روائع الإعجاز العلمي

الكاتب : علي فلكي   المشاهدات : 723   الردود : 0    ‏2006-04-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-02
  1. علي فلكي

    علي فلكي عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-28
    المشاركات:
    224
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    روائع الإعجاز العلمي
    في القرآن الكريم
    بقلم المهندس عبد الدائم الكحيل
    Kaheel7@yahoo.com
    مقدمة
    الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا الكون لنتفكر في آياته وعجائبه فنَزداد إيماناً بهذا الخالق العظيم، ونزداد حباً لمن أُنزل عليه أعظم كتاب، النبيّ الأميّ محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
    إن آيات الله تعالى في آفاق العلوم ستستمر حتى يتبيَّن الحقُّ لهؤلاء المشككين بكتاب الله تبارك شأنه. وما المعجزة العلمية القرآنية إلا إحدى آيات الله التي يجب على كل مؤمن أن يتدبرها ليزداد إيماناً بعظمة الخالق سبحانه وتعالى.
    إن مجالات الإعجاز العلمي واسعة ومتجددة، فكل يوم يكشف لنا العلماء عن حقائق علمية جديدة موجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى.
    وقد تناولتُ في هذه السلسلة من المقالات العلمية القرآنية أهمّ الحقائق اليقينيّة الثابتة، في علوم الفلك والأرض والجبال والبحار والأرصاد والفضاء والذرة والنبات والبيئة والطب والهندسة الوراثية وعلم الأجنة.
    وسوف نرى أننا نأتي بالحقيقة العلمية بشكل مبسَّط وسهل ثم نجد في كتاب الله تعالى حديثاً واضحاً عنها، وهذا يثبت أن القرآن دائماً يسبق العلم، بل يتفوق عليه!
    وسوف يتكرر سؤال مهمّ لكل من يشكّ بهذا القرآن:
    كيف استطاع الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وهو النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب أن يتحدث قبل أربعة عشر قرناً عن حقائق علمية وكونية وطبية لا يزال العلم الحديث يكتشفها حتى الآن؟
    والجواب المنطقي هو أن الله جلَّ وعلا هو الذي أوحى إليه هذه العلوم لتكون شاهداً على صدق نبوَّته في عصرنا هذا، ولتكون هذه المعجزات وسيلة وبرهاناً على صدق كلام الحقّ عزَّ وجلَّ، وأن الإسلام هو دين العلم، وأن القرآن هو كتاب الحقائق العلمية.
    المعجزة المتجدِّدة
    يتميَّز كتاب الله تعالى بأنه يخاطب العقل والروح معاً، فيتحدث عن الحقائق العلمية وبالوقت نفسه يدعم هذه الحقائق بالهدف منها، وهو الوصول إلى الله تعالى، أي يتخذ من الحقيقة العلمية وسيلة للتقرب من الخالق جلَّ شأنه.
    وكلما اكتشف العلماء حقائق علمية جديدة كان للقرآن السَّبق في ذلك، فنحن في كتاب الله أمام معجزة متجددة تناسب كل زمان ومكان، فالقرآن كتاب مُعجزٌ للبشر جميعاً كلٌّ حسب اختصاصه.
    فمن أحبَّ أن يعرف نبأ السابقين فليقرأ القرآن، ومن أحبَّ أن يدرك الحقيقة الحاضرة فسيجدها في هذا القرآن، ومن أراد أن يُبحر إلى عالم المستقبل فعليه أن يفتح قلبه أمام هذا القرآن. والميزة التي تميزت بها معجزة سيد البشر عليه الصلاة والسلام، أنها معجزة مستمرة ومتجددة تأتي في كل عصر بإعجاز جديد يناسب لغة هذا العصر.
    فجميع المعجزات السابقة لرسالة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كانت محددة في زمان ومكان، بينما المعجزة القرآنية تجاوزت حدود الزمان والمكان وحتى حدود اللغة. فالحقائق العلمية التي يقررها العلم الحديث هي ذاتها في جميع أنحاء العالم.
    فحقيقة توسع الكون مثلاً هي حقيقة علمية يعترف بها كل إنسان مهما كانت لغته أو عقيدته، وعندما يتحدث القرآن عن هذه الحقيقة بقول الحق تعالى:
    (والسماءَ بنيناها بأيْدٍ وإنّا لموسعون) [الذاريات:51/47] ، إنما يخاطب البشر جميعهم على اختلاف ألسنتهم وعقائدهم ويؤكد لهم أن الله تعالى الذي أنزل هذه الآية هو أعلم بأسرار السماوات والأرض وأن الله غفورٌ لهم على معاصيهم، رحيم بهم برغم إعراضهم.
    لذلك نجد الحق عز وجل قد اختار لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام معجزة القرآن الذي يُتلى إلى يوم القيامة، والذي يتميز بتعدد أنواع الإعجاز فيه. وما الإعجاز العلمي الذي نشاهده إلا نوع من الأنواع اللامنتهية لإعجازات هذا القرآن.


    عبادة التفكر
    تأمل معي هذا النص القرآني الرائع عن التفكر في مخلوقات الله تبارك وتعالى: (ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض) [آل عمران:3/191].
    هذه دعوة من الله تعالى لكل ذي لبّ أن يتفكر في خلق السماوات وخلق الأرض، ونحن من خلال هذا البحث نستجيب لنداء الحق سبحانه لنعيش رحلة ممتعة من التفكر في آيات الله الكونية والعلمية.
    وهذا خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام ينظر في ملكوت السماوات والأرض ليزداد يقيناً بالله تعالى: (وكذلك نُري إبراهيمَ ملكوتَ السماواتِ والأرض وليكون من الموقنين) [الأنعام:6/75].
    هذه الآية العظيمة تؤكد بأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض والتفكر فيها تجعل المؤمن من الموقنين، وما أحوجنا في عصر كهذا لمزيد من اليقين والثقة والإيمان بالله عز وجل ولقائه.
