قيمة الزمن في حياة القادة من اهل البيت (ع)

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 832   الردود : 0    ‏2006-04-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-03
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    قيمة الزمن في حياة القادة من اهل البيت (ع)

    حسين الشامي

    (وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وكانوا باياتنا يوقنون)(1)

    ميّز كثير من مفكري وكتاب الشيعة الامامية في الفترة المتأخرة بين منهجين لدراسة حياة ائمة اهل البيت عليهم السلام في الحياة الإسلامية.

    الاول:

    منهج تجزيئي يتناول كل امام بصورة مستقلة مستعرضاً حياته الخاصة بما تزخر به من مكارم الاخلاق وجميل الصفات، والبحث في الظروف الاجتماعية والسياسية التي احاطت به، والدور الذي قام به على مستوى الفكر والمجتمع والدولة. وقد إعتمد هذا المنهج معظم الكتاب والمحققين الذين تناولوا تاريخ الائمة الاثني عشر عليهم السلام بالبحث والتفصيل نذكر منها الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 هـ في كتابه الارشاد، وعلي إبن عيسى الأربلي المتوفى سنة 693هـ في كتابه كشف الغمة في معرفة الائمة، والعلامة المجلسي المتوفى سنة 1110 هـ في موسوعته الضخمة «بحار الانوار» والسيد محسن الامين المتوفى سنة 1371هـ في كتابه الكبير «اعيان الشيعة» الذي يمتاز عن غيره من رواد المنهج التجزيئي بالبحث والتحقيق والتوقف امام الاحداث التاريخية المهمة للتأمل والنظر واعطاء الرؤية الواضحة بعد دراسة واستيعاب. ولهذا يتبر السيد الامين اقرب في روحه وطريقة تفكيره وتعبيره إلى اصحاب المنهج الترابطي وهو المنهج الثاني في دراسة حياة الائمة عليهم السلام.

    _____________________________

    1- سورة السجدة: آية 24.



    الثاني:

    منهج ترابطي يدرس حياة الائمة (ع) على انها خط واحد متصل الحلقات مما يستوجب النظر إليه نظرة شاملة من اجل اكتشاف الملامح العامة والاهداف المشتركة لحركة اهل البيت (ع) في تعاملهم مع الاحداث والمواقف والجماعات. وقد كان للامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) الدور الرائد في تمييز هذين المنهجين بطريقة علمية دقيقة، مؤكداً على المنهج الترابطي (الكلي) وضرورة الاعتماد في الوقت نفسه على المنهج التجزيئي، حيث اعتبر ان الدراسة التجزيئية ضرورية لانجاز دراسة شاملة كاملة، وانّه لابد اولاً من دراسة الائمة بصورة مجزئة تستوعب بعمق وتفصيل إلى اوسع مدى ممكن حياة كل إمام، حتى يمكن بعد ذلك من دراسته ضمن (الكل) لمعرفة الآفاق العامة والدور المشترك للائمة عليهم السلام في الحياة الاسلامية(1).

    وعندما نعطي إستاذنا الامام الشهيد الصدر صفة الدور الرائد في تمييز هذين المنهجين ـ التجزيئي والترابطي ـ فاننا لا نقصد ان اجيال المفكرين والمؤرخين الشيعة الذين سبقوه لم يتنبهوا إلى قيمة المنهج الترابطي. فلقد تناول اعلام الشيعة حياة ائمتهم الاطهار (ع) بالبحث والدراسة والتحليل بسعة وشمول، ووضعوا بذور واسس المنهج الترابطي الموضوعي لدراستهم عليهم السلام في كافة المجالات الثقافية والسياسية والاجتماعية مثلما نلاحظ ذلك في «خصائص الائمة» للشريف الرضي المتوفى سنة 406هـ وغيره من الكتّاب والمحققين. لكن طبيعة المنهج الذي اعتمده اولئك الاعلام كان محكوماً بالجو الفكري السائد على عهدهم وبطريقة الدراسة التاريخية آنذاك. ان ما نريد التأكيد عليه هو ان السيد الشهيد الصدر قدّم المنهج الترابطي بصورة علمية حديثة، ووضع معالم مشخصة لهذا المنهج، بحيث جعل المنهج الترابطي هو المحصلة النهائية التي

    _____________________________

    1- محمد باقر الصدر اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف ص141.



    تتجمع من نتاجات المنهج التجزيئي، وهو الاطار الموضعي الذي يحيط بالدراسة التاريخية التي تستهدف فهم حياة اهل ائمة اهل البيت عليهم السلام. كما ان السيد الشهيد الصدر استوعب المنهج الترابطي (الكلي) من خلال احاطة تنظيرية دقيقة، وليس مجرد اسلوب في البحث والدراسة. حيث يقول رحمه الله: «وفي عقيدتي ان وجود دور مشترك مارسه الائمة جميعاً ليس مجرد افتراض نبحث عن مبرراته التاريخية، وانما هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الامامة بالذات، لان الامامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها، فيجب ان تنعكس انعكاساً واحداً في شروط الائمة عليهم السلام وادوارهم مهما اختلفت ادوارها الطارئة بسبب الظروف والملابسات، ويجب ان يشكل الائمة بمجموعهم وحدة مترابطة الاجزاء ليواصل كل جزء من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله»(1).

    كما ان العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين في دراساته عن الائمة عليهم السلام خصوصاً في ثورة الحسين وظروفها السياسية وآثارها الإنسانيّة استطاع هو الآخر ان يبرز المنهج الترابطي بقوة وتركيز، ويرسم خطاً واضح المعالم والاهداف للدور المشترك في مسيرة الائمة (ع) ويكتشف الحلقات المفقودة في حياتهم واساليب عملهم، وذلك من خلال بحث شمولي ودراسة موضوعية معمقة، وإذا كنا بصدد تقييم المناهج والدراسات في حياة الائمة (ع) فان بحوث العلامة شمس الدين تعتبر من افضل الطروحات التاريخية في العرض والتحقيق، لما إتسمت به من سعة الافق وقوّة الفكرة وجمال التعبير.

    وفي دراستنا لقيمة الزمن في حياة القادة من اهل البيت (ع). فاننا نلتزم المنهج الترابطي (الكلي) الذي تبلور بشكل متكامل على يد سيدنا الامام الشهيد الصدر (رض) ونضيف على قوله السابق حقيقة مهمة ذات دلالة

    _____________________________

    1- نفس المصدر ص142.



    حركية وحضارية وهي ان طبيعة الحركات التغييرية لا يمكن تجزئة مسيرتها، باعتبارها خطاً ثابتاً ينطلق من القاعدة الفكرية ليغيّر على اساسها الإنسان فرداً وجماعة، وهي العملية الطويلة التي تمتد مع الزمن، وتزداد امتداداتها مع تزايد التحديات ومظاهر الانحراف. ولذلك لا يعد بمقدور الفرد ـ أو جيل الافراد ـ مهما تمتع بعناصر القوة في شخصيته ان ينجز العملية التغييرية الهائلة ذات الابعاد الحضارية، لوحده وخلال سنوات حياته، اذ ان هناك عوامل حاكمة لا يمكن تجاوزها، وابرزها مسألة العمر وحدود الزمن واشكال التحديات التي تعيق حركة التغيير وتمتص عامل الزمن، وعلى هذا فلابد من وجود خط ممتد واضح المعالم يكمل مشوار المسيرة، ويتعامل مع الظروف والمتغيرات وفق ما تتطلبه من اساليب حسب حركة الساحة وظروف الزمن. اضافة إلى ذلك ان رصيد القيم الحركية للزمن تحتم على الباحث الموضوعي تعاملاً شمولياً مع التاريخ وحركته الدائبة.

    اذ لا يمكن اقتطاع حقبة تاريخية عن سابقاتها بل ان العملية تبدو مشوهة وشاذة عند معالجة مسيرة تشترك في الخصائص والاهداف والطموح والتطلعات مثل مسيرة اهل البيت عليهم السلام. ومن هنا، فان هناك ترابطاً زمنياً متصلاً ليس في حياة الائمة عليهم السلام فحسب، بل بين الرسول الاعظم (ص) كخط جهادي ومسيرة لاحبة وتجربة رائدة وبين الائمة من اهل بيته عليهم كامتداد وقادة وحفظة ودعاة، وهو ما يشكل خط الرسالة الاساس، ومنهج الإسلام الاصيل في الوعي والعمل والتغيير. انّه التلخيص الحضاري لمسيرة الرسالات السماوية كلها على امتداد حركة الزمن.

    وعلى هذا الاساس، وانطلاقاً من هذه الحقائق في حياة الائمة الهداة عليهم السلام آثرنا هذا المنهج الحركي الجديد الذي يستنطق حركة الزمن ليستنبط منها القيم الحركية والمعطيات الحية.



    قيمتان للزمن في حياة الائمة (ع)

    القيمة الفعلية، والقيمة الكامنة

    في دراستنا للقيم الزمنية في حياة القادة من اهل البيت (ع) ومن خلال استعراض المسيرة الإسلامية منذ البعثة النبوية الشريفة وحتى غيبة الامام المهدي، نلاحظ ان الزمن في حياتهم الشريفة اتخذ قيمتين متلازمتين.

    الاولى: فعلية متحركة مع الحدث والموقف، فيما يسلكه كل امام من الائمة الاثني عشر (ع)، بحيث يترك اثراً فعلياً آنياً على الساحة التي يعيشها.

    والثانية: قيمة كامنة كان يتم ارساء قواعدها في الظروف العادية لتؤدي إلى نتائج منتظرة في الزمن القادم.

    وسنلاحظ خلال البحث ان الكثير من القيم الكامنة للزمن التي يحددها احد الائمة (ع) تتحول إلى قيم فعلية يعتمدها الامام الذي يليه، أو انها تهيء الاجواء للامام الثاني من اجل ان يثبت قيمه الفعلية لزمنه الذي يعيش فيه. وعلى اساس هذا التلازم بين قيمتي الزمن الفعلية والكامنة. كان الترابط المنهجي الوثيق في مسار حياة وعمل اهل البيت (ع) على مستوى الفكر والسياسة والذي بدأ منذ بداية الرسالة من خلال التعايش الوثيق بين الرسول الاعظم (ص) وبين الامام علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام. حيث كانت الرعاية الخاصة والاعداد الاستثنائي الذي اولاه الرسول القائد (ص) لاهل بيته عليهم السلام وبالخصوص الامام علي بن ابي طالب (ع).

    ولا يسعنا في غضون هذه الدراسة ان نستعرض النصوص والشواهد الكثيرة التي تثبت ان النبي (ص) كان يعد اهل بيته اعداداً خاصاً لحمل مسؤولية الرسالة من بعده. فهي كثيرة ومتواترة ففي حلية الاولياء «عن ابن عباس انّه يقول: كنا نتحدث ان النبي (ص) عهد إلى علي سبعين عهداً لم يعهد إلى غيره».

    وروى النسائي عن ابن عباس عن علي (ع) انّه يقول: «كانت لي منزلة من رسول الله (ص) لم تكن لاحد من الخلائق، كنت ادخل على نبي الله ليلة، فان كان يصلي سبّح فدخلت، وان لم يكن يصلي آذن لي فدخلتُ».

    وروى عن الامام علي عليه السلام كذلك قوله: «كان لي مع النبي (ص) مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار».

