأبرز المؤهلين للمتطوعين والممولين للجهاد الأفغاني وهو من يطالب بالقبض عليه ومصادرة أملاكه كل من الولايات المتحدة ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة و هو الأمر الذي لم يحدث حتى الآن.

    قاعدة ملائمة لعمليات تنظيم القاعدة والمحاربين العراقيين
    رأى أسامة بن لادن أن اليمن و تحديدا الجزء الجنوبي منه ذا أهمية إستراتيجية للحرب ضد التحالف الصهيوني الصليبي، فلقد بدا واضحا في الوقت الراهن من خلال 2006م سلسلة الاتهامات المسلمة إلى المحكمة اليمنية والتي تنظر في قضية أعضاء من تنظيم القاعدة، وأوضحت تفاصيل تلك الاتهامات إلى مجموعة من الهجمات الإرهابية التي قام بها المتهمون في داخل وخارج اليمن في غضون السنوات القليلة الماضية وكذلك الهجمات الأخرى التي كان مخططا لها.
    وفي الثامن من أغسطس من عام 2005م و قبل ستة أشهر من بدء سلسلة المحاكمات الحديثة، أصدرت المحكمة حكما بالسجن لفترات متفاوتة تتراوح ما بين سنتين إلى أربع على ستة من أعضاء القاعدة التابعين لكتائب التوحيد و كان قد وجه الاتهام بحق الستة و ذلك بالتدبير للقيام بهجمات على السفارة الإيطالية والبريطانية وعلى المركز الثقافي الفرنسي في صنعاء. وكانت قد حكمت المحكمة ببراءة متهمين يمنيين لعدم توافر الأدلة. ووفقا لقرار الاتهام فلقد قامت المجموعة بالترتيب لهجمات ضد قواعد عسكرية في المملكة العربية السعودية وكذلك ضد مواطنين أمريكيين و شركات غربية، مطاعم و مدارس في البحرين و الكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة.هرب 23 من السجن يزيد من الشكوك تجاه قدرة وجدية النظام الحاكم في اليمن على مكافحة الإرهاب



    وفي 14 فبراير من عام 2006م شرعت المحكمة في محاكمة غالب الزايدي البالغ من العمر 28 عاما ومحمد حمدي الأهدل (ابو عاصم المكي) 35 عاما وهو يمني من أصل سعودي وعمل كمسئول مالي لتنظيم القاعدة في اليمن وكان أحد المدبرين للهجمات على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول، وأظهر قرار الاتهام ضد المتهمين الاثنين الاعتقاد بأن الأهدل هو الرجل الثاني في تنظيم القاعدة في اليمن بعد أبو علي قايد سنان الحارثي وكان قد تسلم مبلغ 44000$ و1061500ريال سعودي من كمال أبو حجازي المسئول المالي السابق لتنظيم القاعدة في اليمن و الذي يعتبر أحد الأعضاء البارزين في المنظمة. بالإضافة إلى ذلك كان أبو على الحارثي قد قام بتحويل 50000 ريال سعودي للأهدل والذي كان قد قام باستلامه من أسامه بن لادن لغرض الحصول على أسلحة ومواد متفجرة و ذلك للقيام بهجمات إرهابية في اليمن.
    وكان الأهدل الذي اعترف بتسلمه مبالغ كبيرة من "جهات خارجية" قد أنكر أن الهدف من وراء تلك المبالغ هو القيام بعمليات إرهابية. وزعم بأنه يقوم بتحويل مبالغ كل ثلاثة أشهر لعائلات يمنية كتلك التي يقبع أبناؤها في سجون الأمن السياسي اليمني أو سجن معسكر جوانتنامو وإلى تلك العائلات التي قتل أبناؤها أثناء الحرب الأهلية اليمنية في عام 1994م أو في الحروب الأفغانية وفي الشيشان والبوسنا والهرسك. واحتوى قرار الاتهام على تهم للاهدل بترتيب أموال لنشاطات إرهابية في اليمن وبترتيب مبالغ أخرى. بدعوى المساعدات الممنوحة للجمعيات الخيرية التي كان يرأسها. ويواجه الأهدل محاكمة بمقتل 19 عنصراً من عناصر الجيش وموظفين من الأمن وجرح 29 آخرين. بالإضافة إلى تحطيم الممتلكات وكل ذلك ظهر أثناء هروبه الدائم بين عامي 2000م و2003م.ساهم 3000 يمني في الحرب الأفغانية، وشكلت اليمن محطة عبور للمجاهدين الأفغان من جنسيات أخرى




    وفي 14 فبراير بدأت محاكمة أخرى في صنعاء و كانت هذه المرة مع ثلاثة يمنيين قامت باستلامهم اليمن من الولايات المتحدة بعد أن تم حبسهم في سجن معسكر غونتنامو لأكثر من ثلاث سنوات و نصف. واتهم الثلاثة بمساعدة أعضاء من تنظيم القاعدة بتوفير جوازات سفر وبطاقات هوية مزورة وتم الإفراج عنهم بعد أن رأى القاضي أنهم قد قضوا فترة كافية في السجون الأمريكية.
    وفي 22 فبراير أيضا في صنعاء تمت محاكمة 17 فردا (12 منهم يمنيون وخمسة سعوديون) وذلك بالتهم الموجهة إليهم بأنهم مرسلون من قبل أبو مصعب الزرقاوي للقيام بهجمات على أهداف وضد شخصيات يمنية وأمريكية في اليمن بين عامي 2004م-2005م. وتزعمت الجماعة من بين الأعمال التي نوت القيام بها التخطيط لاغتيال السفير الأمريكي في صنعاء السيد توماس كرجسكي ولاغتيال الرئيس اليمني على عبد الله صالح ولتفجير فندق في ميناء عدن (والمرجح أن يكون فندق شرتون). و تضمن قرار الاتهام بأنه تم القبض على المتهمين وبحوزتهم كمية كبيرة من الأسلحة من ضمنها بندقية كلاشينكوف وقاذفة صواريخ آر بي جي وقذائف مضادة للدبابات وأيضا مواد متفجرة ومعدات الكترونية لتفجير متفجرات وكذلك جهاز كمبيوتر وثلاثة كمبيوترات محمولة ومبالغ مالية كبيرة ووثائق مزورة لغرض استخدامها أثناء مكوثهم في اليمن والقيام بالهجمات. خلدون الحكيمي برئ من مشاركته ضد كول، ثم اكتشف ترتيبه لهجمات انتحارية ضد قوات التحالف في العراق




    وأفاد اثنان من المتهمين بأن الأسلحة والمعدات التي تم العثور عليها في شقتهم كانت تستخدم لتدريب المقاتلين الشبان قبل الالتحاق بالعمليات الجهادية في أفغانستان والعراق. وكشف قرار الاتهام اعترافات بعض المتهمين الذين نجحوا في التسلل إلى العراق والمشاركة في الهجمات على أهداف أمريكية ولكنهم أنكروا تورطهم بأي علاقة مع أي مجموعات تنظيمية مسلحة داخل اليمن. وزيادة على ذلك اتهم العديد من أعضاء الجماعة بالتقائهم في العراق حيث قاموا باستلام جوازات وبطاقات شخصية مزورة لينتقلوا بعد ذلك إلى سوريا التي مثلت محطة عبور في طريق عودتهم إلى اليمن. وصرح المتهمون بأنهم قاموا باستخدام وثائق إثبات شخصية مزورة و ذلك لخوفهم من أن يتم احتجازهم بعد عودتهم من العراق. وأفاد زعيم الجماعة علي عبد الله الحارثي (أبو على) أثناء إدلائه بأقواله أنه عاد من العراق مصطحبا معه معدات الكترونية ضبطت بحوزته والتي يدعي أنه أصطحبها إثر تصريحات مرشح الرئاسة الأمريكية جون كيري الذي أعلن بأنه سوف يقوم بمهاجمة المملكة العربية السعودية واليمن فور انتهاء الحرب في العراق. و لكن فشل كيري في الانتخابات الرئاسية دفعه إلى تسليم تلك المعدات إلى رئيس جهاز الأمن السياسي، غالب القمش. وفي المقابل لم يتأثر الحارثي (الملقب بأبو على الصغير) بنتائج الانتخابات الأمريكية. ووفقا لقرار الاتهام فإنه كان عازما على الانتقام لمقتل أبو على قايد الحارثي زعيم تنظيم القاعدة في اليمن
    واحد المدبرين للهجمات الانتحارية على المدمرة الأمريكية يو إس إس كول والذي لقي حتفه بهجوم بقذيفة أمريكية في صحراء مأرب في 3 نوفمبر من العام 2002م.
    وفي نفس الأثناء و في تاريخ 27 فبراير تم إعدام عبد الرزاق كامل وهو طالب من جامعة الإيمان للدراسات الدينية والذي قام في ديسمبر من العام 2002م بقتل ثلاثة أطباء أمريكيين من بين 144 حساباً بنكياً في اليمن مملوكة لتنظيم القاعدة وحركة طالبان تم تجميد حساب واحد منها فقط



    تبشيريين في قرية جبلة الواقعة جنوب اليمن. ورغم أن الحكومة اليمنية دحضت أي علاقة مباشرة بين كامل وتنظيم القاعدة إلا أنها أشارت إلى أنه دعا إلى مساندة التنظيم وحث على الجهاد المتطرف. وكان كامل قد خطط مع شريكه على جار الله السعواني الذي أعدم في وقت سابق من هذا العام لقتل شخصيات يمنية كبيرة بالإضافة إلى الأجانب الموجودين على الأراضي اليمنية.
    وكان من الصعب على أعضاء تنظيم القاعدة و المجاهدين العائدين من العراق أن يقوموا بأنشطتهم تلك ودون تلقيهم المساندة والدعم من قبل الكثير من كبار أعضاء المؤسسات الأمنية و العسكرية ولا يقل أهمية عن ذلك الدعم الشعبي على المستوى المحلي. وكتب حديثا المعلق العسكري جيمس دانجان قائلا «بأن هناك العديد من المتعاطفين مع تنظيم القاعدة في الجيش اليمني والحكومة». وصرح مؤخرا أحمد الحسني، السفير السابق في سوريا و القائد السابق لأسطول البحرية اليمنية و الذي طلب اللجوء السياسي في بريطانيا بأن هناك شخصيات من تنظيم القاعدة لديها مناصب رفيعة في الجيش اليمني و قوات الأمن.
    وقال ياسر العواضي، نائب رئيس الكتلة البرلمانية التابعة لحزب المؤتمر الشعبي العام أن اليمنيين متعاطفون إلى حد كبير مع المجاهدين من منطلق التضامن الإسلامي و السبب في ذلك يرجع إلى أن الغرب و الولايات المتحدة على وجه التحديد قطعت الحد الأدنى من وقوفها مع السياسات الغير شعبية في المنطقة. وذكر منها الحرب على العراق، الصراع العربي الإسرائيلي ونشر صور كريكتورية للنبي محمد. و أكد بأنه حتى أولئك الذين لا يتوسلون بالدعاء علنا لانتصار بن لادن على الأمريكان فإنهم يفعلون ذلك في قلوبهم سرا.

    الهروب الكبير
    تمكن ثلاثة وعشرون متهما من أعضاء تنظيم القاعدة من الهروب في تاريخ 3 فبراير 2006م من سجن الأمن السياسي المحاط بإجراءات أمنية مشددة في صنعاء ويشتبه بأنهم تلقوا مساعدة على الهرب من قبل أربعة من حراس السجن و ذلك بعد تمكنهم من حفر ممر تحت الأرض يؤدي إلى اقرب جامع من السجن، حيث كان في انتظارهم سيارات للهروب. وكان ثلاثة عشر عضوا من الفارين قد سجنوا بسبب تورطهم في حادث الهجوم على المدمرة يو إس إس كولفي أكتوبر 2000م و في حادث أكتوبر 2002م ضد ناقلة البترول الفرنسية لمبرج. وكانت هذه المحاولة للهرب هي الثانية لبعض الفارين و حتى الآن لم يعد من الفارين سوى خمسة.
    رغبة النظام الحاكم اليمني تجنب المواجهة المباشرة مع المتظرفين الإسلاميين، يعزز نشاطهم



    ولقد مثلت حادثة الهروب هذه إرباكاً كبيرا للنظام اليمني الحاكم. وعبر المتحدث الرسمي للبيت الأبيض السيد سكوت ماكليلان عن الامتعاض الشديد ووعد بأن الولايات المتحدة وحلفاءها لن توقف تعقب هؤلاء الإرهابيين الخطيرين.
    وأفاد دبلوماسي غربي لم يرد ذكر اسمه بأن هذا الهروب يزيد من الشكوك تجاه قدرة وجدية النظام الحاكم في اليمن على مكافحة الإرهاب الإسلامي. وتأتي إفادة هذا المسئول متوافقة مع إفادات لمسئولين أمنيين أمريكيين وأوربيين وذلك بالرغم من إعلان النظام الحاكم في اليمن نيته مكافحة الإرهاب ورغبته في عدم التصادم مباشرة مع الإسلاميين الراديكاليين. وهذا الموقف يمكن أن يلاحظ في التجاوب اليمني المحدود مع حادثة الهروب والتعاون الغير كافٍ مع الإنتربول في ملاحقة الفارين وكما بدا من قبل من خلال البرامج التي حاول من خلالها مفكرو دين مسلمون التأثير على راديكاليين تم احتجازهم في اليمن ليقلعوا عن ما قاموا به و ليتبنوا أفكاراً معتدلة. و في نفس أطار هذا البرنامج فلقد تم أخلاء سبيل المئات من هولا الراديكاليون حتى أن بعضهم في نهاية المطاف تطوعوا للقتال في العراق.
    وأفاد دبلوماسي آخر أشترط عدم ذكر اسمه و ذلك لحساسية الموضوع بأن نفس أولئك المتطوعين عادوا في الأخير إلى اليمن و أسسوا شبكة لتجنيد الشباب اليمني في العديد من المساجد والجامعات للقيام بمهمة الجهاد الإسلامي في كل أرجاء الأرض.
    وظهرت جليا على السطح نقاط شك أخرى فيما يخص الحلول التي قدمها النظام الحاكم في اليمن في مواجهة الإرهاب وذلك عندما أصبح معروفا بأن من بين 144 حساباً بنكياً في اليمن مملوكة لتنظيم القاعدة وحركة طالبان تم تجميد حساب واحد منها فقط.
    من الصعب على أعضاء تنظيم القاعدة و المجاهدين العائدين من العراق أن يقوموا بأنشطتهم تلك ودون تلقيهم المساندة والدعم من قبل الكثير من كبار أعضاء المؤسسات الأمنية و العسكرية



    ولم يتم الحجز على النشاطات الدعائية والمالية التي يقوم بها عبد المجيد الزنداني و الذي يعتبر وفقا للولايات المتحدة أكبر إرهابي ولم يأت ذلك حتى بعد طلب الولايات المتحدة إلقاء القبض عليه و الحجز على ممتلكاته.
    وأكد في الوقت نفسه السيد رشاد العليمي نائب رئيس الوزراء و وزير الداخلية بأن اليمن لديها 172 متهما منتسبون لتنظيم القاعدة و 34 منهم خططوا للسفر إلى العراق. و لم يشر العليمي ما إذا كان الـ23 هاربا من السجن يعتبرون من ضمن الـ172 أم لا. و حسب قوله فإن اليمن مؤخرا قامت بتسليم 69 إرهابيا مشتبهاً بهم إلى المملكة العربية السعودية البعض منهم خططوا للسفر إلى العراق.

    الخلاصة و الخاتمة:
    ترجع العلاقة اليمنية بالإرهاب الإسلامي في العالم إلى ما يقرب عقدين ويمكن تعقب جذورها في الحرب الأفغانية خلال الثمانينات بين المتمردين الأفغان والنظام الموالي للسوفييت الشيوعية والذي كان يتلقى الدعم والمساندة من قبل قوات الجيش السوفييتي آنذاك. وفي أثناء تلك الحرب أتى الآلاف من المقاتلين المتطوعين من كل أرجاء الأرض و خاصة من الدول العربية (بما فيها اليمن) للقتال إلى جانب إخوانهم المقاتلين الأفغان. وخدمت هذه الحرب هؤلاء المتطوعين كجامعة تعلموا فيها الإسلام الراديكالي وتم أعدادهم عقليا و جسديا للمواجهة الشرسة مع الغرب «الكفرة» ومع الأنظمة الإسلامية التي تتعاون معه. وكان لانسحاب السوفييت من الأراضي الأفغانية دورا في التأكيد لهم بأن إيمانهم بالدين الإسلامي يقهر أياً قوة أياً كان شكلها.
    عاد المجاهدون الأفغان إلى اليمن في مطلع التسعينيات وهم واثقون من مقدرتهم على استئصال بقايا النظام الشيوعي الإسلامي في المنطقة الجنوبية من اليمن الموحد و كذلك من قدرتهم على طرد التواجد الأجنبي من على الأرض اليمنية. وقاموا بتشكيل تحالف مع الحكومة في صنعاء ضد بقايا النظام الشيوعي في الجنوب وكان يحدوهم الأمل بأن يتم السماح لهم بالانضمام إلى قوائم الجيش اليمني وذلك للعمل بحرية مطلقة في الجنوب اليمني و ليتمكنوا من طرد الأمريكان والبريطانين المتواجدين في اليمن. وبعد أن قوبلت مطالبهم تلك بالرفض قام المجاهدون الأفغان بتأسيس منظمات راديكالية إسلامية والتي بدأت بتقويض النظام اليمني الحاكم والترتيب لهجمات إرهابيه ضد أهداف غربية داخل اليمن وضد شخصيات يمنية كبيرة مشكوك في تعاونها مع الغرب. وسرعان ما بدأت هذه المنظمات بالتعاون مع تنظيم القاعدة حتى وصل الحال إلى الحصول على دعم مالي منها.
    كانت مسألة مشاركة المتطوعين اليمنيين في الحرب العراقية فقط مسألة وقت ليس إلا كما كان عليه الحال في غضون الحرب الأفغانية وكان اليمنيون يمثلون العنصر الأهم من بين المتطوعين في العراق. ولكن الوضع في هذه المرة كان على العكس مما حدث معهم حين عودتهم من أفغانستان حيث جعل النظام الحاكم الأمر ليس بالسهل لهم المغادرة إلى العراق ولم يكن مسرورا بقبولهم عند عودتهم. وكنتيجة لتلك الضغوط على المجاهدين العائدين من العراق والعائدين من أفغانستان ما كان عليهم إلا أن يعودوا بهويات مزورة. ولكن سرعان ما تأكد قلق الحكومة اليمنية على إثر عودة المجاهدين العائدين من العراق إلى اليمن والذي جلب معه موجة من هجمات إرهابية يمكن أن تهدد الاستقرار في البلاد. ويرى مجاهدون عراقيون منهم أعضاء ينتمون إلى تنظيم القاعدة أن اليمن أرض خصبة لتدعيم أفكارهم الراديكالية الإسلامية وهدف للقيام بهجمات إرهابية ضد التواجد الأجنبي في المنطقة.
    وحتى رغم النجاح الذي تحقق في إحضار العشرات من المجاهدين العائدين من العراق أغلبهم من أعضاء تنظيم القاعدة إلى المحكمة فإننا يجب أن نتذكر بأن نشاطاتهم تلك لم يكن لها أن تنجح دون توفر العون من المجتمع المحلي و عناصر في الجيش اليمني والأجهزة الأمنية. و كان العامل الآخر الذي عزز نشاطاتهم تلك هو رغبة النظام الحاكم اليمني تجنب المواجهة المباشرة مع المتظرفين الإسلاميين. وظهر ذلك جليا من خلال التجاوب البطيء والجزئي من قبل النظام فيما يخص قضية الثلاثة والعشرين هارباً من أعضاء القاعدة من سجن الأمن السياسي في صنعاء والتعاون المحدود مع وكلاء الإنتربول الدولي للقبض عليهم.
    ويعتمد نجاح الحرب على الإرهاب الإسلامي في العالم إلى حد كبير على درجة التعاون من قبل البلدان الإسلامية مع الغرب وجديتها في مكافحة الإرهاب دون الخوف من المواجهة معه. ولا يمكن ترك مهمة مكافحة الإرهاب الإسلامي في العالم على الغرب وحده و لكن يجب أن يكون هناك تحرك أولي من قبل الأنظمة الإسلامية التي ينظر إليها على أنها «كافرة» في عيون المسلمين الراديكاليين. ويجب أن لا تقتصر هذه الحرب على مكافحة الراديكاليين لوحدهم ولكن يجب أن تمتد لتشمل العناصر التي تقدم لهم الدعم والمساندة من داخل البلاد.

    * رئيس سابق لجهاز الموساد الإسرائيلي
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-04-15
  3. ابن باز

    ابن باز عضو

    التسجيل :
    ‏2006-04-12
    المشاركات:
    32
    الإعجاب :
    0
    شكرا على هذا الموضوع الحلو واووكد ان امريكا واعوانها بالمنطقة لن يكسروا شوكة المجاهدين مهما عملوا واللة اكبر والعزة للاسلام
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-04-16
  5. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998 في أميركا اللاتينية -الخلفيات والآفاق

    --------------------------------------------------------------------------------

    إنتصارات اليسار في أميركا اللاتينية -الخلفيات والآفاق
    إثر النصر الكبير الذي حققه المرشح اليساري إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا في الشهر الأخير من العام المنصرم، ديسمبر/كانون الأول 2005، أورد موقع هيئة البث البريطانية (بي بي سي) على شبكة الانترنت خارطة لأميركا الجنوبية، تلونت معظم مساحتها باللون الأحمر، إشارةً الى نجاحات اليسار في غالبية بلدان هذه المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث لم تبق سوى مساحات صغيرة بيضاء، في شمال غربيها خاصة، تشير الى البلدان القليلة التي لا يحكمها بعد رؤساء يساريون أو أحزاب يسارية.

    انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998...عام انتخاب تشافيس

    وموراليس، كما هو معروف، من "الهنود الحمر"، أي من سكان البلاد الأصليين قبل الغزو الأوروبي الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. وقد أطلق خطأ على هؤلاء السكان الأصليين، المنتمين الى قبائل وشعوب وحضارات متنوعة، اسم الهنود لأن قائد الغزوة الأوروبية الأولى للقارة، كريستوفورو كولومبو (كولومبوس)، ظن أنه وصل الى الهند من الغرب.
    ولكن إيفو موراليس لم يكن الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى السلطة في أحد بلدان هذه القارة خلال السنوات الأخيرة. فقبل انتصار موراليس اليساري في بوليفيا، تحققت نجاحات كبيرة لليسار في المنطقة، كانت فاتحتها انتخاب الضابط السابق اوغو تشافيس رئيساً لجمهورية فنزويلا في انتخابات ديمقراطية تعددية في العام 1998.
    وبعد تشافيس، نجح يساريون آخرون ووطنيون استقلاليون مناهضون لسياسات و"نصائح" الولايات المتحدة الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي تسيطر عليها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) في انتخابات ديمقراطية في بلدان أخرى من المنطقة... في تشيلي (2000)، وفي البرازيل (2002)، وفي الأرجنتين (2003)، وفي أوروغواي (2005)، بحيث بات أكثر من 80 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية يعيشون في ظل حكام أو أنظمة يسارية.
    وقد تجدد فوز الحزب الاشتراكي في تشيلي برئاسة الجمهورية مرة أخرى في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في الشهر الأول من العام الجاري 2006، مع انتصار مرشحته ميتشيل باتشيليت، لتخلف زميلها في الحزب ذاته ريكاردو لاغوس، ولتصبح أول إمرأة تتبوأ هذا الموقع في تشيلي، وأول إمرأةنت تنتخب في أميركا اللاتينية المعاصرة دون أن تكون وريثة رئيس سابق أو زعيم بارز.
    هذا، علاوة على أن رئيسة تشيلي الجديدة كانت من المتضررات، بشكل شخصي ومباشر، من الانقلاب العسكري اليميني الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوتشيت، بدعم معلن من الادارة الأميركية ومخابراتها المركزية آنذاك، في العام 1973، ضد الرئيس الشرعي الذي جرى انتخابه، قبل ثلاثة أعوام من ذلك، في اقتراع ديمقراطي لا غبار عليه، اليساري سلفادور اليندي (تلفظ أييندي بالإسبانية). ولعل من الدلالات الهامة لانتخاب باتشيليت كونها تنتمي الى نفس حزب اليندي، الحزب الاشتراكي. كما كان والدها ضابطاً كبيراً من أنصار أليندي، وجرى اعتقاله بعد الانقلاب العسكري، وتوفي في السجن خلال فترة وجيزة من اعتقاله. في حين تعرضت هي الى الاعتقال والنفي بسبب نشاطها السياسي كطالبة جامعية في ذلك الحين.
    ***
    وكل المؤشرات تدل على أن الحبل ما زال على الجرار بالنسبة لانتصارات اليسار. حيث يتوقع أن يحقق اليساريون نجاحات في بلدان أخرى من القارة تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية أو كليهما هذا العام... في بيرو وإكوادور في أميركا الجنوبية، وحتى في نيكاراغوا في أميركا الوسطى، وفي المكسيك، البلد الواقع مباشرة جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الثاني بعد البرازيل من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية (أكثر من مئة مليون نسمة، مقابل 190 مليون نسمة تقريباً للبرازيل).
    فما سر هذه النجاحات اليسارية التي تنفرد بها أميركا اللاتينية، بهذه الصورة المنهجية، من بين مناطق العالم الأخرى؟

    أضرار "إصلاحات" العولمة الرأسمالية... مهدت للنجاحات اليسارية

    وهنا لا بد من التوضيح، أولاً، أن تعبير اللاتينية لا علاقة له بتوصيف ديني، كما قد يظن بعض الناس في منطقتنا. بل يعود الى كون الغالبية الساحقة من سكان البلدان الواقعة جنوبي الولايات المتحدة يتكلمون إما الإسبانية أو البرتغالية أو يعيشون في بلدان لغتها الرسمية إحدى هاتين اللغتين. وكلا اللغتين مشتقتان من اللغة اللاتينية القديمة، كما هو حال عدد من اللغات الأوروبية المنشأ الأخرى، مثل الإيطالية والفرنسية والرومانية.
    وليس هناك سوى عدد قليل من البلدان الصغيرة التي تتكلم غير هاتين اللغتين، خاصة في منطقة البحر الكاريبي الواقع قبالة أميركا الوسطى (حيث هناك جزر صغيرة كانت، أو ما زالت، مستعمرات أوروبية أو أميركية، يتكلم بعضها الفرنسية - أو لغة محلية مشتقة منها، تسمى الكريول في بلد مثل هاييتي-، أو الانكليزية، أو الهولندية)...كما في ثلاثة كيانات صغيرة شمال شرقي أميركا الجنوبية (غويانا المتاخمة لفنزويلا، والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسورينام التي كانت مستعمرة هولندية، وغويانا الفرنسية التي لا زالت فرنسا تحكمها)، الى جانب جزر فوكلاند الشهيرة الواقعة على مقربة من شواطئ الأرجنتين الجنوبية، والتي اشتهرت أبان الحرب التي جرت في العام 1982 عندما حاول الحكام العسكريون الأرجنتينيون ضمها الى بلدهم، فتعرضوا لضربات الأساطيل البريطانية، التي استعادت السيطرة على الجزر، وما زالت تسيطر عليها.
    أما الغالبية الكبرى من سكان المناطق الواقعة جنوبي الولايات المتحدة، كما ذكرنا، فيقيمون في بلدان تسيطر عليها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، مع العلم بأن هناك جماعات غير قليلة من سكان القارة الأصليين ("الهنود الحمر")، الذين ما زال بعضهم يتكلم لغاتهم الأصلية القديمة.