    وقد كان سيدنا رسول الله يستيقظ ليلاً فيخرج ويتفكّر في خلق السماء، فالمؤمن عندما ينظر في خلق الله يدرك عَظَمة الخالق جل جلاله، ويدرك أن كل كلمة في هذا القرآن هي حقٌّ من عند الله تعالى، ويدرك أن قدرة الله أكبر من كل شيء.
    ومن الخطأ الجسيم أن يظن المؤمن أنه ليس بحاجة للإعجاز العلمي ما دام مؤمناً! فالمؤمن بحاجة مستمرة لآيات تزيده ثباتاً على الحق خصوصاً في عصرنا هذا. والمؤمن لا ينبغي له أن يكون في عزلة عن علوم عصره وتطوراته، بل يجب أن يكون سباقاً لهذه العلوم بل يتفوق على غيره.
    إن الذي يتأمل مخلوقات هذا الكون والنظام المحكم الذي قدره الله تعالى لكل نجم وكل مجرة وحتى كل ذرة، يدرك عظمة الخالق سبحانه وتعالى، ويدرك أن الله أكبر وأعظم من أي شيء.وهذا هو هدف التفكر في خلق الله تبارك شأنه، فالمؤمن الذي أحبَّ الله ورضي به ربّاً لا بد أن يكون في شوق لمعرفة المزيد عن هذا الإله العظيم، والتفكر في خلق الله هو وسيلة لمعرفة من هو الله!
    كيف بدأ الخلق
    يدَّعي الغرب اليوم أنه أول من دعا إلى البحث العلمي في كشف أسرار الكون ونشوئه. وربما نعجب إذا علمنا أن القرآن الكريم قد سبق العلم الحديث بقرون طويلة لهذه الدعوة ـ الدعوة إلى البحث العلمي ـ ويتجلى ذلك من خلال الآية الكريمة: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) [العنكبوت:29/20].
    إن هذه الآية تدل دلالة واضحة على أن معرفة بداية الخلق ممكنة، لأن الله تعالى يقول. ونحن نعلم اليوم حقائق كثيرة عن بداية خلق الكون، وبدايات خلق الأرض والجبال والحيوانات والإنسان وغير ذلك.
    وهذه نبوءة ومعجزة قرآنية بأنه سيأتي عصر يستطيع الإنسان معرفة بداية خلق الكون. هذا الكون الذي كان يظنّه العلماء حتى وقت قريب أنه ثابت ليس له بداية أو نهاية. ولكن القرآن تحدث عن بدايته قبل حديث العلماء عنه بأربعة عشر قرناً، كما تحدث عن نهايته بدقة تتفوق على العلم الحديث.
    ولكن العلم الحديث علم ناقص! فهو يدرس بداية الخلق ويقف عند هذا الحدّ. ولكن ماذا عن القرآن، وماذا يخبرنا بعد الحديث عن بداية الخلق؟ نتابع في الآية السابقة(ثم الله ينشئ النشأة الآخرة).
    إذن القرآن يحدد بوضوح الهدف النهائي من التعمق في أسرار الكون، وهو إدراك قدرة الله تعالى الذي بدأ هذا الخلق على إعادته يوم القيامة. وهنا تتضح لنا حقيقة جديدة وهي أن القرآن يتخذ من الحقائق العلمية سبيلاً إلى الرجوع أو الوصول إلى الله تعالى وقدرته، لذلك نجد أن الآية السابقة قد خُتمت بقوله تعالى (إن الله على كل شيء قدير)!
    إن القرآن لا يترك الإنسان حائراً كما يفعل العلم الحديث.بل هو شفاء ورحمة للمؤمن، أما الذي لا يؤمن بهذا القرآن فأنى يستفيد منه، بل سوف يكون حجة عليه يوم القيامة. لنكتب الآن الآية كاملة (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير). فإذا سرنا في الأرض وتأملنا آيات الله في هذا الكون وتعرَّفنا إلى بداية نشوء الكون مثلاً، فلا بد أن نعلم بأن الذي خلق الكون قادر على إحياء الموتى ومحاسبتهم وأن قدرة الله لا تحدها حدود. أليست هذه الآية دعوة صريحة للبحث العلمي؟
    مواقع النجوم
    الضوء مخلوق كسائر مخلوقات الله تعالى، لا ينتقل بلمح البصر بل يسير بسرعة محدودة، تمكن العلماء في مطلع القرن العشرين من قياس هذه السرعة بدقة فكانت بحدود (300) ألف كيلو متراً في الثانية الواحدة.
    إذن في كل ثانية يسير الضوء مسافة قدرها (ثلاث مئة) ألف كيلو متراً. وهذا يعني أننا لو أرسلنا شعاعاً ضوئياً نحو القمر فإنه سيصل إلى سطح القمر خلال ثانية وربع!
    أما الضوء الذي يأتينا من الشمس فإنه يستغرق (8) دقائق حتى يصل إلينا، خلالها يقطع مسافة قدرها (150) مليون كيلو متراً هي المسافة التي تفصلنا عن الشمس.
    أما أقرب النجوم إلينا فإنه يبعد عنا مسافة يحتاج الضوء ليصل إلينا مدة مقدارها أكثر من أربع سنوات!
    أما المجرَّة التي تضُم أرضنا فهي مجرة مليئة بالنجوم تحتوي على أكثر من (400) ألف مليون نجم! يبلغ طول هذه المجرة أكثر من مئة ألف سنة ضوئية!! أي إن الضوء يحتاج إلى (100) ألف سنة حتى يقطع هذه المجرة.
    إن السنة الضوئية مصطلح علمي ابتكره العلماء لقياسالمسافات الكونية الهائلة. فإذا علمنا بأن الضوء يقطع مسافة (300) ألف كيلو متراً في الثانية، فإنه يقطع خلال سنة كاملة أكثر من: (9) مليون مليون كيلو متراً!