    في دراستنا هذه نحاول ان نتبين القيمتين الفعلية والكامنة للزمن عبر المراحل التاريخية لمسيرة الائمة الاطهار، وفي سياق هذه المحاولة لابد من مناقشة سريعة للتقسيم المرحلي الذي يتناول بالدراسة والتحليل حياة الائمة (ع) وهنا لابد من التأكيد ان المراحل هنا لا تعني نهايات محددة للفترات الزمنية. فحياة الامام قد تتداخل فيها معالم مرحلتين، وليس بالضرورة ان تكون نهايتها نهاية مرحلة لأن طبيعة الظروف بما تحمله من تحولات فكرية وسياسية واجتماعية تفرض اسلوباً للعمل يعتمده الامام، وبذلك توضع ملامح واسس مرحلة جديدة في اسلوب التعامل.

    كما ان التقسيم المرحلي لدور الائمة عليهم السلام لا يرتبط بالجانب العقائدي أو الشرعي، انما هو مسألة خاضعة للفهم التاريخي، ولمنهجية دراسة حياتهم عليهم السلام. وعلى هذا فقد نجد تفاوتاً في التقسيمات المرحلية بحسب الاختصاصات في دراسة حياة ودور الائمة (ع). كما هو الحال في دراسة ظاهرة العمل السري عند الائمة. أو في دراسة مواقف الائمة من الحركات السياسية والثورية أو عند بحث منهجهم الثقافي والسياسي وغير ذلك من مفردات البحث والدراسة الا ان هذا التفاوت يكاد يكون غير محسوس عند دراسة مجمل الخط التاريخي العام لدور الائمة في الحياة الإسلامية، لانه يتناول حياتهم بنظرة شاملة تتعرف على حركة التحولات الكبيرة في الواقع التاريخي لحياة الاُمّة الإسلامية من خلال حركة اهل البيت ومعطياتهم الفذة.

    وقد قسم سيدنا الامام الشهيد الصدر (قدس سره) تاريخ الائمة وحياتهم على ثلاث مراحل:

    المرحلة الاولى: هي المرحلة التي عاش فيها قادة اهل البيت عليهم السلام مرارة المواجهة للانحراف الذي طرأ بعد وفاة رسول الله (ص) وكان من الممكن ان تمتد صدمة هذا الانحراف لتقضي على الإسلام كرسالة ذات اصالة وابعاد، فتصبح قصة في التاريخ لا وجود لها في خط الزمن المستمر. وقد عاش الائمة في هذه المرحلة المحنة القاسية جراء الانحراف السياسي واهتزاز الاُمّة وقاموا بالتحصينات اللازمة بقدر الامكان ضد الصدمة والانحراف فحافظوا على اصول الرسالة الإسلامية ومبادئها ووقفوا بوجه تردي الاُمّة وانهيارها. وتبدأ هذه المرحلة بعد وفاة رسول الله (ص) وتستمر إلى حياة الامام علي بن الحسين السجاد (ع) وهو الامام الرابع من قادة اهل البيت عليهم السلام.

    المرحلة الثانية: وهي المرحلة التي شرع فيها قادة اهل البيت ببناء الكتلة الواعية والجماعة المنضوية تحت لوائهم، الحاملة افكارهم وهمومهم بوعي واصرار والمدافعة عن خطهم ومنهاجهم الفكري والسياسي ودعوة الآخرين اليه. وكان لابد ان تُنتخب طلائع من الاُمّة ليتم تحصينها بأعلى درجة ممكنة من التحصين وتزود بمستوى عال من الوعي والثقافة، حتى تكون هي الرائد والحامي للوعي الاسلامي الذي حصن بالحد الادنى. وقد بدأت هذه المرحلة بالامام ابو جعفر محمد الباقر عليه السلام واستمرت إلى زمن الامام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام.

    المرحلة الثالثة: وتبدأ في زمن الامام الكاظم عليه السلام وتستمر بعده، وهذه المرحلة لا تحدد بشكل بارز من قبل الائمة انفسهم بل يحددها بشكل بارز موقف الحكم المنحرف من الائمة. وذلك لان الجماعة التي نشأت في المرحلة الثانية انتشرت في العالم الاسلامي، وبدا للحكام المنحرفين ان قيادة اهل البيت (ع) اصبحت على مستوى تسلم زمام الحكم والعودة بالمجتمع الاسلامي إلى واقع الإسلام الحقيقي(1).

    ****

    ان سيدنا الاستاذ الشهيد الصدر (قدس سره) بهذا التقسيم المرحلي وضع منهجاً تاريخياً محدداً لفهم حياة اهل البيت عليهم السلام.

    وسنحاول في دراستنا اعتماد اسلوب التقسيم المرحلي كاساس منهجي في البحث، ولكن بزيادة عددية على التقسيم الثلاثي، وذلك استناداً إلى منهجنا المختار في الاتجاه العام لحركة الزمن التي رافقت حياة الائمة عليهم السلام حيث ننطلق من المرتكزات التالية:

    اولاً: ان حياة الرسول الاعظم (ص) تمثل لوحدها مرحلة تاريخية قائمة بذاتها. فهي مرحلة الوحي وتلقي القرآن واسس الإسلام وتشريعاته بفضل وجود النبي (ص) وبوفاته انقطع الوحي. وواجهت مسألة القيادة من بعده انتكاسة في مفهومها الشرعي ومصداقها العملي. وعلى هذا فلا يمكن اضافة اي فترة زمنية لاحقة على يوم السقيفة إلى مرحلة الرسول الاكرم (ص). ففي حياة الرسول القائد، كان الزمن يمتلك قيمة ايجابية عالية بفضل العطاء الدائم والوحي المفعهم بالنور على رسول الله (ص) وقد توقف زخم الاندفاع الايجابي لقيمة الزمن يوم وفاته، وبروز اتجاهات متنافسة ومنحرفة عن وصايا الرسول (ص) في تعيين القيادة الشرعية للامة الإسلامية بحيث يمكن اعتبار هذا المواقف والاتجاهات بدايات الفتنة الداخلية وفي نفس الوقت بداية لقيمة سلبية في حركة الزمن.

    ثانياً: بعد وفاة الرسول (ص) وقف الامام علي عليه السلام يواجه مظاهر الانحراف في الدولة والمجتمع الاسلامي. وقد اعتمد الاسلوب المعارض في الحدود الممكنة حتى إذا وجد ان هذا الاسلوب يعرّض الإسلام إلى الخطر

    _____________________________

    1- نقلنا آراء السيد الشهيد الصدر (قدس سره) مع بعض التصرف عن نص محاضراته القيمة في كتابه «اهل البيت تنوع ادوار ووحدة هدف».



    نتيجة قلة الوعي السائد في مجتمعه وامكانية قيام ردة فعل مضادة،تخلى عن معارضته، واعتمد الاصلاح والتصحيح في مواجهة الانحرافات الفكرية والسياسية. وظل عليه السلام ينتظر بمرارة وألم ما تتمخض عنه التطورات. وبعد اكثر من عشرين سنة من الانتظار، وهي فترة ذات قيمة سلبية في حساب الزمن الحركي ـ «لقد علمتم اني احق الناس بها من غيري، والله لأسلّمن ما سلمت أمور المسلمين، ولم يكن فيها جوزَ إلاّ عليَّ خاصة التماساً لاجر ذلك وفضله، وزهداً فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه»(1) عادت الخلافة إليه ومارس عليه السلام مسؤوليته التاريخية والشرعية في قيادة الاُمّة. وقد ركز جهوده على اقتلاع الآثار المنحرفة وتثبيت المرتكزات الحقيقية والمفاهيم الصحيحة لرسالة الإسلام وطبيعة مهمة القيادة في المجتمع الاسلامي. اي انّه عليه السلام اراد ان يحول القيمة السلبية لحركة الزمن إلى قيمة ايجابية. غير ان التحديات الضاغطة التي واجهها اعاقت اندفاع حركته ومسيرته واستهلكت الكثير من وقته وجهده. وكانت خسارة عامل الزمن هي خسارة لاحقة بالأمّة ومسيرة الإسلام كرسالة هادية للعالم. واستمر الامام على نهجه حتى استشهاده في محراب صلاته.

    ***

    ثم تولى ابنه الامام الحسن عليه السلام امامة المسلمين. وحاول اكمال مسيرة ابيه إلاّ ان التحديات المضادة كانت اكبر من الامكانات المتاحة لديه. فلم يستطع ان يحدد المسارات العملية لحركة الزمن ويمسك بعناصر اتجاهه السلبي العنيف من موقع القيادة السياسية الحاكمة. فاضطر إلى التنازل عن الحكم لمعاوية والقبول بالهدنة حفاظاً على الإسلام والمسلمين، وليمارس دوره في مواجهة تيار الانحراف وايقاف القيمة السلبية لحركة الزمن من موقع التوعية

    _____________________________

    1- نهج البلاغة: باب الخطب رقم النص 74.



    الجماهيرية والتوجيه التربوي والاجتماعي. وكان يحدث ذلك في اطار الانتظار كما هو واضح من خلال بنود الصلح مع معاوية والتي تقضي ان يتولى الامام الخلافة بعد موت معاوية وكم كان يقول «تجرعوا الغصة لحين الفرصة» غير ان معاوية اغتاله بالسم وانهى حياته الشريفة، وبذلك انهى دوره الشخصي المباشر في التأثير على حركة الزمن.

    ان هناك نقاط شبه كثيرة بين زمني الامام علي (ع) وابنه الامام الحسن (ع) فكلاهما اضطر إلى السكوت عن حقهما في الخلافة وكلاهما عاش الانتظار لفترة قادمة، وحاول كل منهما ايقاف المد السلبي في اتجاه الزمن وتثبيت القيم الايجابية في حركته.

    ثالثاً: كان صلح الامام الحسن (ع) يمثل كموقف سياسي قيمة كامنة للزمن. لأن مفعولها ظهر بعد موت معاوية وتسلم ابنه يزيد الحكم وقيادة العالم الاسلامي، وفي ذلك خرق فاضح لوثيقة الصلح، كما ان الامام الحسن (ع) قدم دليل الحل السلمي ـ وان كان مفروضاً عليه ـ فكان من الطبيعي ان يلجأ الامام الحسن (ع) إلى اسلوب الثورة إلى جانب المبررات الموضوعية الاخرى التي حتمت اعتماد الثورة كخيار وحيد في مواجهة الانحراف.

    ان الثورة الحسينية كانت الصرخة المدوية والهزة العنيفة والمباشرة التي ارادت وبقوة ايقاف حركة السلب في الزمن، من خلال ايقاف المد الاموي المنحرف في واقع الاُمّة الإسلامية لان التدهور بلغ حداً خطيراً، فكان لابد من صدمة عنيفة تهز اركان الحكم الظالم، وتحرك الوجدان الشعبي بقوة.

    وإذا كانت الثورة قد احبطت عسكرياً للتفاوت الهائل بين الطرفين. فان اغراضها المعنوية واهدافها السياسية والاجتماعية تحققت تماماً. وبدا واضحاً ان واقع ما بعد الثورة يختلف عن واقع ما قبلها. فلقد كانت قيمة زمنية كامنة عالية المضمون والتأثير.

    وقد مارس الامام علي بن الحسين عليه السلام في اعقاب الثورة دوراً بارزاً في حياة الاُمّة. فكان يركز آثار الثورة في الضمير الجماهيري، فاستطاع ان يصعّد من قيمها الكامنة إلى اعلى المستويات، بحيث ظلت روح الثورة كامنة ومتجددة في نفس الوقت عند قطاعات الاُمّة فتوقظ وتحرك نحو المواجهة، ضد الانحراف من اجل ان تعود للزمن قيمته الايجابية في معركة الصراع.