    مبدأ مونرو..."المزرعة المغلقة" لواشنطن...هل أصبح من الماضي؟

    وبعد استقلال معظم بلدان أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمة الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من قبل الشعوب التي تشكلت فيها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، التي استقلت في أواخر القرن السابق (الثامن عشر) عن الوجود العسكري البريطاني، وقامت خلال العقود اللاحقة بتوسيع مساحة أراضيها عبر ضم وشراء أراض كانت، قبل ذلك، تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية والمكسيكية والروسية، عملت على فرض نفوذها على عموم القارة (مبدأ مونرو، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق، وهو المبدأ المعلن في العام 1823، والقاضي برفض تدخل قوى من خارج القارة، وتحديداً من أوروبا، في أي منطقة من القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها).
    ودأبت واشنطن، مذذاك، على التعامل مع هذه المناطق الواسعة كمزرعة أو "حديقة خلفية" لها، كما يقال. كما خاضت حروباً استعمارية عدة، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، للسيطرة على بعض بلدان المنطقة، مثل جزيرة بورتوريكو في البحر الكاريبي، وعلى بلدان آسيوية مثل الفيليبين، كانت قبل ذلك تحت السيطرة الإسبانية. وعملت واشنطن على ربط الشرائح الحاكمة في هذه البلدان بها، وتدخلت مراراً لدعم الأنظمة التابعة لها ولضرب الحركات الشعبية المناهضة للتبعية، طوال القرن العشرين.
    وفي الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، ومع تنامي العولمة الرأسمالية وسياسات "الليبرالية الجديدة" الملازمة لها على الصعيد الاقتصادي، والتي روجت لها وشجعتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن، سعت واشنطن الى فرض قوانين وشبكات هذه العولمة، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية التي تسيطر على قراراتها (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة "غات" للتجارة، التي حلت مكانها في أواخر القرن المنصرم منظمة التجارة العالمية... الى جانب "منظمة الدول الأميركية"، التي تجمع كل دول القارة الأميركية بشمالها ووسطها وجنوبها - وقد جرى استبعاد كوبا منها في السنوات الأخيرة بضغط من واشنطن).
    وهكذا، عملت واشنطن على فرض سيطرة شركاتها الكبرى وأولوية مصالحها الخاصة، وضغطت على دول القارة الأخرى للإلتزام بقواعد السوق و"الليبرالية الجديدة"، تحت يافطة "الإصلاح الاقتصادي". كما حاولت فرض اتفاقات تجارية إقليمية، أو ثنائية، بينها وبين دول المنطقة وفق قواعد ما يسمى بـ "التجارة الحرة"، التي تفترض فتح الأسواق بدون قيود بين البلدان المعنية، وهو ما يقود عملياً الى سيطرة رأسمال ومنتجات الدولة الأكثر تطوراً، أي الولايات المتحدة، على أسواق البلدان الأضعف إقتصادياً. وهو ما حصل، بالفعل، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
    ولذلك، عندما يتبادر الى الذهن السؤال الطبيعي: لماذا يحدث هذا الزحف اليساري المتواصل في هذه المنطقة قبل غيرها من مناطق العالم؟ يأتي الجواب واضحاً على لسان أحد كبار المفكرين اليساريين المتابعين لشؤونها: لأن هذه المنطقة كانت دائماً حقل تجارب أول للولايات المتحدة في "العالم الثالث". وفيها، بالتالي، بدئ بتطبيق وصفات "الليبرالية الجديدة" وتوسيع نفوذ وامتداد العولمة الرأسمالية في شتى المجالات، من منطلق تعزيز التبعية للمركز الرأسمالي الرئيسي في القارة: الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبالتالي، تجلت سلبيات هذه السياسات الاقتصادية في هذه المنطقة، وعلى نطاق واسع، قبل غيرها من مناطق العالم.
    فخلال قرابة العقدين من تطبيق قواعد "الليبرالية الجديدة" في معظم بلدان أميركا اللاتينية، اتضح أن هذا النظام الاقتصادي، الذي كان يجري تقديمه على أساس أنه أقصر الطرق لتسريع النمو الاقتصادي وانحسار الفقر، قاد في الواقع الى زيادة الأثرياء والشرائح المرتبطة بالمصالح الأميركية الشمالية (والأوروبية) ثراء، كما قاد الى زيادة الفقراء فقراً وإلقاء المزيد من شرائح الفئات الوسطى في أميركا اللاتينية في أتون الفاقة.
    ووصلت الأمور في بعض الحالات الى انفجار أزمات نقدية واقتصادية كبرى، كما في المكسيك عام 1994، ثم في الأرجنتين عامي 2001-2002، وهي أزمات دفعت ثمنها أيضاً بلدان أخرى في محيط البلدين وعموم القارة.
    وفي واقع الحال، فإن ما أسموها بـ"الإصلاحات الاقتصادية البنيوية"، أو "إعادة هيكلة الاقتصاد"، قادت الى تباطؤ النمو في غالبية هذه البلدان. فبينما نمت اقتصادات أميركا اللاتينية بنسبة 82 بالمئة بين العامين 1960 و1980، أي قبل تطبيق هذه "الإصلاحات"، نمت إقتصاداتها بين العامين 1980 و2000، أي في ظل هذه الاصلاحات، بنسبة 9 بالمئة فقط!! وحتى بلد غني بالنفط والغاز مثل فنزويلا شهد بين العامين 1970 و1998 ظاهرة مقلقة، وهي انخفاض معدل الدخل القومي للفرد فيه بنسبة 35 بالمئة. وبلد هام آخر في القارة، وهو الأرجنتين، اتسع عدد الفقراء فيه من مليون مواطن في العام 1990 الى 14 مليوناً في العام 2001 ابان الانهيار الاقتصادي. وسيطرت، خلال الفترة ذاتها، شركات عابرة للقارات (أميركية وأوروبية خاصة) على أكثر من 4000 مصرف ومنجم وشركات نفط واتصالات ونقل في القارة.
    وهكذا، بات 40 بالمئة من سكان أميركا اللاتينية (حوالي 550 مليوناً حالياً) يعيشون تحت خط الفقر، وحوالي 20 بالمئة في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم الواحد). في حين بلغت الفروقات في المداخيل بين الأفقر والأغنى مستويات فاحشة، بكل المعايير، بحيث وضع تقرير التنمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للعام 2005 أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في أدنى المراتب في العالم من زاوية التفاوت في المداخيل، الى جانب إفريقيا السوداء (جنوبي الصحراء الكبرى).
    ***




    فنزويلا: تشافيس في مقدمة ركب التمرد والتغيير الجذري

    وقد أدت هذه الأوضاع المتردية الى تنامي حركات الاحتجاج والمعارضة الشعبية، التي نشأت غالباً على الأرض وفي الميدان، وانطلاقاً من القاعدة الشعبية المتضررة. وتأطرت لاحقاً بشكل قوى يسارية منظمة، بعضها حديث المنشأ.
    وفي هذا المناخ، جاء أوغو تشافيس الى الحكم في فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية عام 1998، تحت يافطة محاربة الفقر والجوع والفساد ونفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى الأجنبية التي تنهب البلد وثروته الرئيسية، النفط، بحيث لا تستفيد من هذه الثروة الهامة سوى الشركات الأجنبية الكبرى نفسها، الى جانب شريحة محدودة من أثرياء البلد المرتبطين بها وبالمصالح الأجنبية في البلد.
    وقد أثبت تشافيس، خلال سنوات حكمه المستمرة حتى الآن بعد وضع دستور جديد للبلاد عام 1999، وإعادة انتخابه رئيساً وفق بنود هذا الدستور عام 2000، أثبت شعبيته الهائلة. وخاصة عندما حاولت قوى اليمين في المجتمع وشرائح رجعية في الجيش الفنزويلي، مدعومة مالياً وسياسياً بشكل مكشوف من قبل إدارة جورج بوش الإبن في الولايات المتحدة، إحداث إنقلاب عسكري على نظامه اليساري في نيسان/أبريل 2002. حيث قامت الجماهير الفقيرة وشرائح المجتمع المستنيرة واليسارية وقطاعات الجيش المؤيدة لتشافيس بالتصدي للانقلابيين ودحرهم، وتمت إعادته الى الحكم خلال 48 ساعة بعد بدء الإنقلاب، بعد أن تورطت إدارة جورج بوش الإبن بإعلان دعمها العلني للإنقلابيين وتأييدها لنظامهم!!
    وعندما حاولت قوى اليمين الفنزويلي بعد فشلها المريع هذا، وبدعم متجدد من واشنطن، استغلال بند في الدستور الجديد، الذي تم وضعه في ظل حكم تشافيس، يسمح بالاطاحة بأي مسؤول منتخب بعد مضي نصف ولايته، بما في ذلك الرئيس نفسه، عبر تقديم عريضة شعبية تحمل تواقيع 20 بالمئة من عدد الناخبين المسجلين ( في هذه الحالة 2،4 مليون ناخب) بهدف إجراء استفتاء شعبي لسحب الثقة من الرئيس، لم يهرب تشافيس من التحدي. وأجري الاستفتاء فعلاً في آب/أغسطس من العام 2004، فحقق تشافيس نجاحاً باهراً فيه. حيث دعمته غالبية كبيرة من السكان (حوالي 58 بالمئة من المقترعين)، مما شكل ضربة قوية لليمين الفنزويلي، لم يستفق منها حتى الآن، ولن يستفيق منها بسهولة.
    جاء ذلك بعد فشل أشكال شتى من محاولات تعطيل الاقتصاد الفنزويلي، وقطاع النفط تحديداً، نظمتها الأوساط اليمينية، وفق نموذج الإضرابات التي جرت في تشيلي في مطلع السبعينيات الماضية، والتي مهدت للانقلاب العسكري الدموي على حكم الرئيس اليساري الشرعي سلفادور اليندي.
    وبعد إحباط كل هذه المؤامرات على نظامه، عمل تشافيس على إعادة إحياء آلة الاقتصاد، وخاصة قطاعي النفط والغاز (فنزويلا سابع منتج للنفط في العالم، وخامس المصدرين له، وتستورد منه حتى الولايات المتحدة قرابة الـ15 بالمئة من استهلاكها النفطي لتشكل رابع مصدر استيراد لواشنطن من هذه المادة الحيوية، بعد السعودية وكندا والمكسيك. كما ان فنزويلا أول منتج للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية). وتزامن ذلك مع إرتفاع أسعار النفط العالمية لتبلغ أرقاماً قياسية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق، حيث تجاوز سعر البرميل سقف الـ 60 دولاراً).
    وهكذا، بعد عودة الاستقرار للبلد وإعادة تشغيل المرافق النفطية، وحسم شرعية السلطة بهذا الشكل الباهر، دون المساس بالدستور أو بالحريات العامة والتعددية والديمقراطية، توفرت للخزينة الفنزويلية مبالغ كبيرة، قاربت الـ50 مليار دولار في العام 2005. مما سمح لنظام تشافيس بتحقيق برامج إصلاح وتنمية اجتماعية واسعة. وشملت هذه البرامج حملة واسعة لمحو الأمية، وتأمين العلاجات الطبية المجانية الواسعة للفقراء، بدعم زهاء 20 ألف طبيب استقدموا من كوبا، وإرسال بعثات دراسية كبيرة تشمل زهاء 20 ألف شاب لتعلم الطب في كوبا وبلدان أخرى، الخ...
    وخارجياً، سعت فنزويلا الى دعم اقتصاديات دول أميركا اللاتينية المحتاجة والفقيرة، فقامت ببيع النفط بأسعار مخفضة للعديد من دول المنطقة اللاتينية والكاريبي، كما لبعض المناطق الفقيرة والمنكوبة في الولايات المتحدة نفسها... الى جانب سعي تشافيس الى إقامة وتشجيع اتفاقات التكامل الاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية، بديلاً من الاتفاقات التي عملت الولايات المتحدة على فرضها على بلدان القارة الأخرى لصالح اقتصادها وشركاتها الكبرى.
    وربما كان هذا الجانب الاقتصادي هو الأخطر بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ففي سياق تطبيقات العولمة الرأسمالية، أبرمت واشنطن إتفاق تجارة حرة مع كل من كندا والمكسيك في العام 1994 عرف بالأحرف الأولى لاسمه بالانكليزية، "نافتا" (اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية). وحققت بذلك منافع كبيرة لشركاتها الكبرى لاختراق السوق المكسيكي بشكل خاص. كما عملت على التحضير لعقد إتفاق آخر مع دول أميركا الوسطى (غواتيمالا، بيليز، هوندوراس، السلفادور، نيكاراغوا، كوستاريكا، وبنما) بالإضافة الى جمهورية الدومينيكان في بحر الكاريبي، تحت اسم "اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان" ("كافتا"، بالأحرف الأولى الانكليزية). وهو اتفاق لم يتم إبرامه بعد من قبل كافة البلدان المعنية، كما وضع الكونغرس الأميركي شروطاً مسبقة على البلدان اللاتينية المعنية للموافقة على ضمها للاتفاق. حيث لم يدخل سريانه إلا في دولة السلفادور مؤخراً، في جو معارضة نشطة واسعة في الشارع هناك للاتفاق ونتائجه على البلد واقتصاده الضعيف.
    كما سعت واشنطن بقوة الى توقيع اتفاق مع دول أميركا الجنوبية ليتم التوقيع عليه في مطلع العام 2005 تحت اسم اتفاقية "منطقة التجارة الحرة للأميركتين". لكن عدداً من دول أميركا الجنوبية الرئيسية واجهت وأبطلت مشروعها هذا، وفي المقدمة البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وفنزويلا. وكان أوغو تشافيس رأس الحربة في مواجهة هذا المشروع الأميركي، حيث قام بحملة تحريض واسعة ضده.
    ووجد الرئيس جورج بوش نفسه في الزاوية في قمة الدول الأميركية في مار دل بلاتا في الأرجنتين، في أواخر العام 2005، بحيث تعطل مشروع الاتفاق التجاري تماماً، وتم وضعه في الثلاجة. وخرج تشافيس من قاعة الاجتماعات ليخاطب الجماهير الأرجنتينية، وجماهير جنوب القارة، في مهرجانات حاشدة، داعياً الى رفض التبعية للولايات المتحدة وإلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول أميركا اللاتينية، مستوحياً دور البطل الأميركي الجنوبي الشهير، سيمون بوليفار، الذي سعى في مطلع القرن التاسع عشر الى انتزاع استقلال مناطق شمال وشمال غرب أميركا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، والى توحيد مجمل البلدان الأميركية اللاتينية.

    من بوليفار، الى خوسيه مارتي، وزاباتا، وساندينو... إستلهام أبطال التاريخ

    وليس غريباً أن يلجأ تشافيس الى العودة الى هذه الينابيع التاريخية، فيطلق على حركته اسم "الثورة البوليفارية" وعلى اسم البلد "جمهورية فنزويلا البوليفارية"، خاصة وأن بوليفار من مواليد عاصمة فنزويلا الحالية، كراكاس. فقد سبقته العديد من الحركات الثورية المعاصرة في أميركا اللاتينية، التي درجت على ربط اسمها باسم أحد أبطال التحرر الوطني والتقدم في بلدانها... فهذا هو الحال مع خوسيه مارتي بالنسبة الى كوبا، وإميليانو زاباتا في المكسيك (حيث الحركة الزاباتية الراهنة في جنوب البلاد تستند الى قاعدة من أهل البلاد الأصليين- "الهنود الحمر")، وساندينو في نيكاراغوا، وفرابوندو مارتي في السلفادور، والثائر "الهندي الأحمر" توباك أمارو في أوروغواي، الذي اشتق اسم حركة "توباماروس" الثورية، التي نشطت خاصة في السبعينيات الماضية، من اسمه، وهي حركة يشارك الآن ورثتها في الحكم اليساري الجديد في البلد، الخ....
    ويبدو واضحاً الآن أن أوغو تشافيس، الذي كان في الماضي ضابطاً في الجيش الفنزويلي، قد تطور في السنوات الأخيرة على صعيد مواقفه الفكرية والسياسية باتجاه أكثر جذرية، الى حد أنه بات يتحدث عن "اشتراكية القرن الحادي والعشرين"، ويعزز علاقاته مع كوبا وزعيمها التاريخي فيديل كاسترو. ومن الواضح أن القائد الكوبي، صاحب التجربة الثورية الغنية والاطلاع الواسع والخبرة الطويلة في الحكم، أحياناً في ظروف إقليمية واقتصادية داخلية صعبة جداً، له تأثير كبير على العديد من القيادات اليسارية الجديدة في أنحاء أميركا اللاتينية، وعلى شبيبة هذه القارة بشكل عام.
    وقد لاحظنا استمرارية الدور الكوبي الثوري في القارة، بشكل واضح، خلال زيارة الى كوبا في أواخر العام 1994، أي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي، وانهيار التجارب الاشتراكية الأخرى في أوروبا الشرقية والوسطى. وهي الانهيارات التي اعتقد حكام واشنطن أنها تمهد لانهيارات شبيهة في كوبا وفي دول آسيا الشرقية، وتحديداً في الصين وفييتنام وكوريا الشمالية، وعملوا على نشر صورة قاتمة ومشوهة عن الوضع في كوبا وعن نظام فيديل كاسترو، الذي روجوا أنه على وشك الانهيار أيضاً.
    في حين لاحظنا، في مؤتمر للتضامن مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي الأميركي لها، انعقد في خريف العام 1994، وشارك فيه زهاء الثلاثة آلاف شخص من مختلف بلدان العالم، جاءوا وأقاموا على حسابهم الخاص أو على حساب الأحزاب والمؤسسات التي ينتمون إليها، لعدم الإثقال على الأوضاع المالية لكوبا، التي كانت صعبة جداً آنذاك، لاحظنا، الى جانب الحضور الواسع من أنحاء العالم ومن تياراته السياسية اليسارية والوطنية والدينية المتنورة والإنسانية المتنوعة، بما في ذلك العديد من التنظيمات الفلسطينية والعربية، حضوراً كثيفاً وواسعاً لشبيبة بلدان أميركا اللاتينية وحماسة كبيرة في استقبال كلمات كاسترو، ذي القدرات الخطابية الهائلة، والمسؤولين الكوبيين الآخرين. وكان بين الحضور، في هذا المؤتمر التضامني مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة، العديد من أعضاء القوى اليسارية الجديدة في القارة اللاتينية ومن ممثلي التيارات التقدمية والإنسانية فيها، بما في ذلك الأوساط الدينية المستنيرة المناهضة للهيمنة الأميركية الشمالية.
    كما كان بين الحضور شخصيات سياسية وثقافية ودينية معروفة، ومن بينهم، مثلاً، قادة وأعضاء في حزب الشغيلة البرازيلي، الذي وصل زعيمه لويس إنياسيو داسيلفا، المعروف باسم التحبب "لولا"، الى رأس السلطة في البرازيل في انتخابات العام 2002. كما كان حاضراً زعيم تكتل اليسار الثوري (جبهة فرابوندو مارتي للتحرر الوطني) في السلفادور، شفيق حنضل، ذو الأصول الفلسطينية. ومعروف أن حنضل، الذي قاد اليسار الثوري في السلفادور في مرحلة المواجهة المسلحة مع النظام التابع، كما في المرحلة العلنية اللاحقة بعد الوصول الى إتفاق وطني للعمل الديمقراطي لكافة التيارات، جرى ترشيحه عن اليسار في انتخابات الرئاسة السلفادورية في آذار/مارس 2004. حيث حصل على أكثر من ثلث الأصوات، فيما نجح المرشح اليميني، انطونيو السقا، المدعوم من الولايات المتحدة وأنصارها في البلد بقوة، وهو من أصول فلسطينية أيضاً ومن نفس مدينة عائلة حنضل، بيت لحم.
    وقد توفي شفيق حنضل مؤخراً، وتحديداً في الشهر الأول من العام 2006. ونعته أوساط فلسطينية ويسارية أميركية لاتينية وعالمية. وكرس له تشافيس فقرة طويلة، وهتف باسمه أكثر من مرة، في خطاب ألقاه في عاصمة فنزويلا، كراكاس، في شهر شباط/فبراير 2006، أمام حشد كبير من المواطنين والوفود الآتية من أنحاء القارة والعالم.

    تجارب حذرة في البرازيل وأوروغواي وتشيلي... وأكثر جذرية في فنزويلا وبوليفيا

    وقد شكل انتصار "لولا" داسيلفا في انتخابات الرئاسة في البرازيل في العام 2002 علامة مهمة جداً بالنسبة لأوضاع أميركا اللاتينية، لكون البرازيل عملاقاً سكانياً واقتصادياً. حيث يسكنها زهاء الـ190 مليون نسمة، أي ثلث سكان القارة تقريباً. وهي، على مستوى العالم، الدولة الخامسة من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند والولايات المتحدة وإندونيسيا. كما ان اقتصادها يعتبر، من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي، الاقتصاد الخامس عشر في ترتيب دول العالم. ومعروف أن "لولا" قاد معركته الانتخابية تحت يافطة محاربة الفقر والجوع وتوفير وجبات يومية منتظمة لكل مواطن. وهو نفسه من أصول شعبية متواضعة، وكان عاملاً ثم زعيماً نقابياً بارزاً خلال سنوات طويلة.
    ولكن يبدو أن حجم البلد الضخم وقوة الشريحة الرأسمالية المسيطرة على اقتصاده وتداخلات الشركات العابرة للقارات (الأميركية والأوروبية والآسيوية، الخ...)، كما وعدم توفر أغلبية لحزبه، حزب الشغيلة، في الهيئات التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ)، كلها لعبت ربما دوراً في تبنيه سياسات حذرة وإصلاحات بطيئة، لم ترض القطاعات الأكثر جذرية وتطلعاً للتغيير في المجتمع (بما في ذلك الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد دعموه في انتخابات 2002).
    وهكذا، قدم "لولا" نموذجاً مختلفاً عن نموذج تشافيس لليسار الزاحف في أميركا اللاتينية. حيث لم تستفز سياساته الاقتصادية الولايات المتحدة، لا بل أشادت الإدارة الأميركية والبنك الدولي بها، خلافاً لما حدث مع جاره الشمالي أوغو تشافيس وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية الجذرية، الذي تشن عليه حملات شرسة من الإدارة الأميركية والقطاعات اليمينية في بلده.
    هذا دون التقليل من أهمية إجراءات "لولا" التي هدفت لتقديم معونات وتسهيلات للفئات الأكثر معاناة في البرازيل. حيث اتخذت حكومته، مثلاً، قراراً بتأمين بطاقات مساعدة تموينية مستمرة لحوالي تسعة ملايين عائلة فقيرة بما يحقق لها الحد الأدنى من الشروط المعيشية والتغذية، وهو إجراء أكسبه، بالتأكيد، دعم هذه الشريحة الأفقر من أهل البلد. كما سعى لاتباع سياسة خارجية متقدمة نسبياً. فانفتح على الصين وعقد معها العديد من الاتفاقات الاقتصادية، بحيث باتت الصين طرفاً تجارياً هاماً مع البرازيل ومستورداً كبيراً للمواد الأولية منها، وبالطبع، مصدراً كبيراً أيضاً للصناعات المتطورة والمتنوعة لهذا العملاق الآسيوي الصاعد. كما تم عقد اتفاقات لمد البرازيل بالنفط والغاز من فنزويلا. ويجري الحديث عن إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز الى البرازيل، وعبره الى الأرجنتين وبلدان أخرى من أميركا الجنوبية. كما دعم حكم "لولا" دعوات تشافيس لتعزيز الإتفاقات الاقتصادية والتجارية بين دول أميركا اللاتينية، بديلة من الاتفاقات التي دعت إليها الولايات المتحدة لربط دول القارة باقتصادها هي.
    ولكن حذر "لولا" وبطء خطواته الإصلاحية الداخلية، علاوة على إشكالات وقع فيها بعض كبار قادة حزبه ووزرائه، حيث اتهموا بإجراءات غير قانونية لتمويل الحملات الانتخابية ولكسب أصوات النواب من خارج حزب الشغيلة لصالح مشاريع القرارات المختلفة لإدارة "لولا"، كلها جعلت وضع الرئيس اليساري البرازيلي حساساً، خاصة في عام انتخابي كالعام الحالي. حيث تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الفاتح من تشرين الأول/أكتوبر القادم.
    وليس من المضمون سلفاً نجاح "لولا" في هذه الانتخابات، بالرغم من استعادته، الى حد كبير، شعبيته الشخصية على مستوى الشارع في الأشهر الأخيرة. حيث أظهرت استطلاعات الرأي في مطلع ربيع العام 2006 استمرار تقدمه على أي مرشح آخر محتمل.
    وبين النظم اليسارية الأخرى في أميركا اللاتينية، نستطيع أن نقول أن بوليفيا، التي نجح في انتخاباتها الرئاسية، في الشهر الأخير من العام 2005، كما ذكرنا، زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، إيفو موراليس، ذو الأصول "الهندية الحمراء" الخالصة، بأغلبية كبيرة ومنذ الدورة الأولى لهذه الانتخابات، هو الأقرب، من حيث نهجه وتوجهاته الجذرية، الى نموذج تشافيس في فنزويلا. علماً بأن بلده، الذي اشتق اسمه من اسم قائد تحرر وتوحيد أميركا اللاتينية في مطالع القرن التاسع عشر، بوليفار، الذي يعتبره زعيم فنزويلا اليساري تشافيس رمز حركته الثورية، هو البلد الأفقر في أميركا الجنوبية، بالرغم من ثرواته المعدنية والنفطية والغازية (فالبلد هو الثاني من حيث ثروة الغاز الطبيعي في جنوب أميركا، بعد فنزويلا). وذلك يعود لكون هذه الثروات كانت مسيطراً عليها من قبل شركات كبرى أجنبية، ولكون السياسات المتبعة من قبل الحكومات السابقة، بتشجيع من واشنطن، قد قادت الى خصخصات واسعة، بما في ذلك لشبكات المياه الوطنية، لصالح هذه الشركات الأجنبية (في حالة المياه، هي شركة خاصة فرنسية)!

    كوبا المحاصرة تتنفس الصعداء... وتضحيات غيفارا ورفاقه لم تذهب سدى

    ومن المفارقة التاريخية أيضاً أن تكون بوليفيا، يسارية النظام حالياً، هي البلد الذي تمت فيه، في أواخر العام 1967، تصفية القائد الثوري الأميركي اللاتيني البارز، إرنستو غيفارا - المضاف لاسمه عادة تعبير التحبب "تشي"-، على يد قوات حكومية بوليفية مدعومة بخبراء وعسكريي المخابرات المركزية والقوات الخاصة الأميركية. وإذا كان مقتله في تلك الحقبة لم يثر اهتماماً كبيراً لدى فلاحي بوليفيا البؤساء ذوي الأصول "الهندية الحمراء"، الذين سعى غيفارا لنصرة قضيتهم ولتنظيمهم لتحرير بلدهم من سطوة الأجنبي وأتباعه، فإن صور وملصقات شهيد أميركا اللاتينية الكبير غيفارا منتشرة الآن في أنحاء البلد. والفلاحون ذوو الأصول "الهندية الحمراء"، بقيادة رئيس البلاد الجديد موراليس، باتوا الآن يحملون وصيته على أكفهم.
    وهذا، بلا شك، يشكل نجاحاً كبيراً لكوبا، التي كان غيفارا أحد قادة ثورتها التي انتصرت في مطلع العام 1959. وقد حرصت كوبا على تكريمه وتخليده، بعد تصفيته إثر نفاد ذخيرته وذخيرة رفاقه في مواجهة غير متكافئة جرت في جبال بوليفيا الريفية خريف العام 1967. فعملت على استعادة رفاته من بوليفيا بعد أن تم العثور عليها في العام 1997. وتمت إعادة دفنها في مدينة سانتا كلارا الواقعة شرقي كوبا في حفل تكريم ضخم وحاشد، وتحت ظل نصب تذكاري كبير لشهيد الثورات الأممية الكبير. كما عمل الكوبيون وأنصارهم، والأوساط اليسارية في أميركا اللاتينية عموماً، على نشر صوره وملصقاته وكتاباته والأناشيد التي تتغنى بدوره الثوري، ليس فقط في كوبا وبوليفيا، وإنما في أنحاء القارة وفي العالم. بحيث تعززت صورته المنتشرة الآن في أصقاع الأرض كرمز ثوري رومانسي عالمي، ونموذج للتضحية بالذات من أجل مستقبل الشعوب وطبقاتها وفئاتها المضطهدة والمغبونة.
    وهكذا، يكون بإمكان إرنستو غيفارا، الأرجنتيني المولد، الكوبي بالتبني الثوري، والأميركي اللاتيني والأممي في نشاطه اللاحق بعد انتصار الثورة الكوبية، بإمكانه أن يرقد مرتاحاً في ضريحه، لكون تضحيته وتضحيات رفاق دربه ونضاله لم تذهب سدى. بل تركت بذوراً، أنبتت وأزهرت، ورفعت رايات التحرر والانعتاق وكرامة الإنسان، وفتحت آفاقاً لتحول لاحق نحو مجتمع المساواة والعدل وازدهار الإنسانية، مجتمع الاشتراكية. وكلها أهداف عمل غيفارا طوال حياته القصيرة من أجلها، في بوليفيا، كما في عموم القارة.
    ومن الجدير التأكيد، في هذا السياق، أن كوبا، التي حاول الأميركيون الشماليون محاصرتها وعزلها وحالوا فعلاً دون بقائها عضواً في"منظمة الدول الأميركية"، باتت الآن على علاقات تحالف وصداقة وثيقة مع العديد من بلدان أميركا اللاتينية، التي انفتحت عليها اقتصادياً وسياسياً، بحيث باتت الولايات المتحدة هي المحاصرة بالعداء الشعبي الواسع في القارة اللاتينية لسياساتها الامبراطورية التوسعية وعنجهيتها الكونية وإذلالها التاريخي لشعوب القارة.
    ***
    ومن المبكر، طبعاً، أن نحكم على مآل تجربة الحكم اليساري الجديد في بوليفيا، وهي ما زالت في بداياتها، وأمامها مهمات كبيرة وعد بها موراليس ناخبيه... كانتخاب جمعية تأسيسية وكتابة دستور جديد، وتأميم الثروات الأساسية في البلد، كالنفط والغاز، وإنهاء خصخصة المياه وقطاعات الخدمات العامة الأخرى، ووضع حد للتركة الثقيلة التي ورثها البلد من جراء تطبيق توصيات مؤسسات العولمة الرأسمالية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإدارة الأميركية التي تسيطر عملياً عليهما. كل ذلك في سبيل إخراج غالبية سكان البلد من حالة الفقر والفاقة التي يعانون منها، ومعظمهم مثله من سلالات سكان البلاد الأصليين.
    لكن يبقى، كما أعلن موراليس نفسه مباشرة بعد انتخابه، وخلال جولته العالمية الكبيرة التي أتمها قبل تنصيبه رسمياً رئيساً للبلد، وهي جولة شملت عدداً من دول القارة، وخاصة فنزويلا وكوبا والبرازيل، كما شملت دولاً أبعد مثل جنوب إفريقيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا والصين، أعلن أنه سيعمل من أجل مشروعه الطموح الكبير، باعتباره زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، جنباً الى جنب مع حليفيه الأقرب، كما قال، فيديل كاسترو وأوغو تشافيس. وجدير بالإشارة أن موراليس كان قد وصف نفسه ابان الحملة الانتخابية بكونه "أسوأ كابوس لواشنطن".
    ***
    اجتهادات مفتوحة، وتكافل إقليمي، وفضائية مشتركة

    أما التجارب اليسارية الأخرى في أنحاء أميركا اللاتينية، فلكل منها سماتها الخاصة. فأوروغواي، نجح في انتخاباتها الرئاسية والتشريعية في أواخر العام 2004 تحالف يساري واسع يحمل اسم "الجبهة الموسعة"، حاول في الماضي أكثر من مرة الوصول الى السلطة في هذا البلد الذي يعتبر من بين البلدان الأصغر في أميركا الجنوبية ( أكثر قليلاً من ثلاثة ملايين نسمة). وعمل رئيسها اليساري الجديد، تاباري فاسكيس، والحكومة الائتلافية اليسارية الحاكمة، على هدى برنامجهما الانتخابي، الى إنجاد سريع للشرائح الفقيرة في البلد والتي عانت من سياسات "الليبرالية الجديدة" التي مورست في ظل الحكومات السابقة، خاصة في التسعينيات الماضية، ومن بينها الإنعكاسات المأساوية على البلد للانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب الأرجنتين المجاورة في أواخر العام 2001 وخلال العام 2002.
    وبالرغم من أن النظام اليساري الجديد سارع، منذ اليوم الأول لتنصيبه، الى إعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعها النظام السابق مع كوبا، وإلى فتح قنوات تعاون واسعة مع أوغو تشافيس في فنزويلا، إلا إن خطواته الاقتصادية اتسمت بالحذر. فلم تقطع مع الماضي وشبكة علاقاته، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، التي وقعت معها أوروغواي اتفاق تجارة حرة ثنائياً.
    علماً بأن أوروغواي، بالمقابل، مشاركة أصلاً في التكتل التجاري لبلدان أميركا الجنوبية (ميركوسور)، الذي تأسس في مطلع التسعينيات الماضية، وتشكلت نواته الأولى من كل من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي، وانضمت إليها لاحقاً دول أخرى من أميركا الجنوبية، وتحديداً بوليفيا وتشيلي وبيرو وكولومبيا وإكوادور، ومؤخراً فنزويلا.
    وهذا التكتل التجاري الأميركي الجنوبي البحت مطروح عملياً كإطار مواز وبديل للمقترح الأميركي الشمالي بإنشاء تكتل يشمل كل القارة، بحيث تصبح واشنطن هي مركز هذا التكتل والطرف المركزي والمستفيد الرئيسي منه، كما ذكرنا، وهو المقترح الذي جابهته الدول يسارية الأنظمة وأحبطته حتى الآن. هذا في حين عمل تشافيس على تشكيل إطار أكثر قوة وطموحاً أسماه "إتفاقية أميركا اللاتينية البوليفارية" – "ألبا"، بالأحرف الإسبانية الأولى-، فيما الأحرف الأولى للمشروع الأميركي للتجارة الحرة هي "ألكا".
    كما شاركت أوروغواي مع فنزويلا وكوبا والأرجنتين في تأسيس وتمويل فضائية أميركية لاتينية جديدة (على غرار فضائية "الجزيرة" العربية من حيث إنتشار بثها، كما قال تشافيس نفسه)، حملت اسم "تيليسور" - أي تلفزيون الجنوب -. وبدأت هذه الفضائية البث في أواخر العام 2005 في محاولة لمواجهة وسائل الإعلام اليمينية واسعة النفوذ في بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك الفضائيات الدولية الكبرى، مثل "سي إن إن" الأميركية، التي تبث بالإسبانية أيضاً، و"بي بي سي" البريطانية، وغيرهما. وبرامج هذه الفضائية الجديدة، متعددة اللغات، تفتح المجال أيضاً لكشف خلفيات السياسات العدوانية الأميركية، ليس في القارة وحدها وإنما في العالم كله، بما في ذلك خلفيات وملابسات النوايا المبكرة لإدارة الولايات المتحدة لشن الحرب على إفغانستان والعراق، ومدى جدية المبرر الذي جرى استخدامه لشنهما، هجمات 11 أيلول/سبتمبر الشهيرة على نيويورك وواشنطن.
    ***
    سمات خاصة وتطور اقتصادي سريع في كل من تشيلي والأرجنتين

