لا أمل في إصلاح سياسي دون إصلاح ديني

الكاتب : HumanRight   المشاهدات : 526   الردود : 0    ‏2006-04-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-11
  1. HumanRight

    HumanRight عضو

    التسجيل :
    ‏2005-05-29
    المشاركات:
    211
    الإعجاب :
    0
    رغم أن والده أحد أتباع الشيخ ناصر الدين الألباني إلا أن طروحات العلماء وتفاسيرهم لم تشكل قناعة عقلية لدى دكتور الهندسة والباحث في الفكر الديني محمد شحرور. حيث شكل هذا المفكر بكتاباته حالة إشكالية أثارت عبر طروحاته حوارات واسعة دفعت ببعض علماء دمشق إلى تحريم قراءة مؤلفاته. فمحمد شحرور يعيد خلافه مع العلماء والمفسرين إلا أنه اقترب وتناول المحظور عندهم ألا وهو (الفقه).

    فهو يسعى لقراءة جديدة بعيداً عن عبودية السلف لافتاً إلى أن الإسلام اليوم ما عدا الشعائر هو ثقافة سادت الجزيرة العربية، متهماً العلماء باستغلال التراث لتحويل المؤمنين إلى قطيع، ومشيراً إلى أنه لو اعتقل عشرة آلاف مواطن لما حصل عصيان مدني، لكن لو أزيل حجاب امرأة لحصل العكس، معتبراً أن الحجاب لباس عربي وليس لباساً دينياً مؤكداً أن ما يقوم به بن لادن يرتكز على اجتهادات الأزهر وكلية الشريعة في دمشق والجامعات السعودية، داعياً إلى فكر إسلامي جديد بعيد عن ثوابت الفقهاء لأن هذا الفكر في مأزق .

    عن كل هذا حاورت ( الرجل اليوم ) الدكتور محمد شحرور في دمشق وكانت البداية بسؤال:

    • دراستك الأكاديمية تركزت على الهندسة والحصول على الدكتوراه فيها من جامعة – دبلن – ما الذي دفعك إلى دراسة الفكر الديني والذي اتخذت فيها توجهاً صدامياً مع العديد من علماء الدين؟

    • حصلت على الشهادة الثانوية عام 1957 وأنا من عائلة دمشقية عريقة ومحافظة وكان والدي من تلاميذ الشيخ ناصر الدين الألباني. حيث خصص له والدي منزلاً في دمشق حتى يعطي دروسه فيه. بعد حصولي على الثانوية حصلت على بعثة حكومية لدراسة الهندسة في موسكو وكان أول تحدٍ واجهني هناك هو الفكر الماركسي المادي الإلحادي. فهذا الفكر من الناحية العملية فكر هش لكنه، لدى مناقشتي للماركسيين، كان يظهر بشكل واضح أن ثقافتنا الدينية لاتعطينا المرتكزات التي نستطيع على أساسها الإجابة عن العديد من الأمور، وهذا ما ترك لدي العديد من إشارات الاستفهام. وبعد عودتي من الإتحاد السوفييتي "آنذاك" عُينتُ معيداً في جامعة دمشق.

    وكانت الصدمة الأولى التي دفعتني للتعمق في الفكر الديني وتحديد توجهي الفكري بعد حرب حزيران عام 1967 حيث استمعت إلى أول خطبة بعد الحرب في أحد جوامع دمشق أعاد فيها إمام الجامع أسباب الهزيمة في الحرب إلى أن نساءنا كاسيات عاريات. وبعد يومين من سماعي لهذه الخطبة التقيت شخصاً شيوعياً أعاد أسباب الهزيمة إلى صيامنا في رمضان. فقلت: " لعنة الله عليك وعلى خطيب الجامع " وهذا ما جعلني أرد كل ذلك إلى وجود مشكلة في ثقافتنا التي هي في الأساس ثقافة دينية. فما من مرة حضرت خطبة جمعة وكان الخطيب مقنعاً في طروحاته.