    إن أبعد مجرة عنا يبلغ بعدها أكثر من عشرين ألف مليون سنة ضوئية! وهذا يعني أن هذه المجرة لو انفجر نجم فيها اليوم فلن يصلنا ضوء هذا الانفجار إلا بعد مضيّ عشرين ألف مليون سنة! وسبحان المبدع العظيم، كل هذه المجرّات خلقها الله تعالى فلا نجد فيها خللاً ولا نقصاً ولا عيباً، ألا يدل هذا الخلق على الخالق العظيم؟
    يقدر العلماء عدد المجرات في الكون بأكثر من مئتي ألف مليون مجرة، كلها تسير بنظام مُحكَم. هذه المجرات يمكن رؤيتها، ولكن هنالك مادة معتمة في الكون لا يمكن رؤيتها أكبر بكثير مما نراه.. فكم هذا الكون عظيم؟
    لذلك فقد أقسم الله تبارك وتعالى قَسَماً عظيماً بمواقع هذه النجوم على أن القرآن حقّ وأنه كتاب كريم منَزَّل من رب العالمين، يقول عز وجل: (فلا أقسم بمواقع النجوم) [الواقعة:56/75].
    هذا قَسَم أقسمَهُ الله عز وجل وسمَّاهُ قسماً عظيماً، ولم يكتشف العلم عَظَمة الكون والنظام الكوني إلا بعد أربعة عشر قرناً! أليست هذه الآيات دليلاً مادياً على صدق كلام الله؟
    المشارق والمغارب
    كلما اكتشف العلم شيئاً جديداً وجدنا أن للقرآن سبقاً وإعجازاً في ذلك. فعندما وجد العلماء أن الشمس تجري بسرعة كبيرة، وأن هذا الجريان لن يستمر للأبد، إنما سوف تستقر هذه الشمس في منطقة محددة وفي زمن محدد.
    هذا الكشف تحدث عنه القرآن بأربع كلمات في قمة الإيجاز والإعجاز، يقول تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها) [يس:36/ 38]. وهذه دقة لا مثيل لها في أي كتاب من كتب البشر.
    إن جريان الشمس هذا ضمن مسار محدد لا يقتصر على الشمس بل كل شيء في هذا الكون يجري بمدار وفلك محسوب ومحدد بدقة بالغة. فالأرض تسبح في فلك محدد حول الشمس والقمر يسبح في مداره حول الأرض. والمجرة التي نعيش فيها وبكل ما فيها من نجوم تسبح في فلك محدد وهكذا كلٌ يسبح في فلك مرسوم.
    جميع هذه الحقائق وغيرها تحدث عنها القرآن بأربع كلمات أيضاً، يقول عز وجل: (وكل في فَلَكٍ يسبحون) [يس: 36/40].
    وعندما اكتشف العلم أن عدد مشارق الشمس ومغاربها هو عدد لا نهائي لم يكن هذا الكشف جديداً بالنسبة لأعظم كتاب على الإطلاق! يقول عز وجل: (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) [المعارج: 70/40].
    ففي كل لحظة هنالك مشرق ومغرب للشمس بسبب دوران الأرض حول نفسها. فالشمس تطلع على منطقة وفي الوقت نفسه تغيب عن منطقة ثانية وهكذا كل يوم.
    لا يقتصر وجود المشارق والمغارب على كوكب الأرض، بل هنالك الكثير من الكواكب في الكون تخضع أثناء دورانها حول نفسها لمشارق ومغارب كل لحظة. وهكذا عدد لا نهائي من المشارق والمغارب.
    ومن هنا ندرك عظمة هذا القسم عندما أقسم الله تعالى بهذه المشارق والمغارب. وربما تكشف الأبحاث عن مشارق ومغارب جديدة لا نعلمها، لتبقى آيات الله مستمرة ويبقى القانون الإلهي قائماً.
    إن العلم الحديث أثبت بالصور الحقيقية المشارق والمغارب، فالذي يتأمل الكون من خارج الكرة الأرضية يدرك مباشرة وجود عدد لا نهائي من المشارق والمغارب. وهذا دليل على أن القرآن صوَّر لنا الكون قبل تصويره من قبل المراكب الفضائية بأربعة عشر قرناً!
    توسّع الكون
    حتى بداية القرن العشرين كان العلماء يظنون بأن هذا الكون ثابت لا يتغيَّر، وُجد هكذا وسيستمر إلى مالا نهاية على ما هو عليه. فالشمس تطلع كل يوم من الشرق وتغيب من الغرب، والقمر أيضاً له منازل محددة طيلة الشهر، وفصول السنة من شتاء وصيف وربيع وخريف تتعاقب باستمرار، والنجوم هي هي.
    في ظل هذه الرؤية، من كان يتخيَّل بأن حجم الكون يكبر ويتوسع باستمرار؟ هل يمكن لعقل بشري أن يتصور بأن السماء كلها تتمدَّد وتتوسع؟ بالتأكيد لا يمكن.
    في النصف الأول من القرن العشرين تم اختراع أجهزة دقيقة قادرة على تحليل الضوء القادم من النجوم البعيدة، وكانت المفاجأة التي أذهلت العالم هي انحراف هذا الضوء نحو اللون الأحمر، ولكن ماذا يعني ذلك؟
    إذا نظرنا إلى نجم عبر التلسكوب المكبِّر وقمنا بتحليل الطيف الضوئي الصادر عنه، لدينا ثلاثة احتمالات:
    1ـ إذا كانت المسافة التي تفصلنا عن هذا النجم ثابتة نرى ألوان الطيف الضوئي القادم منه كما هي.
    2ـ إذا كان النجم يقترب منا فإن الطيف الضوئي في هذه الحالة يعاني انحرافاً نحو اللون الأزرق باتجاه الأمواج القصيرة للضوء، وكأن هذه الأمواج تنضغط.
    3ـ إذا كان النجم يبتعد عنا فإن طيفه الضوئي ينحرف نحو اللون الأحمر، باتجاه الأمواج الطويلة للضوء، وكأن هذه الأمواج تتمدد.
    والنتيجة التي حصل عليها علماء الفلك أن معظم المجرات البعيدة عنا تهرب مبتعدة بسرعات كبيرة قد تبلغ آلاف الكيلومترات في الثانية الواحدة! لذلك نجد ضوءها منحرفاً نحو اللون الأحمر.