    والوضع شبيه، من هذه الزاوية، بالنسبة لجمهورية تشيلي الواقعة على الشواطئ الجنوبية الغربية لأميركا الجنوبية، والتي تعتبر من أقوى الاقتصادات في القارة (الثانية في أميركا اللاتينية من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، بعد الأرجنتين، حيث تتجاوز هذه الحصة العشرة آلاف دولار سنوياً، مما يجعل البلد، من هذه الزاوية، في مصاف البلدان متوسطة الدخل في العالم).
    فقد نجحت رئيسة يسارية، كما ذكرنا، في الانتخابات التي جرت دورتها الثانية في الشهر الأول من العام 2006، هي ميتشيل باتشيليت، التي تم تنصيبها رسمياً وتسلمها لمسؤولياتها يوم 11 آذار/مارس 2006. وهي تنتمي، كما أشرنا أعلاه، الى نفس الحزب الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه الرئيس الأسبق المغدور سلفادور اليندي، المطاح به من قبل انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة في العام 1973. ومعروف أن قائد هذا الإنقلاب اليميني، الجنرال أوغوستو بينوتشيت، حكم تشيلي بقبضة قمعية دموية شديدة منذ ذلك الحين وحتى العام 1990. وبعد رحيله عن السلطة، تم تنظيم انتخابات ديمقراطية، مقيدة بعض الشيء، مما لم يمنع بروزاً قوياً، في أول انتخابات نيابية ورئاسية تعددية، لتيارات وأحزاب إئتلف بعضها ليشكل تحالفاً ديمقراطياً ضم أحزاباً من الوسط ويسار الوسط واليسار، شمل في ما شمل الحزب الاشتراكي وكذلك الحزب الديمقراطي المسيحي وغيرهما. وكان الرئيسان الأولان المنتخبان، بعد فترة الحكم الديكتاتوري، واللذان رشحهما إئتلاف يسار الوسط هذا، من الحزب الديمقراطي المسيحي. أما الرئيسان اللاحقان، الرئيس المنتخب عام 2000 ريكاردو لاغوس والرئيسة المنتخبة مؤخراً ميتشيل باتشيليت، فهما من الحزب الاشتراكي.
    وقد شهدت تشيلي في السنوات الأخيرة نمواً اقتصادياً سريعاً (نسبة النمو خلال الخمسة عشر عاماً الماضية بلغت 5% سنوياً)، فتحولت الى إحدى الدول الأكثر تطوراً في أميركا اللاتينية، بعد الأرجنتين، كما ذكرنا، وأصبحت تصنف في المرتبة العالمية الخمسين من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي. وهي، في هذا التصنيف، غير بعيدة عن بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى الأكثر تطوراً، مثل المجر وسلوفاكيا وسلوفينيا، والبلدان الثلاثة الأخيرة أعضاء حالياً في الإتحاد الأوروبي.
    وقد أبرمت تشيلي في السنوات الأخيرة اتفاقات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، كما مع دول أوروبية وآسيوية. ومن المستبعد، حسب المتابعين لشأن البلد، أن تحدث الرئيسة اليسارية الجديدة تغيراً جذرياً على هذه السياسات، لكنها يمكن أن تركز أكثر على تقليص الهوة في المداخيل بين الأغنى والأفقر في البلد وعلى تطوير الضمانات الاجتماعية للطبقات الدنيا. وهكذا، في المجال الاجتماعي، كان أحد القرارات الأولى للرئيسة الجديدة إعفاء المسنين ما فوق الستين من العمر من تكاليف العلاج الطبي، أي توفير ضمان صحي كامل لهذه الشريحة المتزايدة الحجم من سكان البلد.
    كما من المتوقع أن تعمل الرئيسة الجديدة على تطوير العلاقات الإقتصادية بينها وبين دول أميركا اللاتينية الأخرى، بما في ذلك مع جارتها الشمالية الشرقية بوليفيا، التي بينها وبين تشيلي خلاف قديم على الأرض، حيث كانت تشيلي قد ضمت، في حرب سابقة بين البلدين، أراضي لبوليفيا كانت منفذاً لها على البحر، والمقصود المحيط الهادئ، مما جعل بوليفيا بعد ذلك بلداً بدون منفذ بحري. وهو وضع يمكن أن تسعى بوليفيا اليسارية النظام حالياً الى حل له في مفاوضات مباشرة مع تشيلي.
    وفي الأرجنتين المجاورة، التي مرت بأزمة أقتصادية ومالية عصيبة في العامين 2001-2002، كما ذكرنا، تمكن الرئيس المنتخب في العام 2003، نستور كيرشنير، الذي يمكن تصنيفه من يسار الوسط أيضاً، من أن يحقق إنجازات كبيرة في مجال إعادة الحياة للاقتصاد المأزوم والغارق في الديون، عبر تحدي توصيات صندوق النقد والبنك الدولي، وتعزيز العلاقات البينية الأميركية اللاتينية، بما في ذلك مع فنزويلا، التي تؤمن لجاراتها حاجاتها من مصادر الطاقة الطبيعية، ومن خلال تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين دول أميركا الجنوبية.
    ***
    وهكذا، نحن أمام ظاهرة واسعة من التحول نحو الخيارات اليسارية في عموم أميركا اللاتينية، عنوانها رفض سياسات الإلحاق الأميركية والعولمة الرأسمالية التي تروج لها واشنطن بدرجة رئيسية، وبالمقابل السعي لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية وغيرها من العلاقات بين دول المنطقة. وإن كانت هناك أنماط متعددة من التطبيقات في هذه المنطقة الواسعة، كما رأينا، تتراوح بين التوجه الجذري الذي تتصدره فنزويلا ورئيسها أوغو تشافيس، والتوجه الإصلاحي التطويري الحذر الذي تسير فيه، على سبيل المثال، تشيلي والبرازيل وأوروغواي وغيرها.
    وكما أشرنا أعلاه، فإن انتخابات العام الجاري في عدد من بلدان القارة قد تضم بلداناً أخرى الى الموجة اليسارية المناهضة لسياسات "الليبرالية الجديدة" التي ترفع راياتها واشنطن. ومن بين هذه البلدان، على الأرجح، نيكاراغوا، في أميركا الوسطى، والتي تشهد انتخابات رئاسية ونيابية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، حيث تشير استطلاعات الرأي الحالية الى ترجيح انتصار الحركة الساندينية فيها (وهي الحركة التي حكمت البلد خلال معظم الثمانينيات، وواجهت في حينه محاولات متواصلة للإطاحة بحكمها من قبل القوى اليمينية والميليشيات المسلحة التي انتشرت على حدود البلد والمعروفة باسم "كونتراس"، والتي كانت تمولها وتدربها المخابرات المركزية الأميركية، تساعدها الأجهزة الإسرائيلية، كما بات الآن معروفاً).
    كما شارك مرشح وطني استقلالي مناهض لسياسات الولايات المتحدة وللعولمة الرأسمالية في الانتخابات الرئاسية في بيرو، التي جرت دورتها الأولى يوم 9 نيسان/أبريل 2006. وجاء هذا المرشح في مقدمة المرشحين الآخرين في نتائج الدورة الأولى، حيث حصل على زهاء 30 بالمئة من الأصوات، متقدماً على مرشحة الرئيس اليميني الحاكم وعلى رئيس سابق آخر وقرابة العشرين من المرشحين الآخرين للرئاسة، مما أهله ليخوض الدورة الثانية للانتخابات المتوقعة في أوائل شهر أيار/مايو. ومن الصعب الجزم مبكراً بفرص هذا المرشح، الآتي حديثاً الى العمل السياسي، ولكن المدعوم بقوة، كما ظهر في الدورة الأولى للانتخابات، من فقراء البلد، وخاصة من ذوي الأصول "الهندية الحمراء". علماً بأن أنصار اليمين المحلي تجندوا في الحملة الانتخابية للتهجم عليه وإلصاق شتى التهم به وتنظيم التظاهرات المناهضة له حتى عندما قام بوضع ورقته في صندوق الإقتراع يوم انتخابات الدورة الأولى، واعتبرته وسائل الإعلام اليمينية يسارياً وشعبوياً متخفياً وراء شعار "الوطنية".
    وهذا المرشح، واسمه أويانتا أومالا، عسكري سابق، كما تشافيس، وله جذور "هندية حمراء". وقد أدت الإشادة به من قبل رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، قبل عدة أسابيع من الانتخابات، واستقباله في عاصمته كراكاس، الى أزمة سياسية مع النظام القائم آنذاك في بيرو، المرتبط بسياسات الإدارة الأميركية وتوصيات البنك الدولي "الليبرالية الجديدة".

    المكسيك الكبيرة، ومرشح اليسار القوي لرئاستها، مصدر قلق لدى واشنطن

    وربما تشهد المكسيك أيضاً، وهي، كما ذكرنا، البلد الثاني (أكثر من 100 مليون نسمة) من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، في انتخابات هامة تجري في مطلع تموز/يوليو القادم، حدثاً شبيهاً، حيث يتوقع أن يتفوق مرشح يساري بارز على منافسيه. مما سيشكل، في حال نجاحه، كسراً لاحتكار اليمين للسلطة في البلد منذ زهاء الثمانية عقود. ذلك أن استطلاعات الرأي تؤشر حالياً الى احتمال وصول المرشح ذي التوجهات اليسارية الى سدة الرئاسة، وهو رئيس بلدية العاصمة مكسيكو منذ العام 1997، أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، مرشح "حزب الثورة الديمقراطية" اليساري.
    وأوبرادور يتمتع بشعبية كبيرة في البلد، ويتوقع، حتى كتابة هذه الأسطر، أن يتجاوز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية كلا المرشحين الرئيسيين الآخرين، مرشح الحزب الذي سيطر على السلطة منذ العام 1929 وحتى العام 2000، ومرشح الحزب اليميني الآخر الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي فيسنتي فوكس الذي انتخب في العام 2000، والمقرب جداً من الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الإبن، الذي خصه بأول زيارة رسمية له خارج الولايات المتحدة بعد تسلمه (أي بوش) مسؤولياته في العام 2001.
    ومن الطبيعي أن تشعر الولايات المتحدة بالقلق عندما تصل موجة اليسار المتمددة الى حدودها الجنوبية. خاصة وأن نفوذ واشنطن في المكسيك كان، طوال عقود طويلة، كبيراً جداً، سواء من خلال التدخلات العسكرية والأمنية والسياسية، أو التداخلات الاقتصادية الواسعة، التي توجها في العام 1994 اتفاق التجارة الحرة بين بلدان أميركا الشمالية (كندا، الولايات المتحدة، المكسيك)، أو من خلال وجود جالية مكسيكية كبيرة في الولايات المتحدة، وبينها أكثر من 12 مليوناً من المقيمين بشكل غير قانوني، أي من الذين دخلوا الولايات المتحدة بدون تصريح.
    وتوفر هذه الجالية توريدات مالية كبيرة للمكسيك. وبإمكان أية إدارة أميركية أن تستخدم، من بين أدوات ضغط عدة، وضع هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين كمادة ابتزاز من أي نظام حكم في مكسيكو العاصمة، نظراً لأن أي مساس بأعمالهم ومداخيلهم ستكون له نتائج سلبية مباشرة وكبيرة على الاقتصاد المكسيكي.
    فهل تسعى الولايات المتحدة الى تكثيف جهودها، خلال الأشهر الباقية قبل الانتخابات، لوضع الحواجز أمام وصول المرشح اليساري الى الرئاسة المكسيكية، استباقاً لأية تحولات داخلية في هذا البلد الحيوي أيضاً بالنسبة للإقتصاد الأميركي، حيث العديد من الصناعات الأميركية، خاصة تلك التي تتطلب أيادي عاملة كثيفة، تم نقل ورشها الى هذا البلد كثيف السكان وذي مستوى المعيشة الأدنى؟
    في واقع الحال، جرت محاولة واحدة كبيرة للنيل من المرشح اليساري، أوبرادور، عندما جرى اتهامه بتجاهل أمر قضائي يقضي بوقف العمل في شق طريق على أرض مصادرة تقود الى مستشفى في العاصمة مكسيكو، التي يرأس أوبرادور مجلسها البلدي. وحاولت محكمة مكسيكية، استناداً الى هذه التهمة، أن تفرض عليه عقوبة بدفع غرامة مالية، أو بالسجن إذا لم يسدد الغرامة. وقد رفض أوبرادور التهمة، ورفض دفع الغرامة، مبدياً استعداده للدخول الى السجن، بالرغم من أن التهمة، برأيه، غير صحيحة.
    وإزاء الدعم الضمني أو المعلن للحزبين اليمينيين الكبيرين المنافسين له في الانتخابات الرئاسية لهذا الإفتراء، نزل أكثر من مليون مواطن مكسيكي الى الشارع يوم 24 نيسان/أبريل 2005 لفضح المؤامرة التي استهدفت تلطيخ سمعة أوبرادور تمهيداً لمنعه من الترشح للرئاسة. وتحركت أوساط عالمية واسعة أيضاً لدعم هذا الموقف الشعبي المكسيكي. مما دفع رئيس المكسيك الحالي فوكس، الذي كان قد أيد قرار المحكمة السابق بحق أوبرادور، الى اتخاذ قرار جديد، بعد التحرك الشعبي بثلاثة أيام، بفصل القاضي الذي اتخذ القرار. وهذا الحادث، في نهاية المطاف، لم يسئ الى أوبرادور، بل زاد من شعبيته، وزاد من إضعاف مرشح الحزب الحاكم في مواجهته في انتخابات الشهر السابع من العام الحالي.
    وهكذا تتضح قوة الدعم الشعبي للمرشح اليساري الرئيسي في انتخابات الرئاسة القادمة في المكسيك. يضاف إليه تضامن بلدان أميركا اللاتينية الأخرى ذات التوجهات اليسارية، مما يعطيه مجالاً غير قليل للحركة. علماً بأن هناك طيفاً متنوعاً وواسعاً من الأطراف اليسارية والمناهضة للعولمة الرأسمالية في البلد، بعضها يعتبر نفسه على يسار أوبرادور، مثل الحركة الزاباتية، التي انطلقت من جنوب البلاد، حيث كثافة حضور سكان البلاد الأصليين (اسم الحركة، كما أشرنا أعلاه، نسبة الى أحد قادة الحركات الثورية الفلاحية في مطلع القرن العشرين، إميليانو زاباتا).

    كولومبيا...نظام يميني، وقوات أميركية، و"فرق موت"، وحركات ثورية مسلحة!

    يبقى أن نشير الى بلد في هذه المنطقة له وضع غير عادي، وهو كولومبيا، الواقعة الى الغرب من فنزويلا، في شمال غرب أميركا الجنوبية. ففي هذا البلد، تتواجد قوات أميركية كبيرة نسبياً، بحجة مكافحة تجارة المخدرات، التي تنطلق من هذا البلد باتجاه الولايات المتحدة وبلدان أخرى. ومعروف أن شجرة الكوكا، التي تزرع في هذا البلد وبلدان أخرى مجاورة، تستخدم من قبل سكان القارة الأصليين كمادة منبهة وكمصدر للتداوي. ولكن منها أيضاً يتم استخراج مادة الكوكايين، التي هي من المخدرات القوية، ويجري التعاطي معها على نطاق واسع من قبل مدمني المخدرات في الولايات المتحدة وبلدان أخرى.
    وفي واقع الحال، فإن الوجود العسكري الأميركي له أغراض أخرى غير معلنة. خاصة وأن كولومبيا لديها حدود أرضية مع أميركا الوسطى، وتحديداً مع بنما، التي تحتضن القناة الشهيرة التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتفتح المجال لتواصل بري، عبر بلدان أميركا الوسطى والمكسيك، مع الولايات المتحدة نفسها. وكانت كولومبيا، وما زالت، مسرحاً، منذ عقود طويلة، لثورات عنيفة ضد الحكم المحلي الخاضع لنفوذ الولايات المتحدة.
    وخلافاً لبلدان أخرى في القارة توقفت فيها العمليات العسكرية للقوى الثورية بعد أن انهارت الأنظمة الدكتاتورية التابعة ومورست الحريات الديمقراطية، بما يسمح بانخراط الحركات الثورية في الحياة السياسية العامة وفي العمليات الانتخابية، فإن طبيعة السلطة والوضع العام في كولومبيا لهما خصوصيات جعلا البلد، حتى الآن، بمنأى عن موجة التحول الديمقراطي المفتوح، وعن الاكتساح اليساري عبر الانتخابات الحرة في القارة.
    فإلى جانب دور القوات الأميركية وقوات السلطة المحلية، التي تتعقب وتحارب القوى اليسارية المسلحة تحت غطاء محاربة تجار المخدرات، فإن عمليات التصفية الجسدية تتواصل في البلد، منذ أكثر من عشرين عاماً بشكل مكثف، لقادة وكوادر الأحزاب اليسارية التي حاولت أن تشارك في الحياة السياسية العلنية الشرعية، وذلك على أيدي "فرق الموت" اليمينية، التي تتلقى دعماً من قبل بعض أوساط السلطة اليمينية في البلد. وهو وضع دفع القوى الثورية الرئيسية (وخاصة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"، و"جيش التحرير الوطني") الى مواصلة كفاحها المسلح من أجل إنهاء هذا الوضع الإستثنائي، سعياً للوصول الى حكم يخدم مصالح شعب كولومبيا، وليس مصالح الولايات المتحدة وشركاتها ما فوق القومية.
    وبما أن كولومبيا متاخمة لفنزويلا من الغرب، فلا يستبعد النظام اليساري الحاكم في فنزويلا أن تستخدم كولومبيا كإحدى قواعد الإنطلاق للتآمر عليه، ولأي هجوم مستقبلي محتمل من قبل الولايات المتحدة عليه. وهو احتمال شكل مدخلاً لنظام تشافيس اليساري للعمل من أجل إنشاء جيش شعبي، يضم الملايين من المواطنين المدربين على السلاح، للدفاع عن الثورة في هذا البلد ضد إي اجتياح خارجي من قبل الولايات المتحدة وأتباعها. وقد بدئ، بالفعل، بالتدريبات الواسعة في أنحاء فنزويلا مؤخراً. وبما أن فنزويلا تعد من السكان بقدر ما يعد العراق تقريباً - حوالي 25 مليون نسمة -، وهي، كما العراق، بلد نفطي رئيسي، فإن اليقظة واجبة، لنظام تعرض حتى الآن لجملة من محاولات الإطاحة به بتشجيع من إدارة الولايات المتحدة.
    ***
    بالنسبة للقوى المسيطرة في الولايات المتحدة: بعبعان كبيران... تشافيس، والصين!

    من المنطقي، على ضوء هذا الاستعراض للأوضاع في أميركا اللاتينية، أن يطرح المسؤولون الأميركيون على أنفسهم السؤال إياه الذي يطرحونه بالنسبة لمناطق أخرى من العالم، وخاصة في السنوات الأخيرة، المنطقة العربية الإسلامية: لماذا يكرهوننا الى هذا الحد؟!
    ولا شك أن الجواب الموضوعي سيكون نفسه كما في مناطق العالم المختلفة: لأنكم تعتدون على ثروات الشعوب وتنهبون خيراتها وتستخدمون قوتكم العسكرية والاقتصادية، وتفردكم بالقوة الكونية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لإخضاع العالم كله لمصالحكم، ليس الحالية فقط وإنما المستقبلية أيضاً. وهو ما يقف وراء حربكم واحتلالكم للعراق، وتدخلكم في العديد من بلدان العالم، ودعمكم غير المحدود للاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، والعرب الآخرين.
    ولكن المشكلة أن الحقيقة الموضوعية لا تعني كثيراً أصحاب القرار في واشنطن، لأنها تتعارض مع مصالحهم ومصالح الشركات الكبرى النافذة والمؤثرة على القرار في البلد. كما تتعارض مع توجهاتهم الإمبراطورية، التي انتعشت وتضخمت في السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة جورج بوش الإبن. وإنما الذي يعنيهم هو كسر المقاومة العالمية لسياساتهم هذه، واستباق نهوض قوى عالمية أخرى يمكن أن تهدد انفرادهم بالنفوذ العالمي. وهو ما يفسر خشية واشنطن المتزايدة من دخول الصين الاقتصادي والسياسي بقوة الى أميركا اللاتينية، بحيث بات هناك لدى واشنطن، على حد تعبير أحد المحللين في تلك المنطقة، كابوسان كبيران في أميركا اللاتينية:
    * أولاً، أوغو تشافيس، زعيم فنزويلا الثوري، صاحب الشعبية الهائلة في عموم المنطقة اللاتينية، والذي يرى الأميركيون وراءه شبح القائد اليساري الكوبي ذي الخبرة الطويلة في مقارعة السياسات الإمبريالية، فيديل كاسترو...
    * وثانياً، الدور الصيني المتزايد في تلك المنطقة، في المجال الاقتصادي والتجاري أولاً، وفي مجالات أخرى تتسع يوماً بعد يوم، بما في ذلك التدريب العسكري لقوات بلدان المنطقة، مما يهدد بتوسيع نطاق المنافسة للنفوذ الأميركي الشمالي في القارة، "الحديقة الخلفية" لواشنطن في الماضي غير البعيد. وجدير بالإشارة أن الولايات المتحدة كانت قد اتخذت قراراً بوقف المساعدات العسكرية والتدريبات لأي بلد لا يوقع إتفاقاً معها، يتعهد فيه بعدم تسليم أي مواطن أو عسكري أميركي لمحكمة الجنايات الدولية، التي أنشأتها منظمة الأمم المتحدة مؤخراً، وحاولت الولايات المتحدة أن تحول دون قيامها، لكن دون جدوى. وقد رفض 12 بلداً (من بينها تشيلي، المعتدلة يسارياً) من أصل 21 بلداً أميركياً لاتينياً إعطاء مثل هذا التعهد لواشنطن، وهو ما أدى الى وقف المساعدات العسكرية عنها ووقف التدريب على السلاح. فسارع عدد من دول المنطقة اللاتينية الى الاستعانة بالصين وخبرائها، ولاستيراد أسلحة منها ومن بلدان أخرى في العالم، مثل روسيا ودول أخرى.
    ***




    كيف ستواجه واشنطن هذا الوضع الجديد في "حديقتها الخلفية"؟

    وبالتأكيد، لن تستسلم واشنطن بسهولة لواقع انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية. فواشنطن، التي غرقت في المستنقع العراقي منذ ثلاث سنوات ونيف، لا تهمل مصالحها في مناطق العالم الأخرى، وإن اضطرت الى تأجيل التركيز مؤقتاً على هذه المنطقة أو تلك.
    فمن المتوقع جداً أن يسعى مسؤولو واشنطن الى أشكال من التخريب على الأنظمة اليسارية الجذرية في أميركا اللاتينية، ومحاولة دق أسافين بينها وبين الأنظمة اليسارية الأكثر حذراً. وقد حرصت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال مشاركتها في حفل تنصيب الرئيسة اليسارية الجديدة في تشيلي في آذار/مارس الماضي، على الإشادة بالتجارب اليسارية المعتدلة في القارة والالتقاء بزعمائها المشاركين في احتفال التنصيب، في حين تفادت الالتقاء مع رئيس فنزويلا أوغو تشافيس، الذي لم يكن يوفرها، في العديد من خطبه، بتعليقاته اللاذعة. كما لا يوفر رئيسها بوش بأوصاف أكثر حدة، حيث درج في خطبه وتصريحاته على إطلاق لقب "مستر دينجر"، أي السيد خطَر، عليه، وذهب في خطب وتصريحات أخيرة الى حد تسميته "مستر دونكي"، أي السيد حمار!
    فربما تسعى واشنطن، مثلاً، الى إعاقة إعادة انتخاب رئيس البرازيل الحالي "لولا" دا سيلفا في تشرين الأول/أكتوبر القادم، بالرغم من كونه مارس سياسة اقتصادية حذرة جداً، ولم يسع الى إجراء تحولات جذرية على هذا الصعيد في هذا البلد الكبير. لكن، لكونه يسارياً تعامل بتعاطف مع التجارب اليسارية الأخرى في القارة، بما في ذلك مع تجربة تشافيس في فنزويلا، فإن محاولة الإطاحة به والإتيان برئيس يميني في الانتخابات الرئاسية القادمة ستضع فنزويلا الواقعة الى الشمال من البرازيل في وضع صعب، خاصة إذا ما حدث تحول مشابه لاحق في بلد هام آخر مثل الأرجنتين.
    وكلا الاحتمالين قائم، ولكن غير محسوم حتى الآن في استطلاعات الرأي. وعلاقة هذين البلدين الهامين حالياً مع فنزويلا حيوية للنظام اليساري فيه، لكونهما أهم اقتصادين، من حيث حجم الناتج الإجمالي، في أميركا الجنوبية (وحدها المكسيك، الواقعة في أميركا الشمالية، تتجاوزهما من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي). ولذلك، وبالرغم من الإشكالات الكبيرة التي يعيشها حزب الرئيس "لولا" في البرازيل، والفضائح التي أحاطت ببعض رموز نظامه، يبدو مهماً بالنسبة لفنزويلا ألا تتم الإطاحة به، أو بأي مرشح يدعمه إذا قرر عدم تجديد ترشيحه، في الانتخابات البرازيلية القادمة في أواخر العام 2006، لصالح مرشح يميني، يعيد ربط هذا البلد الكبير والهام بعجلة التبعية للولايات المتحدة. وإن كانت التبعية ستأتي، على الأغلب، أقل فجاجة من التجارب السابقة، بحكم حجم البلد والمزاج الشعبي الواسع السائد فيه.

    هل تمتد هذه التجارب اليسارية الى مناطق أخرى من "العالم الثالث"؟

    والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه بعد هذا العرض لإنجازات قوى اليسار في أميركا اللاتينية هو: هل يمكن أن تمتد مثل هذه التجارب الى مناطق أخرى في العالم، وخاصة في "العالم الثالث"، الذي تحسب عليه منطقتنا العربية؟
    والجواب ليس سهلاً، ولكنه سؤال يستحق التفكير فيه، مع التمعن في خصوصيات وسمات كل منطقة من مناطق العالم. خاصة وأن الاحتجاج الشعبي في المنطقة العربية والاسلامية اتخذ، خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، طابعاً أميل الى الارتكاز الى التراث والمرجعيات الدينية منه الى الخيارات اليسارية. وهو ما تجسد بشكل واضح في انتصارالثورة الإيرانية عام 1979 على النظام الشاهنشاهي الذي كان شديد التبعية للسياسات الأميركية، الى جانب ظواهر أخرى متنوعة السمات في بلدان أخرى، مثل لبنان وأفغانستان والجزائر وتركيا والعراق وفلسطين وغيرها. وذلك يعود لأسباب متعددة، موضوعية وذاتية. ولا شك أن إخفاقات التجارب القومية في المنطقة العربية، خاصة منذ العدوان الإسرائيلي عام 1967 والهجمات اللاحقة من قبل الولايات المتحدة للسيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط، كما وانهيارات التجارب الإشتراكية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والجنوبية، منذ أواخر الثمانينيات الماضية، لها دورها بالتأكيد.
    وفي كل الأحوال، فإن من الضروري والحيوي لليسار في منطقتنا والعالم، وحتى لكل القوى والتيارات الوطنية الاستقلالية، فتح خطوط قوية مع أنظمة وقوى أميركا اللاتينية اليسارية، التي عبرت كلها عن تضامنها غير المحدود مع نضال الشعب الفلسطيني ومجمل الشعوب العربية. وهو ما اتضح بشكل خاص في لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي التي جرت في البرازيل (بورتو أليغري) في الأعوام الماضية، وفي فنزويلا (كراكاس) مؤخراً. كما عبرت كل أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية عن إدانتها القوية للغزو الأميركي- البريطاني للعراق، وهو الغزو الذي يلقى رفضاً شعبياً كاسحاً في تلك المنطقة، وفق استطلاعات الرأي التي أجريت فيها، بما في ذلك من قبل مؤسسات استطلاع في الولايات المتحدة.
    ومن المحزن أن أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية كانت، في الفترة الأخيرة، أكثر حرصاً من غالبية الأنظمة العربية على توثيق العلاقات بين المنطقتين. وهو ما اتضح في القمة العربية-الأميركية الجنوبية، التي دعا إليها ونظمها رئيس البرازيل "لولا" داسيلفا في عاصمة بلده برازيليا، في أيار/مايو 2005. وكانت المشاركة العربية فيها ضعيفة وغالباً من مستوى أقل من المسؤول الأول، في حين أن الطرف الأميركي الجنوبي حضر بأعلى المستويات، وحرص على صدور قرارات تضامن قوية مع شعوب الأمة العربية. وذهب رئيس البرازيل اليساري "لولا"، الذي دعا الى عقد القمة، الى حد رفض طلب للولايات المتحدة بالمشاركة في هذه القمة بصفة مراقب!