    • هل وجود مشكلة في الثقافة الدينية هو الذي أعادك إلى دراسة التراث الديني ؟

    • نعم ، فقبل عام 1967 كنت أتناول الأمور كشخص عادي لكن ومع تلمسي وجود مشكلة ثقافية فكرية دينية كانت نقطة البداية. وأذكر لدي بداية تلمسي ذلك أن والدي وهو تلميذ الشيخ الألباني والذي كانت لديه ثقافة دينية واسعة أشار بيده إلى قبر الشيخ محي الدين بن عربي قائلاً: " هذا الذي كسرنا في الحرب " . وعندما سألته: إنه مات قبل سبعة قرون فكيف ذلك؟ قال: صحيح أنه توفي منذ سبعة قرون لكنه خرَّب لنا عقولنا. وكان يقصد بذلك الصوفيات والغيبيات والخوارق التي طالما تحدث عنها محي الدين بن عربي، وكنت قد تعرفت أساساً عليه وعلى الغزالي وغيرهما من مكتبة والدي. وكانت هذه الانطلاقة الواسعة لقراءة التراث الديني عبر قراءة الكبائر وتفسير ابن كثير والقرطبي وغيرهما. وكلما تعمقت في قراءتهم ازدادت عدم القناعة بطروحاتهم، واستغرقت هذا القراءات عشر سنوات حتى استطعت خلالها التغلب على عطالتي ولأقول:

    " إن هؤلاء لايشكلون القناعة العقلية لدي وإن كانوا في نظر العديدين فقهاء ومفسرين" . وتساءلت وبعد قراءتي للمصحف الكريم كمثال ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ) .. هل أنا من الناس أم لا؟ وإذا كان الله يريد في هذا الكتاب أن يهدي الناس فهو لنا إذن وبالتالي علينا أن نفهمه ضمن مداركنا، الأمر الذي دفعني للتساؤل: إذا كنتم تقولون أن هذا الكتاب يصلح لكل زمان ومكان فأنا أريد وأثناء قراءتي له أن أقتنع وأقول (صدق الله العظيم) فهل ما يصلح لدمشق يصلح لطوكيو وفي كل زمان ؟

    • هل يعني أن هذا ما دفعك إلى قراءة كتاب الله بعقل متنور ودون وساطة وهذا ما تدعو إليه ؟

    • نعم فالمطلوب أن أقرأ الكتاب على أرضيتي الفكرية فعلي فرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لنا المصحف منذ خمس سنوات فعلينا أن نقرأه برؤية عصرنا الحالي، وهذا ما حصل معي عندما بدأت القراءة منذ سنوات خلال دراستي للدكتوراه في إيرلندا.

    • هل يعني ذلك أن تتم قراءة الكتاب برؤية القرن 21 ودون وساطة بين الله وعبده بعيداً عن تدخل المجتهدين ؟

    • نعم وأقصد هنا أننا لسنا عبيداً للسلف. فأنا لاأقبل أن أجلس عند أقدام ابن عباس أو أقدام الشافعي.

    • هل كان هذا نتيجة لقراءاتك الفردية ؟

    • لا، فإضافة إلى قراءاتي الفكرية شكّل لي التعرف على عالم اللسانيات السوري جعفر دك الباب مفصلاً مهماً في دراساتي الفقهية والفكرية. فهو الذي عرفّني على عبد القادر الجرجاني وأبو علي الفارسي وهما من كبار علماء العربية. وقد أعطاني قاعدة ذهبية شكلت رؤية استراتيجية لي في قراءة الكتاب وهي: " لا يفهم أي نص لغوي إلا على نحو يقتضيه العقل، فعندما يتحدث المتكلم إلى السامع لايقصد إفهامه معاني الكلمات المفردة وإنما النظم. فهو لايقصد إفهامك الكلمة المفردة لأنك تستطيع فهم المفردات، لكن النظم هو الذي يجب أن تعرفه وتفهمه، فعندما ينسى المتكلم أنه يتحدث ليقول شيئاً ما فهذه ليست لغة وإنما هراء. واللسان العربي كالألسن الأخرى لايوجد فيه مترادفات وخاصة في القرآن.