    رابعاً: تعرضت الاُمّة الإسلامية إلى محاولات مكثفة لابعادها عن اصالة الإسلام. واماتة روح الوعي والجهاد فيها.

    وكان للتراكم الزمني تأثيره المساعد على تضخم الانحراف وانتشاره مما دفع ائمة اهل البيت منذ زمن الامام محمد الباقر عليه السلام إلى اعتماد منهج الاعداد الطليعي للكادر الشيعي الواعي من اجل ان يمارس هذا الكادر المسؤول دوره في امتدادات الزمن القادم.

    وبشكل عام فان الفترة الممتدة من حياة الامام الباقر (ع) إلى حياة الامام الكاظم، كانت القيم الكامنة للزمن تمثل سمتها البارزة، حيث تفجرت هذه القيم عن جيل عقائدي مبارك حفظ الاصالة الإسلامية ونقلها إلى دوائر جغرافية بعيدة عن مركز الحكم وتعقيدات الدوائر السياسية ومشاكلها، وهو ما يمكن ان نصطلح عليه بالأثر الجغرافي لحركة الزمن في حياة الائمة عليهم السلام. وقد كان حرص الائمة خلال هذه الفترة شديداً على الجانب الفكري واعداد الطليعة العقائدية التي تحمل العقيدة بصفاء وتدافع عنها بوضوح وقوّة بحيث انهم رفضوا الكثير من مشاريع الثورات، ولم يكن ذلك بدافع الابتعاد عن مشروع الثورة أو التخلي عن العمل الثوري والمواجهة المسلحة للحكام الظالمين انما كان نتيجة تقديرهم بأن الظرف لا يسمح بثورة ناجحة وان الزمن ليس زمن المشاريع الثورية. ولذلك كانوا يبدون تحفظاتهم ازاء بعض الثورات، وكانوا يظهرون تعاطفهم مع البعض الآخر كما وقفوا بصرامة تجاه بعضها الثالث كما هو الحال مع موقف الامام جعفر الصادق «عليه السلام» مع ابي مسلم الخراساني في قوله «لا الزمان زماني ولا أنت من رجالي».(1)

    وفي ذلك اشارة واضحة وقاطعة لموقف الائمة عليهم السلام ونظرتهم المنهجية لحركة الزمن في تقدير الموقف والاسلوب بدقة ووعي. ولقد لخّص الامام الشهيد الصدر «رض» في بحثه القيم حول الولاية عمل الائمة (ع) في حياة الاُمّة الإسلامية خلال هذه المرحلة بعملين اساسيين هما:

    أحدهما: العمل من أجل بناء القواعد الشعبية الواعية التي تهيء ارضية صالحة لتسلم السلطة.

    والآخر: تحريك ضمير الاُمّة الإسلامية وارادتها والاحتفاظ بالضمير الاسلامي والارادة الإسلامية بدرجة من الحياة والصلابة تحصن الاُمّة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين والعمل الاول هو الذي مارسه الائمة (ع) بأنفسهم والعمل الثاني هو الذي مارسه ثائرون عليون كانوا يحاولون بتضحياتهم الباسلة ان يحافظوا على الضمير الاسلامي والارادة الإسلامية، وكان الائمة (ع) يسندون المخلصين منهم.(2)

    قال الامام علي بن موسى الرضا (ع) للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن علي الشهيد: «انّه كان من علماء آل محمد (ص) غضب لله فجاهد اعدائه حتى قتل في سبيله ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر (ع) انّه سمع اباه جعفر يقول: رحم الله عمّي زيداً، انّه دعى إلى الرضا من آل محمد، ولو ظفر لوفى ممّا دعا إليه ان زيد بن علي لم يدع ما ليس له بحق، وانّه كان أتقى من ذلك انّه قال أدعوكم إلى الرضا من آل محمد (ص)».(3)

    خامساً: استطاعت الطاقات الكامنة التي اعدها القادة من اهل البيت (ع) ان تتحول إلى منطلقات فعلية في العمل الاسلامي وتمكنت ان تفرض فكرة

    _____________________________

    1- الملل والنحل للشهرستاني، ج1، ص 241.

    2- الامام الشهيد الصدر، بحث حول الولاية.

    3- الحر العاملي: الوسائل كتاب الجهاد ج11 ص 39.



    الإسلام الاصيل وخط ائمة اهل البيت على الواقع الاسلامي. في الوقت الذي شعرت فيه سلطات الحكم ان اغتيال الائمة وابعادهم عن الاُمّة بالاعتقال والمحاصرة لاينهي دورهم في الحياة، انما يساهم ذلك في اشعال النفوس بروح المعارضة والاحتجاج ضد السلطة. وكان المأمون العباسي هو الذي تنبه إلى هذه العلاقة بين الامام والسلطة. فحاول انهاء سياسة العنف ضد الائمة واستبدالها بسياسة الانفتاح الكاذب مع الامام الرضا عليه السلام.

    وقد نتج عن هذه السياسة انتهاء زمن الارهاب المعلن، لكن في الوقت نفسه بدأ زمن الاغتيال المنظم الذي طال الامامين الرضا والجواد عليهما السلام. وتميزت هذه الفترة بأن الائمة عليهم السلام استثمروا الظروف في تاثير مباشر على الزمن، اي انهم اعطوا للزمن قيمة فعلية متحركة على الواقع. بحيث يمكن القول، ان الظرف اتاح لهم التركيز على القيم الفعلية للزمن اكثر من القيم الكامنة، نتيجة استثمارهم لحالة الانفتاح وان كانت تنطوي على اغراض سياسية خطيرة، إلاّ انهم ـ والامام الرضا بالذات ـ استطاع ان يستفرغ المضمون السياسي من محتواه الذي اراده المأمون من خلال شروطه في قبول ولاية العهد بقوله: «على انني لا امر ولا انهى ولا أفتي ولا أقضي ولا أولّي ولا أعزل ولا أغير شيئاً مما هو قائم فأجابه المأمون إلى ذلك كله».(1)

    سادساً: بعد استشهاد الامام محمد الجواد عليه السلام عاد الائمة يواجهون الارهاب السلطوي بأقسى الوانه وكانت السلطة العباسية ترصد حركاتهم بدقة وتلاحق شيعتهم ملاحقة شديدة. مما حمل الائمة إلى تصعيد القيم الكامنة للزمن في حركتهم الآنية مع الاحداث والاُمّة. وذلك من اجل تهيئة الواقع الاسلامي لتقبل التطورات المستقبلية. كما هو الحال في اعتماد مبدأ «الوكالات» والنيابة الشخصية عنهم، واتباع اسلوب المكاتبات تمهيداً لمرحلة قادمة، هي مرحلة غيبة الامام المهدي وانقطاع اتصاله المباشر مع ابناء الاُمّة وطلائهما المتحركة.

    _____________________________

    1- محسن الامين، أعيان الشيعة ج2، ص 18.



    وعلى اساس المرتكزات التي ذكرناها آنفاً، فاننا نطرح هنا تصوراً منهجياً للتقسيم الزمني لمراحل عمل القادة من اهل البيت عليهم السلام، استناداً بالدرجة الاساس على حركة القيمتين الفعلية والكامنة للزمن. فان هذا التقسيم بامكانه ان يقدم احاطة مستوفية لادوار الائمة عليهم السلام، لانه يستند إلى اسلوب كل امام ودوره في الحياة ضمن الخط العام لحركة اهل البيت في الحياة الإسلامية ويتوزع التقسيم على ادوار هي:

    الدور الاول: (ويشمل حياة الاامامين علي والحسن عليهما السلام)

    ان اهم ما يميز هذا الدور، وجود حالة متوازنة بين قيمتي الزمن الفعلية والكامنة. ولم يكن مصدر التوازن الامام وحده، بل ان الرسول الاعظم (ص) كان يشغل دوراً اسياسياً في ذلك. وهي سمة بارزة لهذا الدور من ادوار الامامة. حيث لم تتكرر في الادوار اللاحقة لعدم معاصرة الائمة (ع) للرسول (ص) باستثناء الدور الثاني الذي يضم الامام الحسين عليه السلام.

    وسنلاحظ في الادوار اللاحقة ان الائمة كانوا هم الذين يضعون القيم الكامنة للزمن. اما في هذا الدور فان الرسول الاعظم (ص) هو الذي صنع هذه القيمة في خط الامامة والذي يبدأ بالامام علي عليه السلام، في حين ان الامام كان يضع القيمة الفعلية للزمن.

    وقد استمرّ هذا العطاء المتوازن طوال حياة الرسول (ص). حيث اكد منذ بداية البعثة على الدور المستقبلي للامام علي عليه السلام. وظل الرسول (ص) في كل مناسبة يبين بصورة واضحة موقع الامام في الرسالة ودوره الكبير فيها، ومكانته القادمة، حيث هو خليفة الرسول (ص) وقائدهم وامامهم بعد وفاته (ص).

    ومن خلال مواقف الرسول (ص) واحاديثه الكثيرة في حق الامام، فانه اعطى قيمة كامنة للزمن، من اجل اعداد الواقع الاسلامي لمرحلة قادمة يكون فيها الامام علي (ع) خليفة الرسول (ص) وهي المرحلة التي تتحول فيها القيمة الكامنة إلى حركة فعلية في مسار الرسالة وفي حياة المسلمين.

    لقد اوردت كتب الحديث والسيرة مئات الاحاديث عن رسول الله (ص) التي تكشف بوضوح تأكيد الرسول (ص) على امامة علي بن أبي طالب عليه السلام وانّه خليفته في قيادة المسلمين. وسنحاول هنا ادراج بعضها. (عن حبشي بن صنادة، قال رسول الله (ص): «خير من يمشي على وجه الارض بعدي علي بن أبي طالب)».(1)

    وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (ص): «علي خير من تركت بعدي».(2)

    وعن انس أيضاً عن النبي (ص): «ان خليلي ووزيري وخليفتي وخير من أترك بعدي، يقضي ديني وينجز موعدي علي بن أبي طالب».(3)

    ولا يسعنا في هذه الدراسة عن قيمة الزمن في حياة القادة من أهل البيت (ع) ان نستوعب الاحاديث الكثيرة التي تؤكد على اهتمام الرسول (ص) بمستقبل الرسالة، والاُمّة من خلال اهتمامه الأكيد في اعداد الخلفاء الهداة الراشدين من بعده باعتبارهم الامتداد الطبيعي لشخصية الرسول القائد (ص) ويكفي ان نقف على ضفاف حديث الغدير الذي يشكل قمة التأكيد وموقف النص والتعيين الجلي الواضح لمسألة الخلافة بعد رسول الله (ص) وقد روته المصادر الاساسية لكتب الحديث عند المسلمين العامة والخاصة وتحدثت به الاجيال عبر التاريخ واليك نصه باختصار: وذلك عندما رجع رسول الله (ص) من حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة «أخرج الطبراني في المعجم

    _____________________________

    1- الاربلي، كشف الغمة. ج1، ص 157.

    2- نفس المصدر.

    3- نفس المصدر.