    وهل تشق تجارب أميركا اللاتينية مسارات جديدة للتحول الاشتراكي؟

    وأهمية نجاح هذه التجارب في أميركا اللاتينية، وخاصة الأكثر تقدماً وجذرية من بينها، تكمن في كونها قد تفتح الآفاق لتحولات عالمية جديدة نحو الخيارات اليسارية، وبطرق وسمات مختلفة عن تجارب سابقة، سواء تجربة الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية أو تجارب أخرى ما زالت قائمة في العالم.
    ومن المهم متابعة إمكانية التحول نحو اليسار وتجاوز حالة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، عبر توفير أعلى درجة من العدالة الاجتماعية، مع التمسك بالحريات الديمقراطية الأساسية، بما فيها حرية التعبير والتنظيم، وبالتالي التعددية السياسية والفكرية. بحيث تنتصر الخيارات اليسارية بانحياز طوعي وقناعة من غالبية الشعب، لتتجند أوسع قطاعاته في عملية التحول وبناء المجتمعات المنصفة والعادلة، التي تسمح بازدهار الإنسان، كل إنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دون التضحية بهذه الحريات الديمقراطية، بصيغها الأكثر تطوراً ونضجاً طبعاً، وبدون افتعال تناقض غير صحيح بين هذه الحريات وبين ما كان يسمى في تجارب سابقة بـ"الديمقراطية الاجتماعية". خاصة وأن أوضاع العالم تغيرت كثيراً خلال القرن الذي مضى، وتطور وعي الناس لأهمية حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية، الى جانب وعلى أرضية ضمان حقهم أولاً في العيش بكرامة ومساواة.
    وينبغي هنا التحذير من أوهام، كانت منتشرة في الماضي، حول كون الاشتراكية مسألة إرادوية يمكن تحقيقها بقرار ونشاط مجموعة صغيرة من الناس، قبل ودون تطوير المجتمعات المعنية وتحقيق تراكم رأسمالي متقدم فيها، وتطور اقتصادي واجتماعي وثقافي كاف لتجاوز المرحلة الرأسمالية من فوقها، أي الانتقال من أعلى مرحلة من التطور على كافة الصعد في المجتمعات الرأسمالية الى مرحلة التحول الاشتراكي.
    وإن كان، وما زال، من الممكن طبعاً أن تجري عملية التراكم والتطور بقيادة يسارية جذرية وقديرة، بإمكانها التعامل مع هذه المهمات المعقدة بعقلية خلاقة وواسعة الأفق، تتجاوز الإرادوية القهرية، التي أثبتت انهيارات الثمانينيات والتسعينيات الماضية أنها لا يمكن أن تكون بديلاً من إنضاج وتوفير الظروف الموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، والذاتية، أي مستوى الوعي والثقافة والإدراك الجماعي للحاجة الى هذا النظام الأرقى.
    فأنصار الفكر الاشتراكي، والطامحون الى مجتمعات متطورة ومنصفة للبشرية كلها، خالية من الاضطهاد والاستغلال، ما زالوا يتابعون باهتمام كل التجارب الانتقالية القائمة حالياً في آسيا الشرقية، وتلك التي يبحث الثوريون اليساريون في أميركا اللاتينية عن طريق جديد إليها في قارتهم المتقدة بالعزيمة والطموح الإنساني غير المحدود.
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-05-04
  7. الرئيس الصالح

    الرئيس الصالح عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-04
    المشاركات:
    240
    الإعجاب :
    0
    مشكوررررررررررر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-05-18
  9. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    اليسار العربي !!! متي ينهض

    الحقيقه كنت متابع دقيقه لانتصارات اليسارر في امريكا اللاتينيه واتلجت صدري وتخيل ان عصر الثورات والتحرر من الاستبداد والظلم قادم الي العالم بشكل قوي كالمارد الجبار وان الراسماليه المتوحشه لابد من ان تحقق نطريه ماركس بختمية سقوط الراسماليه علئ الرغم ان البعض يري ان الاشتراكيه والشيوعيه سقطت بانهيار جداربرلين وانهيار دول المنظمومه الاشتراكيه والاتحاد السوفياتي قبل سقوط الراسماليه وريما يحتلف العديد من الباحتين والدراسين في تحليل الاسباب الرئيسيه في معرفه الاسباب وكل واحد منهم يفسر الاسباب وفق توحيهات المدرسه الفكريه لكل باحت من الباحتين وهو موضوع ممكن ان يكون محور من محاور عدة يمكن ان تناقش بهدف الاستفادة من كل اخطاء الماضي والمزيدات والشطحات الذي رافقت تلك المرحلة من مراحل تطور المحتمع البشري
    الاهم ان اليسار في امريكا اللاتينيه اليوم بحقق المزيد من الانتصارات الثوريه علي ان التجارب الكثير من تجارب اليسار في امريكا اللاتينيه قدطبقت في العديد من البلدان العربيه بل ان العديد من وتايق اليسار في امريكا اللاتينيه كانت تصب دايما في اطار حلقات التثقيف السياسي والفكري للعديد من كودار السيار العربي وهو الامر الذي يدفعني القول ان لهدة الفكراليساري تاثير ماء علي العديد من القوي السياسي العربيه وهو الامر الذي دفعني الي التساؤل اين قوي اليسار العربي من ماضي
    وخاضر ومستقبل قوي اليسار في امريكا اللاتينيه


    إنتصارات اليسار في أميركا اللاتينية -الخلفيات والآفاق
    إثر النصر الكبير الذي حققه المرشح اليساري إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا في الشهر الأخير من العام المنصرم، ديسمبر/كانون الأول 2005، أورد موقع هيئة البث البريطانية (بي بي سي) على شبكة الانترنت خارطة لأميركا الجنوبية، تلونت معظم مساحتها باللون الأحمر، إشارةً الى نجاحات اليسار في غالبية بلدان هذه المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث لم تبق سوى مساحات صغيرة بيضاء، في شمال غربيها خاصة، تشير الى البلدان القليلة التي لا يحكمها بعد رؤساء يساريون أو أحزاب يسارية.

    انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998...عام انتخاب تشافيس

    وموراليس، كما هو معروف، من "الهنود الحمر"، أي من سكان البلاد الأصليين قبل الغزو الأوروبي الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. وقد أطلق خطأ على هؤلاء السكان الأصليين، المنتمين الى قبائل وشعوب وحضارات متنوعة، اسم الهنود لأن قائد الغزوة الأوروبية الأولى للقارة، كريستوفورو كولومبو (كولومبوس)، ظن أنه وصل الى الهند من الغرب.
    ولكن إيفو موراليس لم يكن الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى السلطة في أحد بلدان هذه القارة خلال السنوات الأخيرة. فقبل انتصار موراليس اليساري في بوليفيا، تحققت نجاحات كبيرة لليسار في المنطقة، كانت فاتحتها انتخاب الضابط السابق اوغو تشافيس رئيساً لجمهورية فنزويلا في انتخابات ديمقراطية تعددية في العام 1998.
    وبعد تشافيس، نجح يساريون آخرون ووطنيون استقلاليون مناهضون لسياسات و"نصائح" الولايات المتحدة الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي تسيطر عليها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) في انتخابات ديمقراطية في بلدان أخرى من المنطقة... في تشيلي (2000)، وفي البرازيل (2002)، وفي الأرجنتين (2003)، وفي أوروغواي (2005)، بحيث بات أكثر من 80 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية يعيشون في ظل حكام أو أنظمة يسارية.
    وقد تجدد فوز الحزب الاشتراكي في تشيلي برئاسة الجمهورية مرة أخرى في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في الشهر الأول من العام الجاري 2006، مع انتصار مرشحته ميتشيل باتشيليت، لتخلف زميلها في الحزب ذاته ريكاردو لاغوس، ولتصبح أول إمرأة تتبوأ هذا الموقع في تشيلي، وأول إمرأةنت تنتخب في أميركا اللاتينية المعاصرة دون أن تكون وريثة رئيس سابق أو زعيم بارز.
    هذا، علاوة على أن رئيسة تشيلي الجديدة كانت من المتضررات، بشكل شخصي ومباشر، من الانقلاب العسكري اليميني الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوتشيت، بدعم معلن من الادارة الأميركية ومخابراتها المركزية آنذاك، في العام 1973، ضد الرئيس الشرعي الذي جرى انتخابه، قبل ثلاثة أعوام من ذلك، في اقتراع ديمقراطي لا غبار عليه، اليساري سلفادور اليندي (تلفظ أييندي بالإسبانية). ولعل من الدلالات الهامة لانتخاب باتشيليت كونها تنتمي الى نفس حزب اليندي، الحزب الاشتراكي. كما كان والدها ضابطاً كبيراً من أنصار أليندي، وجرى اعتقاله بعد الانقلاب العسكري، وتوفي في السجن خلال فترة وجيزة من اعتقاله. في حين تعرضت هي الى الاعتقال والنفي بسبب نشاطها السياسي كطالبة جامعية في ذلك الحين.
    ***
    وكل المؤشرات تدل على أن الحبل ما زال على الجرار بالنسبة لانتصارات اليسار. حيث يتوقع أن يحقق اليساريون نجاحات في بلدان أخرى من القارة تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية أو كليهما هذا العام... في بيرو وإكوادور في أميركا الجنوبية، وحتى في نيكاراغوا في أميركا الوسطى، وفي المكسيك، البلد الواقع مباشرة جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الثاني بعد البرازيل من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية (أكثر من مئة مليون نسمة، مقابل 190 مليون نسمة تقريباً للبرازيل).
    فما سر هذه النجاحات اليسارية التي تنفرد بها أميركا اللاتينية، بهذه الصورة المنهجية، من بين مناطق العالم الأخرى؟

    أضرار "إصلاحات" العولمة الرأسمالية... مهدت للنجاحات اليسارية

    وهنا لا بد من التوضيح، أولاً، أن تعبير اللاتينية لا علاقة له بتوصيف ديني، كما قد يظن بعض الناس في منطقتنا. بل يعود الى كون الغالبية الساحقة من سكان البلدان الواقعة جنوبي الولايات المتحدة يتكلمون إما الإسبانية أو البرتغالية أو يعيشون في بلدان لغتها الرسمية إحدى هاتين اللغتين. وكلا اللغتين مشتقتان من اللغة اللاتينية القديمة، كما هو حال عدد من اللغات الأوروبية المنشأ الأخرى، مثل الإيطالية والفرنسية والرومانية.
    وليس هناك سوى عدد قليل من البلدان الصغيرة التي تتكلم غير هاتين اللغتين، خاصة في منطقة البحر الكاريبي الواقع قبالة أميركا الوسطى (حيث هناك جزر صغيرة كانت، أو ما زالت، مستعمرات أوروبية أو أميركية، يتكلم بعضها الفرنسية - أو لغة محلية مشتقة منها، تسمى الكريول في بلد مثل هاييتي-، أو الانكليزية، أو الهولندية)...كما في ثلاثة كيانات صغيرة شمال شرقي أميركا الجنوبية (غويانا المتاخمة لفنزويلا، والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسورينام التي كانت مستعمرة هولندية، وغويانا الفرنسية التي لا زالت فرنسا تحكمها)، الى جانب جزر فوكلاند الشهيرة الواقعة على مقربة من شواطئ الأرجنتين الجنوبية، والتي اشتهرت أبان الحرب التي جرت في العام 1982 عندما حاول الحكام العسكريون الأرجنتينيون ضمها الى بلدهم، فتعرضوا لضربات الأساطيل البريطانية، التي استعادت السيطرة على الجزر، وما زالت تسيطر عليها.
    أما الغالبية الكبرى من سكان المناطق الواقعة جنوبي الولايات المتحدة، كما ذكرنا، فيقيمون في بلدان تسيطر عليها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، مع العلم بأن هناك جماعات غير قليلة من سكان القارة الأصليين ("الهنود الحمر")، الذين ما زال بعضهم يتكلم لغاتهم الأصلية القديمة.

    مبدأ مونرو..."المزرعة المغلقة" لواشنطن...هل أصبح من الماضي؟

    وبعد استقلال معظم بلدان أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمة الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من قبل الشعوب التي تشكلت فيها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، التي استقلت في أواخر القرن السابق (الثامن عشر) عن الوجود العسكري البريطاني، وقامت خلال العقود اللاحقة بتوسيع مساحة أراضيها عبر ضم وشراء أراض كانت، قبل ذلك، تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية والمكسيكية والروسية، عملت على فرض نفوذها على عموم القارة (مبدأ مونرو، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق، وهو المبدأ المعلن في العام 1823، والقاضي برفض تدخل قوى من خارج القارة، وتحديداً من أوروبا، في أي منطقة من القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها).
    ودأبت واشنطن، مذذاك، على التعامل مع هذه المناطق الواسعة كمزرعة أو "حديقة خلفية" لها، كما يقال. كما خاضت حروباً استعمارية عدة، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، للسيطرة على بعض بلدان المنطقة، مثل جزيرة بورتوريكو في البحر الكاريبي، وعلى بلدان آسيوية مثل الفيليبين، كانت قبل ذلك تحت السيطرة الإسبانية. وعملت واشنطن على ربط الشرائح الحاكمة في هذه البلدان بها، وتدخلت مراراً لدعم الأنظمة التابعة لها ولضرب الحركات الشعبية المناهضة للتبعية، طوال القرن العشرين.
    وفي الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، ومع تنامي العولمة الرأسمالية وسياسات "الليبرالية الجديدة" الملازمة لها على الصعيد الاقتصادي، والتي روجت لها وشجعتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن، سعت واشنطن الى فرض قوانين وشبكات هذه العولمة، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية التي تسيطر على قراراتها (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة "غات" للتجارة، التي حلت مكانها في أواخر القرن المنصرم منظمة التجارة العالمية... الى جانب "منظمة الدول الأميركية"، التي تجمع كل دول القارة الأميركية بشمالها ووسطها وجنوبها - وقد جرى استبعاد كوبا منها في السنوات الأخيرة بضغط من واشنطن).
    وهكذا، عملت واشنطن على فرض سيطرة شركاتها الكبرى وأولوية مصالحها الخاصة، وضغطت على دول القارة الأخرى للإلتزام بقواعد السوق و"الليبرالية الجديدة"، تحت يافطة "الإصلاح الاقتصادي". كما حاولت فرض اتفاقات تجارية إقليمية، أو ثنائية، بينها وبين دول المنطقة وفق قواعد ما يسمى بـ "التجارة الحرة"، التي تفترض فتح الأسواق بدون قيود بين البلدان المعنية، وهو ما يقود عملياً الى سيطرة رأسمال ومنتجات الدولة الأكثر تطوراً، أي الولايات المتحدة، على أسواق البلدان الأضعف إقتصادياً. وهو ما حصل، بالفعل، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
    ولذلك، عندما يتبادر الى الذهن السؤال الطبيعي: لماذا يحدث هذا الزحف اليساري المتواصل في هذه المنطقة قبل غيرها من مناطق العالم؟ يأتي الجواب واضحاً على لسان أحد كبار المفكرين اليساريين المتابعين لشؤونها: لأن هذه المنطقة كانت دائماً حقل تجارب أول للولايات المتحدة في "العالم الثالث". وفيها، بالتالي، بدئ بتطبيق وصفات "الليبرالية الجديدة" وتوسيع نفوذ وامتداد العولمة الرأسمالية في شتى المجالات، من منطلق تعزيز التبعية للمركز الرأسمالي الرئيسي في القارة: الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبالتالي، تجلت سلبيات هذه السياسات الاقتصادية في هذه المنطقة، وعلى نطاق واسع، قبل غيرها من مناطق العالم.
    فخلال قرابة العقدين من تطبيق قواعد "الليبرالية الجديدة" في معظم بلدان أميركا اللاتينية، اتضح أن هذا النظام الاقتصادي، الذي كان يجري تقديمه على أساس أنه أقصر الطرق لتسريع النمو الاقتصادي وانحسار الفقر، قاد في الواقع الى زيادة الأثرياء والشرائح المرتبطة بالمصالح الأميركية الشمالية (والأوروبية) ثراء، كما قاد الى زيادة الفقراء فقراً وإلقاء المزيد من شرائح الفئات الوسطى في أميركا اللاتينية في أتون الفاقة.
    ووصلت الأمور في بعض الحالات الى انفجار أزمات نقدية واقتصادية كبرى، كما في المكسيك عام 1994، ثم في الأرجنتين عامي 2001-2002، وهي أزمات دفعت ثمنها أيضاً بلدان أخرى في محيط البلدين وعموم القارة.
    وفي واقع الحال، فإن ما أسموها بـ"الإصلاحات الاقتصادية البنيوية"، أو "إعادة هيكلة الاقتصاد"، قادت الى تباطؤ النمو في غالبية هذه البلدان. فبينما نمت اقتصادات أميركا اللاتينية بنسبة 82 بالمئة بين العامين 1960 و1980، أي قبل تطبيق هذه "الإصلاحات"، نمت إقتصاداتها بين العامين 1980 و2000، أي في ظل هذه الاصلاحات، بنسبة 9 بالمئة فقط!! وحتى بلد غني بالنفط والغاز مثل فنزويلا شهد بين العامين 1970 و1998 ظاهرة مقلقة، وهي انخفاض معدل الدخل القومي للفرد فيه بنسبة 35 بالمئة. وبلد هام آخر في القارة، وهو الأرجنتين، اتسع عدد الفقراء فيه من مليون مواطن في العام 1990 الى 14 مليوناً في العام 2001 ابان الانهيار الاقتصادي. وسيطرت، خلال الفترة ذاتها، شركات عابرة للقارات (أميركية وأوروبية خاصة) على أكثر من 4000 مصرف ومنجم وشركات نفط واتصالات ونقل في القارة.
    وهكذا، بات 40 بالمئة من سكان أميركا اللاتينية (حوالي 550 مليوناً حالياً) يعيشون تحت خط الفقر، وحوالي 20 بالمئة في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم الواحد). في حين بلغت الفروقات في المداخيل بين الأفقر والأغنى مستويات فاحشة، بكل المعايير، بحيث وضع تقرير التنمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للعام 2005 أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في أدنى المراتب في العالم من زاوية التفاوت في المداخيل، الى جانب إفريقيا السوداء (جنوبي الصحراء الكبرى).
    ***




    فنزويلا: تشافيس في مقدمة ركب التمرد والتغيير الجذري

    وقد أدت هذه الأوضاع المتردية الى تنامي حركات الاحتجاج والمعارضة الشعبية، التي نشأت غالباً على الأرض وفي الميدان، وانطلاقاً من القاعدة الشعبية المتضررة. وتأطرت لاحقاً بشكل قوى يسارية منظمة، بعضها حديث المنشأ.
    وفي هذا المناخ، جاء أوغو تشافيس الى الحكم في فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية عام 1998، تحت يافطة محاربة الفقر والجوع والفساد ونفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى الأجنبية التي تنهب البلد وثروته الرئيسية، النفط، بحيث لا تستفيد من هذه الثروة الهامة سوى الشركات الأجنبية الكبرى نفسها، الى جانب شريحة محدودة من أثرياء البلد المرتبطين بها وبالمصالح الأجنبية في البلد.
    وقد أثبت تشافيس، خلال سنوات حكمه المستمرة حتى الآن بعد وضع دستور جديد للبلاد عام 1999، وإعادة انتخابه رئيساً وفق بنود هذا الدستور عام 2000، أثبت شعبيته الهائلة. وخاصة عندما حاولت قوى اليمين في المجتمع وشرائح رجعية في الجيش الفنزويلي، مدعومة مالياً وسياسياً بشكل مكشوف من قبل إدارة جورج بوش الإبن في الولايات المتحدة، إحداث إنقلاب عسكري على نظامه اليساري في نيسان/أبريل 2002. حيث قامت الجماهير الفقيرة وشرائح المجتمع المستنيرة واليسارية وقطاعات الجيش المؤيدة لتشافيس بالتصدي للانقلابيين ودحرهم، وتمت إعادته الى الحكم خلال 48 ساعة بعد بدء الإنقلاب، بعد أن تورطت إدارة جورج بوش الإبن بإعلان دعمها العلني للإنقلابيين وتأييدها لنظامهم!!
    وعندما حاولت قوى اليمين الفنزويلي بعد فشلها المريع هذا، وبدعم متجدد من واشنطن، استغلال بند في الدستور الجديد، الذي تم وضعه في ظل حكم تشافيس، يسمح بالاطاحة بأي مسؤول منتخب بعد مضي نصف ولايته، بما في ذلك الرئيس نفسه، عبر تقديم عريضة شعبية تحمل تواقيع 20 بالمئة من عدد الناخبين المسجلين ( في هذه الحالة 2،4 مليون ناخب) بهدف إجراء استفتاء شعبي لسحب الثقة من الرئيس، لم يهرب تشافيس من التحدي. وأجري الاستفتاء فعلاً في آب/أغسطس من العام 2004، فحقق تشافيس نجاحاً باهراً فيه. حيث دعمته غالبية كبيرة من السكان (حوالي 58 بالمئة من المقترعين)، مما شكل ضربة قوية لليمين الفنزويلي، لم يستفق منها حتى الآن، ولن يستفيق منها بسهولة.
    جاء ذلك بعد فشل أشكال شتى من محاولات تعطيل الاقتصاد الفنزويلي، وقطاع النفط تحديداً، نظمتها الأوساط اليمينية، وفق نموذج الإضرابات التي جرت في تشيلي في مطلع السبعينيات الماضية، والتي مهدت للانقلاب العسكري الدموي على حكم الرئيس اليساري الشرعي سلفادور اليندي.
    وبعد إحباط كل هذه المؤامرات على نظامه، عمل تشافيس على إعادة إحياء آلة الاقتصاد، وخاصة قطاعي النفط والغاز (فنزويلا سابع منتج للنفط في العالم، وخامس المصدرين له، وتستورد منه حتى الولايات المتحدة قرابة الـ15 بالمئة من استهلاكها النفطي لتشكل رابع مصدر استيراد لواشنطن من هذه المادة الحيوية، بعد السعودية وكندا والمكسيك. كما ان فنزويلا أول منتج للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية). وتزامن ذلك مع إرتفاع أسعار النفط العالمية لتبلغ أرقاماً قياسية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق، حيث تجاوز سعر البرميل سقف الـ 60 دولاراً).
    وهكذا، بعد عودة الاستقرار للبلد وإعادة تشغيل المرافق النفطية، وحسم شرعية السلطة بهذا الشكل الباهر، دون المساس بالدستور أو بالحريات العامة والتعددية والديمقراطية، توفرت للخزينة الفنزويلية مبالغ كبيرة، قاربت الـ50 مليار دولار في العام 2005. مما سمح لنظام تشافيس بتحقيق برامج إصلاح وتنمية اجتماعية واسعة. وشملت هذه البرامج حملة واسعة لمحو الأمية، وتأمين العلاجات الطبية المجانية الواسعة للفقراء، بدعم زهاء 20 ألف طبيب استقدموا من كوبا، وإرسال بعثات دراسية كبيرة تشمل زهاء 20 ألف شاب لتعلم الطب في كوبا وبلدان أخرى، الخ...
    وخارجياً، سعت فنزويلا الى دعم اقتصاديات دول أميركا اللاتينية المحتاجة والفقيرة، فقامت ببيع النفط بأسعار مخفضة للعديد من دول المنطقة اللاتينية والكاريبي، كما لبعض المناطق الفقيرة والمنكوبة في الولايات المتحدة نفسها... الى جانب سعي تشافيس الى إقامة وتشجيع اتفاقات التكامل الاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية، بديلاً من الاتفاقات التي عملت الولايات المتحدة على فرضها على بلدان القارة الأخرى لصالح اقتصادها وشركاتها الكبرى.
    وربما كان هذا الجانب الاقتصادي هو الأخطر بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ففي سياق تطبيقات العولمة الرأسمالية، أبرمت واشنطن إتفاق تجارة حرة مع كل من كندا والمكسيك في العام 1994 عرف بالأحرف الأولى لاسمه بالانكليزية، "نافتا" (اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية). وحققت بذلك منافع كبيرة لشركاتها الكبرى لاختراق السوق المكسيكي بشكل خاص. كما عملت على التحضير لعقد إتفاق آخر مع دول أميركا الوسطى (غواتيمالا، بيليز، هوندوراس، السلفادور، نيكاراغوا، كوستاريكا، وبنما) بالإضافة الى جمهورية الدومينيكان في بحر الكاريبي، تحت اسم "اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان" ("كافتا"، بالأحرف الأولى الانكليزية). وهو اتفاق لم يتم إبرامه بعد من قبل كافة البلدان المعنية، كما وضع الكونغرس الأميركي شروطاً مسبقة على البلدان اللاتينية المعنية للموافقة على ضمها للاتفاق. حيث لم يدخل سريانه إلا في دولة السلفادور مؤخراً، في جو معارضة نشطة واسعة في الشارع هناك للاتفاق ونتائجه على البلد واقتصاده الضعيف.
    كما سعت واشنطن بقوة الى توقيع اتفاق مع دول أميركا الجنوبية ليتم التوقيع عليه في مطلع العام 2005 تحت اسم اتفاقية "منطقة التجارة الحرة للأميركتين". لكن عدداً من دول أميركا الجنوبية الرئيسية واجهت وأبطلت مشروعها هذا، وفي المقدمة البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وفنزويلا. وكان أوغو تشافيس رأس الحربة في مواجهة هذا المشروع الأميركي، حيث قام بحملة تحريض واسعة ضده.
    ووجد الرئيس جورج بوش نفسه في الزاوية في قمة الدول الأميركية في مار دل بلاتا في الأرجنتين، في أواخر العام 2005، بحيث تعطل مشروع الاتفاق التجاري تماماً، وتم وضعه في الثلاجة. وخرج تشافيس من قاعة الاجتماعات ليخاطب الجماهير الأرجنتينية، وجماهير جنوب القارة، في مهرجانات حاشدة، داعياً الى رفض التبعية للولايات المتحدة وإلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول أميركا اللاتينية، مستوحياً دور البطل الأميركي الجنوبي الشهير، سيمون بوليفار، الذي سعى في مطلع القرن التاسع عشر الى انتزاع استقلال مناطق شمال وشمال غرب أميركا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، والى توحيد مجمل البلدان الأميركية اللاتينية.

    من بوليفار، الى خوسيه مارتي، وزاباتا، وساندينو... إستلهام أبطال التاريخ

    وليس غريباً أن يلجأ تشافيس الى العودة الى هذه الينابيع التاريخية، فيطلق على حركته اسم "الثورة البوليفارية" وعلى اسم البلد "جمهورية فنزويلا البوليفارية"، خاصة وأن بوليفار من مواليد عاصمة فنزويلا الحالية، كراكاس. فقد سبقته العديد من الحركات الثورية المعاصرة في أميركا اللاتينية، التي درجت على ربط اسمها باسم أحد أبطال التحرر الوطني والتقدم في بلدانها... فهذا هو الحال مع خوسيه مارتي بالنسبة الى كوبا، وإميليانو زاباتا في المكسيك (حيث الحركة الزاباتية الراهنة في جنوب البلاد تستند الى قاعدة من أهل البلاد الأصليين- "الهنود الحمر")، وساندينو في نيكاراغوا، وفرابوندو مارتي في السلفادور، والثائر "الهندي الأحمر" توباك أمارو في أوروغواي، الذي اشتق اسم حركة "توباماروس" الثورية، التي نشطت خاصة في السبعينيات الماضية، من اسمه، وهي حركة يشارك الآن ورثتها في الحكم اليساري الجديد في البلد، الخ....
    ويبدو واضحاً الآن أن أوغو تشافيس، الذي كان في الماضي ضابطاً في الجيش الفنزويلي، قد تطور في السنوات الأخيرة على صعيد مواقفه الفكرية والسياسية باتجاه أكثر جذرية، الى حد أنه بات يتحدث عن "اشتراكية القرن الحادي والعشرين"، ويعزز علاقاته مع كوبا وزعيمها التاريخي فيديل كاسترو. ومن الواضح أن القائد الكوبي، صاحب التجربة الثورية الغنية والاطلاع الواسع والخبرة الطويلة في الحكم، أحياناً في ظروف إقليمية واقتصادية داخلية صعبة جداً، له تأثير كبير على العديد من القيادات اليسارية الجديدة في أنحاء أميركا اللاتينية، وعلى شبيبة هذه القارة بشكل عام.
    وقد لاحظنا استمرارية الدور الكوبي الثوري في القارة، بشكل واضح، خلال زيارة الى كوبا في أواخر العام 1994، أي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي، وانهيار التجارب الاشتراكية الأخرى في أوروبا الشرقية والوسطى. وهي الانهيارات التي اعتقد حكام واشنطن أنها تمهد لانهيارات شبيهة في كوبا وفي دول آسيا الشرقية، وتحديداً في الصين وفييتنام وكوريا الشمالية، وعملوا على نشر صورة قاتمة ومشوهة عن الوضع في كوبا وعن نظام فيديل كاسترو، الذي روجوا أنه على وشك الانهيار أيضاً.
    في حين لاحظنا، في مؤتمر للتضامن مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي الأميركي لها، انعقد في خريف العام 1994، وشارك فيه زهاء الثلاثة آلاف شخص من مختلف بلدان العالم، جاءوا وأقاموا على حسابهم الخاص أو على حساب الأحزاب والمؤسسات التي ينتمون إليها، لعدم الإثقال على الأوضاع المالية لكوبا، التي كانت صعبة جداً آنذاك، لاحظنا، الى جانب الحضور الواسع من أنحاء العالم ومن تياراته السياسية اليسارية والوطنية والدينية المتنورة والإنسانية المتنوعة، بما في ذلك العديد من التنظيمات الفلسطينية والعربية، حضوراً كثيفاً وواسعاً لشبيبة بلدان أميركا اللاتينية وحماسة كبيرة في استقبال كلمات كاسترو، ذي القدرات الخطابية الهائلة، والمسؤولين الكوبيين الآخرين. وكان بين الحضور، في هذا المؤتمر التضامني مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة، العديد من أعضاء القوى اليسارية الجديدة في القارة اللاتينية ومن ممثلي التيارات التقدمية والإنسانية فيها، بما في ذلك الأوساط الدينية المستنيرة المناهضة للهيمنة الأميركية الشمالية.
    كما كان بين الحضور شخصيات سياسية وثقافية ودينية معروفة، ومن بينهم، مثلاً، قادة وأعضاء في حزب الشغيلة البرازيلي، الذي وصل زعيمه لويس إنياسيو داسيلفا، المعروف باسم التحبب "لولا"، الى رأس السلطة في البرازيل في انتخابات العام 2002. كما كان حاضراً زعيم تكتل اليسار الثوري (جبهة فرابوندو مارتي للتحرر الوطني) في السلفادور، شفيق حنضل، ذو الأصول الفلسطينية. ومعروف أن حنضل، الذي قاد اليسار الثوري في السلفادور في مرحلة المواجهة المسلحة مع النظام التابع، كما في المرحلة العلنية اللاحقة بعد الوصول الى إتفاق وطني للعمل الديمقراطي لكافة التيارات، جرى ترشيحه عن اليسار في انتخابات الرئاسة السلفادورية في آذار/مارس 2004. حيث حصل على أكثر من ثلث الأصوات، فيما نجح المرشح اليميني، انطونيو السقا، المدعوم من الولايات المتحدة وأنصارها في البلد بقوة، وهو من أصول فلسطينية أيضاً ومن نفس مدينة عائلة حنضل، بيت لحم.
    وقد توفي شفيق حنضل مؤخراً، وتحديداً في الشهر الأول من العام 2006. ونعته أوساط فلسطينية ويسارية أميركية لاتينية وعالمية. وكرس له تشافيس فقرة طويلة، وهتف باسمه أكثر من مرة، في خطاب ألقاه في عاصمة فنزويلا، كراكاس، في شهر شباط/فبراير 2006، أمام حشد كبير من المواطنين والوفود الآتية من أنحاء القارة والعالم.