    من هنا كانت نصيحة دك الباب الذهبية " أبعد القرآن عن الشعر والنحو لأن كل التخريجات تضيع المعنى " فالشعراء لا يفرقون بين الأب والوالد، ومن هنا كانت مشكلة الإمام الشافعي ولكونه كان شاعراً فكان يضيع بين المعنيين، لكن في المصحف الأب هو الأب والوالد هو الوالد، فعندما وردت آية ( حرمت عليكم أمهاتكم ) فهذا لايعني والداتكم. وعائشة أم المؤمنين، وليست والدة المؤمنين أي لايوجد مترادفات إطلاقاً. وكان هذا الأساس الذي انطلقت منه في قراءاتي وميزت بين القرآن والكتاب وكان أول نتاج فكري بعد كل هذه القراءات عام 1990.

    ولأوضح الفروقات التي لمستها أعطي مثالاً على ذلك. فقد أخذت من المصحف مفهوم الترتيل، فالترتيل في المصحف ورد على الشكل التالي : ( ورتّل القرآن ترتيلا ) هل هذا يعني حسن الصوت؟ لا، فعندما وردت قصة نوح وردت في أكثر من آية، فكيف يمكن أن نفهمها فكان الرد (رتلها) . فقد أخذت الآيات ورتلتها وقاطعتها مع بعضها فوجدت الكثير من المعاني والكلمات التي لم أجدها في القواميس، فوجدت الفرق بين التمام والكمال وبين جاء وأتى والقراءة والتلاوة، وكل هذا لم أجده في القواميس. ومثال آخر: ورد في سورة (آل عمران) في الآية رقم 7: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب) فأم الكتاب معرفة تماماً بأنها مجموعة الآيات المحكمات فأصبحت أم الكتاب.

    • هل تعني أن عدم وجود بعد عن المحاكمة العقلية على صعيد الفكر الإسلامي أدى إلى تراجعه؟

    • إن ذلك يعود إلى أنه تم تحويل الثقافة العربية السائدة في القرن السابع والسائدة في عصر النبوة برمتها إلى دين، وبالتالي إلى سلوك للعصر الحالي، فديننا اليوم ما عدا الشعائر هو الثقافة السائدة في شبه الجزيرة العربية في القرن السابع.

    فعندما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ياأبا عمير ما فعل النغـير ) أخرج منها الفقهاء عشرات الفتاوى منها أنه يجب تسمية الطفل (أبو فلان). ما علاقة هذا بالدين؟ إن ثقافة الجزيرة العربية في القرن السابع لا علاقة لها بثقافتنا الآن وعلى كافة الصعد لكنهم جعلوها ديناً.

    • هل ترى أن الفهم الصحيح للدين هو العودة للقرآن فقط كمرجع بعيداً عما لُصق به من اجتهادات وتفاسير ؟

    • نعم ، لأنه الوحيد إذا وجدت فيه تناقضاً فيجب أن أؤوله ، أما إذا وجدت تناقضاً في الحديث فلست مضطراً لأي تأويل، كما إذا وجدت تناقضاً لدى (الشافعي ) فلست مجبراً على أن أقوم بتأويله إذا كان يقصد أم لا يقصد، ولماذا أدافع عن مقصده خاصة وأنني لست مجبراً على الدفاع عما يقصده، علماً بأن أقواله ليست موجهة لنا إطلاقاً. ومثال على التناقضات في التراث كتاب صدر حديثاً واسمه ( جناية البخاري ) فقد وردت فيه عدة أحاديث إن صحت فهي أتت من القرن السابع واليوم أنا في القرن 21 وهذا الأحاديث صارت في نظري تاريخاً ، أما إذا كانت للقرن 21 فسوف أقرأها بمنظار القرن 21 ومن هنا دعني أقرأ الكتاب بمنظار القرن 21 ولا تورثني قراءة القرن السابع.