    وبعد تطور أجهزة القياس والتحليل وباستخدام برامج الكمبيوتر تم تأكيد هذه الحقيقة العلمية، حتى إننا نجد اليوم أي بحث كوني ينطلق من هذه الحقيقة اليقينية.
    والآن نأتي إلى كتاب المولى عزَّ شأنه، ماذا يخبرنا عالم الغيب والشهادة؟ يقول تعالى عن توسع السماء: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون) [الذاريات:51/47].
    وتأمل معي كلمة التي تعبر بدقة تامة عن توسع الكون باستمرار، فالكون كان يتوسع في الماضي وهو اليوم يتوسع وسوف يستمر كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وهذه التوسعات للكون في الماضي والحاضر والمستقبل تجمعها كلمة واحدة هي.
    في هذه الآية يضيف البيان القرآني شيئاً جديداً قبل الحديث عن التوسع وهو الحديث عن البناء:، وهذه حقيقة كونية أثبتها العلم مؤخراً، وهي أن الكون هو بناء متكامل لا وجود فيه للفراغ أبداً.
    فالطاقة والمادة تملآن المكان كله، ونجد مصطلحاً علميّاً هو (الفضاء)، هذا الفضاء لا وجود له حقيقة، بل كل نقطة من نقاط الكون مشغولة بالطاقة وبأجسام أصغر من الذرة بكثير تسمَّى الأشعة الكونية.
    وهنا يتفوق القرآن على العلم من جديد، فالعلم يتحدث عن (فضاء) والقرآن يتحدث عن (بناء)، وكلمة (بناء) هي الكلمة الأنسب علمياً لوصف السماء. كما أن القرآن تحدث عن إمكانية معرفة بنية السماء، يقول تعالى:
    (أفلم ينظروا إلى السماء كيف بنيناها وزيّنّاها) [ق:50/6].
    حتى إن علماء الفلك اليوم يطلقون على مادة الكون مصطلح (النسيج الكوني)، بعدما ثبت لهم أن الكون ذو بنية نسيجية، وقد لا نعجب إذا علمنا أن هنالك علماً يدرس بناء الكون أو بنيته النسيجية هذه.
    هذه البنية النسيجية تحدث عنها القرآن أيضاً بوضوح! ولكن ما هي الآية التي تقرر هذا النوع من بنية الكون؟ نحن نعلم بأن النسيج يُحبك حبكاً ليصبح متيناً وقابلاً للاستعمال. فالإنسان لا يستفيد شيئاً من خيوط النسيج إذا لم تكن محبوكة ومترابطة لتشكل له لباساً يحتمي به.
    لذلك نجد القرآن يتحدث عن البنية النسيجية بكلمة واحدة هي (الحُبُك) يقول تعالى: (والسماء ذات الحُبُك) [الذاريات:51/ 7]،إذا نظرنا إلى الكون من الخارج رأينا نسيجاً رائعاً متماسكاً ومحبوكاً بدقة فائقة يتألف من آلاف الملايين من المجرات والغبار الكوني وأشياء يعجز العلم حتى الآن عن إدراكها... كل هذا وصفه الله تعالى بثلاث كلمات (والسماء ذات الحُبُك).
    إن الذي دفع العلماء إلى فكرة البنية النسيجية للكون هي الصور الحديثة الملتقطة من المراصد الضخمة، والتي بينت أن هنالك علاقات تربط بين المجرات، أي هنالك قوى تجاذب تربط أجزاء الكون كما ترتبط خيوط النسيج ببعضها.
    وفي هذا المقام نوجه سؤالاً إلى أولئك الذين لا تقنعهم آيات الله عز وجل: إذا كان القرآن من صنع محمد عليه الصلاة والسلام أو أصحابه، فمن أين جاءوا بهذا العلم؟
    إن فكرة البنية النسيجية أو (ذات الحُبك) لم يتم طرحها إلا في أواخر القرن العشرين، أي بعد نزول القرآن بأربعة عشر قرناً، كذلك فكرة البناء الكوني وكذلك توسع الكون وتمدده. ووجود هذه الحقائق في كتاب الله ألا يعني أنه كتاب حقّ بكل ما جاء فيه؟
    معجزة خَلْق الكون
    هل للكون بداية؟ وكيف بدأ الكون؟ وكيف كان شكله؟ ومتى بدأ؟ وإلى أين يسير؟ هذه أسئلة طرحها الإنسان منذ القديم، ولكن لم تبدأ الإجابة عنها بشكل علمي إلا منذ بداية القرن العشرين، فماذا يخبرنا علماء الفلك، وما هي الحقائق العلمية التي وصلوا إليها؟
    منذ حوالي أربعين سنة فقط بدأ العلماء يرصدون الأمواج الكهرطيسية القادمة إلى الأرض، وقاموا بتحليل هذه الأمواج وتبين أنها تعود لآلاف الملايين من السنين!
    معظم العلماء الذين درسوا هذه الظاهرة أجمعوا على أن هذا النوع من الأشعة ناتج عن بقايا انفجار عظيم وعادوا بذاكرتهم إلى بداية الكون وتوسُّعه فاكتشفوا أن الكون كله قد بدأ من نقطة واحدة!
    بما أن الكون اليوم يتوسع باستمرار فلا بد أن حجمه كان أصغر حتى نعود لنقطة البداية، ومن هنا برزت للوجود نظرية الانفجار العظيم التي تفسِّر نشوء الكون من كتلة ذات وزن عظيم جداً، انفجرت وشكلت هذه المجرات ولا يزال الانفجار مستمراً حتى يومنا هذا.
    هذه النظرية أصبحت اليوم حقيقة علمية يقينية تؤكدها كل الظواهر والمكتشفات، ولا أحد يستطيع اليوم أن ينكر حركة المجرات مبتعدة عنا والتي تبلغ سرعتها أكثر من عشرة آلاف كيلو متراً في الثانية الواحدة!