    تجارب حذرة في البرازيل وأوروغواي وتشيلي... وأكثر جذرية في فنزويلا وبوليفيا

    وقد شكل انتصار "لولا" داسيلفا في انتخابات الرئاسة في البرازيل في العام 2002 علامة مهمة جداً بالنسبة لأوضاع أميركا اللاتينية، لكون البرازيل عملاقاً سكانياً واقتصادياً. حيث يسكنها زهاء الـ190 مليون نسمة، أي ثلث سكان القارة تقريباً. وهي، على مستوى العالم، الدولة الخامسة من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند والولايات المتحدة وإندونيسيا. كما ان اقتصادها يعتبر، من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي، الاقتصاد الخامس عشر في ترتيب دول العالم. ومعروف أن "لولا" قاد معركته الانتخابية تحت يافطة محاربة الفقر والجوع وتوفير وجبات يومية منتظمة لكل مواطن. وهو نفسه من أصول شعبية متواضعة، وكان عاملاً ثم زعيماً نقابياً بارزاً خلال سنوات طويلة.
    ولكن يبدو أن حجم البلد الضخم وقوة الشريحة الرأسمالية المسيطرة على اقتصاده وتداخلات الشركات العابرة للقارات (الأميركية والأوروبية والآسيوية، الخ...)، كما وعدم توفر أغلبية لحزبه، حزب الشغيلة، في الهيئات التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ)، كلها لعبت ربما دوراً في تبنيه سياسات حذرة وإصلاحات بطيئة، لم ترض القطاعات الأكثر جذرية وتطلعاً للتغيير في المجتمع (بما في ذلك الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد دعموه في انتخابات 2002).
    وهكذا، قدم "لولا" نموذجاً مختلفاً عن نموذج تشافيس لليسار الزاحف في أميركا اللاتينية. حيث لم تستفز سياساته الاقتصادية الولايات المتحدة، لا بل أشادت الإدارة الأميركية والبنك الدولي بها، خلافاً لما حدث مع جاره الشمالي أوغو تشافيس وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية الجذرية، الذي تشن عليه حملات شرسة من الإدارة الأميركية والقطاعات اليمينية في بلده.
    هذا دون التقليل من أهمية إجراءات "لولا" التي هدفت لتقديم معونات وتسهيلات للفئات الأكثر معاناة في البرازيل. حيث اتخذت حكومته، مثلاً، قراراً بتأمين بطاقات مساعدة تموينية مستمرة لحوالي تسعة ملايين عائلة فقيرة بما يحقق لها الحد الأدنى من الشروط المعيشية والتغذية، وهو إجراء أكسبه، بالتأكيد، دعم هذه الشريحة الأفقر من أهل البلد. كما سعى لاتباع سياسة خارجية متقدمة نسبياً. فانفتح على الصين وعقد معها العديد من الاتفاقات الاقتصادية، بحيث باتت الصين طرفاً تجارياً هاماً مع البرازيل ومستورداً كبيراً للمواد الأولية منها، وبالطبع، مصدراً كبيراً أيضاً للصناعات المتطورة والمتنوعة لهذا العملاق الآسيوي الصاعد. كما تم عقد اتفاقات لمد البرازيل بالنفط والغاز من فنزويلا. ويجري الحديث عن إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز الى البرازيل، وعبره الى الأرجنتين وبلدان أخرى من أميركا الجنوبية. كما دعم حكم "لولا" دعوات تشافيس لتعزيز الإتفاقات الاقتصادية والتجارية بين دول أميركا اللاتينية، بديلة من الاتفاقات التي دعت إليها الولايات المتحدة لربط دول القارة باقتصادها هي.
    ولكن حذر "لولا" وبطء خطواته الإصلاحية الداخلية، علاوة على إشكالات وقع فيها بعض كبار قادة حزبه ووزرائه، حيث اتهموا بإجراءات غير قانونية لتمويل الحملات الانتخابية ولكسب أصوات النواب من خارج حزب الشغيلة لصالح مشاريع القرارات المختلفة لإدارة "لولا"، كلها جعلت وضع الرئيس اليساري البرازيلي حساساً، خاصة في عام انتخابي كالعام الحالي. حيث تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الفاتح من تشرين الأول/أكتوبر القادم.
    وليس من المضمون سلفاً نجاح "لولا" في هذه الانتخابات، بالرغم من استعادته، الى حد كبير، شعبيته الشخصية على مستوى الشارع في الأشهر الأخيرة. حيث أظهرت استطلاعات الرأي في مطلع ربيع العام 2006 استمرار تقدمه على أي مرشح آخر محتمل.
    وبين النظم اليسارية الأخرى في أميركا اللاتينية، نستطيع أن نقول أن بوليفيا، التي نجح في انتخاباتها الرئاسية، في الشهر الأخير من العام 2005، كما ذكرنا، زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، إيفو موراليس، ذو الأصول "الهندية الحمراء" الخالصة، بأغلبية كبيرة ومنذ الدورة الأولى لهذه الانتخابات، هو الأقرب، من حيث نهجه وتوجهاته الجذرية، الى نموذج تشافيس في فنزويلا. علماً بأن بلده، الذي اشتق اسمه من اسم قائد تحرر وتوحيد أميركا اللاتينية في مطالع القرن التاسع عشر، بوليفار، الذي يعتبره زعيم فنزويلا اليساري تشافيس رمز حركته الثورية، هو البلد الأفقر في أميركا الجنوبية، بالرغم من ثرواته المعدنية والنفطية والغازية (فالبلد هو الثاني من حيث ثروة الغاز الطبيعي في جنوب أميركا، بعد فنزويلا). وذلك يعود لكون هذه الثروات كانت مسيطراً عليها من قبل شركات كبرى أجنبية، ولكون السياسات المتبعة من قبل الحكومات السابقة، بتشجيع من واشنطن، قد قادت الى خصخصات واسعة، بما في ذلك لشبكات المياه الوطنية، لصالح هذه الشركات الأجنبية (في حالة المياه، هي شركة خاصة فرنسية)!

    كوبا المحاصرة تتنفس الصعداء... وتضحيات غيفارا ورفاقه لم تذهب سدى

    ومن المفارقة التاريخية أيضاً أن تكون بوليفيا، يسارية النظام حالياً، هي البلد الذي تمت فيه، في أواخر العام 1967، تصفية القائد الثوري الأميركي اللاتيني البارز، إرنستو غيفارا - المضاف لاسمه عادة تعبير التحبب "تشي"-، على يد قوات حكومية بوليفية مدعومة بخبراء وعسكريي المخابرات المركزية والقوات الخاصة الأميركية. وإذا كان مقتله في تلك الحقبة لم يثر اهتماماً كبيراً لدى فلاحي بوليفيا البؤساء ذوي الأصول "الهندية الحمراء"، الذين سعى غيفارا لنصرة قضيتهم ولتنظيمهم لتحرير بلدهم من سطوة الأجنبي وأتباعه، فإن صور وملصقات شهيد أميركا اللاتينية الكبير غيفارا منتشرة الآن في أنحاء البلد. والفلاحون ذوو الأصول "الهندية الحمراء"، بقيادة رئيس البلاد الجديد موراليس، باتوا الآن يحملون وصيته على أكفهم.
    وهذا، بلا شك، يشكل نجاحاً كبيراً لكوبا، التي كان غيفارا أحد قادة ثورتها التي انتصرت في مطلع العام 1959. وقد حرصت كوبا على تكريمه وتخليده، بعد تصفيته إثر نفاد ذخيرته وذخيرة رفاقه في مواجهة غير متكافئة جرت في جبال بوليفيا الريفية خريف العام 1967. فعملت على استعادة رفاته من بوليفيا بعد أن تم العثور عليها في العام 1997. وتمت إعادة دفنها في مدينة سانتا كلارا الواقعة شرقي كوبا في حفل تكريم ضخم وحاشد، وتحت ظل نصب تذكاري كبير لشهيد الثورات الأممية الكبير. كما عمل الكوبيون وأنصارهم، والأوساط اليسارية في أميركا اللاتينية عموماً، على نشر صوره وملصقاته وكتاباته والأناشيد التي تتغنى بدوره الثوري، ليس فقط في كوبا وبوليفيا، وإنما في أنحاء القارة وفي العالم. بحيث تعززت صورته المنتشرة الآن في أصقاع الأرض كرمز ثوري رومانسي عالمي، ونموذج للتضحية بالذات من أجل مستقبل الشعوب وطبقاتها وفئاتها المضطهدة والمغبونة.
    وهكذا، يكون بإمكان إرنستو غيفارا، الأرجنتيني المولد، الكوبي بالتبني الثوري، والأميركي اللاتيني والأممي في نشاطه اللاحق بعد انتصار الثورة الكوبية، بإمكانه أن يرقد مرتاحاً في ضريحه، لكون تضحيته وتضحيات رفاق دربه ونضاله لم تذهب سدى. بل تركت بذوراً، أنبتت وأزهرت، ورفعت رايات التحرر والانعتاق وكرامة الإنسان، وفتحت آفاقاً لتحول لاحق نحو مجتمع المساواة والعدل وازدهار الإنسانية، مجتمع الاشتراكية. وكلها أهداف عمل غيفارا طوال حياته القصيرة من أجلها، في بوليفيا، كما في عموم القارة.
    ومن الجدير التأكيد، في هذا السياق، أن كوبا، التي حاول الأميركيون الشماليون محاصرتها وعزلها وحالوا فعلاً دون بقائها عضواً في"منظمة الدول الأميركية"، باتت الآن على علاقات تحالف وصداقة وثيقة مع العديد من بلدان أميركا اللاتينية، التي انفتحت عليها اقتصادياً وسياسياً، بحيث باتت الولايات المتحدة هي المحاصرة بالعداء الشعبي الواسع في القارة اللاتينية لسياساتها الامبراطورية التوسعية وعنجهيتها الكونية وإذلالها التاريخي لشعوب القارة.
    ***
    ومن المبكر، طبعاً، أن نحكم على مآل تجربة الحكم اليساري الجديد في بوليفيا، وهي ما زالت في بداياتها، وأمامها مهمات كبيرة وعد بها موراليس ناخبيه... كانتخاب جمعية تأسيسية وكتابة دستور جديد، وتأميم الثروات الأساسية في البلد، كالنفط والغاز، وإنهاء خصخصة المياه وقطاعات الخدمات العامة الأخرى، ووضع حد للتركة الثقيلة التي ورثها البلد من جراء تطبيق توصيات مؤسسات العولمة الرأسمالية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإدارة الأميركية التي تسيطر عملياً عليهما. كل ذلك في سبيل إخراج غالبية سكان البلد من حالة الفقر والفاقة التي يعانون منها، ومعظمهم مثله من سلالات سكان البلاد الأصليين.
    لكن يبقى، كما أعلن موراليس نفسه مباشرة بعد انتخابه، وخلال جولته العالمية الكبيرة التي أتمها قبل تنصيبه رسمياً رئيساً للبلد، وهي جولة شملت عدداً من دول القارة، وخاصة فنزويلا وكوبا والبرازيل، كما شملت دولاً أبعد مثل جنوب إفريقيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا والصين، أعلن أنه سيعمل من أجل مشروعه الطموح الكبير، باعتباره زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، جنباً الى جنب مع حليفيه الأقرب، كما قال، فيديل كاسترو وأوغو تشافيس. وجدير بالإشارة أن موراليس كان قد وصف نفسه ابان الحملة الانتخابية بكونه "أسوأ كابوس لواشنطن".
    ***
    اجتهادات مفتوحة، وتكافل إقليمي، وفضائية مشتركة

    أما التجارب اليسارية الأخرى في أنحاء أميركا اللاتينية، فلكل منها سماتها الخاصة. فأوروغواي، نجح في انتخاباتها الرئاسية والتشريعية في أواخر العام 2004 تحالف يساري واسع يحمل اسم "الجبهة الموسعة"، حاول في الماضي أكثر من مرة الوصول الى السلطة في هذا البلد الذي يعتبر من بين البلدان الأصغر في أميركا الجنوبية ( أكثر قليلاً من ثلاثة ملايين نسمة). وعمل رئيسها اليساري الجديد، تاباري فاسكيس، والحكومة الائتلافية اليسارية الحاكمة، على هدى برنامجهما الانتخابي، الى إنجاد سريع للشرائح الفقيرة في البلد والتي عانت من سياسات "الليبرالية الجديدة" التي مورست في ظل الحكومات السابقة، خاصة في التسعينيات الماضية، ومن بينها الإنعكاسات المأساوية على البلد للانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب الأرجنتين المجاورة في أواخر العام 2001 وخلال العام 2002.
    وبالرغم من أن النظام اليساري الجديد سارع، منذ اليوم الأول لتنصيبه، الى إعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعها النظام السابق مع كوبا، وإلى فتح قنوات تعاون واسعة مع أوغو تشافيس في فنزويلا، إلا إن خطواته الاقتصادية اتسمت بالحذر. فلم تقطع مع الماضي وشبكة علاقاته، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، التي وقعت معها أوروغواي اتفاق تجارة حرة ثنائياً.
    علماً بأن أوروغواي، بالمقابل، مشاركة أصلاً في التكتل التجاري لبلدان أميركا الجنوبية (ميركوسور)، الذي تأسس في مطلع التسعينيات الماضية، وتشكلت نواته الأولى من كل من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي، وانضمت إليها لاحقاً دول أخرى من أميركا الجنوبية، وتحديداً بوليفيا وتشيلي وبيرو وكولومبيا وإكوادور، ومؤخراً فنزويلا.
    وهذا التكتل التجاري الأميركي الجنوبي البحت مطروح عملياً كإطار مواز وبديل للمقترح الأميركي الشمالي بإنشاء تكتل يشمل كل القارة، بحيث تصبح واشنطن هي مركز هذا التكتل والطرف المركزي والمستفيد الرئيسي منه، كما ذكرنا، وهو المقترح الذي جابهته الدول يسارية الأنظمة وأحبطته حتى الآن. هذا في حين عمل تشافيس على تشكيل إطار أكثر قوة وطموحاً أسماه "إتفاقية أميركا اللاتينية البوليفارية" – "ألبا"، بالأحرف الإسبانية الأولى-، فيما الأحرف الأولى للمشروع الأميركي للتجارة الحرة هي "ألكا".
    كما شاركت أوروغواي مع فنزويلا وكوبا والأرجنتين في تأسيس وتمويل فضائية أميركية لاتينية جديدة (على غرار فضائية "الجزيرة" العربية من حيث إنتشار بثها، كما قال تشافيس نفسه)، حملت اسم "تيليسور" - أي تلفزيون الجنوب -. وبدأت هذه الفضائية البث في أواخر العام 2005 في محاولة لمواجهة وسائل الإعلام اليمينية واسعة النفوذ في بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك الفضائيات الدولية الكبرى، مثل "سي إن إن" الأميركية، التي تبث بالإسبانية أيضاً، و"بي بي سي" البريطانية، وغيرهما. وبرامج هذه الفضائية الجديدة، متعددة اللغات، تفتح المجال أيضاً لكشف خلفيات السياسات العدوانية الأميركية، ليس في القارة وحدها وإنما في العالم كله، بما في ذلك خلفيات وملابسات النوايا المبكرة لإدارة الولايات المتحدة لشن الحرب على إفغانستان والعراق، ومدى جدية المبرر الذي جرى استخدامه لشنهما، هجمات 11 أيلول/سبتمبر الشهيرة على نيويورك وواشنطن.
    ***
    سمات خاصة وتطور اقتصادي سريع في كل من تشيلي والأرجنتين

    والوضع شبيه، من هذه الزاوية، بالنسبة لجمهورية تشيلي الواقعة على الشواطئ الجنوبية الغربية لأميركا الجنوبية، والتي تعتبر من أقوى الاقتصادات في القارة (الثانية في أميركا اللاتينية من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، بعد الأرجنتين، حيث تتجاوز هذه الحصة العشرة آلاف دولار سنوياً، مما يجعل البلد، من هذه الزاوية، في مصاف البلدان متوسطة الدخل في العالم).
    فقد نجحت رئيسة يسارية، كما ذكرنا، في الانتخابات التي جرت دورتها الثانية في الشهر الأول من العام 2006، هي ميتشيل باتشيليت، التي تم تنصيبها رسمياً وتسلمها لمسؤولياتها يوم 11 آذار/مارس 2006. وهي تنتمي، كما أشرنا أعلاه، الى نفس الحزب الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه الرئيس الأسبق المغدور سلفادور اليندي، المطاح به من قبل انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة في العام 1973. ومعروف أن قائد هذا الإنقلاب اليميني، الجنرال أوغوستو بينوتشيت، حكم تشيلي بقبضة قمعية دموية شديدة منذ ذلك الحين وحتى العام 1990. وبعد رحيله عن السلطة، تم تنظيم انتخابات ديمقراطية، مقيدة بعض الشيء، مما لم يمنع بروزاً قوياً، في أول انتخابات نيابية ورئاسية تعددية، لتيارات وأحزاب إئتلف بعضها ليشكل تحالفاً ديمقراطياً ضم أحزاباً من الوسط ويسار الوسط واليسار، شمل في ما شمل الحزب الاشتراكي وكذلك الحزب الديمقراطي المسيحي وغيرهما. وكان الرئيسان الأولان المنتخبان، بعد فترة الحكم الديكتاتوري، واللذان رشحهما إئتلاف يسار الوسط هذا، من الحزب الديمقراطي المسيحي. أما الرئيسان اللاحقان، الرئيس المنتخب عام 2000 ريكاردو لاغوس والرئيسة المنتخبة مؤخراً ميتشيل باتشيليت، فهما من الحزب الاشتراكي.
    وقد شهدت تشيلي في السنوات الأخيرة نمواً اقتصادياً سريعاً (نسبة النمو خلال الخمسة عشر عاماً الماضية بلغت 5% سنوياً)، فتحولت الى إحدى الدول الأكثر تطوراً في أميركا اللاتينية، بعد الأرجنتين، كما ذكرنا، وأصبحت تصنف في المرتبة العالمية الخمسين من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي. وهي، في هذا التصنيف، غير بعيدة عن بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى الأكثر تطوراً، مثل المجر وسلوفاكيا وسلوفينيا، والبلدان الثلاثة الأخيرة أعضاء حالياً في الإتحاد الأوروبي.
    وقد أبرمت تشيلي في السنوات الأخيرة اتفاقات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، كما مع دول أوروبية وآسيوية. ومن المستبعد، حسب المتابعين لشأن البلد، أن تحدث الرئيسة اليسارية الجديدة تغيراً جذرياً على هذه السياسات، لكنها يمكن أن تركز أكثر على تقليص الهوة في المداخيل بين الأغنى والأفقر في البلد وعلى تطوير الضمانات الاجتماعية للطبقات الدنيا. وهكذا، في المجال الاجتماعي، كان أحد القرارات الأولى للرئيسة الجديدة إعفاء المسنين ما فوق الستين من العمر من تكاليف العلاج الطبي، أي توفير ضمان صحي كامل لهذه الشريحة المتزايدة الحجم من سكان البلد.
    كما من المتوقع أن تعمل الرئيسة الجديدة على تطوير العلاقات الإقتصادية بينها وبين دول أميركا اللاتينية الأخرى، بما في ذلك مع جارتها الشمالية الشرقية بوليفيا، التي بينها وبين تشيلي خلاف قديم على الأرض، حيث كانت تشيلي قد ضمت، في حرب سابقة بين البلدين، أراضي لبوليفيا كانت منفذاً لها على البحر، والمقصود المحيط الهادئ، مما جعل بوليفيا بعد ذلك بلداً بدون منفذ بحري. وهو وضع يمكن أن تسعى بوليفيا اليسارية النظام حالياً الى حل له في مفاوضات مباشرة مع تشيلي.
    وفي الأرجنتين المجاورة، التي مرت بأزمة أقتصادية ومالية عصيبة في العامين 2001-2002، كما ذكرنا، تمكن الرئيس المنتخب في العام 2003، نستور كيرشنير، الذي يمكن تصنيفه من يسار الوسط أيضاً، من أن يحقق إنجازات كبيرة في مجال إعادة الحياة للاقتصاد المأزوم والغارق في الديون، عبر تحدي توصيات صندوق النقد والبنك الدولي، وتعزيز العلاقات البينية الأميركية اللاتينية، بما في ذلك مع فنزويلا، التي تؤمن لجاراتها حاجاتها من مصادر الطاقة الطبيعية، ومن خلال تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين دول أميركا الجنوبية.
    ***
    وهكذا، نحن أمام ظاهرة واسعة من التحول نحو الخيارات اليسارية في عموم أميركا اللاتينية، عنوانها رفض سياسات الإلحاق الأميركية والعولمة الرأسمالية التي تروج لها واشنطن بدرجة رئيسية، وبالمقابل السعي لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية وغيرها من العلاقات بين دول المنطقة. وإن كانت هناك أنماط متعددة من التطبيقات في هذه المنطقة الواسعة، كما رأينا، تتراوح بين التوجه الجذري الذي تتصدره فنزويلا ورئيسها أوغو تشافيس، والتوجه الإصلاحي التطويري الحذر الذي تسير فيه، على سبيل المثال، تشيلي والبرازيل وأوروغواي وغيرها.
    وكما أشرنا أعلاه، فإن انتخابات العام الجاري في عدد من بلدان القارة قد تضم بلداناً أخرى الى الموجة اليسارية المناهضة لسياسات "الليبرالية الجديدة" التي ترفع راياتها واشنطن. ومن بين هذه البلدان، على الأرجح، نيكاراغوا، في أميركا الوسطى، والتي تشهد انتخابات رئاسية ونيابية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، حيث تشير استطلاعات الرأي الحالية الى ترجيح انتصار الحركة الساندينية فيها (وهي الحركة التي حكمت البلد خلال معظم الثمانينيات، وواجهت في حينه محاولات متواصلة للإطاحة بحكمها من قبل القوى اليمينية والميليشيات المسلحة التي انتشرت على حدود البلد والمعروفة باسم "كونتراس"، والتي كانت تمولها وتدربها المخابرات المركزية الأميركية، تساعدها الأجهزة الإسرائيلية، كما بات الآن معروفاً).
    كما شارك مرشح وطني استقلالي مناهض لسياسات الولايات المتحدة وللعولمة الرأسمالية في الانتخابات الرئاسية في بيرو، التي جرت دورتها الأولى يوم 9 نيسان/أبريل 2006. وجاء هذا المرشح في مقدمة المرشحين الآخرين في نتائج الدورة الأولى، حيث حصل على زهاء 30 بالمئة من الأصوات، متقدماً على مرشحة الرئيس اليميني الحاكم وعلى رئيس سابق آخر وقرابة العشرين من المرشحين الآخرين للرئاسة، مما أهله ليخوض الدورة الثانية للانتخابات المتوقعة في أوائل شهر أيار/مايو. ومن الصعب الجزم مبكراً بفرص هذا المرشح، الآتي حديثاً الى العمل السياسي، ولكن المدعوم بقوة، كما ظهر في الدورة الأولى للانتخابات، من فقراء البلد، وخاصة من ذوي الأصول "الهندية الحمراء". علماً بأن أنصار اليمين المحلي تجندوا في الحملة الانتخابية للتهجم عليه وإلصاق شتى التهم به وتنظيم التظاهرات المناهضة له حتى عندما قام بوضع ورقته في صندوق الإقتراع يوم انتخابات الدورة الأولى، واعتبرته وسائل الإعلام اليمينية يسارياً وشعبوياً متخفياً وراء شعار "الوطنية".
    وهذا المرشح، واسمه أويانتا أومالا، عسكري سابق، كما تشافيس، وله جذور "هندية حمراء". وقد أدت الإشادة به من قبل رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، قبل عدة أسابيع من الانتخابات، واستقباله في عاصمته كراكاس، الى أزمة سياسية مع النظام القائم آنذاك في بيرو، المرتبط بسياسات الإدارة الأميركية وتوصيات البنك الدولي "الليبرالية الجديدة".

    المكسيك الكبيرة، ومرشح اليسار القوي لرئاستها، مصدر قلق لدى واشنطن

    وربما تشهد المكسيك أيضاً، وهي، كما ذكرنا، البلد الثاني (أكثر من 100 مليون نسمة) من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، في انتخابات هامة تجري في مطلع تموز/يوليو القادم، حدثاً شبيهاً، حيث يتوقع أن يتفوق مرشح يساري بارز على منافسيه. مما سيشكل، في حال نجاحه، كسراً لاحتكار اليمين للسلطة في البلد منذ زهاء الثمانية عقود. ذلك أن استطلاعات الرأي تؤشر حالياً الى احتمال وصول المرشح ذي التوجهات اليسارية الى سدة الرئاسة، وهو رئيس بلدية العاصمة مكسيكو منذ العام 1997، أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، مرشح "حزب الثورة الديمقراطية" اليساري.
    وأوبرادور يتمتع بشعبية كبيرة في البلد، ويتوقع، حتى كتابة هذه الأسطر، أن يتجاوز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية كلا المرشحين الرئيسيين الآخرين، مرشح الحزب الذي سيطر على السلطة منذ العام 1929 وحتى العام 2000، ومرشح الحزب اليميني الآخر الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي فيسنتي فوكس الذي انتخب في العام 2000، والمقرب جداً من الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الإبن، الذي خصه بأول زيارة رسمية له خارج الولايات المتحدة بعد تسلمه (أي بوش) مسؤولياته في العام 2001.
    ومن الطبيعي أن تشعر الولايات المتحدة بالقلق عندما تصل موجة اليسار المتمددة الى حدودها الجنوبية. خاصة وأن نفوذ واشنطن في المكسيك كان، طوال عقود طويلة، كبيراً جداً، سواء من خلال التدخلات العسكرية والأمنية والسياسية، أو التداخلات الاقتصادية الواسعة، التي توجها في العام 1994 اتفاق التجارة الحرة بين بلدان أميركا الشمالية (كندا، الولايات المتحدة، المكسيك)، أو من خلال وجود جالية مكسيكية كبيرة في الولايات المتحدة، وبينها أكثر من 12 مليوناً من المقيمين بشكل غير قانوني، أي من الذين دخلوا الولايات المتحدة بدون تصريح.
    وتوفر هذه الجالية توريدات مالية كبيرة للمكسيك. وبإمكان أية إدارة أميركية أن تستخدم، من بين أدوات ضغط عدة، وضع هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين كمادة ابتزاز من أي نظام حكم في مكسيكو العاصمة، نظراً لأن أي مساس بأعمالهم ومداخيلهم ستكون له نتائج سلبية مباشرة وكبيرة على الاقتصاد المكسيكي.
    فهل تسعى الولايات المتحدة الى تكثيف جهودها، خلال الأشهر الباقية قبل الانتخابات، لوضع الحواجز أمام وصول المرشح اليساري الى الرئاسة المكسيكية، استباقاً لأية تحولات داخلية في هذا البلد الحيوي أيضاً بالنسبة للإقتصاد الأميركي، حيث العديد من الصناعات الأميركية، خاصة تلك التي تتطلب أيادي عاملة كثيفة، تم نقل ورشها الى هذا البلد كثيف السكان وذي مستوى المعيشة الأدنى؟
    في واقع الحال، جرت محاولة واحدة كبيرة للنيل من المرشح اليساري، أوبرادور، عندما جرى اتهامه بتجاهل أمر قضائي يقضي بوقف العمل في شق طريق على أرض مصادرة تقود الى مستشفى في العاصمة مكسيكو، التي يرأس أوبرادور مجلسها البلدي. وحاولت محكمة مكسيكية، استناداً الى هذه التهمة، أن تفرض عليه عقوبة بدفع غرامة مالية، أو بالسجن إذا لم يسدد الغرامة. وقد رفض أوبرادور التهمة، ورفض دفع الغرامة، مبدياً استعداده للدخول الى السجن، بالرغم من أن التهمة، برأيه، غير صحيحة.
    وإزاء الدعم الضمني أو المعلن للحزبين اليمينيين الكبيرين المنافسين له في الانتخابات الرئاسية لهذا الإفتراء، نزل أكثر من مليون مواطن مكسيكي الى الشارع يوم 24 نيسان/أبريل 2005 لفضح المؤامرة التي استهدفت تلطيخ سمعة أوبرادور تمهيداً لمنعه من الترشح للرئاسة. وتحركت أوساط عالمية واسعة أيضاً لدعم هذا الموقف الشعبي المكسيكي. مما دفع رئيس المكسيك الحالي فوكس، الذي كان قد أيد قرار المحكمة السابق بحق أوبرادور، الى اتخاذ قرار جديد، بعد التحرك الشعبي بثلاثة أيام، بفصل القاضي الذي اتخذ القرار. وهذا الحادث، في نهاية المطاف، لم يسئ الى أوبرادور، بل زاد من شعبيته، وزاد من إضعاف مرشح الحزب الحاكم في مواجهته في انتخابات الشهر السابع من العام الحالي.
    وهكذا تتضح قوة الدعم الشعبي للمرشح اليساري الرئيسي في انتخابات الرئاسة القادمة في المكسيك. يضاف إليه تضامن بلدان أميركا اللاتينية الأخرى ذات التوجهات اليسارية، مما يعطيه مجالاً غير قليل للحركة. علماً بأن هناك طيفاً متنوعاً وواسعاً من الأطراف اليسارية والمناهضة للعولمة الرأسمالية في البلد، بعضها يعتبر نفسه على يسار أوبرادور، مثل الحركة الزاباتية، التي انطلقت من جنوب البلاد، حيث كثافة حضور سكان البلاد الأصليين (اسم الحركة، كما أشرنا أعلاه، نسبة الى أحد قادة الحركات الثورية الفلاحية في مطلع القرن العشرين، إميليانو زاباتا).

    كولومبيا...نظام يميني، وقوات أميركية، و"فرق موت"، وحركات ثورية مسلحة!

    يبقى أن نشير الى بلد في هذه المنطقة له وضع غير عادي، وهو كولومبيا، الواقعة الى الغرب من فنزويلا، في شمال غرب أميركا الجنوبية. ففي هذا البلد، تتواجد قوات أميركية كبيرة نسبياً، بحجة مكافحة تجارة المخدرات، التي تنطلق من هذا البلد باتجاه الولايات المتحدة وبلدان أخرى. ومعروف أن شجرة الكوكا، التي تزرع في هذا البلد وبلدان أخرى مجاورة، تستخدم من قبل سكان القارة الأصليين كمادة منبهة وكمصدر للتداوي. ولكن منها أيضاً يتم استخراج مادة الكوكايين، التي هي من المخدرات القوية، ويجري التعاطي معها على نطاق واسع من قبل مدمني المخدرات في الولايات المتحدة وبلدان أخرى.
    وفي واقع الحال، فإن الوجود العسكري الأميركي له أغراض أخرى غير معلنة. خاصة وأن كولومبيا لديها حدود أرضية مع أميركا الوسطى، وتحديداً مع بنما، التي تحتضن القناة الشهيرة التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتفتح المجال لتواصل بري، عبر بلدان أميركا الوسطى والمكسيك، مع الولايات المتحدة نفسها. وكانت كولومبيا، وما زالت، مسرحاً، منذ عقود طويلة، لثورات عنيفة ضد الحكم المحلي الخاضع لنفوذ الولايات المتحدة.
    وخلافاً لبلدان أخرى في القارة توقفت فيها العمليات العسكرية للقوى الثورية بعد أن انهارت الأنظمة الدكتاتورية التابعة ومورست الحريات الديمقراطية، بما يسمح بانخراط الحركات الثورية في الحياة السياسية العامة وفي العمليات الانتخابية، فإن طبيعة السلطة والوضع العام في كولومبيا لهما خصوصيات جعلا البلد، حتى الآن، بمنأى عن موجة التحول الديمقراطي المفتوح، وعن الاكتساح اليساري عبر الانتخابات الحرة في القارة.
    فإلى جانب دور القوات الأميركية وقوات السلطة المحلية، التي تتعقب وتحارب القوى اليسارية المسلحة تحت غطاء محاربة تجار المخدرات، فإن عمليات التصفية الجسدية تتواصل في البلد، منذ أكثر من عشرين عاماً بشكل مكثف، لقادة وكوادر الأحزاب اليسارية التي حاولت أن تشارك في الحياة السياسية العلنية الشرعية، وذلك على أيدي "فرق الموت" اليمينية، التي تتلقى دعماً من قبل بعض أوساط السلطة اليمينية في البلد. وهو وضع دفع القوى الثورية الرئيسية (وخاصة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"، و"جيش التحرير الوطني") الى مواصلة كفاحها المسلح من أجل إنهاء هذا الوضع الإستثنائي، سعياً للوصول الى حكم يخدم مصالح شعب كولومبيا، وليس مصالح الولايات المتحدة وشركاتها ما فوق القومية.
    وبما أن كولومبيا متاخمة لفنزويلا من الغرب، فلا يستبعد النظام اليساري الحاكم في فنزويلا أن تستخدم كولومبيا كإحدى قواعد الإنطلاق للتآمر عليه، ولأي هجوم مستقبلي محتمل من قبل الولايات المتحدة عليه. وهو احتمال شكل مدخلاً لنظام تشافيس اليساري للعمل من أجل إنشاء جيش شعبي، يضم الملايين من المواطنين المدربين على السلاح، للدفاع عن الثورة في هذا البلد ضد إي اجتياح خارجي من قبل الولايات المتحدة وأتباعها. وقد بدئ، بالفعل، بالتدريبات الواسعة في أنحاء فنزويلا مؤخراً. وبما أن فنزويلا تعد من السكان بقدر ما يعد العراق تقريباً - حوالي 25 مليون نسمة -، وهي، كما العراق، بلد نفطي رئيسي، فإن اليقظة واجبة، لنظام تعرض حتى الآن لجملة من محاولات الإطاحة به بتشجيع من إدارة الولايات المتحدة.
    ***
    بالنسبة للقوى المسيطرة في الولايات المتحدة: بعبعان كبيران... تشافيس، والصين!