    الكبير وغيره بسند مجمع على صحته عن زيد بن أرقم قال: خطب رسول الله (ص). بغدير خم تحت شجرات فقال: «أيّها الناس يوشك ان ادعى فأجيب واني مسؤول، وانكم مسؤولون فماذا انتم قائلون؟ قالوا: نشهد انك قد بلّغت وجاهدت ونصحت، وان جنته حق وان ناره حق وان الموت حق، وان البعث حق بعد الموت، وان الساعة آتية لا ريب فيها، وان الله يبعث من في القبور؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، قال: اللهم اشهد، ثم قال أيها الناس ان الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأولى بهم من انفسهم فمن كنت مولاه فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ثم قال: ايها الناس اني فرطكم، وانكم واردون عليّ الحوض، واني سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين كيف تخلفوني فيهما، الثقل الاكبر كتاب الله عزّ وجل.. فاستمسكوا به لا تضلوا ولا تبدلوا، وعترتي أهل بيتي، فانه قد نبأني اللطيف الخبير انهما لن ينقضيا حتى يردا عليّ الحوض.(1)

    ويجمع المفسرون خاصة مفسّري الامامية ان قوله تعالى (يا ايها الرسول بلّغ ما انزل اليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ان الله لا يهدي القوم الكافرين)(2). قد نزل في يوم الغدير وكذلك قوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)(3). حتى اصبحت كلمة «الحمد لله على أكمال الدين واتمام النعمة» من احسن السنن التي يرددها المؤمنون في يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو ذكرى يوم الغدير الذي بلغت فيه القيم الايجابية الكامنة للزمن ذروتها، ولكنها سرعان ما انتكست سلبياً في منطق السقيقة.

    والى جانب هذه الكثرة من الاحاديث التي خص بها رسول الله (ص)

    _____________________________

    1- السيد شرف الدين، المراجعات، ص 261 ط2.

    2- سورة المائدة، آية 67.

    3- سورة المائدة، آية 3.



    الامام علي (ع) فان هناك طائفة اخرى من احاديثه الشريفة خص بها فاطمة الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام ثم تأتي طائفة ثالثة خصّ بها (ص) أئمة اهل البيت عليهم السلام وحدد عددهم بأثني عشر نقيباً كنقباء بني اسرائيل اي اماما قائداً في الاُمّة وهادياً لها. عن أبي ذر «رض» قال: قال رسول الله (ص): «اجعلوا آل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين من الرأس، فان الجسد لا يهتدي إلاّ بالرأس ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين».

    عن أنس بن مالك: قال: قال رسول الله (ص): «انما مثلي ومثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».(1)

    وقال (ص): «النجوم امان لاهل السماء، فاذا ذهبت النجوم ذهب اهل السماء، واهل بيتي أمان لأهل الارض فاذا ذهب أهل بيتي ذهب اهل الارض».(2)

    وعنه (ص): «نحن اهل البيت لا يقاس بنا أحد».

    وفي حلية الاولياء قوله (ص): «من سرّه ان يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن، غرسها ربي فليوالي علياً من بعدي، وليوالي وليّه، وليقتدي بالائمة من بعدي فانهم عترتي خلقوا من طينتي، رزقوا فهماً وعلماً».(3)

    ان هذه الاحاديث النبوية الشريفة كانت تهدف إلى تعريف المجتمع الاسلامي بموقع اهل البيت عليهم السلام في الرسالة، وانهم الامتداد العقائدي لخط الرسول (ص). اضافة إلى تثبيتها احد الاصول العقائدية في الإسلام وهي الامامة. وكل ذلك كان ينطلق من الحاضر ليظل قيمة كامة للمستقبل بعد ان يلتحق الرسول (ص) بالرفيق الاعلى. وهذا ما يفسر تأكيد الرسول (ص)

    _____________________________

    1- السيد شرف الدين، المراجعات، ص 29، ط2.

    2- السيد شرف الدين، المراجعات، ص 29، ط2.

    3- نفس المصدر.



    على موقع الامام علي من شخصه (ص) ومن الإسلام ودوره القادم، وبصورة مكثفة ومتوالية فلم يترك فرصة إلاّ وصرح بحق الامام علي (ع). وانّه وصيّه وخليفته وانّه مع الحق والقرآن حتى أخذ له البيعة في حياته (ص) كما مر في حديث يوم الغدير المشهور. اننا نفهم من كثرة الاحاديث الصادرة بحق الامام علي قياساً بالاحاديث المختصة بفضائل اهل البيت (ع) عامة. ان الرسول (ص) كان يريد ان يضمن اولى المحطات الزمنية بعد وفاته، ولو تحقق ذلك وتولى الامام علي خلافته ومنح الفرصة المؤاتية لاداء دوره التاريخي والرسالي لسارت حركة الإسلام في خطها التصاعدي عبر الزمن.

    لقد اراد الرسول (ص) في حياته الشريفة ان يكثف قدر الامكان القيم الزمنية الكامنة لدور الائمة العقائدي والسياسي، من اجل ان تتحول بعد وفاته إلى حقيقة فعلية في واقع المسلمين فتمارس دورها المطلوب.

    والى جانب تصريحات الرسول (ص) وتأكيداته في مختلف الظروف والمواقف كان الامام علي (ع) يمارس دوره الفاعل في حركة الإسلام فكانت مواقفه المتلاحقة التي ساهم فيها إلى جانب رسول الله (ص) في رفع عمود الدين وتثبيت ركائز الإسلام في مجتمع الجزيرة وخارجه. ولم يكن الإسلام ليصل إلى ما وصل إليه في حياة الرسول (ص) لولا دور الامام علي في كل وقفة ومحطة من مسار الدين وحركة الاُمّة.

    لقد كان الامام علي عليه السلام يثبت القيم الفعلية للزمن من خلال دوره في حركة الرسالة فكان سلام الله عليه ضرورة زمنية لمسيرة الإسلام. وعندما نقول ضرورة زمنية فلأن دوره لم ينته في مرحلة محدودة، انما ظل حياً سارياً مع حركة الزمن.

    وبذلك فان حالة متوازنة بين قيمتي الزمن الكامنة والفعلية كانت تتسم بها حياة الامام علي عليه السلام والتي معظم الفترة الزمنية للدور الاول من ادوار الامامة في حياة اهل البيت عليهم السلام. ولو ان الامور سارت بشكلها الطبيعي وحوّل المسلمون وصايا النبي الاكرم (ص) إلى مبدأ يلتزمون به لتواصل خط رسول الله (ص) في امتداد الزمن من خلال دور الامام علي (ع). بمعنى ان تتحول القيم الزمنية الكامنة إلى قيم فعلية، وهي العملية النموذجية التي من شأنها ان تحفظ الرسالة عن أي انحراف أو تعثر، بل تزيد حركتها قوّة وعمقاً في وسط الجزيرة واتساعاً وامتداداً في الآفاق الجغرافية الاخرى.

    لكن الذي حدث، ان مجتمع المسلمين خذل نفسه بخذلانه الامام علي (ع). واستطاع منطق السقيفة ان يوقف القيمة الايجابية لحركة الزمن الرسالي، ويستبدلها بقيم سلبية عرّضت الإسلام للخطر.

    ثم ان هذه القيم السلبية سيطرت على الواقع، كانت بذاتها تمثل قيماً كامنة ذات مضمون اكثر سلبية لمراحل قادمة حيث تحول الحكم إلى مطلب شخصي وعائلي، بعد ان كان مسؤولية شرعية ثقيلة تتصل بقضية الإسلام ومبادئه المقدسة وسيرة الرسول المطهرة لان ما حدث في السقيفة وما حدث في التجربتين اللتين اعقبتها، كان يستفرغ المحتوى العقائدي للحكم الاسلامي بالتدريج، وذلك بادخاله اعتبارات طارئة وجديدة، وخضوعه لمقاييس جاهلية مع كل تجربة حكم. وكانت هذه الاعتبارات والمقاييس تتركز في عقول فئة من المجتمع الاسلامي وتنسجم مع تطلعاتها الذاتية والسلطوية. فاستغلت عامل الزمن لتحقيق طموحاتها الشخصية من خلال صراعات مكشوفة من اجل الفوز بالسلطة وكانت اول بادرة خروج طلحة والزبير على الامام علي عليه السلام، في محاولة لتنحيته عن الخلافة والسيطرة على حكم المسلمين بالتعاقب بينهما. لكن واقعة الجمل احبطت هذا التحرك المضاد لشرعية الخلافة والامامة.

    ومع ان واقعة الجمل كانت تجربة قاسية بالنسبة للاتجاه المضاد، إلاّ ان التوجه السلطوي لم يمت في نفوس فئة المطالبين به. فكان معاوية قائد هذا الاتجاه، وقد تقوى معاوية في موقفه المعادي للشرعية بانضمام المتضررين من سياسة الامام علي عليه السلام واستقامة حكمه. كما استغل حالة اللاوعي وسطحية الفهم الاسلامي لقاعدته في الشام اضافة إلى حالة التصدع والارتباك الفكري في مفهوم القيادة الشرعية من خلال احتدام الصراع على السلطة، فواصل معاوية اساليبه المضادة للامام علي (ع) بالترغيب والترهيب والتي انتهت باستشهاده ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة 40 للهجرة.

    لقد تغذت حركة معاوية من التجربة التاريخية لحكم المسلمين، وكان لعامل الزمن دور كبير في التعتيم على الفهم الاصيل للاسلام وعدم التعريف بالقيادة الشرعية للامة. لان التجارب الثلاث الاولى للخلافة قدمت نماذج مختلفة لتنصيب الحاكم. وقد تقبل الجو العام فكرة الخلافة بعيداً عن نصوص الرسول (ص) ووصاياه والقرآن يهتف بأنه لا ينطق عن الهوى (إن هو إلاّ وحي يوحى)(1).. (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)(2) وهذا ما وصفناه بالقيمة السلبية الكامنة التي كانت تتحول مع الزمن إلى قيم فعلية بنفس الاتجاه السلبي. حتى ان مفهوم الامامة ومصداقها اصبح مع الزمن اكبر مشكلة في واقع المسلمين والى هذا اليوم.

    ورغم ان الامام علي عليه السلام، بذل كل جهوده من اجل ايقاف الامتدادات السلبية في حركة الزمن، واعطائها قيمة ايجابية ـ كما سنتحدث ـ ومنها مسألة الامامة التي عهد بها لابنه الحسن عليه السلام استناداً إلى النص الخاص وعملاً بوصايا الرسول (ص). رغم كل ذلك، فان الموروث الزمني كان ضاغطاً على الجو العام ـ باستثناء العراق ـ بحيث انّه لم يرفض فكرة الحكم لغير الائمة من اهل البيت عليهم السلام.

    ونتيجة لذلك واجه الامام الحسن عليه السلام نفس التحدي الذي واجهه

    _____________________________

    1- سورة النجم: آية 4.

    2- سورة الحشر: آية 7.



    ابوه امير المؤمنين (ع) والمتمثل بالتهديد العسكري من قبل معاوية ومثلما تقاعس مجتمع الامام علي عن نصرته والاستجابة لدعواته، فان نفس المجتمع وقف الموقف ذاته مع ابنه الحسن (ع) وهي نتيجة متوقعة، لأن الظرف الزمني كان هو لم يتغير.

    وقد اجبرت ظروف المواجهة ان يتنازل الامام الحسن مؤقتاً عن الحكم لمعاوية، كما تضمنت وثيقة الهدنة أو الصلح الآنفة الذكر.