    • لماذا تقوم معارضة شديدة لهذا المنهج فنلاحظ أن هناك رفضاً لمنهج قراءة القرآن بطريقة عقلية وبرؤية القرن 21 ويقوم بعض رجال الدين بالتكفير والنقد بقسوة ؟

    • السبب بسيط لأن رجال الدين أو ما يسمون أنفسهم ( السادة العلماء ) حولوا الناس إلى مجموعة على شكل قطيع بواسطة التراث، وهم بذلك يحتاجون في فرضهم لآرائهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة، وكذلك في المسيحية فرجال الدين المسيحي يحتاجون إلى المسيح مصلوباً حتى يقومون بقمع المؤمنين بالمسيح. لقد تحول التراث ورجاله عند رجال الدين إلى آلة للقمع في فرض آرائهم واجتهاداتهم علينا ؟ ومثال على ذلك عند سؤالهم لي : ( هل تفهم أنت أكثر من الإمام الشافعي؟ ) فأجيب ب ( نعـم ) الأمر الذي لم يتعودوا عليه وحتى أنهم غير قادرين على تقبل هكذا جواب لكنني سأجعلهم يعتادون على هكذا إجابات .

    • هل يعني أن هناك خلافاً على آلية قراءة القرآن ؟

    • الآلية التي أعتمدها في قراءتي ترتكز على أنه لايوجد تناقض في المصحف، وعليك أن تقاطع بين كافة الآيات ذات الموضوع الواحد كي تربط فيما بينها وإذا وجدت تناقضاً فعليك بإزالته، إضافة إلى اعتماد البحث عن المصداقية. ومثال على ذلك قال تعالى : ( الزاني لاينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لاينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) ( النور 3 ). فهناك أربعة أطراف: 1- الزاني ، 2- الزانية، 3- المشرك، 4- المشركة.

    فالعقوبة وردت في الآية (2) في سورة النور وهي 100 جلدة للزانية والزاني فأين المشرك والمشركة؟ فإذا قلنا أن المشرك والمشركة هما المشركين بالله فقد اختلت النظم والروابط لأن الحديث هنا عن النكاح (الجنس) ولكن إذا قلنا أن المشرك والمشركة هما المتزوج والمتزوجة، فالمشركة هي من أشركت غير زوجها مع زوجها في الفراش والمشرك هو من أشرك غير زوجته مع زوجته في الفراش لذا فهناك أربع احتمالات :
    1- عازب وعازبة ( زان وزانية ) .
    2- عازب ومتزوجة .
    3- عازبة ومتزوج .
    4- متزوج ومتزوجة ، نقول الآن : صدق الله العظيم .

    • هذه المنهجية ماهي نقاط خلافها مع منهجية القراءة لدى بعض العلماء المسلمين ؟

    • الخلاف يرتكز على أن محمد شحرور لو فعل كما فعل الدكتور زغلول النجار لكانوا صفقوا له لكون زغلول النجار أتى بالآيات الكونية فقط وشرحها شرحاً معاصراً لكنه لم يقترب من الفقه، وكذلك فعل الشيخ أحمد الكبيسي الذي أخذ 90 في المائة من أفكاره عني لكنه أيضاً لم يقترب من الفقه، بينما قام محمد شحرور بتناول الفقه مباشرة وهنا كانت المشكلة، فتناولت التعددية والحجاب والإرث والعقوبات وقدمت فيها فقهاً جديداً، وتناولت في كتبي وقلت أن آيات الإرث ليست من القرآن وأن القرآن ليس كل الكتاب وأن الآيات الإرثية من الكتاب وليست من القرآن، فالقرآن هو النبوة فقط وبقية الكتاب هي الرسالة والإثنان جمعا في الكتاب، فالرسالة في نظري هي أم الكتاب والنبوة اسمها القرآن، وقد ظننت أن هذا الطرح سيثير علي العلماء لكن ذلك لم يحصل، الأمر الذي أثار استغرابي، لكنهم خرجوا عن صمتهم وأثيروا عندما طرحت أن لامشكلة إذا خرجت المرأة المسلمة دون غطاء رأس، تركوا كل شيء واهتموا بغطاء المرأة. فكيف يمكن تقييم مستوى هؤلاء على المستوى الفقهي؟ .