    من المنطقي، على ضوء هذا الاستعراض للأوضاع في أميركا اللاتينية، أن يطرح المسؤولون الأميركيون على أنفسهم السؤال إياه الذي يطرحونه بالنسبة لمناطق أخرى من العالم، وخاصة في السنوات الأخيرة، المنطقة العربية الإسلامية: لماذا يكرهوننا الى هذا الحد؟!
    ولا شك أن الجواب الموضوعي سيكون نفسه كما في مناطق العالم المختلفة: لأنكم تعتدون على ثروات الشعوب وتنهبون خيراتها وتستخدمون قوتكم العسكرية والاقتصادية، وتفردكم بالقوة الكونية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لإخضاع العالم كله لمصالحكم، ليس الحالية فقط وإنما المستقبلية أيضاً. وهو ما يقف وراء حربكم واحتلالكم للعراق، وتدخلكم في العديد من بلدان العالم، ودعمكم غير المحدود للاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، والعرب الآخرين.
    ولكن المشكلة أن الحقيقة الموضوعية لا تعني كثيراً أصحاب القرار في واشنطن، لأنها تتعارض مع مصالحهم ومصالح الشركات الكبرى النافذة والمؤثرة على القرار في البلد. كما تتعارض مع توجهاتهم الإمبراطورية، التي انتعشت وتضخمت في السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة جورج بوش الإبن. وإنما الذي يعنيهم هو كسر المقاومة العالمية لسياساتهم هذه، واستباق نهوض قوى عالمية أخرى يمكن أن تهدد انفرادهم بالنفوذ العالمي. وهو ما يفسر خشية واشنطن المتزايدة من دخول الصين الاقتصادي والسياسي بقوة الى أميركا اللاتينية، بحيث بات هناك لدى واشنطن، على حد تعبير أحد المحللين في تلك المنطقة، كابوسان كبيران في أميركا اللاتينية:
    * أولاً، أوغو تشافيس، زعيم فنزويلا الثوري، صاحب الشعبية الهائلة في عموم المنطقة اللاتينية، والذي يرى الأميركيون وراءه شبح القائد اليساري الكوبي ذي الخبرة الطويلة في مقارعة السياسات الإمبريالية، فيديل كاسترو...
    * وثانياً، الدور الصيني المتزايد في تلك المنطقة، في المجال الاقتصادي والتجاري أولاً، وفي مجالات أخرى تتسع يوماً بعد يوم، بما في ذلك التدريب العسكري لقوات بلدان المنطقة، مما يهدد بتوسيع نطاق المنافسة للنفوذ الأميركي الشمالي في القارة، "الحديقة الخلفية" لواشنطن في الماضي غير البعيد. وجدير بالإشارة أن الولايات المتحدة كانت قد اتخذت قراراً بوقف المساعدات العسكرية والتدريبات لأي بلد لا يوقع إتفاقاً معها، يتعهد فيه بعدم تسليم أي مواطن أو عسكري أميركي لمحكمة الجنايات الدولية، التي أنشأتها منظمة الأمم المتحدة مؤخراً، وحاولت الولايات المتحدة أن تحول دون قيامها، لكن دون جدوى. وقد رفض 12 بلداً (من بينها تشيلي، المعتدلة يسارياً) من أصل 21 بلداً أميركياً لاتينياً إعطاء مثل هذا التعهد لواشنطن، وهو ما أدى الى وقف المساعدات العسكرية عنها ووقف التدريب على السلاح. فسارع عدد من دول المنطقة اللاتينية الى الاستعانة بالصين وخبرائها، ولاستيراد أسلحة منها ومن بلدان أخرى في العالم، مثل روسيا ودول أخرى.
    ***




    كيف ستواجه واشنطن هذا الوضع الجديد في "حديقتها الخلفية"؟

    وبالتأكيد، لن تستسلم واشنطن بسهولة لواقع انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية. فواشنطن، التي غرقت في المستنقع العراقي منذ ثلاث سنوات ونيف، لا تهمل مصالحها في مناطق العالم الأخرى، وإن اضطرت الى تأجيل التركيز مؤقتاً على هذه المنطقة أو تلك.
    فمن المتوقع جداً أن يسعى مسؤولو واشنطن الى أشكال من التخريب على الأنظمة اليسارية الجذرية في أميركا اللاتينية، ومحاولة دق أسافين بينها وبين الأنظمة اليسارية الأكثر حذراً. وقد حرصت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال مشاركتها في حفل تنصيب الرئيسة اليسارية الجديدة في تشيلي في آذار/مارس الماضي، على الإشادة بالتجارب اليسارية المعتدلة في القارة والالتقاء بزعمائها المشاركين في احتفال التنصيب، في حين تفادت الالتقاء مع رئيس فنزويلا أوغو تشافيس، الذي لم يكن يوفرها، في العديد من خطبه، بتعليقاته اللاذعة. كما لا يوفر رئيسها بوش بأوصاف أكثر حدة، حيث درج في خطبه وتصريحاته على إطلاق لقب "مستر دينجر"، أي السيد خطَر، عليه، وذهب في خطب وتصريحات أخيرة الى حد تسميته "مستر دونكي"، أي السيد حمار!
    فربما تسعى واشنطن، مثلاً، الى إعاقة إعادة انتخاب رئيس البرازيل الحالي "لولا" دا سيلفا في تشرين الأول/أكتوبر القادم، بالرغم من كونه مارس سياسة اقتصادية حذرة جداً، ولم يسع الى إجراء تحولات جذرية على هذا الصعيد في هذا البلد الكبير. لكن، لكونه يسارياً تعامل بتعاطف مع التجارب اليسارية الأخرى في القارة، بما في ذلك مع تجربة تشافيس في فنزويلا، فإن محاولة الإطاحة به والإتيان برئيس يميني في الانتخابات الرئاسية القادمة ستضع فنزويلا الواقعة الى الشمال من البرازيل في وضع صعب، خاصة إذا ما حدث تحول مشابه لاحق في بلد هام آخر مثل الأرجنتين.
    وكلا الاحتمالين قائم، ولكن غير محسوم حتى الآن في استطلاعات الرأي. وعلاقة هذين البلدين الهامين حالياً مع فنزويلا حيوية للنظام اليساري فيه، لكونهما أهم اقتصادين، من حيث حجم الناتج الإجمالي، في أميركا الجنوبية (وحدها المكسيك، الواقعة في أميركا الشمالية، تتجاوزهما من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي). ولذلك، وبالرغم من الإشكالات الكبيرة التي يعيشها حزب الرئيس "لولا" في البرازيل، والفضائح التي أحاطت ببعض رموز نظامه، يبدو مهماً بالنسبة لفنزويلا ألا تتم الإطاحة به، أو بأي مرشح يدعمه إذا قرر عدم تجديد ترشيحه، في الانتخابات البرازيلية القادمة في أواخر العام 2006، لصالح مرشح يميني، يعيد ربط هذا البلد الكبير والهام بعجلة التبعية للولايات المتحدة. وإن كانت التبعية ستأتي، على الأغلب، أقل فجاجة من التجارب السابقة، بحكم حجم البلد والمزاج الشعبي الواسع السائد فيه.

    هل تمتد هذه التجارب اليسارية الى مناطق أخرى من "العالم الثالث"؟

    والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه بعد هذا العرض لإنجازات قوى اليسار في أميركا اللاتينية هو: هل يمكن أن تمتد مثل هذه التجارب الى مناطق أخرى في العالم، وخاصة في "العالم الثالث"، الذي تحسب عليه منطقتنا العربية؟
    والجواب ليس سهلاً، ولكنه سؤال يستحق التفكير فيه، مع التمعن في خصوصيات وسمات كل منطقة من مناطق العالم. خاصة وأن الاحتجاج الشعبي في المنطقة العربية والاسلامية اتخذ، خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، طابعاً أميل الى الارتكاز الى التراث والمرجعيات الدينية منه الى الخيارات اليسارية. وهو ما تجسد بشكل واضح في انتصارالثورة الإيرانية عام 1979 على النظام الشاهنشاهي الذي كان شديد التبعية للسياسات الأميركية، الى جانب ظواهر أخرى متنوعة السمات في بلدان أخرى، مثل لبنان وأفغانستان والجزائر وتركيا والعراق وفلسطين وغيرها. وذلك يعود لأسباب متعددة، موضوعية وذاتية. ولا شك أن إخفاقات التجارب القومية في المنطقة العربية، خاصة منذ العدوان الإسرائيلي عام 1967 والهجمات اللاحقة من قبل الولايات المتحدة للسيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط، كما وانهيارات التجارب الإشتراكية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والجنوبية، منذ أواخر الثمانينيات الماضية، لها دورها بالتأكيد.
    وفي كل الأحوال، فإن من الضروري والحيوي لليسار في منطقتنا والعالم، وحتى لكل القوى والتيارات الوطنية الاستقلالية، فتح خطوط قوية مع أنظمة وقوى أميركا اللاتينية اليسارية، التي عبرت كلها عن تضامنها غير المحدود مع نضال الشعب الفلسطيني ومجمل الشعوب العربية. وهو ما اتضح بشكل خاص في لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي التي جرت في البرازيل (بورتو أليغري) في الأعوام الماضية، وفي فنزويلا (كراكاس) مؤخراً. كما عبرت كل أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية عن إدانتها القوية للغزو الأميركي- البريطاني للعراق، وهو الغزو الذي يلقى رفضاً شعبياً كاسحاً في تلك المنطقة، وفق استطلاعات الرأي التي أجريت فيها، بما في ذلك من قبل مؤسسات استطلاع في الولايات المتحدة.
    ومن المحزن أن أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية كانت، في الفترة الأخيرة، أكثر حرصاً من غالبية الأنظمة العربية على توثيق العلاقات بين المنطقتين. وهو ما اتضح في القمة العربية-الأميركية الجنوبية، التي دعا إليها ونظمها رئيس البرازيل "لولا" داسيلفا في عاصمة بلده برازيليا، في أيار/مايو 2005. وكانت المشاركة العربية فيها ضعيفة وغالباً من مستوى أقل من المسؤول الأول، في حين أن الطرف الأميركي الجنوبي حضر بأعلى المستويات، وحرص على صدور قرارات تضامن قوية مع شعوب الأمة العربية. وذهب رئيس البرازيل اليساري "لولا"، الذي دعا الى عقد القمة، الى حد رفض طلب للولايات المتحدة بالمشاركة في هذه القمة بصفة مراقب!

    وهل تشق تجارب أميركا اللاتينية مسارات جديدة للتحول الاشتراكي؟

    وأهمية نجاح هذه التجارب في أميركا اللاتينية، وخاصة الأكثر تقدماً وجذرية من بينها، تكمن في كونها قد تفتح الآفاق لتحولات عالمية جديدة نحو الخيارات اليسارية، وبطرق وسمات مختلفة عن تجارب سابقة، سواء تجربة الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية أو تجارب أخرى ما زالت قائمة في العالم.
    ومن المهم متابعة إمكانية التحول نحو اليسار وتجاوز حالة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، عبر توفير أعلى درجة من العدالة الاجتماعية، مع التمسك بالحريات الديمقراطية الأساسية، بما فيها حرية التعبير والتنظيم، وبالتالي التعددية السياسية والفكرية. بحيث تنتصر الخيارات اليسارية بانحياز طوعي وقناعة من غالبية الشعب، لتتجند أوسع قطاعاته في عملية التحول وبناء المجتمعات المنصفة والعادلة، التي تسمح بازدهار الإنسان، كل إنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دون التضحية بهذه الحريات الديمقراطية، بصيغها الأكثر تطوراً ونضجاً طبعاً، وبدون افتعال تناقض غير صحيح بين هذه الحريات وبين ما كان يسمى في تجارب سابقة بـ"الديمقراطية الاجتماعية". خاصة وأن أوضاع العالم تغيرت كثيراً خلال القرن الذي مضى، وتطور وعي الناس لأهمية حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية، الى جانب وعلى أرضية ضمان حقهم أولاً في العيش بكرامة ومساواة.
    وينبغي هنا التحذير من أوهام، كانت منتشرة في الماضي، حول كون الاشتراكية مسألة إرادوية يمكن تحقيقها بقرار ونشاط مجموعة صغيرة من الناس، قبل ودون تطوير المجتمعات المعنية وتحقيق تراكم رأسمالي متقدم فيها، وتطور اقتصادي واجتماعي وثقافي كاف لتجاوز المرحلة الرأسمالية من فوقها، أي الانتقال من أعلى مرحلة من التطور على كافة الصعد في المجتمعات الرأسمالية الى مرحلة التحول الاشتراكي.
    وإن كان، وما زال، من الممكن طبعاً أن تجري عملية التراكم والتطور بقيادة يسارية جذرية وقديرة، بإمكانها التعامل مع هذه المهمات المعقدة بعقلية خلاقة وواسعة الأفق، تتجاوز الإرادوية القهرية، التي أثبتت انهيارات الثمانينيات والتسعينيات الماضية أنها لا يمكن أن تكون بديلاً من إنضاج وتوفير الظروف الموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، والذاتية، أي مستوى الوعي والثقافة والإدراك الجماعي للحاجة الى هذا النظام الأرقى.
    فأنصار الفكر الاشتراكي، والطامحون الى مجتمعات متطورة ومنصفة للبشرية كلها، خالية من الاضطهاد والاستغلال، ما زالوا يتابعون باهتمام كل التجارب الانتقالية القائمة حالياً في آسيا الشرقية، وتلك التي يبحث الثوريون اليساريون في أميركا اللاتينية عن طريق جديد إليها في قارتهم المتقدة بالعزيمة والطموح الإنساني غير المحدود.
    والحقيقه الذي لابد ان تقال هل استفادة اليسار العربي من تجارب اليسار في امريكا اللاتينيه ؟؟
    وهدا ما يمكن مناقسته الان بهدف الاستفادة والنهوض وانتشال واقع اليسار العربي الي الافضل والاتحاة السليم
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-05-18
  11. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    اليسار العربي !!! متي ينهض

    الحقيقه كنت متابع دقيقه لانتصارات اليسارر في امريكا اللاتينيه واتلجت صدري وتخيل ان عصر الثورات والتحرر من الاستبداد والظلم قادم الي العالم بشكل قوي كالمارد الجبار وان الراسماليه المتوحشه لابد من ان تحقق نطريه ماركس بختمية سقوط الراسماليه علئ الرغم ان البعض يري ان الاشتراكيه والشيوعيه سقطت بانهيار جداربرلين وانهيار دول المنظمومه الاشتراكيه والاتحاد السوفياتي قبل سقوط الراسماليه وريما يحتلف العديد من الباحتين والدراسين في تحليل الاسباب الرئيسيه في معرفه الاسباب وكل واحد منهم يفسر الاسباب وفق توحيهات المدرسه الفكريه لكل باحت من الباحتين وهو موضوع ممكن ان يكون محور من محاور عدة يمكن ان تناقش بهدف الاستفادة من كل اخطاء الماضي والمزيدات والشطحات الذي رافقت تلك المرحلة من مراحل تطور المحتمع البشري
    الاهم ان اليسار في امريكا اللاتينيه اليوم بحقق المزيد من الانتصارات الثوريه علي ان التجارب الكثير من تجارب اليسار في امريكا اللاتينيه قدطبقت في العديد من البلدان العربيه بل ان العديد من وتايق اليسار في امريكا اللاتينيه كانت تصب دايما في اطار حلقات التثقيف السياسي والفكري للعديد من كودار السيار العربي وهو الامر الذي يدفعني القول ان لهدة الفكراليساري تاثير ماء علي العديد من القوي السياسي العربيه وهو الامر الذي دفعني الي التساؤل اين قوي اليسار العربي من ماضي
    وخاضر ومستقبل قوي اليسار في امريكا اللاتينيه


    إنتصارات اليسار في أميركا اللاتينية -الخلفيات والآفاق
    إثر النصر الكبير الذي حققه المرشح اليساري إيفو موراليس في الانتخابات الرئاسية في بوليفيا في الشهر الأخير من العام المنصرم، ديسمبر/كانون الأول 2005، أورد موقع هيئة البث البريطانية (بي بي سي) على شبكة الانترنت خارطة لأميركا الجنوبية، تلونت معظم مساحتها باللون الأحمر، إشارةً الى نجاحات اليسار في غالبية بلدان هذه المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، بحيث لم تبق سوى مساحات صغيرة بيضاء، في شمال غربيها خاصة، تشير الى البلدان القليلة التي لا يحكمها بعد رؤساء يساريون أو أحزاب يسارية.

    انتصارات متواصلة لليسار منذ العام 1998...عام انتخاب تشافيس

    وموراليس، كما هو معروف، من "الهنود الحمر"، أي من سكان البلاد الأصليين قبل الغزو الأوروبي الذي بدأ في أواخر القرن الخامس عشر. وقد أطلق خطأ على هؤلاء السكان الأصليين، المنتمين الى قبائل وشعوب وحضارات متنوعة، اسم الهنود لأن قائد الغزوة الأوروبية الأولى للقارة، كريستوفورو كولومبو (كولومبوس)، ظن أنه وصل الى الهند من الغرب.
    ولكن إيفو موراليس لم يكن الرئيس اليساري الأول الذي يصل الى السلطة في أحد بلدان هذه القارة خلال السنوات الأخيرة. فقبل انتصار موراليس اليساري في بوليفيا، تحققت نجاحات كبيرة لليسار في المنطقة، كانت فاتحتها انتخاب الضابط السابق اوغو تشافيس رئيساً لجمهورية فنزويلا في انتخابات ديمقراطية تعددية في العام 1998.
    وبعد تشافيس، نجح يساريون آخرون ووطنيون استقلاليون مناهضون لسياسات و"نصائح" الولايات المتحدة الأميركية والمؤسسات الاقتصادية الدولية التي تسيطر عليها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي) في انتخابات ديمقراطية في بلدان أخرى من المنطقة... في تشيلي (2000)، وفي البرازيل (2002)، وفي الأرجنتين (2003)، وفي أوروغواي (2005)، بحيث بات أكثر من 80 بالمئة من سكان أميركا الجنوبية يعيشون في ظل حكام أو أنظمة يسارية.
    وقد تجدد فوز الحزب الاشتراكي في تشيلي برئاسة الجمهورية مرة أخرى في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية في الشهر الأول من العام الجاري 2006، مع انتصار مرشحته ميتشيل باتشيليت، لتخلف زميلها في الحزب ذاته ريكاردو لاغوس، ولتصبح أول إمرأة تتبوأ هذا الموقع في تشيلي، وأول إمرأةنت تنتخب في أميركا اللاتينية المعاصرة دون أن تكون وريثة رئيس سابق أو زعيم بارز.
    هذا، علاوة على أن رئيسة تشيلي الجديدة كانت من المتضررات، بشكل شخصي ومباشر، من الانقلاب العسكري اليميني الذي قاده الجنرال أوغوستو بينوتشيت، بدعم معلن من الادارة الأميركية ومخابراتها المركزية آنذاك، في العام 1973، ضد الرئيس الشرعي الذي جرى انتخابه، قبل ثلاثة أعوام من ذلك، في اقتراع ديمقراطي لا غبار عليه، اليساري سلفادور اليندي (تلفظ أييندي بالإسبانية). ولعل من الدلالات الهامة لانتخاب باتشيليت كونها تنتمي الى نفس حزب اليندي، الحزب الاشتراكي. كما كان والدها ضابطاً كبيراً من أنصار أليندي، وجرى اعتقاله بعد الانقلاب العسكري، وتوفي في السجن خلال فترة وجيزة من اعتقاله. في حين تعرضت هي الى الاعتقال والنفي بسبب نشاطها السياسي كطالبة جامعية في ذلك الحين.
    ***
    وكل المؤشرات تدل على أن الحبل ما زال على الجرار بالنسبة لانتصارات اليسار. حيث يتوقع أن يحقق اليساريون نجاحات في بلدان أخرى من القارة تشهد انتخابات رئاسية أو تشريعية أو كليهما هذا العام... في بيرو وإكوادور في أميركا الجنوبية، وحتى في نيكاراغوا في أميركا الوسطى، وفي المكسيك، البلد الواقع مباشرة جنوبي الولايات المتحدة الأميركية، وهو البلد الثاني بعد البرازيل من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية (أكثر من مئة مليون نسمة، مقابل 190 مليون نسمة تقريباً للبرازيل).
    فما سر هذه النجاحات اليسارية التي تنفرد بها أميركا اللاتينية، بهذه الصورة المنهجية، من بين مناطق العالم الأخرى؟

    أضرار "إصلاحات" العولمة الرأسمالية... مهدت للنجاحات اليسارية

    وهنا لا بد من التوضيح، أولاً، أن تعبير اللاتينية لا علاقة له بتوصيف ديني، كما قد يظن بعض الناس في منطقتنا. بل يعود الى كون الغالبية الساحقة من سكان البلدان الواقعة جنوبي الولايات المتحدة يتكلمون إما الإسبانية أو البرتغالية أو يعيشون في بلدان لغتها الرسمية إحدى هاتين اللغتين. وكلا اللغتين مشتقتان من اللغة اللاتينية القديمة، كما هو حال عدد من اللغات الأوروبية المنشأ الأخرى، مثل الإيطالية والفرنسية والرومانية.
    وليس هناك سوى عدد قليل من البلدان الصغيرة التي تتكلم غير هاتين اللغتين، خاصة في منطقة البحر الكاريبي الواقع قبالة أميركا الوسطى (حيث هناك جزر صغيرة كانت، أو ما زالت، مستعمرات أوروبية أو أميركية، يتكلم بعضها الفرنسية - أو لغة محلية مشتقة منها، تسمى الكريول في بلد مثل هاييتي-، أو الانكليزية، أو الهولندية)...كما في ثلاثة كيانات صغيرة شمال شرقي أميركا الجنوبية (غويانا المتاخمة لفنزويلا، والتي كانت مستعمرة بريطانية، وسورينام التي كانت مستعمرة هولندية، وغويانا الفرنسية التي لا زالت فرنسا تحكمها)، الى جانب جزر فوكلاند الشهيرة الواقعة على مقربة من شواطئ الأرجنتين الجنوبية، والتي اشتهرت أبان الحرب التي جرت في العام 1982 عندما حاول الحكام العسكريون الأرجنتينيون ضمها الى بلدهم، فتعرضوا لضربات الأساطيل البريطانية، التي استعادت السيطرة على الجزر، وما زالت تسيطر عليها.
    أما الغالبية الكبرى من سكان المناطق الواقعة جنوبي الولايات المتحدة، كما ذكرنا، فيقيمون في بلدان تسيطر عليها اللغتان الإسبانية والبرتغالية، مع العلم بأن هناك جماعات غير قليلة من سكان القارة الأصليين ("الهنود الحمر")، الذين ما زال بعضهم يتكلم لغاتهم الأصلية القديمة.

    مبدأ مونرو..."المزرعة المغلقة" لواشنطن...هل أصبح من الماضي؟

    وبعد استقلال معظم بلدان أميركا اللاتينية في مطلع القرن التاسع عشر، وهزيمة الاستعمارين الإسباني والبرتغالي من قبل الشعوب التي تشكلت فيها، عملت الولايات المتحدة الأميركية، التي استقلت في أواخر القرن السابق (الثامن عشر) عن الوجود العسكري البريطاني، وقامت خلال العقود اللاحقة بتوسيع مساحة أراضيها عبر ضم وشراء أراض كانت، قبل ذلك، تحت السيطرة الفرنسية والإسبانية والمكسيكية والروسية، عملت على فرض نفوذها على عموم القارة (مبدأ مونرو، على اسم الرئيس الأميركي الأسبق، وهو المبدأ المعلن في العام 1823، والقاضي برفض تدخل قوى من خارج القارة، وتحديداً من أوروبا، في أي منطقة من القارة، بشمالها ووسطها وجنوبها).
    ودأبت واشنطن، مذذاك، على التعامل مع هذه المناطق الواسعة كمزرعة أو "حديقة خلفية" لها، كما يقال. كما خاضت حروباً استعمارية عدة، خاصة منذ أواخر القرن التاسع عشر، للسيطرة على بعض بلدان المنطقة، مثل جزيرة بورتوريكو في البحر الكاريبي، وعلى بلدان آسيوية مثل الفيليبين، كانت قبل ذلك تحت السيطرة الإسبانية. وعملت واشنطن على ربط الشرائح الحاكمة في هذه البلدان بها، وتدخلت مراراً لدعم الأنظمة التابعة لها ولضرب الحركات الشعبية المناهضة للتبعية، طوال القرن العشرين.
    وفي الثمانينيات من القرن العشرين المنصرم، ومع تنامي العولمة الرأسمالية وسياسات "الليبرالية الجديدة" الملازمة لها على الصعيد الاقتصادي، والتي روجت لها وشجعتها إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريغن، سعت واشنطن الى فرض قوانين وشبكات هذه العولمة، بشكل مباشر أو عبر المؤسسات الدولية التي تسيطر على قراراتها (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة "غات" للتجارة، التي حلت مكانها في أواخر القرن المنصرم منظمة التجارة العالمية... الى جانب "منظمة الدول الأميركية"، التي تجمع كل دول القارة الأميركية بشمالها ووسطها وجنوبها - وقد جرى استبعاد كوبا منها في السنوات الأخيرة بضغط من واشنطن).
    وهكذا، عملت واشنطن على فرض سيطرة شركاتها الكبرى وأولوية مصالحها الخاصة، وضغطت على دول القارة الأخرى للإلتزام بقواعد السوق و"الليبرالية الجديدة"، تحت يافطة "الإصلاح الاقتصادي". كما حاولت فرض اتفاقات تجارية إقليمية، أو ثنائية، بينها وبين دول المنطقة وفق قواعد ما يسمى بـ "التجارة الحرة"، التي تفترض فتح الأسواق بدون قيود بين البلدان المعنية، وهو ما يقود عملياً الى سيطرة رأسمال ومنتجات الدولة الأكثر تطوراً، أي الولايات المتحدة، على أسواق البلدان الأضعف إقتصادياً. وهو ما حصل، بالفعل، في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
    ولذلك، عندما يتبادر الى الذهن السؤال الطبيعي: لماذا يحدث هذا الزحف اليساري المتواصل في هذه المنطقة قبل غيرها من مناطق العالم؟ يأتي الجواب واضحاً على لسان أحد كبار المفكرين اليساريين المتابعين لشؤونها: لأن هذه المنطقة كانت دائماً حقل تجارب أول للولايات المتحدة في "العالم الثالث". وفيها، بالتالي، بدئ بتطبيق وصفات "الليبرالية الجديدة" وتوسيع نفوذ وامتداد العولمة الرأسمالية في شتى المجالات، من منطلق تعزيز التبعية للمركز الرأسمالي الرئيسي في القارة: الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وبالتالي، تجلت سلبيات هذه السياسات الاقتصادية في هذه المنطقة، وعلى نطاق واسع، قبل غيرها من مناطق العالم.
    فخلال قرابة العقدين من تطبيق قواعد "الليبرالية الجديدة" في معظم بلدان أميركا اللاتينية، اتضح أن هذا النظام الاقتصادي، الذي كان يجري تقديمه على أساس أنه أقصر الطرق لتسريع النمو الاقتصادي وانحسار الفقر، قاد في الواقع الى زيادة الأثرياء والشرائح المرتبطة بالمصالح الأميركية الشمالية (والأوروبية) ثراء، كما قاد الى زيادة الفقراء فقراً وإلقاء المزيد من شرائح الفئات الوسطى في أميركا اللاتينية في أتون الفاقة.
    ووصلت الأمور في بعض الحالات الى انفجار أزمات نقدية واقتصادية كبرى، كما في المكسيك عام 1994، ثم في الأرجنتين عامي 2001-2002، وهي أزمات دفعت ثمنها أيضاً بلدان أخرى في محيط البلدين وعموم القارة.
    وفي واقع الحال، فإن ما أسموها بـ"الإصلاحات الاقتصادية البنيوية"، أو "إعادة هيكلة الاقتصاد"، قادت الى تباطؤ النمو في غالبية هذه البلدان. فبينما نمت اقتصادات أميركا اللاتينية بنسبة 82 بالمئة بين العامين 1960 و1980، أي قبل تطبيق هذه "الإصلاحات"، نمت إقتصاداتها بين العامين 1980 و2000، أي في ظل هذه الاصلاحات، بنسبة 9 بالمئة فقط!! وحتى بلد غني بالنفط والغاز مثل فنزويلا شهد بين العامين 1970 و1998 ظاهرة مقلقة، وهي انخفاض معدل الدخل القومي للفرد فيه بنسبة 35 بالمئة. وبلد هام آخر في القارة، وهو الأرجنتين، اتسع عدد الفقراء فيه من مليون مواطن في العام 1990 الى 14 مليوناً في العام 2001 ابان الانهيار الاقتصادي. وسيطرت، خلال الفترة ذاتها، شركات عابرة للقارات (أميركية وأوروبية خاصة) على أكثر من 4000 مصرف ومنجم وشركات نفط واتصالات ونقل في القارة.
    وهكذا، بات 40 بالمئة من سكان أميركا اللاتينية (حوالي 550 مليوناً حالياً) يعيشون تحت خط الفقر، وحوالي 20 بالمئة في فقر مدقع (أقل من دولار في اليوم الواحد). في حين بلغت الفروقات في المداخيل بين الأفقر والأغنى مستويات فاحشة، بكل المعايير، بحيث وضع تقرير التنمية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للعام 2005 أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي في أدنى المراتب في العالم من زاوية التفاوت في المداخيل، الى جانب إفريقيا السوداء (جنوبي الصحراء الكبرى).
    ***