    وعندما تعرض الامام إلى تساؤلات من قبل بعض اصحابه حول دواعي الصلح اجابهم بقوله: «اني خشيت ان يجتث المسلمون عن وجه الارض فاردت ان يكون للدين ناع».(1)

    وقال عليه السلام: «ان معاوية نازعني حقاً هو لي دونه، فنظرت لصلاح الاُمّة وقطع الفتنة، فرأيت ان اسالم معاوية، واضع الحرب بيني وبينه وقد رأيت ان احقن الدماء خير من سفكها ولم ار إلاّ صلاحكم وبقائكم واني ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين».(2) وأجمل عبارة تروى عنه عليه السلام في هذا الصدد قوله: «التجرع للغصة حتى تنال الفرصة»(3). وقال ابو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين اجتمع إلى الحسن (ع) وجوه الشيعة وأكابر اصحاب أمير المؤمنين يلومونه ويبكون جزعاً مما فعله.

    وقال المدائني ان معاوية لما خطب الناس بالكوفة وقال في جملة خطبته كل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين. قال المسيب بن نجبة للحسن (ع) «ما ينقضي عجبي منك بايعت معاوية ومعك اربعون الفاً.. فقال يا مسيب اني لو اردت بما فعلت الدنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللقاء ولا أثبت عند الحرب

    _____________________________

    1- عادل الاديب، الائمة الاثنى عشر، ص98.

    2- نفس المصدر.

    3- نفس المصدر.



    مني ولكني اردت صلاحكم وكف بعضكم عن بعض فارضوا بقدر الله وقضائه حتى يستريح بر ويُستراح من فاجر».(1)

    اننا نلمس من اقوال الامام الحسن وتصريحاته في موقفه السياسي الصعب انّه بعد ان فقد القوة العسكرية التي تمكنه من دخول الحرب، وافق على الصلح والتنازل عن الحكم لمعاوية من اجل الحفاظ على الصفوة المؤمنة والطليعة الواعية التي تحمل رسالة الإسلام. فهو عليه السلام نظر إلى مصلحة الإسلام ضمن الظرف الزمني الذي يحيط به، فاقدم على خطوة تمتد آثارها في آفاق الزمن القادم. وهو في موقفه لا يختلف عن موقف ابيه علي (ع) من حيث النظرة الواقعية للزمن في بعده الحاضر والنظرة الشمولية للزمن في بعده المستقبلي.

    وباستشهاد الامام الحسن عليه السلام بعد عشر سنوات من حكم معاوية، وبتدبير منه. يكون الدور الاول من ادوار الائمة من اهل البيت (ع) قد اختتم صفحاته المشرقة والمحزنة وبدت ملامح الدور الثاني الأكثر حزناً.

    الدور الثاني: (ويشمل حياة الامامين الحسين وابنه علي السجاد عليهما السلام)

    يتسم هذا الدور من ادوار الائمة عليهم السلام بتصاعد القيم الكامنة على القيم الفعلية كلما تقدمت وحدات الزمن حيث بدأ بحركة قوية تهدف إلى تثبيت موقف كبير في الحياة الإسلامية يتناسب مع الزمن ويتفاعل مع حركته بسباق لا يفتر. فالموقف كان يتطلب حركة متواصلة ودقيقة، لأن اي ارتباك أو خلل في تقدير عامل الزمن، سيؤدي إلى نتائج سلبية تضر بحاضر الإسلام ومستقبله.

    وفيما كانت هذه هي حالة البدايات والتي استغرقت حوالي عقد من الزمن، فان السنوات التالية تميزت بالتركيز على تثبيت القيم الكامنة في الواقع الاسلامي.

    _____________________________

    1- السيد محسن الأمين، أعيان الشيعة، ج1، ص 571.



    وعلى هذا يصح القول ان الامام الحسين عليه السلام كان يركز القيم الفعلية من خلال المواجهة الثورية وان الامام السجاد عليه السلام كان يحول نتائج الثورة إلى قيم كامنة في الضمير الشعبي.

    ولأنّ ثورة الامام الحسين (ع) كانت على قدر كبير من الاهمية في الواقع الاسلامي بمكوناته السياسية والاجتماعية والفكرية، ولأنها كانت موقفاً هائلاً في مسار التاريخ الاسلامي. لذلك كان لابد من تعميق روحها ونتائجها في وجدان الاُمّة من اجل ان تستوعب قطاعاتها حجم الصدمة فتتوفر عندها ادوات الاحاطة الواعية بحدث الثورة بكل ابعاده ومضامينه العقائدية والسياسية والاجتماعية وحتى الإنسانيّة. لقد كانت مبررات الثورة ضد الحكم الاموي متوفرة في حياة الامام الحسن (ع) فمنذ تسلم معاوية الحكم خطب في الكوفة قائلاً: «يا أهل الكوفة أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم، وقد اتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا ان كل دم اصيب في هذه مطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين».(1)

    ثم بدأ معاوية باجراءات ارهابية طالت على وجه الخصوص «شيعة علي» كما كان يذكر هذه التسمية في تعليماته إلى ولاته، يأمرهم فيها بقطع ارزاقهم وملاحقتهم وهدم دورهم إلى جانب الحملات العسكرية التي كان يرسلها إلى العراق والحجاز ويأمر قادتها بملاحقة «شيعة علي» والتنكيل بهم وقطع ايديهم وقتلهم.

    _____________________________

    1- ابن الاثير، الكامل في التاريخ، ج6، ص 220.



    ويصف ابن أبي الحديد تلك الحقبة المظلمة بالقول: «حتى ان الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخـذ عليه الايمـان الغليظة ليكتمن عليه».(1)

    واضافة إلى جو الارهاب لجأ معاوية إلى سياسة التحريف الممنهج لاصول الفكر الاسلامي والسنّة النبوية المطهرة.. فقرّب الوضاعين واجزل لهم العطاء، من اجل وضع الاحاديث المكذوبة ونسبتها إلى الرسول الاعظم (ص) وبرع هؤلاء في اختلاق الاحاديث والروايات التي تشوه عقائد الإسلام وتشريعاته ومفاهيمه، وتخدم منهج معاوية وأساليبه وسياسته في التقليل من فضائل اهل البيت (ع) وتشويه سيرتهم المشرقة.

    كانت سياسة معاوية الارهابية والتحريفية، تقدم المبررات للقيام بالثورة ضده منذ حياة الامام الحسن عليه السلام لكنه آثر غير ذلك.

    وعندما استشهد الامام الحسن (ع) كانت مبررات الثورة تزداد مع تزايد الارهاب والتحريف والانحراف وقد دفع ذلك قسماً من شيعة اهل البيت (ع) ان يطلبوا من الامام الحسين (ع) ان ينهض ضد الحكم الاموي بزعامة معاوية بن أبي سفيان، لكنه آثر التريث والانتظار، فقد اجاب اهل العراق حين كتبوا إليه يدعونه إلى الثورة.

    «.. واما أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالارض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة مادام معاوية حياً».(2)

    ويتضح من هذا النص ان الامام الحسين (ع) كان يتعامل مع الظرف الزمني بدقة، فهو لا يرى ان عامل الزمن في صالح الثورة، لكنه في نفس الوقت لا يرفض الثورة كمشروع سياسي وحضاري تتطلبه مصلحة الإسلام والمسلمين.

    _____________________________

    1- ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج11 ص 45.

    2- الدينوري، الاخبار الطوال، ص 222.



    انّه عليه السلام يرى ان زمن الثورة لم يحن بعد، فالظروف التي اضطرت اخاه الحسن (ع) للصلح ما تزال باقية، ما دام الطرف المقابل مازال باقياً، ومادامت امكانية الاجهاز على المشروع الثوري قائمة بل وامكانية تشويه اهداف المشروع ومصادرة نتائجه، لما يعرف به معاوية من مكر وخداع.

    والى جانب التقدير الزمني الذي كان يراه الامام الحسين (ع) فانه كان يأخذ بعين الاعتبار العهد الذي امضاه الامام الحسن (ع) مع معاوية في وثيقة الصلح، والتي من المؤكد ان يستغلها معاوية فيما لو نهض الحسين بالثورة. وهذا ما يتضح في جواب الامام الحسين عليه السلام لشيعة العراق، حين تحركوا وعرضوا عليه خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليه السلام، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقداً لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، فاذا مات معاوية نظر عليه السلام في ذلك.(1)

    ان هذا الموقف يبين لنا ان التزاماً زمنياً كان يمنع الامام الحسين من القيام بالثورة وانّه ينتظر موت معاوية لينظر في مشروع الثورة وفق الظروف الجديدة التي يخلفها موته.

    وعلى العموم فان الحسين عليه السلام، كان بحاجة إلى زمن من اجل ان تنضج فكرة الثورة، وان تمتلك المبررات الكاملة للانطلاق، فهو لم يهمل مطلقاً عامل الزمن بل حدد على اساسه اسلوب حركته في الواقع الاسلامي.

    وعندما تولى يزيد بن معاوية الحكم، وجد الامام الحسين (ع) ان الظرف يستدعي الاستجابة للثورة. لاسيما وان اهل العراق ارسلوا إليه حشداً كبيراً من الكتب تدعوه إلى الثورة. ويعرب اصحابها عن تفانيهم في طاعته والسير تحت لوائه. عند ذاك استجاب الامام الحسين (ع) لفكرة الثورة، ومضى في طريق الثورة بكل عزيمة واصرار، حتى ان الكثير من اصحابه واهل بيته نصحوه بعدم الخروج إلى العراق وحذروه من القتل بفشل الثورة.

    _____________________________

    1- الشيخ المفيد، الارشاد، ص 200.



    ولم يكن الامام الحسين (ع) لتخفى عنه تلك الحقائق. كان يعلم انّه سيقتل وانّه سيواجه نهاية مأساوية في كربلاء، وقد قال عليه السلام لبعض الذين اصروا عليه بعدم الخروج: «قد غسلت يدي من الحياة، وعزمت على تنفيذ امر الله».(1)

    ويلخص العلاّمة محمد مهدي شمس الدين موقف الامام الحسين واصراره على المضي بطريق الثورة بقوله: «.. ان وضع المجتمع الاسلامي اذ ذاك كان يتطلب القيام بعمل انتحاري فاجع يلهب الروح النضالية في هذا المجتمع ويتضمن اسمى مراتب التضحية ونكران الذات في سبيل المبدأ لكي يكون مناراً لجميع الثائرين حين تلوح لهم وعورة الطريق وتضمحل عندهم احتمالات الفوز، وترجح عندهم امارات الفشل والخذلان».

    ان الحسين لم يكن ذا مال لينافس الامويين وبيدهم خزائن الاموال، ولم يكن ليتجافى عن روح الإسلام وتعاليمه فيجلب الناس بالعنف والارهاب، ولذا فليس من المعقول ان يطلب نصراً سياسياً آنياً في مجتمع لا يحارب إلاّ في سبيل المال وبالمال، أو بالقسر والارهاب. ولكن كان بوسعه ان يقوم بعمله الذي قام به ليهز اعماق هذا المجتمع، وليقدم له مثلاً اعلى طبع في ضمائر افراده بدم ونار..