    • هل أجريت حواراً مع علماء أو مؤسسات دينية حول طروحاتك لتكون مادة للوصول إلى نتيجة ؟

    • جرى ذلك في مصر مع د. عبد المعطي بيومي و د. عبد الصبور شاهين و د. سعاد صالح وتركز الحوار حول التعددية والحجاب وغيرها. وقد دهشت لفقدان بعض هؤلاء الباحثين الأسس العلمية. فعند مناقشتي لسعاد صالح وهي أستاذة في الفقه حول كتابي ( أصول جديدة للفقه الإسلامي ) الذي نصفه بأسلوب فلسفي إيديولوجي قالت لعماد الدين أديب: لاتسألني في هذا الجزء لأنني لم أفهمه. ومن هنا يقول الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أن كتابي هذا ليس نتاج محمد شحرور لأن هذا الكتاب يتطلب أربعة فلاسفة أوربيين لكتابة 800 صفحة وهي حجم الكتاب الأول فقط . ورغم اعتبارهم أن كتابي هذا الذي هو بعنوان ( الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ) ذو قيمة إلا أنهم حرّموا دخوله إلى بيوت سوريا وجوامعها لأنه يؤدي إلى فتنة .

    • هل حاولت إيجاد آلية للحوار مع العلماء في سوريا ؟


    • يقولون أنهم لايتنازلون للحوار معي ولا يعترفون بي بينما حاورت 15 رجل دين شيعياً في النبطية في لبنان حول اجتهاداتي وقراءاتي .

    • قلت أن القيامة قامت ولم تقعد عندما وجدت أن لا مشكلة في خروج المرأة دون حجاب، فكيف تنظر إلى ما حصل في فرنسا حول موضوع الحجاب ؟

    • في الوجدان العربي والإسلامي الحرية ليست قيمة. فالناس في البلاد العربية يعيشون حالة طوارئ وقمع ولا يشعر بذلك إلا المثقف المتحرر، فإذا اعتقلت الدولة عشرة آلاف مواطن فلا يحدث عصيان مدني، بينما إذا أزيل الحجاب بالقوة فماذا يحدث؟ مع العلم أنني لدى قراءتي كتاب الله لم أجد خمسة مصطلحات وهي التي بنيت عليها حياة العرب وهي: ( المروءة والنخوة والشهامة والشرف والعرض ) وكل هذه الكلمات عربية فصحى لكنها في كتاب الله غير موجودة رغم أن حياتنا تقوم عليها. ورغم ذلك نجد أن الأوربيين في المواصفات أفضل منا.

    فالغش أقل عندهم وكذلك الفساد. والقضاء نزيه لديهم أكثر منا وعندما جاءت الجالية المسلمة إلى أوربا لم تستطع إضافة أية قيمة أخلاقية للأوربيين إلا موضوع الحجاب فهو ليس موجوداً لديهم، فوضعوا الحجاب حتى يتميزوا عن الأوربيين معتبرين أنهم بذلك قدّموا قيمة أخلاقية لأوربا. على الرغم من أنه وفي كل الفقه الإسلامي هناك نوعان من اللباس لباس الحرة ولباس الأمة المؤمنة، ولباس الأمة من السرّة إلى الركبة حتى في الصلاة ولا تغطي رأسها ولا صدرها، بينما الحرة يجب أن تتغطى، وبالتالي فإن ما يقال أن الحجاب هو لباس ديني طرح غير صحيح لأن الله لايميز بين الحرة والأمة في الغطاء طالما هما مؤمنتان، كما يجب أن نسأل إن الأمة بدون غطاء لا تفتن بينما المرأة الحرة تفتن، وفي نظري أن الحجاب كان ذا بعد اجتماعي طبقي وليس دينياً، والهدف منه هو التفريق بين المرأة الحرة والمرأة الأمة وليس غير ذلك خاصة في ظل انتشار التهتك وازدهاره أواخر العصر العباسي، والتردي الخلقي والتحرش بالنساء الذي كان منتشراً آنذاك، من هنا فإن الحجاب ذو بعد طبقي تاريخي.

    • لكن بعض العلماء يردون موضوع الحجاب إلى وروده في نصوص قرآنية ؟

    • إن موضوع غطاء الرأس في القرآن غير موجود، ف (خديجة بنت خويلد) ماذا كانت تلبس قبل الدعوة؟ إن اللباس العربي هو اللباس السائد قبل الدعوة وبعدها وما يسمى الحجاب الشرعي هو تعصب للباس العربي، فـ (خديجة) كانت تغطي رأسها قبل وجود أي مستند شرعي لذلك، وحتى الآن فالذكور في الجزيرة العربية يغطون رؤوسهم لأن خروجهم دون غطاء رأس يعتبر عيباً على الصعيد الاجتماعي. إن غطاء الرأس كان عرفاً اجتماعياً قبل الدعوة وبعدها.