    فنزويلا: تشافيس في مقدمة ركب التمرد والتغيير الجذري

    وقد أدت هذه الأوضاع المتردية الى تنامي حركات الاحتجاج والمعارضة الشعبية، التي نشأت غالباً على الأرض وفي الميدان، وانطلاقاً من القاعدة الشعبية المتضررة. وتأطرت لاحقاً بشكل قوى يسارية منظمة، بعضها حديث المنشأ.
    وفي هذا المناخ، جاء أوغو تشافيس الى الحكم في فنزويلا عبر انتخابات ديمقراطية عام 1998، تحت يافطة محاربة الفقر والجوع والفساد ونفوذ الاحتكارات والشركات الكبرى الأجنبية التي تنهب البلد وثروته الرئيسية، النفط، بحيث لا تستفيد من هذه الثروة الهامة سوى الشركات الأجنبية الكبرى نفسها، الى جانب شريحة محدودة من أثرياء البلد المرتبطين بها وبالمصالح الأجنبية في البلد.
    وقد أثبت تشافيس، خلال سنوات حكمه المستمرة حتى الآن بعد وضع دستور جديد للبلاد عام 1999، وإعادة انتخابه رئيساً وفق بنود هذا الدستور عام 2000، أثبت شعبيته الهائلة. وخاصة عندما حاولت قوى اليمين في المجتمع وشرائح رجعية في الجيش الفنزويلي، مدعومة مالياً وسياسياً بشكل مكشوف من قبل إدارة جورج بوش الإبن في الولايات المتحدة، إحداث إنقلاب عسكري على نظامه اليساري في نيسان/أبريل 2002. حيث قامت الجماهير الفقيرة وشرائح المجتمع المستنيرة واليسارية وقطاعات الجيش المؤيدة لتشافيس بالتصدي للانقلابيين ودحرهم، وتمت إعادته الى الحكم خلال 48 ساعة بعد بدء الإنقلاب، بعد أن تورطت إدارة جورج بوش الإبن بإعلان دعمها العلني للإنقلابيين وتأييدها لنظامهم!!
    وعندما حاولت قوى اليمين الفنزويلي بعد فشلها المريع هذا، وبدعم متجدد من واشنطن، استغلال بند في الدستور الجديد، الذي تم وضعه في ظل حكم تشافيس، يسمح بالاطاحة بأي مسؤول منتخب بعد مضي نصف ولايته، بما في ذلك الرئيس نفسه، عبر تقديم عريضة شعبية تحمل تواقيع 20 بالمئة من عدد الناخبين المسجلين ( في هذه الحالة 2،4 مليون ناخب) بهدف إجراء استفتاء شعبي لسحب الثقة من الرئيس، لم يهرب تشافيس من التحدي. وأجري الاستفتاء فعلاً في آب/أغسطس من العام 2004، فحقق تشافيس نجاحاً باهراً فيه. حيث دعمته غالبية كبيرة من السكان (حوالي 58 بالمئة من المقترعين)، مما شكل ضربة قوية لليمين الفنزويلي، لم يستفق منها حتى الآن، ولن يستفيق منها بسهولة.
    جاء ذلك بعد فشل أشكال شتى من محاولات تعطيل الاقتصاد الفنزويلي، وقطاع النفط تحديداً، نظمتها الأوساط اليمينية، وفق نموذج الإضرابات التي جرت في تشيلي في مطلع السبعينيات الماضية، والتي مهدت للانقلاب العسكري الدموي على حكم الرئيس اليساري الشرعي سلفادور اليندي.
    وبعد إحباط كل هذه المؤامرات على نظامه، عمل تشافيس على إعادة إحياء آلة الاقتصاد، وخاصة قطاعي النفط والغاز (فنزويلا سابع منتج للنفط في العالم، وخامس المصدرين له، وتستورد منه حتى الولايات المتحدة قرابة الـ15 بالمئة من استهلاكها النفطي لتشكل رابع مصدر استيراد لواشنطن من هذه المادة الحيوية، بعد السعودية وكندا والمكسيك. كما ان فنزويلا أول منتج للغاز الطبيعي في أميركا اللاتينية). وتزامن ذلك مع إرتفاع أسعار النفط العالمية لتبلغ أرقاماً قياسية، خاصة بعد الاحتلال الأميركي- البريطاني للعراق، حيث تجاوز سعر البرميل سقف الـ 60 دولاراً).
    وهكذا، بعد عودة الاستقرار للبلد وإعادة تشغيل المرافق النفطية، وحسم شرعية السلطة بهذا الشكل الباهر، دون المساس بالدستور أو بالحريات العامة والتعددية والديمقراطية، توفرت للخزينة الفنزويلية مبالغ كبيرة، قاربت الـ50 مليار دولار في العام 2005. مما سمح لنظام تشافيس بتحقيق برامج إصلاح وتنمية اجتماعية واسعة. وشملت هذه البرامج حملة واسعة لمحو الأمية، وتأمين العلاجات الطبية المجانية الواسعة للفقراء، بدعم زهاء 20 ألف طبيب استقدموا من كوبا، وإرسال بعثات دراسية كبيرة تشمل زهاء 20 ألف شاب لتعلم الطب في كوبا وبلدان أخرى، الخ...
    وخارجياً، سعت فنزويلا الى دعم اقتصاديات دول أميركا اللاتينية المحتاجة والفقيرة، فقامت ببيع النفط بأسعار مخفضة للعديد من دول المنطقة اللاتينية والكاريبي، كما لبعض المناطق الفقيرة والمنكوبة في الولايات المتحدة نفسها... الى جانب سعي تشافيس الى إقامة وتشجيع اتفاقات التكامل الاقتصادي بين بلدان أميركا اللاتينية، بديلاً من الاتفاقات التي عملت الولايات المتحدة على فرضها على بلدان القارة الأخرى لصالح اقتصادها وشركاتها الكبرى.
    وربما كان هذا الجانب الاقتصادي هو الأخطر بالنسبة لسياسة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية. ففي سياق تطبيقات العولمة الرأسمالية، أبرمت واشنطن إتفاق تجارة حرة مع كل من كندا والمكسيك في العام 1994 عرف بالأحرف الأولى لاسمه بالانكليزية، "نافتا" (اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية). وحققت بذلك منافع كبيرة لشركاتها الكبرى لاختراق السوق المكسيكي بشكل خاص. كما عملت على التحضير لعقد إتفاق آخر مع دول أميركا الوسطى (غواتيمالا، بيليز، هوندوراس، السلفادور، نيكاراغوا، كوستاريكا، وبنما) بالإضافة الى جمهورية الدومينيكان في بحر الكاريبي، تحت اسم "اتفاق التجارة الحرة لأميركا الوسطى وجمهورية الدومينيكان" ("كافتا"، بالأحرف الأولى الانكليزية). وهو اتفاق لم يتم إبرامه بعد من قبل كافة البلدان المعنية، كما وضع الكونغرس الأميركي شروطاً مسبقة على البلدان اللاتينية المعنية للموافقة على ضمها للاتفاق. حيث لم يدخل سريانه إلا في دولة السلفادور مؤخراً، في جو معارضة نشطة واسعة في الشارع هناك للاتفاق ونتائجه على البلد واقتصاده الضعيف.
    كما سعت واشنطن بقوة الى توقيع اتفاق مع دول أميركا الجنوبية ليتم التوقيع عليه في مطلع العام 2005 تحت اسم اتفاقية "منطقة التجارة الحرة للأميركتين". لكن عدداً من دول أميركا الجنوبية الرئيسية واجهت وأبطلت مشروعها هذا، وفي المقدمة البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وفنزويلا. وكان أوغو تشافيس رأس الحربة في مواجهة هذا المشروع الأميركي، حيث قام بحملة تحريض واسعة ضده.
    ووجد الرئيس جورج بوش نفسه في الزاوية في قمة الدول الأميركية في مار دل بلاتا في الأرجنتين، في أواخر العام 2005، بحيث تعطل مشروع الاتفاق التجاري تماماً، وتم وضعه في الثلاجة. وخرج تشافيس من قاعة الاجتماعات ليخاطب الجماهير الأرجنتينية، وجماهير جنوب القارة، في مهرجانات حاشدة، داعياً الى رفض التبعية للولايات المتحدة وإلى تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول أميركا اللاتينية، مستوحياً دور البطل الأميركي الجنوبي الشهير، سيمون بوليفار، الذي سعى في مطلع القرن التاسع عشر الى انتزاع استقلال مناطق شمال وشمال غرب أميركا الجنوبية من الاستعمار الإسباني، والى توحيد مجمل البلدان الأميركية اللاتينية.

    من بوليفار، الى خوسيه مارتي، وزاباتا، وساندينو... إستلهام أبطال التاريخ

    وليس غريباً أن يلجأ تشافيس الى العودة الى هذه الينابيع التاريخية، فيطلق على حركته اسم "الثورة البوليفارية" وعلى اسم البلد "جمهورية فنزويلا البوليفارية"، خاصة وأن بوليفار من مواليد عاصمة فنزويلا الحالية، كراكاس. فقد سبقته العديد من الحركات الثورية المعاصرة في أميركا اللاتينية، التي درجت على ربط اسمها باسم أحد أبطال التحرر الوطني والتقدم في بلدانها... فهذا هو الحال مع خوسيه مارتي بالنسبة الى كوبا، وإميليانو زاباتا في المكسيك (حيث الحركة الزاباتية الراهنة في جنوب البلاد تستند الى قاعدة من أهل البلاد الأصليين- "الهنود الحمر")، وساندينو في نيكاراغوا، وفرابوندو مارتي في السلفادور، والثائر "الهندي الأحمر" توباك أمارو في أوروغواي، الذي اشتق اسم حركة "توباماروس" الثورية، التي نشطت خاصة في السبعينيات الماضية، من اسمه، وهي حركة يشارك الآن ورثتها في الحكم اليساري الجديد في البلد، الخ....
    ويبدو واضحاً الآن أن أوغو تشافيس، الذي كان في الماضي ضابطاً في الجيش الفنزويلي، قد تطور في السنوات الأخيرة على صعيد مواقفه الفكرية والسياسية باتجاه أكثر جذرية، الى حد أنه بات يتحدث عن "اشتراكية القرن الحادي والعشرين"، ويعزز علاقاته مع كوبا وزعيمها التاريخي فيديل كاسترو. ومن الواضح أن القائد الكوبي، صاحب التجربة الثورية الغنية والاطلاع الواسع والخبرة الطويلة في الحكم، أحياناً في ظروف إقليمية واقتصادية داخلية صعبة جداً، له تأثير كبير على العديد من القيادات اليسارية الجديدة في أنحاء أميركا اللاتينية، وعلى شبيبة هذه القارة بشكل عام.
    وقد لاحظنا استمرارية الدور الكوبي الثوري في القارة، بشكل واضح، خلال زيارة الى كوبا في أواخر العام 1994، أي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي، وانهيار التجارب الاشتراكية الأخرى في أوروبا الشرقية والوسطى. وهي الانهيارات التي اعتقد حكام واشنطن أنها تمهد لانهيارات شبيهة في كوبا وفي دول آسيا الشرقية، وتحديداً في الصين وفييتنام وكوريا الشمالية، وعملوا على نشر صورة قاتمة ومشوهة عن الوضع في كوبا وعن نظام فيديل كاسترو، الذي روجوا أنه على وشك الانهيار أيضاً.
    في حين لاحظنا، في مؤتمر للتضامن مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي الأميركي لها، انعقد في خريف العام 1994، وشارك فيه زهاء الثلاثة آلاف شخص من مختلف بلدان العالم، جاءوا وأقاموا على حسابهم الخاص أو على حساب الأحزاب والمؤسسات التي ينتمون إليها، لعدم الإثقال على الأوضاع المالية لكوبا، التي كانت صعبة جداً آنذاك، لاحظنا، الى جانب الحضور الواسع من أنحاء العالم ومن تياراته السياسية اليسارية والوطنية والدينية المتنورة والإنسانية المتنوعة، بما في ذلك العديد من التنظيمات الفلسطينية والعربية، حضوراً كثيفاً وواسعاً لشبيبة بلدان أميركا اللاتينية وحماسة كبيرة في استقبال كلمات كاسترو، ذي القدرات الخطابية الهائلة، والمسؤولين الكوبيين الآخرين. وكان بين الحضور، في هذا المؤتمر التضامني مع كوبا ضد الحصار الاقتصادي المفروض من قبل الولايات المتحدة، العديد من أعضاء القوى اليسارية الجديدة في القارة اللاتينية ومن ممثلي التيارات التقدمية والإنسانية فيها، بما في ذلك الأوساط الدينية المستنيرة المناهضة للهيمنة الأميركية الشمالية.
    كما كان بين الحضور شخصيات سياسية وثقافية ودينية معروفة، ومن بينهم، مثلاً، قادة وأعضاء في حزب الشغيلة البرازيلي، الذي وصل زعيمه لويس إنياسيو داسيلفا، المعروف باسم التحبب "لولا"، الى رأس السلطة في البرازيل في انتخابات العام 2002. كما كان حاضراً زعيم تكتل اليسار الثوري (جبهة فرابوندو مارتي للتحرر الوطني) في السلفادور، شفيق حنضل، ذو الأصول الفلسطينية. ومعروف أن حنضل، الذي قاد اليسار الثوري في السلفادور في مرحلة المواجهة المسلحة مع النظام التابع، كما في المرحلة العلنية اللاحقة بعد الوصول الى إتفاق وطني للعمل الديمقراطي لكافة التيارات، جرى ترشيحه عن اليسار في انتخابات الرئاسة السلفادورية في آذار/مارس 2004. حيث حصل على أكثر من ثلث الأصوات، فيما نجح المرشح اليميني، انطونيو السقا، المدعوم من الولايات المتحدة وأنصارها في البلد بقوة، وهو من أصول فلسطينية أيضاً ومن نفس مدينة عائلة حنضل، بيت لحم.
    وقد توفي شفيق حنضل مؤخراً، وتحديداً في الشهر الأول من العام 2006. ونعته أوساط فلسطينية ويسارية أميركية لاتينية وعالمية. وكرس له تشافيس فقرة طويلة، وهتف باسمه أكثر من مرة، في خطاب ألقاه في عاصمة فنزويلا، كراكاس، في شهر شباط/فبراير 2006، أمام حشد كبير من المواطنين والوفود الآتية من أنحاء القارة والعالم.

    تجارب حذرة في البرازيل وأوروغواي وتشيلي... وأكثر جذرية في فنزويلا وبوليفيا

    وقد شكل انتصار "لولا" داسيلفا في انتخابات الرئاسة في البرازيل في العام 2002 علامة مهمة جداً بالنسبة لأوضاع أميركا اللاتينية، لكون البرازيل عملاقاً سكانياً واقتصادياً. حيث يسكنها زهاء الـ190 مليون نسمة، أي ثلث سكان القارة تقريباً. وهي، على مستوى العالم، الدولة الخامسة من حيث عدد السكان، بعد الصين والهند والولايات المتحدة وإندونيسيا. كما ان اقتصادها يعتبر، من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي، الاقتصاد الخامس عشر في ترتيب دول العالم. ومعروف أن "لولا" قاد معركته الانتخابية تحت يافطة محاربة الفقر والجوع وتوفير وجبات يومية منتظمة لكل مواطن. وهو نفسه من أصول شعبية متواضعة، وكان عاملاً ثم زعيماً نقابياً بارزاً خلال سنوات طويلة.
    ولكن يبدو أن حجم البلد الضخم وقوة الشريحة الرأسمالية المسيطرة على اقتصاده وتداخلات الشركات العابرة للقارات (الأميركية والأوروبية والآسيوية، الخ...)، كما وعدم توفر أغلبية لحزبه، حزب الشغيلة، في الهيئات التشريعية (مجلسي النواب والشيوخ)، كلها لعبت ربما دوراً في تبنيه سياسات حذرة وإصلاحات بطيئة، لم ترض القطاعات الأكثر جذرية وتطلعاً للتغيير في المجتمع (بما في ذلك الفلاحين الفقراء، الذين كانوا قد دعموه في انتخابات 2002).
    وهكذا، قدم "لولا" نموذجاً مختلفاً عن نموذج تشافيس لليسار الزاحف في أميركا اللاتينية. حيث لم تستفز سياساته الاقتصادية الولايات المتحدة، لا بل أشادت الإدارة الأميركية والبنك الدولي بها، خلافاً لما حدث مع جاره الشمالي أوغو تشافيس وبرامجه الاقتصادية والاجتماعية الجذرية، الذي تشن عليه حملات شرسة من الإدارة الأميركية والقطاعات اليمينية في بلده.
    هذا دون التقليل من أهمية إجراءات "لولا" التي هدفت لتقديم معونات وتسهيلات للفئات الأكثر معاناة في البرازيل. حيث اتخذت حكومته، مثلاً، قراراً بتأمين بطاقات مساعدة تموينية مستمرة لحوالي تسعة ملايين عائلة فقيرة بما يحقق لها الحد الأدنى من الشروط المعيشية والتغذية، وهو إجراء أكسبه، بالتأكيد، دعم هذه الشريحة الأفقر من أهل البلد. كما سعى لاتباع سياسة خارجية متقدمة نسبياً. فانفتح على الصين وعقد معها العديد من الاتفاقات الاقتصادية، بحيث باتت الصين طرفاً تجارياً هاماً مع البرازيل ومستورداً كبيراً للمواد الأولية منها، وبالطبع، مصدراً كبيراً أيضاً للصناعات المتطورة والمتنوعة لهذا العملاق الآسيوي الصاعد. كما تم عقد اتفاقات لمد البرازيل بالنفط والغاز من فنزويلا. ويجري الحديث عن إقامة خط أنابيب لنقل النفط والغاز الى البرازيل، وعبره الى الأرجنتين وبلدان أخرى من أميركا الجنوبية. كما دعم حكم "لولا" دعوات تشافيس لتعزيز الإتفاقات الاقتصادية والتجارية بين دول أميركا اللاتينية، بديلة من الاتفاقات التي دعت إليها الولايات المتحدة لربط دول القارة باقتصادها هي.
    ولكن حذر "لولا" وبطء خطواته الإصلاحية الداخلية، علاوة على إشكالات وقع فيها بعض كبار قادة حزبه ووزرائه، حيث اتهموا بإجراءات غير قانونية لتمويل الحملات الانتخابية ولكسب أصوات النواب من خارج حزب الشغيلة لصالح مشاريع القرارات المختلفة لإدارة "لولا"، كلها جعلت وضع الرئيس اليساري البرازيلي حساساً، خاصة في عام انتخابي كالعام الحالي. حيث تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية في الفاتح من تشرين الأول/أكتوبر القادم.
    وليس من المضمون سلفاً نجاح "لولا" في هذه الانتخابات، بالرغم من استعادته، الى حد كبير، شعبيته الشخصية على مستوى الشارع في الأشهر الأخيرة. حيث أظهرت استطلاعات الرأي في مطلع ربيع العام 2006 استمرار تقدمه على أي مرشح آخر محتمل.
    وبين النظم اليسارية الأخرى في أميركا اللاتينية، نستطيع أن نقول أن بوليفيا، التي نجح في انتخاباتها الرئاسية، في الشهر الأخير من العام 2005، كما ذكرنا، زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، إيفو موراليس، ذو الأصول "الهندية الحمراء" الخالصة، بأغلبية كبيرة ومنذ الدورة الأولى لهذه الانتخابات، هو الأقرب، من حيث نهجه وتوجهاته الجذرية، الى نموذج تشافيس في فنزويلا. علماً بأن بلده، الذي اشتق اسمه من اسم قائد تحرر وتوحيد أميركا اللاتينية في مطالع القرن التاسع عشر، بوليفار، الذي يعتبره زعيم فنزويلا اليساري تشافيس رمز حركته الثورية، هو البلد الأفقر في أميركا الجنوبية، بالرغم من ثرواته المعدنية والنفطية والغازية (فالبلد هو الثاني من حيث ثروة الغاز الطبيعي في جنوب أميركا، بعد فنزويلا). وذلك يعود لكون هذه الثروات كانت مسيطراً عليها من قبل شركات كبرى أجنبية، ولكون السياسات المتبعة من قبل الحكومات السابقة، بتشجيع من واشنطن، قد قادت الى خصخصات واسعة، بما في ذلك لشبكات المياه الوطنية، لصالح هذه الشركات الأجنبية (في حالة المياه، هي شركة خاصة فرنسية)!

    كوبا المحاصرة تتنفس الصعداء... وتضحيات غيفارا ورفاقه لم تذهب سدى

    ومن المفارقة التاريخية أيضاً أن تكون بوليفيا، يسارية النظام حالياً، هي البلد الذي تمت فيه، في أواخر العام 1967، تصفية القائد الثوري الأميركي اللاتيني البارز، إرنستو غيفارا - المضاف لاسمه عادة تعبير التحبب "تشي"-، على يد قوات حكومية بوليفية مدعومة بخبراء وعسكريي المخابرات المركزية والقوات الخاصة الأميركية. وإذا كان مقتله في تلك الحقبة لم يثر اهتماماً كبيراً لدى فلاحي بوليفيا البؤساء ذوي الأصول "الهندية الحمراء"، الذين سعى غيفارا لنصرة قضيتهم ولتنظيمهم لتحرير بلدهم من سطوة الأجنبي وأتباعه، فإن صور وملصقات شهيد أميركا اللاتينية الكبير غيفارا منتشرة الآن في أنحاء البلد. والفلاحون ذوو الأصول "الهندية الحمراء"، بقيادة رئيس البلاد الجديد موراليس، باتوا الآن يحملون وصيته على أكفهم.
    وهذا، بلا شك، يشكل نجاحاً كبيراً لكوبا، التي كان غيفارا أحد قادة ثورتها التي انتصرت في مطلع العام 1959. وقد حرصت كوبا على تكريمه وتخليده، بعد تصفيته إثر نفاد ذخيرته وذخيرة رفاقه في مواجهة غير متكافئة جرت في جبال بوليفيا الريفية خريف العام 1967. فعملت على استعادة رفاته من بوليفيا بعد أن تم العثور عليها في العام 1997. وتمت إعادة دفنها في مدينة سانتا كلارا الواقعة شرقي كوبا في حفل تكريم ضخم وحاشد، وتحت ظل نصب تذكاري كبير لشهيد الثورات الأممية الكبير. كما عمل الكوبيون وأنصارهم، والأوساط اليسارية في أميركا اللاتينية عموماً، على نشر صوره وملصقاته وكتاباته والأناشيد التي تتغنى بدوره الثوري، ليس فقط في كوبا وبوليفيا، وإنما في أنحاء القارة وفي العالم. بحيث تعززت صورته المنتشرة الآن في أصقاع الأرض كرمز ثوري رومانسي عالمي، ونموذج للتضحية بالذات من أجل مستقبل الشعوب وطبقاتها وفئاتها المضطهدة والمغبونة.
    وهكذا، يكون بإمكان إرنستو غيفارا، الأرجنتيني المولد، الكوبي بالتبني الثوري، والأميركي اللاتيني والأممي في نشاطه اللاحق بعد انتصار الثورة الكوبية، بإمكانه أن يرقد مرتاحاً في ضريحه، لكون تضحيته وتضحيات رفاق دربه ونضاله لم تذهب سدى. بل تركت بذوراً، أنبتت وأزهرت، ورفعت رايات التحرر والانعتاق وكرامة الإنسان، وفتحت آفاقاً لتحول لاحق نحو مجتمع المساواة والعدل وازدهار الإنسانية، مجتمع الاشتراكية. وكلها أهداف عمل غيفارا طوال حياته القصيرة من أجلها، في بوليفيا، كما في عموم القارة.
    ومن الجدير التأكيد، في هذا السياق، أن كوبا، التي حاول الأميركيون الشماليون محاصرتها وعزلها وحالوا فعلاً دون بقائها عضواً في"منظمة الدول الأميركية"، باتت الآن على علاقات تحالف وصداقة وثيقة مع العديد من بلدان أميركا اللاتينية، التي انفتحت عليها اقتصادياً وسياسياً، بحيث باتت الولايات المتحدة هي المحاصرة بالعداء الشعبي الواسع في القارة اللاتينية لسياساتها الامبراطورية التوسعية وعنجهيتها الكونية وإذلالها التاريخي لشعوب القارة.
    ***
    ومن المبكر، طبعاً، أن نحكم على مآل تجربة الحكم اليساري الجديد في بوليفيا، وهي ما زالت في بداياتها، وأمامها مهمات كبيرة وعد بها موراليس ناخبيه... كانتخاب جمعية تأسيسية وكتابة دستور جديد، وتأميم الثروات الأساسية في البلد، كالنفط والغاز، وإنهاء خصخصة المياه وقطاعات الخدمات العامة الأخرى، ووضع حد للتركة الثقيلة التي ورثها البلد من جراء تطبيق توصيات مؤسسات العولمة الرأسمالية، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والإدارة الأميركية التي تسيطر عملياً عليهما. كل ذلك في سبيل إخراج غالبية سكان البلد من حالة الفقر والفاقة التي يعانون منها، ومعظمهم مثله من سلالات سكان البلاد الأصليين.
    لكن يبقى، كما أعلن موراليس نفسه مباشرة بعد انتخابه، وخلال جولته العالمية الكبيرة التي أتمها قبل تنصيبه رسمياً رئيساً للبلد، وهي جولة شملت عدداً من دول القارة، وخاصة فنزويلا وكوبا والبرازيل، كما شملت دولاً أبعد مثل جنوب إفريقيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا والصين، أعلن أنه سيعمل من أجل مشروعه الطموح الكبير، باعتباره زعيم "الحركة نحو الاشتراكية"، جنباً الى جنب مع حليفيه الأقرب، كما قال، فيديل كاسترو وأوغو تشافيس. وجدير بالإشارة أن موراليس كان قد وصف نفسه ابان الحملة الانتخابية بكونه "أسوأ كابوس لواشنطن".
    ***
    اجتهادات مفتوحة، وتكافل إقليمي، وفضائية مشتركة

    أما التجارب اليسارية الأخرى في أنحاء أميركا اللاتينية، فلكل منها سماتها الخاصة. فأوروغواي، نجح في انتخاباتها الرئاسية والتشريعية في أواخر العام 2004 تحالف يساري واسع يحمل اسم "الجبهة الموسعة"، حاول في الماضي أكثر من مرة الوصول الى السلطة في هذا البلد الذي يعتبر من بين البلدان الأصغر في أميركا الجنوبية ( أكثر قليلاً من ثلاثة ملايين نسمة). وعمل رئيسها اليساري الجديد، تاباري فاسكيس، والحكومة الائتلافية اليسارية الحاكمة، على هدى برنامجهما الانتخابي، الى إنجاد سريع للشرائح الفقيرة في البلد والتي عانت من سياسات "الليبرالية الجديدة" التي مورست في ظل الحكومات السابقة، خاصة في التسعينيات الماضية، ومن بينها الإنعكاسات المأساوية على البلد للانهيار الاقتصادي والمالي الذي أصاب الأرجنتين المجاورة في أواخر العام 2001 وخلال العام 2002.
    وبالرغم من أن النظام اليساري الجديد سارع، منذ اليوم الأول لتنصيبه، الى إعادة العلاقات الدبلوماسية التي قطعها النظام السابق مع كوبا، وإلى فتح قنوات تعاون واسعة مع أوغو تشافيس في فنزويلا، إلا إن خطواته الاقتصادية اتسمت بالحذر. فلم تقطع مع الماضي وشبكة علاقاته، بما في ذلك مع الولايات المتحدة، التي وقعت معها أوروغواي اتفاق تجارة حرة ثنائياً.
    علماً بأن أوروغواي، بالمقابل، مشاركة أصلاً في التكتل التجاري لبلدان أميركا الجنوبية (ميركوسور)، الذي تأسس في مطلع التسعينيات الماضية، وتشكلت نواته الأولى من كل من الأرجنتين والبرازيل وأوروغواي وباراغواي، وانضمت إليها لاحقاً دول أخرى من أميركا الجنوبية، وتحديداً بوليفيا وتشيلي وبيرو وكولومبيا وإكوادور، ومؤخراً فنزويلا.
    وهذا التكتل التجاري الأميركي الجنوبي البحت مطروح عملياً كإطار مواز وبديل للمقترح الأميركي الشمالي بإنشاء تكتل يشمل كل القارة، بحيث تصبح واشنطن هي مركز هذا التكتل والطرف المركزي والمستفيد الرئيسي منه، كما ذكرنا، وهو المقترح الذي جابهته الدول يسارية الأنظمة وأحبطته حتى الآن. هذا في حين عمل تشافيس على تشكيل إطار أكثر قوة وطموحاً أسماه "إتفاقية أميركا اللاتينية البوليفارية" – "ألبا"، بالأحرف الإسبانية الأولى-، فيما الأحرف الأولى للمشروع الأميركي للتجارة الحرة هي "ألكا".
    كما شاركت أوروغواي مع فنزويلا وكوبا والأرجنتين في تأسيس وتمويل فضائية أميركية لاتينية جديدة (على غرار فضائية "الجزيرة" العربية من حيث إنتشار بثها، كما قال تشافيس نفسه)، حملت اسم "تيليسور" - أي تلفزيون الجنوب -. وبدأت هذه الفضائية البث في أواخر العام 2005 في محاولة لمواجهة وسائل الإعلام اليمينية واسعة النفوذ في بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك الفضائيات الدولية الكبرى، مثل "سي إن إن" الأميركية، التي تبث بالإسبانية أيضاً، و"بي بي سي" البريطانية، وغيرهما. وبرامج هذه الفضائية الجديدة، متعددة اللغات، تفتح المجال أيضاً لكشف خلفيات السياسات العدوانية الأميركية، ليس في القارة وحدها وإنما في العالم كله، بما في ذلك خلفيات وملابسات النوايا المبكرة لإدارة الولايات المتحدة لشن الحرب على إفغانستان والعراق، ومدى جدية المبرر الذي جرى استخدامه لشنهما، هجمات 11 أيلول/سبتمبر الشهيرة على نيويورك وواشنطن.
    ***
    سمات خاصة وتطور اقتصادي سريع في كل من تشيلي والأرجنتين