    ومن هنا يمكن القول بأن فاجعة كربلاء دخلت في الضمير الاسلامي آنذاك وانفعل بها المجتمع الاسلامي بصفة عامة انفعالاً عميقاً. ولقد كان هذا كفيلاً بأن يبعث في الروح النضالية الهامدة جذوة جديدة، وان يبعث في الضمير المشلول تحييه، وان يبعث في النفس ما يبعثها إلى الدفاع عن كرامتها.(2)

    ان الامام الحسين (ع) قدّر ان استشهاده في كربلاء سيكون الهزة العنيفة

    _____________________________

    1- محمد مهدي شمس الدين، ثورة الحسين.. ظروفها الاجتماعية وآثارها الإنسانيّة، ص 199.

    2- المصدر السابق، ص 201 ـ 205.



    للمجتمع الاسلامي فتحفزه للوثوب الواعي والهزة العنيفة للحكم الاموي فتصدع اركانه.

    وعلى هذا فان الامام الحسين (ع) وجد في نهاية حياته من خلال الثورة والتي كانت خياره الافضل، نقطة انبعاث وهاجة في واقع المسلمين وفي ضمير الاُمّة. فهو عليه السلام انهى حياته في مواجهة آنية وخاطفة في حساب الزمن، لكن امتداداتها ظلت تتفاعل مع الزمن، وتقدم عطاء متزايداً مع تزايد وحداته. انّه من خلال القيمة الفعلية خزن قيمة كامنة هائلة كانت تتفجر مع الزمن بصورة مواقف واحداث حافظت على مسيرة الإسلام، واحبطت المشروع الاموي في تحريف الدين الاسلامي وفي القضاء عليه في النهاية كنتيجة طبيعية للممارسة الاموية في السلطة.

    ان انطلاقة القيم الكامنة للزمن، قد بدأت في واقعة الطف، واستمرت تزداد قوّة حيث كان لمن بقي من أهل البيت عليهم السلام رجالاً ونساءً الدور الفاعل فى تعريف الناس بحجم الصدمة وهذا ما تمثل في الايام الاولى من واقعة الطف من خلال الخطب النارية التي القتها زينب بنت علي عليه السلام والخطب البليغة الرائعة للامام السجاد (ع)، والتي كان لها اكبر الاثر في الهاب المشاعر، وفي كشف بشاعة الجريمة التي تعرض لها الحسين (ع) واصحابه وأهل بيته في كربلاء، وعند عودة الامام السجاد (ع) إلى المدينة، مارس دوره الكبير في الاُمّة، عبر تركيز المفاهيم الإسلامية الاصيلة فكان يربي طليعة من الرساليين الذين يحملون الإسلام بوعي وقوّة

    كما انّه راح يؤكد الجانب التربوي والاخلاقي في حياة الاُمّة من خلال الادعية التي ميزت حياته. فلقد كانت الاُمّة بحاجة إلى وقفة مع الذات ومحاسبة أخلاقية لتعود إلى رشدها، بعد ان انساقت وراء حطام الدنيا، وانجرفت في متاهات السياسة، وتيار الحكم الاموي طمعاً أو خوفاً.

    وتتحدث كتب السيرة والتاريخ عن، السلوك اليومي للامام السجاد زين العابدين (ع) والذي كان يستثمر كل مناسبة وموقف للتذكير بفاجعة كربلاء، حتى تظل شاخصة امام العيان وحية في الوجدان الشعبي. وقد استطاع الامام عبر صبره الطويل وأساليبه الحكيمة ان يدفع بالقيم الكامنة إلى اعلى مستوى، حيث كان الزمن الفعلي يقدم عطاءات القيم الكامنة فيه متمثلة بالثورات والانتفاضات ضد الحكم الاموي المنحرف.

    وبذلك فقد اكمل الامام زين العابدين (ع) المنهج الثوري الذي اختطه الامام الحسين سلام الله عليه من خلال ابقائه روح الثورة حيه في نفوس وعقول ابناء الاُمّة.

    ومع ان الامام السجاد (ع) لم يتصد لقيادة عمل ثوري ضد الامويين لتقديره للظرف الزمني إلاّ انّه كان بأسلوبه الهادىء القوي يعمق خط الثورة في وجدان الاُمّة بنفس الدرجة التي يعمق فيها قيم الإسلام واحكامه وثقافته في الحياة العامة للمسلمين.. وقد تحرك الامام في هذا الاتجاه وسط ضغوطات هائلة كان يتعرض لها من قبل السلطات الاموية، إلاّ ان اسلوبه الواعي تمكن ان يحقق اغراضه، فيصنع عليه السلام قيمة كامنة للزمن على قدر عظيم من الاهمية، كانت تتحول إلى فعل حي ومؤثر في الواقع الاسلامي فيما تلا حياته الشريفة من سنوات.

    وبعد هذا الحديث فان من المنطقي ان نصف هذا الدور من ادوار ائمة اهل البيت (ع) بأنه دور الثورة، لان خط الثورة لم ينته باستشهاد الامام الحسين (ع)، انما ظل يتحرك في الضمير الجماهيري في حياة ابنه السجاد عليه السلام.

    الدور الثالث: (ويشمل حياة الأئمة الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام)

    ان اهم ما يميز هذا الدور، هو تركيز الائمة (ع) على صنع القيم الكامنة للزمن، من اجل تكوين ارضية لواقع قادم تخدم حركة الإسلام، وتمكن طلائعه من تغيير الاُمّة على اساس الشمول والاصالة وعمق وامتداد الوعي الاسلامي. وقد اعتمد الائمة (ع) هذا الاسلوب لعاملين اساسيين:

    الأوّل: ان الظروف السياسة كانت على درجة كبيرة من القلق والاضطراب. فالى جانب الإرهاب الأموي، كانت هناك مخاضات تجري تحت السطح، وتنذر بتحول خطير على مستوى الحكم. ومن الطبيعي ان يرافق ذلك جو من الارتباك وعدم الاستقرار. يفرض آثاره على الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للدولة. مما يجعل من حركة الائمة حركة حساسة، لانها مرصودة من قبل السلطة التي تتحسس الحركات المعارضة ومرصودة أيضاً من قبل رجال التحرك العباسي المتوثبين للسيطرة على السلطة واستلام الحكم.

    ومن هنا فلم يكن ممكناً، للائمة ان يمارسوا دوراً مباشراً في الاحداث السياسية، باعتبار ان الموقف الآني الصادر منهم، سيواجه من قبل طرفي الصراع، وستضيع آثاره وسط الاضطراب العام.

    الثاني: كانت الفاصلة الزمنية تتسع بين زمن الرسول (ص) وبين مجتمع المسلمين، وقد افرزت هذه الفاصلة انحرافات على صعيد الفكر الاسلامي، وراحت تتحول مع عامل الزمن إلى اتجاهات فكرية وعقائدية وسياسية نشطة في الواقع الاسلامي وقد تغذت هذه الاتجاهات من حالة التراخي الفكري في الاُمّة الإسلامية، والتحلل الاخلاقي للحكام، سواء الحكومة المركزية أو الولايات التابعة لها.

    كما ان منهج التحريف الذي ابتدأه معاوية واكمله من جاء بعده، اخذ يعطي نتائجه على الواقع وكان الزمن يحول الانحراف البسيط إلى خط صعب في الحياة الاجتماعية، كما هي الحالة في مظاهر التحريف المنهجي والفكري حيث تعتمد على عامل الزمن في بلورتها وتقويتها. فالأحاديث الموضوعة عن الرسول (ص)، اصبحت مع الزمن ظاهرة خطيرة في الحياة الإسلامية، لان الحديث المصدر الثاني في التشريع الاسلامي، وعندما يُحرف الحديث، وتختلق عشرات الآلاف من الاحاديث الكاذبة، فان بالامكان تصور حجم الكارثة التي تهدد الإسلام كشريعة للحياة فضلاً عن العقائد والمفاهيم والافكار. وعلى هذا فان مهمة الائمة (ع) في هذا الدور كانت متركزة حول اعداد الطليعة الفكرية والنخبة الرسالية الواعية التي تحمل الفكر الاسلامي الاصيل. لتمارس دورها التغييري وسط الاُمّة ومهامها الفكرية والاجتماعية في اقاليمها المترامية.

    وبذلك فقد تجاوز الائمة حواجز المضايقة والرصد واستطاعوا من خلال الطلائع الرسالية ان يتجاوزوا حدود الجغرافيا الضيقة المفروضة عليهم، مثلما تجاوزا حدود الزمن، حيث ان الكتلة الواعية والجماعة المجاهدة، التي تربت في مدرستهم الفكرية والروحية كانت تمثل رصيداً ضخماً في حركة الإسلام الهادفة.

    ان تأكيد الائمة على صنع القيم الكامنة في هذا الدور لا يعني انهم لم يسجلوا قيماً فعلية للزمن الذي عاشوه. اذ ان القيمة الفعلية كانت تتكون كأمر طبيعي للممارسة الآنية للائمة من خلال نشر العلم والمعرفة والتدريس ورواية الحديث(1) والتصدي للتيارات الفكرية المنحرفة(2) لكل ذلك كان يتم بتفاعل قوي مع الظرف الزمني الذي يعيشون فيه.

    لقد طرح الامام محمد الباقر عليه السلام الفكر الاسلامي الاصيل متحدياً الافكار المنحرفة وفرض مدرسته العلمية على الواقع الاسلامي رغم الظروف المضادة. فكان يواجه المنحرفين وأصحاب البدع مواجهات فكرية تزعزع وجودهم واسس أفكارهم، مما جعل عامة المسلمين ينظرون إليه على انّه حامل فكر الإسلام بلا منازع. وهذا ما تتحدث عنه كتب التاريخ والحديث. حيث تذكر مدى احترام الناس له في مناسبات الحج وغيرها، واعداده عليه السلام النخبة من العلماء والرواة يروون عنه عشرات الآلاف من الاحاديث والتوجيهات والاحكام.

    _____________________________

    1- لمزيد من الاطلاع على دور الائمة في التشريع الاسلامي يراجع: هاشم معروف الحسني، تاريخ الفقه الجعفري.

    2- يراجع النوبختي، فرق الشيعة.



    ثم جاء الامام الصادق (ع) ليكمل هذا الطريق. وفي حياته كانت علوم أهل البيت (ع) وخطهم الفكري ينتشر في الآفاق. ومن خلال هذا الاعداد كانت روح الثورة تمتد بعيداً عن المدينة. وقد اهتم الامام جعفر الصادق بهذا المنهج، فلم يستجب للعروض الآنية التي قدمت له ـ ذات القيمة الفعلية للزمن ـ فعندما عرض عليه ابو مسلم الخراساني مسألة تصديه للزعامة السياسية وللسلطة، رفض الامام ذلك بقوله المشهور «لا الزمان زماني ولا أنت من رجالي». ان الامام الصادق (ع) يرى ان الظرف الزمني لا يسمح على أي حال في الاشتراك بمشروع ثوري يستهدف السلطة ويسعى اليها. انّه كان بصدد مشروع تغييري بعيد الأمد لا يتأثر بعامل الزمن تأثراً انفعالياً، انما يحول الزمن إلى قيمة كامنة تخدم مسيرة الإسلام في امتدادات مستقبلية وعلى مر الاجيال.

    وقد تنبه العباسيون فيما بعد إلى دور الائمة في اعداد الطلائع المؤمنة والبؤر المجاهدة، وانهم تجاوزوا الحدود المفروضة عليهم إلى مساحات شاسعة، وان تأثيرهم اصبح عميقاً ممتداً في آفاق الزمن القادم. لذلك لجأت السلطة العباسية إلى اسلوب الارهاب المباشر للائمة (ع) وهذا ما تعرض له الامام موسى الكاظم (ع) الذي قضى سنوات طويلة من عمره الشريف في سجون بني العباس.