    هذه الحقيقة العلمية نجد حديثاً دقيقاً عنها في كتاب الله تعالى الذي فيه تفصيل كل شيء. يقول عز من قائل: (أولم يرَ الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) [الأنبياء:21/30]، وهنا يتفوق البيان القرآني على حقائق العلم الحديث. فالعلم الحديث يسمى بداية الكون (كتلة) وهذه تسمية غير صحيحة علمياً، فالكتلة لا تشير إلى أي نوع من أنواع البناء أو الحركة.
    بينما القرآن يعطينا مصطلحاً دقيقاً وهو (الرتق) وفي هذه الكلمة نجد إشارة إلى البنية النسيجية للكون، وفيها إشارة إلى وجود النظام منذ بداية الخلق وليس كما يصفه العلماء بأن الكتلة الابتدائية التي خُلِق منها الكون كانت تعجّ بالفوضى!
    وفي كل يوم نجد العلماء يعدلون مصطلحاتهم ويغيرونها بما يتناسب مع جديد الاكتشافات، ولكن الله تعالى خالق هذا الكون والذي يعلم السرَّ وأخفى حدَّد المصطلحات الدقيقة والثابتة منذ بداية نزول القرآن.
    يتابع القرآن تفوقه على العلم من خلال كلمة (ففتقناهما) ففي هذه الكلمة يتجلّى كل النظام في عملية فتق الكون وتشكيل هذه المجرات التي نراها. فالعلم يسمي هذه العملية بالانفجار وكلمة (انفجار) لا تفيد إلا الفوضى، فلا يمكن للانفجار أن يكون منظماً أبداً.
    بينما الكلمات التي يستخدمها خالق هذا الكون والخبير بأسراره هي كلمات واقعية: (الرتق) و(الفتق)، فالنسيج الكوني كان رتقاً ففتقه الله تعالى بقدرته.
    وتأمل معي كلمة (ففتقناهما) كيف تعبر عن طاقة وقدرة عظيمة وصفها الله تعالى ليبدأ بها خلق السماوات والأرض، وإن الكلمات التي يستخدمها العلماء لتعجز فعلاً عن وصف حقيقة الأمر.
    فكلمة (انفجار) لا تعبر تماماً عن ضخامة الحدث، ولا عن حقيقة هذا الحدث، بينما نجد كلمات الله تعالى تعطي الدقة في وصف الحقيقة العلمية:إذن بكلمتين: الرتق والفتق، وصف الله تعالى نشوء الكون، بينما نجد آلاف الأبحاث العلمية في هذا المجال وبالرغم من هذا الكم الضخم من المؤلفات لم يتمكن العلماء من تلخيص نظريتهم عن بداية الكون بكلمات قليلة.
    وهنا تتجلى عظمة وإعجاز القرآن بيانياً وعلمياً، فالإعجاز القرآني لا يقتصر على عرض الحقائق العلمية فحسب، بل يصف هذه الحقائق بدقة بالغة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها.
    وفي هذه الآية أمر لا بد من ملاحظته وهو بداية الخطاب في الآية، فالله تعالى يخاطب بها الذين كفروا، وفعلاً تم اكتشاف بداية الكون على يد غير المؤمنين. فإذا كان القرآن من عند بشر وهو النبي الأمي عليه الصلاة والسلام، كيف علم بأن هذه الحقيقة ستُكشف من قِبَل الملحدين فوجَّه الخطاب لهم؟
    إذن هذه الآية تمثل معجزة علمية، فقد بدأت بخطاب الكفار بحقيقة كونية هم من سيكتشفها، ثم وصَفَت الحقيقة الكونية هذه بأقل عدد ممكن من الكلمات. وخُتمت الآية بالهدف من هاتين الحقيقتين وهو الإيمان بالله تعالى: (أفلا يؤمنون)!؟
    وهذا يدل على أن وجود الحقائق العلمية في كتاب الله تعالى ليس هدفاً بحد ذاته، بل هذه الحقائق وسيلة لهدف عظيم وهو الرجوع إلى الخالق سبحانه وتعالى والإيمان به.
    وهذا يدل أيضاً على أن المؤمن مكلَّف بإيصال هذه الحقائق إلى غير المؤمن، إذن الإعجاز وسيلة ندعو بها إلى الله تعالى.وإذا لم ندرس نحن المؤمنون هذا الجانب الإعجازي المهم ونبلِّغه لغير المؤمنين فمن يفعل ذلك إذن؟
    الدخان في بداية الكون
    يؤكد الباحثون في علوم الفلك والفيزياء الفلكية أن الكون الذي نراه اليوم لم يأتِ فجأة للوجود، بل تدرج على مراحل متعاقبة. ويحدثنا العلماء بنتيجة الآثار التي يرصدونها لأجزاء هذا الكون (من الذرة وحتى المجرة)، أن الكون مرَّ بمرحلة كان مملوءاً بالغازات والأبخرة والغبار الكوني والإشعاعات.
    هذه هي مكونات الدخان، وهذا أفضل وصف للكون في مراحله الأولى بكلمة واحدة وهي (الدخان). وهذه الحقيقة العلمية برزت بعد جهود طويلة في رحلة البحث عن بدايات خلق الكون. بل لم تتضح معالمها إلا في النصف الثاني من القرن العشرين.
    ولكن القرآن العظيم يحدثنا عن تلك المرحلة بقول الحق تبارك وتعالى:
    (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) [فصلت:41/11].
    إذن العلم الحديث يؤكد حقيقته أصل الكون وأنه كان في مرحلة من مراحله الأولى عبارة عن دخان، ويأتي القرآن قبل ذلك بأربعة عشر قرناً ليتحدث عن هذه الحقيقة العلمية بوضوح شديد، أليس هذا برهاناً على عظمة هذا الكتاب وعظمة معجزته الخالدة؟
    والآن بعدما تعرفنا على بداية الكون علميّاً وقرآنيّاً، نطرح سؤالاً: كيف ستكون نهاية هذا الكون؟ وكيف يتحدث العلماء اليوم عن مستقبل الكون، وهل للقرآن معجزة في ذلك؟
    إن هذا الدخان سيعود مرة ثانية وهذا من العلامات الكبرى لقيام الساعة، يقول عز وجل عن ذلك الحدث: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين) [الدخان: 44/10]، ويؤكد العلماء على أن نهاية الكون ستكون بتحول هذه المجرات والنجوم إلى دخان ليعود الخلق من حيث بدأ.