    • يلاحظ أن هناك هجمة خلال السنوات الأخيرة لجعل الإسلام فكراً وممارسة رديفاً للإرهاب، وتسعى جهات إلى إظهار الدين الإسلامي وكأنه أرض خصبة فكرياً لإنتاج الإرهاب. كيف تنظر إلى ذلك؟

    • إن للإرهاب أرضاً خصبة في الفقه الإسلامي وليس في الدين الإسلامي، فالفقه الإسلامي هو من صنع الإنسان، لذا فهو تاريخي ولا علاقة للدين الإسلامي بما يقوله البعض، فحسب الفقهاء تاريخياً الدنيا مقسمة إلى دار إسلام ودار كفر، فإذا كانت دول الغرب أو الدول غير الإسلامية هي دار كفر أو دار حرب، فلماذا تسكنون فيها ولطالما هي دار كفر فلماذا تنزعجون إذا منعت الحجاب ؟ فإما أن تسكتوا عنها أو تحاربوها؟

    منذ فترة وفي حوار قال هاني السباعي وهو الذي يعيش في لندن أن الشيخ المجاهد "أسامة بن لادن" هو على حق فيما يقوم به مشيراً إلى أنه يتحدى أي من العلماء والفقهاء الذين يهاجمون بن لادن أن يقدموا السند الشرعي لهجومهم وهذا في نظري صحيح لأنه وحتى الآن وكما قال السباعي لم يحصل أن تواجه شخصان أحدهما يحمل أفكار بن لادن مع شخص لايحمل هذا الفكر على التلفزيون واستطاع أن يقيم الحجة على من يحمل فكر بن لادن، فالمسلم يعلم تماماً أن قتل النفس حرام إلا إذا كان هناك سند شرعي لذلك، وهذا يعني أن بن لادن قدم لأتباعه سنداً شرعياً لما يقومون به وهنا أقول: ( أين هم الذين يتناقضون مع بن لادن فليتفضلوا ويناقشوا الحجج الشرعية التي اعتمدها بن لادن ويفندوها) .

    وهذا لم يحصل حتى الآن لأنه في نظري لايستطيعون لأن الحجج التي يعتمدها بن لادن مأخوذة من الكتب التي تدرّس في الأزهر والسعودية وكلية الشريعة في جامعة دمشق، فالمرجعية واحدة والفرق بين الجانبين هو الانتقائية وهذا مايشرح كيفية قتل بن لادن أكثر من 2000 شخص في أمريكا، فعندما يطرح الفقهاء الحديث النبوي (جُعِلَ رزقي تحت رمحي) كيف أفسر للغرب تسامح الإسلام؟ وكيف أفسر ( يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) ثم طرح آخر ( لاإكراه في الدين ) فلماذا تبرزون جزءاً وتخفون الآخر ؟؟ المطلوب إيجاد حل في انتقائية الأحاديث والآيات التي يختلف عليها الفقهاء.

    • هل ستستمر عملية إلصاق الإرهاب بالإسلام ؟

    • نعم سوف يستمر ذلك إلى أن يعاد النظر في الثقافة الإسلامية السائدة وليس إعادة النظر في الإسلام. فالثقافة الإسلامية السائدة قائمة على كره الآخر وإقصائه ( اللهم يتّم أولادهم ورمّل نساءهم) وعلينا أن نكون صادقين فهذه الثقافة تزرع الكره فينا، عندما نقول (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فهذا يعني المغضوب عليهم هو اليهود والضالين هم النصارى، الأمر الذي أخرج البوذيين من دائرة الاتهام رغم أن التفسير يقول أن ملة الكفر واحدة. وعندما تسألهم عن الذي اخترع المخدر الطبي لتخفيف آلام المرض وهو نصراني يردون: (أخذ ثوابه في الدنيا لكنه في الآخرة مصيره إلى جهنم) هذه ثقافتنا السائدة ونعود ونقول أننا خير الأمم؟!