    ورغم ان حالة السجن تعطل الفعل الزمني للسجين، وتجعله اسير الوحدة الزمنية. إلاّ ان هذه الحالة لم تنسحب على الامام الكاظم (ع) حيث حوّل عليه السلام الزمن الجامد في السجن إلى قيمة حية متحركة، من خلال اصراره على ابقاء خيط الصلة ممتداً بينه وبين اصحابه عبر قضبان السجن، فكان يمدهم بأفكاره وتعاليمه ووصاياه. كما انّه استطاع من خلال تثبيت المنهج الروحي والمعنوي لحالة السجين. فقد ورد عن الامام عليه السلام انّه كان يحمد الله سبحانه لكونه سجيناً لانه تفرغ للعبادة والدعاء والصبر والتحدي وعدم الاستسلام، فقد كتب يوماً إلى سجانه هارون الرشيد «ما ان ينقضي عنّي يوم من العناء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء فنفضي إلى يوم لا انقضاء له وعندها يخسر المبطلون». انّه حوّل زنزانة السجن المظلم إلى فضاء رحب واسع يتسع لكل تطلعات الفكر والقلب والروح، وجعل من جمود الزمن فيه فرصة زمنية تتيح لتلك التطلعات ان تعبر عن نفسها بحرية وشوق لا تمنعها جدران أو قضبان.

    الدور الرابع: (ويضم حياة الامامين علي الرضا ومحمد الجواد عليهما السلام)

    لعل ابرز ما يميز هذا الدور من حياة أئمة اهل البيت (ع) حالة اللين التي ابداها الحكم العباسي في زمن المأمون تجاه الائمة. وقد استندت نظرة الحكام إلى فهم دور الائمة في الحياة الإسلامية وتأثيرهم الواسع والممتد في مجتمعات المسلمين، رغم الارهاب والمحاصرة والملاحقة.

    ان الادوار السابقة لعمل الائمة كانت تتفجر قيمها الكامنة على هيئة مواقف حية واعية تؤثر في الزمن المعاش وتسبب ازعاجا دائماً للحكم العباسي. حيث كانت مشكلة الشرعية اكبر المشاكل التي يواجهها، بفضل التوعية المبدأية والعقائدية التي مارسها الائمة في الزمن السابق.

    ورغم ان الحكم العباسي استطاع ان يسجل انتصارات متكررة على حركات المعارضة ومحاولات التمرد والانشقاق الداخلية ورغم انّه كان يستند على جهاز عسكري قوي. إلاّ انّه عجز عن مواجهة التحدي الفكري والسياسي، بل انّه وصل في عهد المأمون إلى حقيقة واضحة، وهي ان الارهاب والقمع وأساليب العنف، لا يمكن ان تحسم الصراع الفكري لصالح السلطة، انما العنف يزيد التحدي الفكري صلابة كلما امتد به الزمن.

    ويحلل العلاّمة الشيخ محمد مهدي شمس الدين اسس التفكير الذي استند إليه المأمون في مشكلته الفكرية والسياسية بالقول:

    «لقد ادرك المأمون ان هذا المأزق يجب ان يعالج بوسيلة منسجمة مع طبيعته، انّه مأزق ايديولوجي له مفاعيل سياسية، فلا يعقل ان تعالج مفاعليه دون ان يعالج من اساسه، ووسيلته المناسبة يجب ان تكون ايديولوجية أيضاً».

    وهكذا ولد في ذهنه الحل الايديولوجي وهو اسناد ولاية العهد للامام علي بن موسى بن جعفر (ع) بلقب الرضا.

    ان البراعة في الحل هي ان يعيد الدعوة العباسية من اولها ويعيد الفعالية والاقناع إلى شعار «الرضا من آل محمد» بأسلوب جديد يتجسد في الشخص الذي يمثل «الرضا من آل محمد» في الذهنية العامة للامة، لا بصورة سديمية غامضة، وانما في الشخص المحدد الذي يمثل في مرحلته التاريخية صيغة النص بأكمل صفائها، وان براعة الفكرة هي في انها تقدم حلاً نموذجياً للمأزق ملائماً لاقصى أماني المأمون.

    انها ـ من جهة ـ تعطي الشرعية للقيادة ومن ثم تقضي على المأزق الايديولوجي السياسي، ومن ثم توفر الشرعية لكل المواجهات السياسية والعسكرية مع حركة الثورة. ومن جهة اخرى تؤجل الاستحقاق، فهي ولاية عهد وليست نقلاً للسلطة. وهي ولاية عهد مشكوكة التحول إلى ولاية حكم إذا لاحظنا ان الامام الرضا (ع) كان أسنّ من المأمون بـ «22» عاماً.

    وان براعة الفكرة أيضاً في انها تقلب المعادلة تماماً. فبينما المأزق الايديولوجي هو مأزق المأمون والسلطة العباسية اذ هو يتحول إلى كونه مأزق اصحاب صيغة النص ورمزهم الذي يجسد صيغة النص وهو الامام الرضا عليه السلام.(1)

    ونفهم من كلام العلاّمة شمس الدين ان المأمون بهذه الفكرة، أراد ان يكسب سلطته ثلاثة امتيازات زمنية.

    _____________________________

    1- الشيخ محمد مهدي شمس الدين، ولاية العهد، مجلة التوحيد، العدد 24.



    الأوّل: انّه اراد ان يعالج مأزق الشرعية منذ بداية الدعوة العباسية فيزيل الاّثار المترتبة عبر الزمن على شرعية الحكم العباسي.

    والثاني: انّه اراد ان يضمن موقعه في السلطة بضمان الشرعية لزمن حكمه في الزمن الحاضر.

    والثلث: انّه اراد ان يستغل الشرعية المكتسبة من الامام الرضا (ع) كعامل تحصين للسلطة العباسية يمتد في الزمن القادم دون ان يؤثر جوهرياً على حكم البيت العباسي وموقعه الأول في السلطة.

    ولا نريد هنا ان ندخل في تفصيلات الاسباب التي حملت الامام الرضا (ع) على قبول ولاية العهد، انما سنتحدث عن الاسلوب الذي تعامل به الامام (ع) والذي أحبط به مشروع المأمون(1). لقد اشترط الامام في قبول ولاية العهد، ان لا يتدخل في شأن اداري أو سياسي من شؤون الحكم، ولا يكون له رأي في التعيين والعزل وما إلى ذلك من الشروط التي استفرغت ولاية العهد من مضمونها الرسمي المألوف ولم يبق منها سوى شكلاً صورياً.

    وخلال فترة ولاية العهد كان الامام الرضا، يوضح مسألة الحكم الشرعي في الإسلام. وبكونه من حق اهل البيت دون سواهم. ففي خطبته في مجلس البيعة بولاية العهد امام المأمون واركان السلطة والشخصيات الرسمية والاجتماعية وعامة الناس قال الامام: «ان لنا عليكم حقاً برسول الله ولكم علينا حق به فان أنتم أديتم لنا ذلك وجب علينا الحق لكم».

    وقد استمر الامام في بيان مسالة الامامة وعدم شرعية الحكومات التي قامت والقائمة، لانها مخالفة للنص الذي نطق به رسول الله (ص) والى جانب

    _____________________________

    1- للوقوف على تفصيلات قبول الامام الرضا (ع) بولاية العهد يراجع:

    - جعفر مرتضى العاملي، الحياة السياسية للامام الرضا.

    - محمد جواد فضل الله، الامام الرضا.

    - محمد مهدي شمس الدين (المصدر السابق).



    ذلك جعل الامام ولاية العهد موقعاً منفتحاً على الحياة الفكرية والاجتماعية من خلال اتصاله بأصحاب الاتجاهات الفكرية وقادة الفكر واصحاب الرأي، واستطاع ان ينشر الخط الفكري لأهل البيت (ع) من مركز السلطة العباسية. هذا بالاضافة إلى الفرصة الكبيرة التي أتاحتها ولاية العهد لاتباع اهل البيت (ع) فمارسوا نشاطهم بقوة وفاعلية مستثمرين زمن الانفتاح وانتهاء عهد الارهاب والمطاردة والتقتيل.

    ان المأمون حقق غرضه الذي اراده من وراء اسناد ولاية العهد للامام الرضا (ع) لكنه كان غرضاً آنياً لم يمتد به الزمن طويلاً. في حين استطاع الامام ان يحقق مكاسبه على مدى الزمن البعيد ونذكر هنا ما ذكره العلاّمة شمس الدين في تحديده نتائج قبول الامام بولاية العهد بما يلي:

    1ـ ترسيخ صيغة النص في ذهنية الاُمّة.

    2ـ خلق معارضة داخل النظام على الصعيد الايديولوجي والسياسي والجماهيري.

    3ـ وضع المأمون في موقف دفاعي، فقد رأى المأمون صيغة النص تتفاعل مع المجتمع على الصعيد الشعبي والجماعات الفكرية والسياسية. ونقدم شاهداً عظيم الدلالة على مدى النفوذ الفعلي الذي بلغه الامام الرضا (ع) على المستوى الشعبي ومارسه، وهو الغضبة الشعبية التي اعقبت قتل الفضل بن سهل وهجوم القوات والجند على مقر المأمون بالنيران، بعد ان تحصن منهم، وطلب من الامام ان يتدخل لانقاذه، فخرج الامام اليهم وأمرهم بالتفرق فتفرقوا.(1)

    وقد ادرك المأمون ان ولاية العهد التي ارادها حصناً لسلطته اصبحت مصدر تهديد، ليس لها فحسب، بل للوجود العباسي في السلطة، وان المكسب

    _____________________________

    1- محمد مهدي شمس الدين، المصدر السابق.



    الذي حققه من ورائها قد يتحول إلى هزيمة ذات آثار بعيدة الامد. فتخلص من الامام الرضا (ع) بأن اغتاله بالسم.

    وحاول المأمون بعد ذلك ان يستمد الشرعية لسلطته عن طريق اظهار الود للامام الجواد (ع)، لكن الامام رفض هذا الود المصطنع. فقد زوجه المأمون من ابنته، ام الفضل، وطلب منه ان يقيم في قصوره في بغداد، إلاّ ان الامام اصر على العودة إلى المدينة ليمارس دوره في توعيه الاُمّة، واعداد الطلائع الرسالية كخزين فكري يخدم الاُمّة في المستقبل بعد ان يستكملوا مرحلة الاعداد وتتميز حياة الامام الجواد، بأنها قصيرة من الناحية الزمنية فقد توفي وله من العمر خمس وعشرون سنة(1) والظاهرة الاكثر تميزاً في حياته انّه تولى الامامة بعد وفاة ابيه الرضا (ع) وله ثمان سنوات وهو بذلك اول إمام من الائمة الاثني عشر (ع) يتولى هذا الموقع في سن الطفولة.

    لكن الزمن لم يكن ليحكم قدراته بوحداته المألوفة، اذ ان الامام الجواد مارس مهام الاُمّة بكل ابعادها وتعقيداتها رغم صغر سنه، وقد شهد له كبار العلماء في عصره بسعة علمه وغزارة فهمه، فكان مرجع العلماء في المسائل المستعصية.