    وسوف نرى من خلال الفقرة الآتية أن الكون كما بدأ من كتلة واحدة ثم انفصلت أجزاؤها وتباعدت، سوف تتكرر هذه العملية بشكل معاكس فتطوى أجزاء هذا الكون طيّاً ليعود كتلة واحدة كما بدأ.
    إن جميع الظواهر الكونية التي يرصدها العلماء اليوم تدل على أن للكون نهاية، فلذلك فقد تفرغ مئات العلماء والباحثين في مختلف أنحاء العالم لدراسة هذه النهاية. وهنالك شبه إجماع على أن التوسع الكوني لن يستمر للأبد، بل تلك اللحظة حيث ينقلب التوسع إلى تقلص آتية، وهذا ما يؤكده كتاب الله تعالى.
    مستقبل الكون
    توسع الكون لن يستمر للأبد، بل سيأتي ذلك اليوم عندما يتوقف هذا التوسع ويعود الكون ليتقلَّص ويصغر حجمه لينتهي عند النقطة التي بدأ منها.
    هذا ما يخبرنا به العلماء اليوم، وهذه هي قناعتهم عن مستقبل الكون من خلال دورة كونية بدأها الكون من كتلة ثقيلة انفجرت وشكلت كل ما نراه اليوم في هذا الكون من كواكب ومجرات وإشعاعات وغازات وغيرها. وسوف تنطوي هذه الأجزاء على بعضها لتعود مرة أخرى فتقترب من بعضها وتشكل كتلة واحدة من جديد، ولكن كيف بدأت قصة هذه النظرية؟
    في أواخر القرن العشرين بدأ العلماء يلاحظون وجود مادة معتمة تنتشر في أرجاء الكون وبين المجرات وبكميات ضخمة. وقدّروا حجم هذه المادة بأنها أضخم بكثير من الكون الذي نراه. إذن المادة التي لا تُرى حجمها أكبر بكثير من المادة التي نراها.
    هذه المادة المظلمة ذات جاذبية تبلغ أضعافاً مضاعفة لجاذبية الكون المرئي. وفي ظل وجود هذه المادة لن تستطيع أجزاء الكون أن تُفلت وتذهب بعيداً، ولن يستمر توسع الكون للأبد، بل عند نقطة حرجة من التوسع سوف يتوقف هذا التوسع، وسوف تبدأ المجرات بالتسارع وتعكس اتجاه حركتها لتعود من حيث بدأت.
    والآن نأتي إلى آية صريحة تحدثنا تماماً عن هذه النهاية ولكن بدقة أكبر، يقول تعالى عن ذلك اليوم: (يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده) [الأنبياء:104].
    سبحان الله العلي العظيم! ما هذه الدقة الفائقة في تحديد نهاية الكون؟ إنها المصطلحات العلمية الدقيقة، إنها فعلاً عملية طيّ لأجزاء الكون، هذا ما تقوله آخر الأبحاث الكونية.
    جميع علماء الكون يصرِّحون بأن الخطوط المستقيمة لا وجود لها في هذا الكون، بل كل شيء منحنٍ. جميع أجزاء الكون من كواكب ونجوم ومجرات ونيازك ومذنبات وإشعاعات وثقوب سوداء... جميعها تتحرك بأفلاك منحنية. لذلك من المنطقي أن تكون نهاية الكون منحنية تماماً كما تُطوى الورقة.
    إن العلماء اليوم يتصورون الكون على أنه مسطح وليس كروياً. والسبب في هذا التصور الظواهر الكونية التي يشاهدونها والتي تدل على ذلك. فالمجرة التي نعيش فيها والتي تُعتبر الشمس أحد نجومها، ليست كروية الشكل، بل هي على شكل قرص قطره أكثر من مئة ألف سنة ضوئية، وسماكته بحدود الثلاثين ألف سنة ضوئية.
    وهكذا جميع المجرات تأخذ أشكالاً حلزونية أو اهليليجية ولكن تبقى قريبة من الشكل المسطَّح. فالسِّجِلّ هو الورقة المكتوب عليها، وعندما تُطوى هذه الورقة فإنها تطوي بداخلها الكلمات المكتوبة وتلفّها لفّاً، وهذا ما سيحدث فعلاً للمجرات عند نهاية الكون حيث ستلتفّ حول بعضها كما تُلَفّ الورقة.
    ويتساءل المرء عن هذه الدقة في وصف مستقبل الكون في كتاب الله تعالى، هل جاءت من عند بشر أم هي بتقدير العزيز العليم؟
    في قوله تعالى ، نجد إشارة إلى أن بداية الكون يمكن تشبيهها بورقة من النسيج الكوني كانت ملتفَّة على بعضها ففتقها الله تعالى وباعد بين أجزائها، وهي لا تزال تُفتح وتتمدَّد حتى يأتي ذلك اليوم لتعود وتلتف وتُطوى.
    فهل ندرك بعد هذه الحقائق قدرة الله تعالى وأنه هو الواحد الأحد؟ وأن القرآن هو كلام الحق عز وجل؟ وهل ندرك أن القرآن هو كتاب الحقائق العلمية؟ وهل تخضع أعناقنا أمام عظمة كلام الحق تبارك شأنه؟
    والسماء ذات الرجع
    من خلال المقالات السابقة رأينا كيف تحدث القرآن عن بداية نشوء الكون، وكيف كان كتلة واحدة ثم انفصلت أجزاؤها وتباعدت، وتحدث القرآن أيضاً عن توسع الكون وأنه دائم الاتساع. ثم نجد في القرآن حديثاً عن نهاية الكون وأنه سيعود من حيث بدأ.