    • هل هذا يعني أن الفكر والثقافة الإسلامية في مأزق ؟

    • نعم في مأزق كبير وأكثر من أن يشعر بذلك هم العلماء والفقهاء، فلماذا إذن يتنادون على المؤتمرات والندوات لتجديد الفكر الإسلامي وتطويره؟ وفي نظري لا يمكن أن يتم تجديد الفكر الإسلامي إلا باختراق الثوابت (مثال قتل المرتد وهو ثابت في نظرهم) .

    • البعض يعيد الهجمة على الإسلام إلى أسباب سياسية دولية فهل توافق على ذلك أم إن الأمر هو صراع ثقافات ؟

    • إن الغرب لايتهمنا بتهم ليست موجودة فينا وإنما يعمل على استثمار ما هو فينا لمصلحته. فهل الغرب صنع السنة والشيعة في العراق والوهابية والحوزات؟ هم لم يأتوا بذلك بل استثمروا ما هو موجود لدينا وأنا أقول وأعيد : المطلوب منا أن نعمل على تطوير ثقافتنا. فحتى الآن لايستطيع أن يميز فقهاؤنا القدماء والجدد بين الإسلام والإيمان، وبين أركان الإسلام وأركان الإيمان فكيف يمكن أن أقبل شروحات هكذا فقهاء؟ أما ما يقال إن الغرب يريد القضاء على الإسلام فهو كلام غير منطقي لأنه إذا لم يشكل الإسلام أية خطورة عليهم فهم ليسوا على استعداد لتقديم ضحية لمحاربته. فالغرب صاحب مصالح فإذا شكل الإسلام عليه خطراً عند ذلك سيعملون على محاربته. المستشرقون درسوا أوضاعنا واكتشفوا عللنا التي لانعترف بها وهذا الأمر يجب أن يدفعنا إلى الصحوة كمسلمين وتلمس الحلول لعللنا.

    • كيف يمكن أن تتم هذه الصحوة في رأيك ؟

    • أن نقر بوجود مشكلة ومأزق بالدرجة الأولى وهذا ما يشعر به العلماء المسلمون حالياً وهذا يدفعك إلى إيجاد حل لهذه المشكلة والمأزق وذلك بالعمل على الخروج بفكر إسلامي جديد يعيد النظر في الثوابت التي وضعها الفقهاء، وأنا هنا أتكلم عما وضعه الفقهاء وليس إعادة النظر في المصحف. فالثوابت من صنع الإنسان. ومثال على ذلك آيات الإرث فإذا كانت هذه الآيات من تأليف الرسول صلى الله عليه وسلم ففي تلك الفترة لم يكونوا يعرفون إلا الجمع والطرح والضرب والقسمة ويكون علم المواريث وما فيه نتاج طبيعي لذلك. أما في عصرنا الحالي فقد ظهر التحليل الرياضي والهندسة التحليلية والرياضيات الحديثة والتي يمكن أن استعملها لقراءة مفهوم الإرث، الأمر الذي سيؤدي إلى علم مواريث جديد وقد أصبحت ملامحه واضحة فهذا دليل أنها من عند الله عز وجل .

    • هل وجدت توافقاً من قبل بعض الفقهاء حول ما تطرح ويعملون لتغيير استراتيجي لا شكلي ؟

    • لايمكن لأحد منهم أن يتبنى ما يطرحه محمد شحرور كاملاً لأن ما طرحه هو التحديث في الأحكام، قد أتقاطع مع البعض في بعض الأمور أكثر من غيره ويقوم البعض بأخذ بعض الأفكار التي أطرحها لكنهم لايقتربون من أفكاري التي تتناول الفقه لأنه في نظرهم لا يُمَس .



    نهاية المقابلة .



    مقابلة الدكتور محمد شحرور مع مجلة ( الرجل اليوم )
    العدد الأول تاريخ 1/7/2004
    الصادرة عن المؤسسة العربية للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع – دولة الإمارات العربية
    المراسل : عساف عبود- دمشق
     

مشاركة هذه الصفحة