    والوضع شبيه، من هذه الزاوية، بالنسبة لجمهورية تشيلي الواقعة على الشواطئ الجنوبية الغربية لأميركا الجنوبية، والتي تعتبر من أقوى الاقتصادات في القارة (الثانية في أميركا اللاتينية من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي، بعد الأرجنتين، حيث تتجاوز هذه الحصة العشرة آلاف دولار سنوياً، مما يجعل البلد، من هذه الزاوية، في مصاف البلدان متوسطة الدخل في العالم).
    فقد نجحت رئيسة يسارية، كما ذكرنا، في الانتخابات التي جرت دورتها الثانية في الشهر الأول من العام 2006، هي ميتشيل باتشيليت، التي تم تنصيبها رسمياً وتسلمها لمسؤولياتها يوم 11 آذار/مارس 2006. وهي تنتمي، كما أشرنا أعلاه، الى نفس الحزب الاشتراكي الذي كان ينتمي إليه الرئيس الأسبق المغدور سلفادور اليندي، المطاح به من قبل انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة في العام 1973. ومعروف أن قائد هذا الإنقلاب اليميني، الجنرال أوغوستو بينوتشيت، حكم تشيلي بقبضة قمعية دموية شديدة منذ ذلك الحين وحتى العام 1990. وبعد رحيله عن السلطة، تم تنظيم انتخابات ديمقراطية، مقيدة بعض الشيء، مما لم يمنع بروزاً قوياً، في أول انتخابات نيابية ورئاسية تعددية، لتيارات وأحزاب إئتلف بعضها ليشكل تحالفاً ديمقراطياً ضم أحزاباً من الوسط ويسار الوسط واليسار، شمل في ما شمل الحزب الاشتراكي وكذلك الحزب الديمقراطي المسيحي وغيرهما. وكان الرئيسان الأولان المنتخبان، بعد فترة الحكم الديكتاتوري، واللذان رشحهما إئتلاف يسار الوسط هذا، من الحزب الديمقراطي المسيحي. أما الرئيسان اللاحقان، الرئيس المنتخب عام 2000 ريكاردو لاغوس والرئيسة المنتخبة مؤخراً ميتشيل باتشيليت، فهما من الحزب الاشتراكي.
    وقد شهدت تشيلي في السنوات الأخيرة نمواً اقتصادياً سريعاً (نسبة النمو خلال الخمسة عشر عاماً الماضية بلغت 5% سنوياً)، فتحولت الى إحدى الدول الأكثر تطوراً في أميركا اللاتينية، بعد الأرجنتين، كما ذكرنا، وأصبحت تصنف في المرتبة العالمية الخمسين من حيث معدل حصة الفرد من الناتج الداخلي الإجمالي. وهي، في هذا التصنيف، غير بعيدة عن بعض دول أوروبا الشرقية والوسطى الأكثر تطوراً، مثل المجر وسلوفاكيا وسلوفينيا، والبلدان الثلاثة الأخيرة أعضاء حالياً في الإتحاد الأوروبي.
    وقد أبرمت تشيلي في السنوات الأخيرة اتفاقات تجارة حرة مع الولايات المتحدة، كما مع دول أوروبية وآسيوية. ومن المستبعد، حسب المتابعين لشأن البلد، أن تحدث الرئيسة اليسارية الجديدة تغيراً جذرياً على هذه السياسات، لكنها يمكن أن تركز أكثر على تقليص الهوة في المداخيل بين الأغنى والأفقر في البلد وعلى تطوير الضمانات الاجتماعية للطبقات الدنيا. وهكذا، في المجال الاجتماعي، كان أحد القرارات الأولى للرئيسة الجديدة إعفاء المسنين ما فوق الستين من العمر من تكاليف العلاج الطبي، أي توفير ضمان صحي كامل لهذه الشريحة المتزايدة الحجم من سكان البلد.
    كما من المتوقع أن تعمل الرئيسة الجديدة على تطوير العلاقات الإقتصادية بينها وبين دول أميركا اللاتينية الأخرى، بما في ذلك مع جارتها الشمالية الشرقية بوليفيا، التي بينها وبين تشيلي خلاف قديم على الأرض، حيث كانت تشيلي قد ضمت، في حرب سابقة بين البلدين، أراضي لبوليفيا كانت منفذاً لها على البحر، والمقصود المحيط الهادئ، مما جعل بوليفيا بعد ذلك بلداً بدون منفذ بحري. وهو وضع يمكن أن تسعى بوليفيا اليسارية النظام حالياً الى حل له في مفاوضات مباشرة مع تشيلي.
    وفي الأرجنتين المجاورة، التي مرت بأزمة أقتصادية ومالية عصيبة في العامين 2001-2002، كما ذكرنا، تمكن الرئيس المنتخب في العام 2003، نستور كيرشنير، الذي يمكن تصنيفه من يسار الوسط أيضاً، من أن يحقق إنجازات كبيرة في مجال إعادة الحياة للاقتصاد المأزوم والغارق في الديون، عبر تحدي توصيات صندوق النقد والبنك الدولي، وتعزيز العلاقات البينية الأميركية اللاتينية، بما في ذلك مع فنزويلا، التي تؤمن لجاراتها حاجاتها من مصادر الطاقة الطبيعية، ومن خلال تعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين دول أميركا الجنوبية.
    ***
    وهكذا، نحن أمام ظاهرة واسعة من التحول نحو الخيارات اليسارية في عموم أميركا اللاتينية، عنوانها رفض سياسات الإلحاق الأميركية والعولمة الرأسمالية التي تروج لها واشنطن بدرجة رئيسية، وبالمقابل السعي لتدعيم العلاقات الاقتصادية والتجارية وغيرها من العلاقات بين دول المنطقة. وإن كانت هناك أنماط متعددة من التطبيقات في هذه المنطقة الواسعة، كما رأينا، تتراوح بين التوجه الجذري الذي تتصدره فنزويلا ورئيسها أوغو تشافيس، والتوجه الإصلاحي التطويري الحذر الذي تسير فيه، على سبيل المثال، تشيلي والبرازيل وأوروغواي وغيرها.
    وكما أشرنا أعلاه، فإن انتخابات العام الجاري في عدد من بلدان القارة قد تضم بلداناً أخرى الى الموجة اليسارية المناهضة لسياسات "الليبرالية الجديدة" التي ترفع راياتها واشنطن. ومن بين هذه البلدان، على الأرجح، نيكاراغوا، في أميركا الوسطى، والتي تشهد انتخابات رئاسية ونيابية في شهر تشرين الثاني/نوفمبر القادم، حيث تشير استطلاعات الرأي الحالية الى ترجيح انتصار الحركة الساندينية فيها (وهي الحركة التي حكمت البلد خلال معظم الثمانينيات، وواجهت في حينه محاولات متواصلة للإطاحة بحكمها من قبل القوى اليمينية والميليشيات المسلحة التي انتشرت على حدود البلد والمعروفة باسم "كونتراس"، والتي كانت تمولها وتدربها المخابرات المركزية الأميركية، تساعدها الأجهزة الإسرائيلية، كما بات الآن معروفاً).
    كما شارك مرشح وطني استقلالي مناهض لسياسات الولايات المتحدة وللعولمة الرأسمالية في الانتخابات الرئاسية في بيرو، التي جرت دورتها الأولى يوم 9 نيسان/أبريل 2006. وجاء هذا المرشح في مقدمة المرشحين الآخرين في نتائج الدورة الأولى، حيث حصل على زهاء 30 بالمئة من الأصوات، متقدماً على مرشحة الرئيس اليميني الحاكم وعلى رئيس سابق آخر وقرابة العشرين من المرشحين الآخرين للرئاسة، مما أهله ليخوض الدورة الثانية للانتخابات المتوقعة في أوائل شهر أيار/مايو. ومن الصعب الجزم مبكراً بفرص هذا المرشح، الآتي حديثاً الى العمل السياسي، ولكن المدعوم بقوة، كما ظهر في الدورة الأولى للانتخابات، من فقراء البلد، وخاصة من ذوي الأصول "الهندية الحمراء". علماً بأن أنصار اليمين المحلي تجندوا في الحملة الانتخابية للتهجم عليه وإلصاق شتى التهم به وتنظيم التظاهرات المناهضة له حتى عندما قام بوضع ورقته في صندوق الإقتراع يوم انتخابات الدورة الأولى، واعتبرته وسائل الإعلام اليمينية يسارياً وشعبوياً متخفياً وراء شعار "الوطنية".
    وهذا المرشح، واسمه أويانتا أومالا، عسكري سابق، كما تشافيس، وله جذور "هندية حمراء". وقد أدت الإشادة به من قبل رئيس فنزويلا، أوغو تشافيس، قبل عدة أسابيع من الانتخابات، واستقباله في عاصمته كراكاس، الى أزمة سياسية مع النظام القائم آنذاك في بيرو، المرتبط بسياسات الإدارة الأميركية وتوصيات البنك الدولي "الليبرالية الجديدة".

    المكسيك الكبيرة، ومرشح اليسار القوي لرئاستها، مصدر قلق لدى واشنطن

    وربما تشهد المكسيك أيضاً، وهي، كما ذكرنا، البلد الثاني (أكثر من 100 مليون نسمة) من حيث حجم السكان في أميركا اللاتينية بعد البرازيل، في انتخابات هامة تجري في مطلع تموز/يوليو القادم، حدثاً شبيهاً، حيث يتوقع أن يتفوق مرشح يساري بارز على منافسيه. مما سيشكل، في حال نجاحه، كسراً لاحتكار اليمين للسلطة في البلد منذ زهاء الثمانية عقود. ذلك أن استطلاعات الرأي تؤشر حالياً الى احتمال وصول المرشح ذي التوجهات اليسارية الى سدة الرئاسة، وهو رئيس بلدية العاصمة مكسيكو منذ العام 1997، أندريس مانويل لوبيس أوبرادور، مرشح "حزب الثورة الديمقراطية" اليساري.
    وأوبرادور يتمتع بشعبية كبيرة في البلد، ويتوقع، حتى كتابة هذه الأسطر، أن يتجاوز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية كلا المرشحين الرئيسيين الآخرين، مرشح الحزب الذي سيطر على السلطة منذ العام 1929 وحتى العام 2000، ومرشح الحزب اليميني الآخر الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي فيسنتي فوكس الذي انتخب في العام 2000، والمقرب جداً من الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الإبن، الذي خصه بأول زيارة رسمية له خارج الولايات المتحدة بعد تسلمه (أي بوش) مسؤولياته في العام 2001.
    ومن الطبيعي أن تشعر الولايات المتحدة بالقلق عندما تصل موجة اليسار المتمددة الى حدودها الجنوبية. خاصة وأن نفوذ واشنطن في المكسيك كان، طوال عقود طويلة، كبيراً جداً، سواء من خلال التدخلات العسكرية والأمنية والسياسية، أو التداخلات الاقتصادية الواسعة، التي توجها في العام 1994 اتفاق التجارة الحرة بين بلدان أميركا الشمالية (كندا، الولايات المتحدة، المكسيك)، أو من خلال وجود جالية مكسيكية كبيرة في الولايات المتحدة، وبينها أكثر من 12 مليوناً من المقيمين بشكل غير قانوني، أي من الذين دخلوا الولايات المتحدة بدون تصريح.
    وتوفر هذه الجالية توريدات مالية كبيرة للمكسيك. وبإمكان أية إدارة أميركية أن تستخدم، من بين أدوات ضغط عدة، وضع هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين كمادة ابتزاز من أي نظام حكم في مكسيكو العاصمة، نظراً لأن أي مساس بأعمالهم ومداخيلهم ستكون له نتائج سلبية مباشرة وكبيرة على الاقتصاد المكسيكي.
    فهل تسعى الولايات المتحدة الى تكثيف جهودها، خلال الأشهر الباقية قبل الانتخابات، لوضع الحواجز أمام وصول المرشح اليساري الى الرئاسة المكسيكية، استباقاً لأية تحولات داخلية في هذا البلد الحيوي أيضاً بالنسبة للإقتصاد الأميركي، حيث العديد من الصناعات الأميركية، خاصة تلك التي تتطلب أيادي عاملة كثيفة، تم نقل ورشها الى هذا البلد كثيف السكان وذي مستوى المعيشة الأدنى؟
    في واقع الحال، جرت محاولة واحدة كبيرة للنيل من المرشح اليساري، أوبرادور، عندما جرى اتهامه بتجاهل أمر قضائي يقضي بوقف العمل في شق طريق على أرض مصادرة تقود الى مستشفى في العاصمة مكسيكو، التي يرأس أوبرادور مجلسها البلدي. وحاولت محكمة مكسيكية، استناداً الى هذه التهمة، أن تفرض عليه عقوبة بدفع غرامة مالية، أو بالسجن إذا لم يسدد الغرامة. وقد رفض أوبرادور التهمة، ورفض دفع الغرامة، مبدياً استعداده للدخول الى السجن، بالرغم من أن التهمة، برأيه، غير صحيحة.
    وإزاء الدعم الضمني أو المعلن للحزبين اليمينيين الكبيرين المنافسين له في الانتخابات الرئاسية لهذا الإفتراء، نزل أكثر من مليون مواطن مكسيكي الى الشارع يوم 24 نيسان/أبريل 2005 لفضح المؤامرة التي استهدفت تلطيخ سمعة أوبرادور تمهيداً لمنعه من الترشح للرئاسة. وتحركت أوساط عالمية واسعة أيضاً لدعم هذا الموقف الشعبي المكسيكي. مما دفع رئيس المكسيك الحالي فوكس، الذي كان قد أيد قرار المحكمة السابق بحق أوبرادور، الى اتخاذ قرار جديد، بعد التحرك الشعبي بثلاثة أيام، بفصل القاضي الذي اتخذ القرار. وهذا الحادث، في نهاية المطاف، لم يسئ الى أوبرادور، بل زاد من شعبيته، وزاد من إضعاف مرشح الحزب الحاكم في مواجهته في انتخابات الشهر السابع من العام الحالي.
    وهكذا تتضح قوة الدعم الشعبي للمرشح اليساري الرئيسي في انتخابات الرئاسة القادمة في المكسيك. يضاف إليه تضامن بلدان أميركا اللاتينية الأخرى ذات التوجهات اليسارية، مما يعطيه مجالاً غير قليل للحركة. علماً بأن هناك طيفاً متنوعاً وواسعاً من الأطراف اليسارية والمناهضة للعولمة الرأسمالية في البلد، بعضها يعتبر نفسه على يسار أوبرادور، مثل الحركة الزاباتية، التي انطلقت من جنوب البلاد، حيث كثافة حضور سكان البلاد الأصليين (اسم الحركة، كما أشرنا أعلاه، نسبة الى أحد قادة الحركات الثورية الفلاحية في مطلع القرن العشرين، إميليانو زاباتا).

    كولومبيا...نظام يميني، وقوات أميركية، و"فرق موت"، وحركات ثورية مسلحة!

    يبقى أن نشير الى بلد في هذه المنطقة له وضع غير عادي، وهو كولومبيا، الواقعة الى الغرب من فنزويلا، في شمال غرب أميركا الجنوبية. ففي هذا البلد، تتواجد قوات أميركية كبيرة نسبياً، بحجة مكافحة تجارة المخدرات، التي تنطلق من هذا البلد باتجاه الولايات المتحدة وبلدان أخرى. ومعروف أن شجرة الكوكا، التي تزرع في هذا البلد وبلدان أخرى مجاورة، تستخدم من قبل سكان القارة الأصليين كمادة منبهة وكمصدر للتداوي. ولكن منها أيضاً يتم استخراج مادة الكوكايين، التي هي من المخدرات القوية، ويجري التعاطي معها على نطاق واسع من قبل مدمني المخدرات في الولايات المتحدة وبلدان أخرى.
    وفي واقع الحال، فإن الوجود العسكري الأميركي له أغراض أخرى غير معلنة. خاصة وأن كولومبيا لديها حدود أرضية مع أميركا الوسطى، وتحديداً مع بنما، التي تحتضن القناة الشهيرة التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، وتفتح المجال لتواصل بري، عبر بلدان أميركا الوسطى والمكسيك، مع الولايات المتحدة نفسها. وكانت كولومبيا، وما زالت، مسرحاً، منذ عقود طويلة، لثورات عنيفة ضد الحكم المحلي الخاضع لنفوذ الولايات المتحدة.
    وخلافاً لبلدان أخرى في القارة توقفت فيها العمليات العسكرية للقوى الثورية بعد أن انهارت الأنظمة الدكتاتورية التابعة ومورست الحريات الديمقراطية، بما يسمح بانخراط الحركات الثورية في الحياة السياسية العامة وفي العمليات الانتخابية، فإن طبيعة السلطة والوضع العام في كولومبيا لهما خصوصيات جعلا البلد، حتى الآن، بمنأى عن موجة التحول الديمقراطي المفتوح، وعن الاكتساح اليساري عبر الانتخابات الحرة في القارة.
    فإلى جانب دور القوات الأميركية وقوات السلطة المحلية، التي تتعقب وتحارب القوى اليسارية المسلحة تحت غطاء محاربة تجار المخدرات، فإن عمليات التصفية الجسدية تتواصل في البلد، منذ أكثر من عشرين عاماً بشكل مكثف، لقادة وكوادر الأحزاب اليسارية التي حاولت أن تشارك في الحياة السياسية العلنية الشرعية، وذلك على أيدي "فرق الموت" اليمينية، التي تتلقى دعماً من قبل بعض أوساط السلطة اليمينية في البلد. وهو وضع دفع القوى الثورية الرئيسية (وخاصة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية"، و"جيش التحرير الوطني") الى مواصلة كفاحها المسلح من أجل إنهاء هذا الوضع الإستثنائي، سعياً للوصول الى حكم يخدم مصالح شعب كولومبيا، وليس مصالح الولايات المتحدة وشركاتها ما فوق القومية.
    وبما أن كولومبيا متاخمة لفنزويلا من الغرب، فلا يستبعد النظام اليساري الحاكم في فنزويلا أن تستخدم كولومبيا كإحدى قواعد الإنطلاق للتآمر عليه، ولأي هجوم مستقبلي محتمل من قبل الولايات المتحدة عليه. وهو احتمال شكل مدخلاً لنظام تشافيس اليساري للعمل من أجل إنشاء جيش شعبي، يضم الملايين من المواطنين المدربين على السلاح، للدفاع عن الثورة في هذا البلد ضد إي اجتياح خارجي من قبل الولايات المتحدة وأتباعها. وقد بدئ، بالفعل، بالتدريبات الواسعة في أنحاء فنزويلا مؤخراً. وبما أن فنزويلا تعد من السكان بقدر ما يعد العراق تقريباً - حوالي 25 مليون نسمة -، وهي، كما العراق، بلد نفطي رئيسي، فإن اليقظة واجبة، لنظام تعرض حتى الآن لجملة من محاولات الإطاحة به بتشجيع من إدارة الولايات المتحدة.
    ***
    بالنسبة للقوى المسيطرة في الولايات المتحدة: بعبعان كبيران... تشافيس، والصين!

    من المنطقي، على ضوء هذا الاستعراض للأوضاع في أميركا اللاتينية، أن يطرح المسؤولون الأميركيون على أنفسهم السؤال إياه الذي يطرحونه بالنسبة لمناطق أخرى من العالم، وخاصة في السنوات الأخيرة، المنطقة العربية الإسلامية: لماذا يكرهوننا الى هذا الحد؟!
    ولا شك أن الجواب الموضوعي سيكون نفسه كما في مناطق العالم المختلفة: لأنكم تعتدون على ثروات الشعوب وتنهبون خيراتها وتستخدمون قوتكم العسكرية والاقتصادية، وتفردكم بالقوة الكونية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لإخضاع العالم كله لمصالحكم، ليس الحالية فقط وإنما المستقبلية أيضاً. وهو ما يقف وراء حربكم واحتلالكم للعراق، وتدخلكم في العديد من بلدان العالم، ودعمكم غير المحدود للاحتلال الإسرائيلي لأراضي الفلسطينيين، والعرب الآخرين.
    ولكن المشكلة أن الحقيقة الموضوعية لا تعني كثيراً أصحاب القرار في واشنطن، لأنها تتعارض مع مصالحهم ومصالح الشركات الكبرى النافذة والمؤثرة على القرار في البلد. كما تتعارض مع توجهاتهم الإمبراطورية، التي انتعشت وتضخمت في السنوات الأخيرة، وخاصة في ظل إدارة جورج بوش الإبن. وإنما الذي يعنيهم هو كسر المقاومة العالمية لسياساتهم هذه، واستباق نهوض قوى عالمية أخرى يمكن أن تهدد انفرادهم بالنفوذ العالمي. وهو ما يفسر خشية واشنطن المتزايدة من دخول الصين الاقتصادي والسياسي بقوة الى أميركا اللاتينية، بحيث بات هناك لدى واشنطن، على حد تعبير أحد المحللين في تلك المنطقة، كابوسان كبيران في أميركا اللاتينية:
    * أولاً، أوغو تشافيس، زعيم فنزويلا الثوري، صاحب الشعبية الهائلة في عموم المنطقة اللاتينية، والذي يرى الأميركيون وراءه شبح القائد اليساري الكوبي ذي الخبرة الطويلة في مقارعة السياسات الإمبريالية، فيديل كاسترو...
    * وثانياً، الدور الصيني المتزايد في تلك المنطقة، في المجال الاقتصادي والتجاري أولاً، وفي مجالات أخرى تتسع يوماً بعد يوم، بما في ذلك التدريب العسكري لقوات بلدان المنطقة، مما يهدد بتوسيع نطاق المنافسة للنفوذ الأميركي الشمالي في القارة، "الحديقة الخلفية" لواشنطن في الماضي غير البعيد. وجدير بالإشارة أن الولايات المتحدة كانت قد اتخذت قراراً بوقف المساعدات العسكرية والتدريبات لأي بلد لا يوقع إتفاقاً معها، يتعهد فيه بعدم تسليم أي مواطن أو عسكري أميركي لمحكمة الجنايات الدولية، التي أنشأتها منظمة الأمم المتحدة مؤخراً، وحاولت الولايات المتحدة أن تحول دون قيامها، لكن دون جدوى. وقد رفض 12 بلداً (من بينها تشيلي، المعتدلة يسارياً) من أصل 21 بلداً أميركياً لاتينياً إعطاء مثل هذا التعهد لواشنطن، وهو ما أدى الى وقف المساعدات العسكرية عنها ووقف التدريب على السلاح. فسارع عدد من دول المنطقة اللاتينية الى الاستعانة بالصين وخبرائها، ولاستيراد أسلحة منها ومن بلدان أخرى في العالم، مثل روسيا ودول أخرى.
    ***




    كيف ستواجه واشنطن هذا الوضع الجديد في "حديقتها الخلفية"؟

    وبالتأكيد، لن تستسلم واشنطن بسهولة لواقع انتصارات اليسار في أميركا اللاتينية. فواشنطن، التي غرقت في المستنقع العراقي منذ ثلاث سنوات ونيف، لا تهمل مصالحها في مناطق العالم الأخرى، وإن اضطرت الى تأجيل التركيز مؤقتاً على هذه المنطقة أو تلك.
    فمن المتوقع جداً أن يسعى مسؤولو واشنطن الى أشكال من التخريب على الأنظمة اليسارية الجذرية في أميركا اللاتينية، ومحاولة دق أسافين بينها وبين الأنظمة اليسارية الأكثر حذراً. وقد حرصت وزيرة الخارجية الأميركية، كوندوليزا رايس، خلال مشاركتها في حفل تنصيب الرئيسة اليسارية الجديدة في تشيلي في آذار/مارس الماضي، على الإشادة بالتجارب اليسارية المعتدلة في القارة والالتقاء بزعمائها المشاركين في احتفال التنصيب، في حين تفادت الالتقاء مع رئيس فنزويلا أوغو تشافيس، الذي لم يكن يوفرها، في العديد من خطبه، بتعليقاته اللاذعة. كما لا يوفر رئيسها بوش بأوصاف أكثر حدة، حيث درج في خطبه وتصريحاته على إطلاق لقب "مستر دينجر"، أي السيد خطَر، عليه، وذهب في خطب وتصريحات أخيرة الى حد تسميته "مستر دونكي"، أي السيد حمار!
    فربما تسعى واشنطن، مثلاً، الى إعاقة إعادة انتخاب رئيس البرازيل الحالي "لولا" دا سيلفا في تشرين الأول/أكتوبر القادم، بالرغم من كونه مارس سياسة اقتصادية حذرة جداً، ولم يسع الى إجراء تحولات جذرية على هذا الصعيد في هذا البلد الكبير. لكن، لكونه يسارياً تعامل بتعاطف مع التجارب اليسارية الأخرى في القارة، بما في ذلك مع تجربة تشافيس في فنزويلا، فإن محاولة الإطاحة به والإتيان برئيس يميني في الانتخابات الرئاسية القادمة ستضع فنزويلا الواقعة الى الشمال من البرازيل في وضع صعب، خاصة إذا ما حدث تحول مشابه لاحق في بلد هام آخر مثل الأرجنتين.
    وكلا الاحتمالين قائم، ولكن غير محسوم حتى الآن في استطلاعات الرأي. وعلاقة هذين البلدين الهامين حالياً مع فنزويلا حيوية للنظام اليساري فيه، لكونهما أهم اقتصادين، من حيث حجم الناتج الإجمالي، في أميركا الجنوبية (وحدها المكسيك، الواقعة في أميركا الشمالية، تتجاوزهما من حيث حجم الناتج الداخلي الإجمالي). ولذلك، وبالرغم من الإشكالات الكبيرة التي يعيشها حزب الرئيس "لولا" في البرازيل، والفضائح التي أحاطت ببعض رموز نظامه، يبدو مهماً بالنسبة لفنزويلا ألا تتم الإطاحة به، أو بأي مرشح يدعمه إذا قرر عدم تجديد ترشيحه، في الانتخابات البرازيلية القادمة في أواخر العام 2006، لصالح مرشح يميني، يعيد ربط هذا البلد الكبير والهام بعجلة التبعية للولايات المتحدة. وإن كانت التبعية ستأتي، على الأغلب، أقل فجاجة من التجارب السابقة، بحكم حجم البلد والمزاج الشعبي الواسع السائد فيه.

    هل تمتد هذه التجارب اليسارية الى مناطق أخرى من "العالم الثالث"؟

    والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسه بعد هذا العرض لإنجازات قوى اليسار في أميركا اللاتينية هو: هل يمكن أن تمتد مثل هذه التجارب الى مناطق أخرى في العالم، وخاصة في "العالم الثالث"، الذي تحسب عليه منطقتنا العربية؟
    والجواب ليس سهلاً، ولكنه سؤال يستحق التفكير فيه، مع التمعن في خصوصيات وسمات كل منطقة من مناطق العالم. خاصة وأن الاحتجاج الشعبي في المنطقة العربية والاسلامية اتخذ، خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة، طابعاً أميل الى الارتكاز الى التراث والمرجعيات الدينية منه الى الخيارات اليسارية. وهو ما تجسد بشكل واضح في انتصارالثورة الإيرانية عام 1979 على النظام الشاهنشاهي الذي كان شديد التبعية للسياسات الأميركية، الى جانب ظواهر أخرى متنوعة السمات في بلدان أخرى، مثل لبنان وأفغانستان والجزائر وتركيا والعراق وفلسطين وغيرها. وذلك يعود لأسباب متعددة، موضوعية وذاتية. ولا شك أن إخفاقات التجارب القومية في المنطقة العربية، خاصة منذ العدوان الإسرائيلي عام 1967 والهجمات اللاحقة من قبل الولايات المتحدة للسيطرة على هذه المنطقة الغنية بالنفط، كما وانهيارات التجارب الإشتراكية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية والجنوبية، منذ أواخر الثمانينيات الماضية، لها دورها بالتأكيد.
    وفي كل الأحوال، فإن من الضروري والحيوي لليسار في منطقتنا والعالم، وحتى لكل القوى والتيارات الوطنية الاستقلالية، فتح خطوط قوية مع أنظمة وقوى أميركا اللاتينية اليسارية، التي عبرت كلها عن تضامنها غير المحدود مع نضال الشعب الفلسطيني ومجمل الشعوب العربية. وهو ما اتضح بشكل خاص في لقاءات المنتدى الاجتماعي العالمي التي جرت في البرازيل (بورتو أليغري) في الأعوام الماضية، وفي فنزويلا (كراكاس) مؤخراً. كما عبرت كل أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية عن إدانتها القوية للغزو الأميركي- البريطاني للعراق، وهو الغزو الذي يلقى رفضاً شعبياً كاسحاً في تلك المنطقة، وفق استطلاعات الرأي التي أجريت فيها، بما في ذلك من قبل مؤسسات استطلاع في الولايات المتحدة.
    ومن المحزن أن أنظمة أميركا اللاتينية اليسارية كانت، في الفترة الأخيرة، أكثر حرصاً من غالبية الأنظمة العربية على توثيق العلاقات بين المنطقتين. وهو ما اتضح في القمة العربية-الأميركية الجنوبية، التي دعا إليها ونظمها رئيس البرازيل "لولا" داسيلفا في عاصمة بلده برازيليا، في أيار/مايو 2005. وكانت المشاركة العربية فيها ضعيفة وغالباً من مستوى أقل من المسؤول الأول، في حين أن الطرف الأميركي الجنوبي حضر بأعلى المستويات، وحرص على صدور قرارات تضامن قوية مع شعوب الأمة العربية. وذهب رئيس البرازيل اليساري "لولا"، الذي دعا الى عقد القمة، الى حد رفض طلب للولايات المتحدة بالمشاركة في هذه القمة بصفة مراقب!

    وهل تشق تجارب أميركا اللاتينية مسارات جديدة للتحول الاشتراكي؟

    وأهمية نجاح هذه التجارب في أميركا اللاتينية، وخاصة الأكثر تقدماً وجذرية من بينها، تكمن في كونها قد تفتح الآفاق لتحولات عالمية جديدة نحو الخيارات اليسارية، وبطرق وسمات مختلفة عن تجارب سابقة، سواء تجربة الاتحاد السوفييتي وبلدان أوروبا الشرقية أو تجارب أخرى ما زالت قائمة في العالم.
    ومن المهم متابعة إمكانية التحول نحو اليسار وتجاوز حالة التبعية للنظام الرأسمالي العالمي، عبر توفير أعلى درجة من العدالة الاجتماعية، مع التمسك بالحريات الديمقراطية الأساسية، بما فيها حرية التعبير والتنظيم، وبالتالي التعددية السياسية والفكرية. بحيث تنتصر الخيارات اليسارية بانحياز طوعي وقناعة من غالبية الشعب، لتتجند أوسع قطاعاته في عملية التحول وبناء المجتمعات المنصفة والعادلة، التي تسمح بازدهار الإنسان، كل إنسان، وتوفير الحياة الكريمة له، وتطوير أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، دون التضحية بهذه الحريات الديمقراطية، بصيغها الأكثر تطوراً ونضجاً طبعاً، وبدون افتعال تناقض غير صحيح بين هذه الحريات وبين ما كان يسمى في تجارب سابقة بـ"الديمقراطية الاجتماعية". خاصة وأن أوضاع العالم تغيرت كثيراً خلال القرن الذي مضى، وتطور وعي الناس لأهمية حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية، الى جانب وعلى أرضية ضمان حقهم أولاً في العيش بكرامة ومساواة.
    وينبغي هنا التحذير من أوهام، كانت منتشرة في الماضي، حول كون الاشتراكية مسألة إرادوية يمكن تحقيقها بقرار ونشاط مجموعة صغيرة من الناس، قبل ودون تطوير المجتمعات المعنية وتحقيق تراكم رأسمالي متقدم فيها، وتطور اقتصادي واجتماعي وثقافي كاف لتجاوز المرحلة الرأسمالية من فوقها، أي الانتقال من أعلى مرحلة من التطور على كافة الصعد في المجتمعات الرأسمالية الى مرحلة التحول الاشتراكي.
    وإن كان، وما زال، من الممكن طبعاً أن تجري عملية التراكم والتطور بقيادة يسارية جذرية وقديرة، بإمكانها التعامل مع هذه المهمات المعقدة بعقلية خلاقة وواسعة الأفق، تتجاوز الإرادوية القهرية، التي أثبتت انهيارات الثمانينيات والتسعينيات الماضية أنها لا يمكن أن تكون بديلاً من إنضاج وتوفير الظروف الموضوعية، الاقتصادية والاجتماعية، والذاتية، أي مستوى الوعي والثقافة والإدراك الجماعي للحاجة الى هذا النظام الأرقى.
    فأنصار الفكر الاشتراكي، والطامحون الى مجتمعات متطورة ومنصفة للبشرية كلها، خالية من الاضطهاد والاستغلال، ما زالوا يتابعون باهتمام كل التجارب الانتقالية القائمة حالياً في آسيا الشرقية، وتلك التي يبحث الثوريون اليساريون في أميركا اللاتينية عن طريق جديد إليها في قارتهم المتقدة بالعزيمة والطموح الإنساني غير المحدود.
    والحقيقه الذي لابد ان تقال هل استفادة اليسار العربي من تجارب اليسار في امريكا اللاتينيه ؟؟
    وهدا ما يمكن مناقسته الان بهدف الاستفادة والنهوض وانتشال واقع اليسار العربي الي الافضل والاتحاة السليم
     

مشاركة هذه الصفحة