    هذه أحاديث عن بداية الكون وتوسعه ونهايته، ولكن ما هي خصائص ومواصفات ومزايا هذا الكون وما يحويه؟ هذا ما سنكتشفه في الفقرات التالية. فالغلاف الجوي الذي يحيط بنا له مزايا وهو يتألف من طبقات لكل طبقة عملها ووظيفتها.
    سوف نرى بأن القرآن قد تحدث عن كل شيء في هذا الكون حتى أدق الأشياء العلمية مثل نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي وتناقص هذه النسبة مع الارتفاع والصعود إلى الطبقات العليا. حتى الثقوب السوداء التي حيَّرت العلماء لفترة طويلة سوف نرى بأن القرآن تحدث عنها بدقة فائقة.
    طالما استفاد الإنسان من الخصائص التي أودعها الله في ثنايا هذا الكون. وربما يكون من أهم خصائص القرن الواحد والعشرين الذي نعيشه اليوم هو ما يسمى بالاتصالات الرقمية والتي تشهد تطوراً عظيماً كل يوم. ولكن السؤال: كيف يتم نقل المعلومات على سطح الكرة الأرضية بحيث تغطي كل أجزائها؟
    إنها صفة مميزة للغلاف الجوي، وهي عكس وإرجاع الأمواج الكهرطيسية، وهذا ما يتيح التواصل والبث بين قارات هذا الكوكب بلا استثناء.
    يوجد في الغلاف الجوي طبقات متأيِّنة كهربائياً (مكهربة) ميزتها أننا عندما نرسل موجة لاسلكية باتجاهها فإنها تنعكس وترتد تماماً كما يرتد الشعاع الضوئي إذا اصطدم بالمرآة العاكسة، إذن هذه الطبقات تعمل عمل المرايا العاكسة لهذه الأمواج.
    وكما نعلم من قوانين انكسار الضوء، أن الموجة القادمة إلى سطح عاكس ترتد بنفس زاوية ورودها ولكن باتجاه آخر وهذه الخاصية جعلت نقل الرسائل من قارة لأخرى ممكناً بواسطة انعكاس الأمواج هذه.
    ولكن فوق هذه الطبقات هنالك طبقات مغنطيسية تحيط بالأرض من كل جانب مهمة هذه الطبقات عكس وإرجاع الأشعة الكونية القاتلة والقادمة من الفضاء باتجاه الأرض، فتعكسها وتبددها في الفضاء.
    أما أقرب طبقات الغلاف الجوي إلى الأرض فإن لها خصائص مهمة جداً، فهي تعكس حرارة الأرض ولا تتركها تتبدد في الفضاء. وهذا يحافظ على معدل ثابت لدرجات الحرارة على الكرة الأرضية.
    إذن الصفة المميزة للسماء هي إرجاع أو عكس الأمواج على اختلاف أنواعها. وهذه الميزة لم تكتشف إلا حديثاً، بل في كل يوم يكشف العلم جديداً يتعلق بهذه الخاصية، وهي خاصية الانعكاس والتي سماها القرآن بالرَّجع.
    والعجيب أننا نجد في القرآن العظيم حديثاً عن هذه الصفة وأنها صفة مميزة للسماء يقول تعالى: (والسماء ذات الرجع) [الطارق:11].
    وهنا نكرر سؤالنا التقليدي في هذا البحث: من أين جاءت هذه الحقيقة الكونية في كتاب أُنزل قبل أكثر من أربعة عشر قرناً؟ إن الله تعالى الذي خلق السماء هو أعلم بصفاتها وقد أخبرنا عن هذه الصفات لتكون برهاناً لنا على أن كل كلمة في هذا القرآن هي حقٌّ من عند الله عزَّ وجلَّ.
    السقف المحفوظ
    لا يخفى على أحد منا أهمية الغلاف الجوي الأرضي بالنسبة للحياة على ظهر هذا الكوكب. وكلما تقدم العلم كلما اكتشف خصائص ومزايا لهذا الغلاف العجيب الذي لولاه لما ظهرت الحياة على الأرض.
    يمتد الغلاف الجوي لعدة مئات من الكيلومترات فوق سطح الأرض، وسماكته ضئيلة جداً مقارنة بحجم الأرض التي يبلغ قطرها أكثر من اثني عشر ألفاً من الكيلومترات. ماذا اكتشف العلماء حول الغلاف الأزرق؟
    إن أحدث شيء يقرره العلماء وآخر وصف يصفون به هذا الغلاف هو أنه كالسقف الذي يحمينا في وسط هذا الكون المظلم والبارد فهو يقوم بما يلي:
    1ـ من أهم خصائص الغلاف الجوي أنه يحفظ حياة الكائنات على ظهر الأرض، ففيه الأكسجين اللازم لاستمرار الحياة.
    2ـ يقوم الغلاف الجوي بحفظ وتخزين الحرارة القادمة من الشمس، والمحافظة على حرارة معتدلة ومناسبة للحياة. ولولا هذه الميزة لأصبح كوكب الأرض كالقمر، درجة الحرارة على أحد وجهيه أكثر من مئة درجة، وعلى الوجه الآخر أقل من مئة درجة تحت الصفر.
    3ـ ملايين الأحجار النيزكية تهوي على الأرض كل يوم، جميعها يتصدى لها الغلاف الجوي فتحترق بسبب احتكاكها معه قبل أن تصل إلى الأرض إلا القليل منها.
    4ـ يتصدى هذا السقف الرائع لجميع الإشعاعات الضارة التي لو وصلت إلى سطح الأرض لأحرقت من عليها. منها الأشعة فوق البنفسجية الخطيرة، الأشعة الكونية الأخطر. فلا يصل من هذه الإشعاعات للأرض إلا الجزء الضروري واللازم لاستمرار الحياة.
    5ـ كما أن الأرض تتمتع بحزام مغنطيسي قوي لأكثر من ألفي كيلو متر فوق سطحها، هذا الحزام يقي الأرض من كثير من الجسيمات الأولية السابحة في الفضاء.