    ***

    ان الامام الجواد (ع) برفضه الاقامة في بغداد، بعد زواجه من بنت المأمون يشبه من حيث المنهج، رفض أبيه الرضا (ع) التدخل في شؤون الادارة والحكم بعد قبول ولاية العهد ـ بمعنى ان موقف الامامة في هذا الدور، كان يتركز على تنشيط خط أهل البيت في الفسحة المتاحة من الزمن والتي خلت من الارهاب المباشر والمضايقة العلنية.

    وبعد موت المأمون وتولى المعتصم السلطة أحس بخطره على مركزه في

    _____________________________

    1- الشيخ المفيد، الارشاد، ص 326.



    السلطة وأدرك ابعاد المنهج الذي يعتمده الامام الجواد (ع) فاستقدمه إلى بغداد، وتوفى بعد ذلك بعده شهور وهناك رأي لعدد من المؤرخين يذهب إلى انّه عليه توفي مسموماً.

    وبذلك انتهى هذا الدور من ادوار الائمة (ع) والذي يختلف عن غيره من الادوار بوجود حالة انفتاح مفتعلة اعتمدتها السلطات الحاكمة مع الامامين الرضا والجواد عليهما السلام.

    الدور الخامس: (ويشمل حياة الهادي والعسكري والمهدي المنتظر عليهم السلام)

    يمتلك هذا الدور قيمة زمنية خاصة، تميزه عن الادوار السابقة وهذا ناشيء من تعرض الائمة إلى مضايقة شديدة ورصد قاس من قبل السلطات العباسية ومحاولاتها المتكررة لاغتيال الائمة (ع) في الوقت الذي كان يتجه هذا الدور نحو فقدان الاتصال المباشر بين الامام والاُمّة كما هو الحال في غيبة الامام الثاني عشر غيبته الصغرى ثم الكبرى.. وعليه فان الزمن كان يتجه تدريجياً نحو نهاية الدور الفعلي لعمل الائمة في الحياة الإسلامية وتأثيرهم اليومي في الاحداث والمواقف والافكار. مما فرض ضرورة تصعيد القيم الكامنة باعداد الاُمّة للتكيف مع زمن الغيبة لتواصل طريقها اعتماداً على قدراتها الذاتية ومخزونها الروحي والثقافي في فهم المنهج الاسلامي وفي تحديد اساليب الوصول إلى الاهداف الكبرى للاسلام والاُمّة.

    ***

    ان خطورة هذا التحول وطبيعة النقلة الزمنية التي تنتظر الاُمّة تكشف عن الاهمية البالغة لهذا الدور وجسامة المهام التي نهض بها الائمة (ع) من اجل ايصال الاُمّة إلى مرحلة جديدة تحدث فيها لاول مرة حالة غيبة الامام عن الانصار، وعدم اتصاله بجماهيره. انها بلاشك مرحلة زمنية خطيرة وحساسة.

    وخلال هذا الدور لم تأخذ القيم الكامنة نسقاً واحداً من حيث الكم ومن حيث الممارسة عند الائمة الثلاثة عليهم السلام انما كانت القيم الكامنة تتصاعد مع تقادم عامل الزمن وذلك بحكم الاقتراب الزمني من موعد الغيبة.

    فكان طبيعياً ان يدفع الامام العسكري بالقيم الكامنة الممهدة للغيبة اكثر من أبيه الامام الهادي. وكان من الطبيعي أيضاً ان يدفع بها الامام المنتظر اكثر من ابيه الامام العسكري مع الاخذ بنظر الاعتبار ان حياة كل امام وما تمخض عنها كانت تمثل القيمة الزمنية الكامنة للامام الذي يليه.

    ورغم ان هذه الظاهرة كانت موجودة على امتداد الخط الزمني لحياة الائمة، إلاّ انها كانت اكثر تجسداً في حياة أئمة هذا الدور، نتيجة اقتراب موعد الغيبة الذي يمثل تحولاً زمنياً خطيراً في حياة الاُمّة كلها.

    لقد بدأ هذا الدور في جو ارهابي شديد على ائمة أهل البيت (ع) واتباعهم واصحابهم. حيث كانت عمليات الرصد المتلاحقة والسجن والاعدام تطال شيعة أهل البيت. وكان المتوكل العباسي اشد من سابقيه من الحكام العباسيين قسوة وظلماً وارهاباً.

    فلقد كانت حياة الامام الهادي (ع) محفوفة بالمضايقة والمخاطر، حيث استدعاه المتوكل إلى سامراء ليقيم فيها، وكان غرض المتوكل ان تكون حياة الامام فيها اقامة تضييق وموت.

    اذ ان المتوكل خاف من تأثير الامام على الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، لا سيما وان منهج اهل البيت كان قد اتسع وانتشر في الآفاق الإسلامية، لذلك حاول المتوكل ان يحتفظ تحت رصده وسلطته بالعقل والقلب متمثلاً بالامام علي الهادي (ع) في الوقت الذي اصدر فيه اوامره بهدم قبر الحسين (ع) في كربلاء وملاحقة شيعة علي وانزال اقسى العقوبات بهم.

    يصف ابو الفرج الاصفهاني في تلك الفترة من حكم المتوكل بقوله «وكان المتوكل شديد الوطأة على آل ابي طالب، غليظاً على جماعتهم مهتما بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له ان عبيدالله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسن له القبيح في معاملتهم، فبلغ ان كرب قبر الحسين، وعفى آثاره. ووضع على سائر الطرق مصالح له، لا يجدون احداً زاره إلاّ أتوه به فقتله أو انهكه عقوبة».(1)

    ويضيف الاصفهاني قائلا: «واستعمل على المدينة ومكة عمر بن الفرج الخجي، فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس ومنع الناس من البر بهم وكان ليبلغه ان احداً ابر احداً منهم بشيء. وان قل إلاّ انهكه عقوبة واثقله عزماً حتى القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه واحدة بعد واحدة ثم يرفعنه ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر إلى ان قتل المتوكل».(2)

    بعد قتل المتوكل، ازداد تدهور الاوضاع السياسية في الدولة والمجتمع، وقد انصرف الامام الهادي (ع) في ظل هذا الاضطراب إلى التأكيد على اعداد العلماء والرواة وبث المعارف الإسلامية وفكر مدرسة أهل البيت «الامامة» حتى توفاه الله تعالى.

    وبوفاته انتقلت الامامة إلى ابنه الحسن العسكري (ع) والذي مثّل في هذا الدور المرحلة الانتقالية بين والده الهادي وابنه المهدي المنتظر. وهي المرحلة الحساسة التي كانت تتطلب تهيئة الاجواء للغيبة، وعليه فان الامام العسكري، هو آخر أئمة اهل البيت (ع) الذين عاشوا مع الاُمّة مباشرة ومارسوا دورهم فيها علناً. ولخطورة هذه المرحلة، فان الامام وكما ذكرنا، حاول تصعيد القيم الزمنية باتجاه زمن الغيبة، لتكون الاُمّة مهيأة لتلك المرحلة الجديدة على حياتها العامة.

    وقد تمثل عمل الامام العسكري في هذا الخصوص باعتماد الاسلوب السري في العمل والذي كان من سمات حياته البارزة فقد نظم الامام الحسن العسكري

    _____________________________

    1- ابو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 395.

    2- المصدر السابق، ص 396.



    طريقة عمل الوكلاء وفق اسلوب سري دقيق حفاظاً على شيعة اهل البيت ولضمان وصول التعليمات وتداول الشؤون المختلفة، بعيدا عن رصد السلطات العباسية.

    كما جعل الامام العسكري عثمان بن سعيد العمري نائباً خاصاً له وعرّف بذلك اصحابه في مناسبات عديدة.

    فقد وصفه مرة بقوله عليه السلام «هذا ابو عمرو الامين، ثقة الماضي، ثقتي في المحيا والممات، فما قال لكم فعني يقوله وما ادى فعني يؤدي».(1)

    كما اعتمد الامام على طريقة المراسلة بصورة مكثفة من اصحابه، وكان عليه السلام في مناسبات كثيرة يوصي شيعته بعدم الاتصال به مباشرة وحتى عدم السلام عليه والتحدث معه في الطرق والاماكن العامة. وقد استطاع الامام العسكري بأساليبه ان يحافظ على سرية الاتصال مع جماهير الاُمّة، وان يهيء شيعته نفسياً وعملياً لتلقي تعليماته ووصاياه، والاجابة على اسئلتهم ومتابعة شؤونهم وتفقد احوالهم، دون الاتصال المباشر بشخصه المبارك. وفي ذلك الوقت تمهيد للمرحلة الزمنية القادمة التي ستفرض طبيعتها على الاُمّة، وهي عدم الاتصال المباشر مع امامهم ومن ثم غيبته عنهم.

    وقد تحدثت كتب التاريخ عن الكثير من الممارسات والحالات التي تظهر اعتماد الامام العسكري على مبدأ السرّيّة والكتمان والعمل المنظم في حياته من اجل ان تتحول هذه المبادىء والاساليب إلى قيمة كامنة للزمن القادم.

    وتعرض الامام العسكري (ع) إلى المضايقة والرصد والاعتقال حتى وفاته عليه السلام في سامراء وله من العمر ثمان وعشرون سنة. بوفاة الامام العسكري يكون هذا الدور قد اقترب من نهاياته اذ ان نقلة زمنية هائلة واجهت الاُمّة عند وفاة الامام العسكري (ع) فلم يعد بامكانها الاتصال بالامام ورؤيته والرجوع إليه مباشرة وهي حالة لم تألفها من قبل.

    _____________________________

    1- الشيخ الطوسي، كتاب الغيبة، ص 214.



    ورغم ان الامام العسكري هيأ الاُمّة وشيعته على وجه خاص لتقبل حالة الغيبة إلاّ ان ذلك لم يمنع من تلقي الاُمّة صدمة المفاجأة، فقد حدثت انقسامات في وسط الاُمّة. منها من يقول ان الامام العسكري لم يمت وانّه غاب عن الانظار، ومنها من يقول ان الامام الحسن العسكري توفي ولم يعقبه خلف. ولكن هذه الآراء سرعان ما تآكلت على مر الزمن. وبقي الرأي الاصوب للشيعة الامامية الاثني عشرية التي ترى ان الامام بعد العسكري هو ابنه محمد المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه.

    انقسمت حياة الامام المهدي إلى مرحلتين زمنيتين: الاولى الغيبة الصغرى ودامت حوالي سبعين سنة من عام 260 هـ إلى عام 329 هـ وكان الاتصال يجري مع الامام عبر نوابه الاربعة المعروفين وهم: عثمان بن سعيد العمري، محمد بن عثمان العمري، الحسين بن روح النوبختي، علي بن محمد السمري. والثانية بدأت من عام 329 هـ وما تزال ممتدة إلى الآن.

    كانت الغيبة الصغرى هي آخر صور الاتصال بين الامام والاُمّة. وكانت فترتها آخر ما صنع من قيم زمنية كامنة لجماهير الاُمّة وبانتهائها كانت القيم الكامنة تتحول إلى قيم حية فاعلة على الواقع الاسلامي، واصبح من مسؤولية المسلمين، استنطاق منهج اهل البيت (ع) في ادواره التاريخية المختلفة ليحركوا به زمنهم الحاضر باتجاه المستقبل الذي يريده الإسلام.

    فسلام على الائمة الهداة من آل البيت في الأوّلين والآخرين.
     

مشاركة هذه الصفحة