    وبعد هذه الحقائق التي تؤكد أن السماء التي فوقنا تحمينا من كثير من الأضرار، أليست هذه السماء هي سقف محفوظ بعناية الله يحفظنا ويحافظ على حياتنا؟
    إن هذا الوصف موجود في كتاب الله منذ أربعة عشر قرناً، يقول تعالى: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) [الأنبياء:32].
    لنتأمل هذا التعبير العلمي: (السقف المحفوظ) كيف جاء هذا التعبير الدقيق في كتاب أُنزل في عصرٍ لم يكن فيه من العلوم إلا الأساطير؟ في ذلك الوقت لم يكن أحد يعلم بوجود غلاف جوي للأرض. فمن الذي أخبر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بهذا السقف المحفوظ؟؟
    كأنما يصّـعّد في السماء
    طالما حلم الإنسان بالصعود إلى السماء والارتفاع فيها، ومنذ آلاف السنين بذل البشر المحاولات العديدة لذلك، ولكن كلها باءت بالفشل حتى جاء القرن العشرين حيث أمكن دراسة طبقات الجوّ وتركيبها واستغلال هذه المعرفة في الطيران والصعود إلى الفضاء.
    منذ مطلع القرن العشرين قام العلماء بدراسة بنية الغلاف الجوي بشكل علمي وأثبتوا أنه يتركب من الأكسجين والنتروجين بشكل أساسي.
    غاز الأكسجين هو الغاز الضروري للحياة، فلا يستطيع الإنسان العيش من دونه أبداً ونسبته في الهواء (21) بالمئة تقريباً، ونسبة النتروجين(78)بالمئة، ونسبة من غازات أخرى كالكربون وبخار الماء بحدود (1) بالمئة.
    هذه النسب لو اختلت قليلاً لانعدمت الحياة على سطح هذا الكوكب. ولكن الله برحمته وفضله ولطفه بعباده حدَّد هذه النسب بدقة وحفظها من التغيير إلا بحدود ضيقة جداً.لقد حفظ الله تعالى السماء (أي الغلاف الجوي) وجعلها سقفاً نتقي به شرَّ الأشعة الخطيرة القادمة من الشمس فيبددها ويبطل مفعولها، لذلك فهذه السماء تحافظ على حياتنا على الأرض.
    ولكن قانوني الجاذبية والكثافة اللذين سخرهما الله لخدمتنا يجعلان من الغلاف الجوي طبقات متعددة، لكل طبقة خصائصها وميزاتها وفائدتها.
    فقانون الجاذبية الأرضية يؤدي إلى إمساك الأرض بغلافها الجوي أثناء دورانها في الفضاء. ويبقى هذا الغلاف الجوي ملتصقاً بالكرة الأرضية رغم مرور ملايين السنين على وجوده. هذا بالنسبة لقانون الجاذبية فماذا بالنسبة لقانون الكثافة؟ لقد اكتشف العلماء أن السوائل الأثقل تهبط للأسفل والأخف تطفو للأعلى. لذلك عندما نضع الماء مع الزيت في كأس نرى أن الزيت قد ارتفع للأعلى وشكل طبقة فوق الماء، وذلك لأن الزيت أخف من الماء.
    هذا ينطبق على الغازات، فالغاز الأخف وزناً أي الأقل كثافة يرتفع للأعلى، وهذا ما يحصل تماماً في الغلاف الجوي فالهواء القريب من سطح الأرض أثقل من الهواء الذي فوقه وهكذا.
    إذن هنالك تدرج في كثافة ووزن وضغط الهواء كلما ارتفعنا للأعلى حتى نصل إلى حدود الغلاف الجوي حيث تنعدم تقريباً كثافة الهواء وينعدم ضغطه.
    إن هذه الحقيقة العلمية وهي نقصان نسبة الأكسجين كلما ارتفعنا في الجوّ قادت العلماء لأخذ الاحتياطات أثناء سفرهم عبر السماء. حتى إن متسلقي الجبال نراهم يضعون على أكتافهم أوعية مليئة بغاز الأكسجين ليتنفسوا منه في الارتفاعات العالية حيث تنخفض نسبة الأكسجين في أعالي الجبال مما يؤدي إلى ضيق التنفس.
    إن أول شيء يحسُّ به الإنسان أثناء صعوده لأعلى ضيق في صدره وانقباض في رئتيه، حتى يصل لحدود حرجة حيث يختنق ويموت.
    هذه الحقيقة العلمية لم تكن معروفة أبداً زمن نزول القرآن العظيم. لم يكن أحد يعلم بوجود غاز اسمه الأكسجين، ولم يكن أحد يعلم أن نسبة الأكسجين تتناقص كلما ارتفعنا في طبقات الجوّ، لم يكن أحد يعلم التأثيرات الفيزيائية على صدر الإنسان ورئتيه نتيجة نقصان الأكسجين.
    إلا أن القرآن الكريم كتاب الله عز وجل وصف لنا هذه الحقيقة العلمية بدقة فائقة من خلال تشبيه ذلك الإنسان الذي أضلَّه الله بإنسان يعيش في طبقات الجوّ العليا كيف يكون حاله؟ إنه لا يستطيع التنفس أو الحركة أو الاستقرار فحالته مضطربة وحالة صدره في ضيق دائم حتى يصل للحدود الحرجة فهو أشبه بالميت.يقول عز وجل: (ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجاً كأنما يصّـعّد في السماء) [الأنعام:125].
    إذن قررت هذه الآية قانون كثافة الهواء الذي يقضي بنقصان نسبة الهواء كلما ارتفعنا في الجوّ. إنه الله تعالى الذي وصف لنا حقيقة علمية استغرق اكتشافها مئات السنوات بكلمات قليلة وبليغة: (يجعل صدره ضيّقا حرجاً كأنما يصّـعّد في السماء)، ثم انظر إلى كلمة(يصّعّد) المستخدمة في الآية والتي تناسب تغير السرعة أثناء الصعود إلى الأعلى. فنحن نعلم أن الجسم الذي يسقط من أعلى لأسفل لا يسقط بسرعة منتظمة ؛ بل بسرعة متغيرة بسبب التسارع الذي تمارسه الجاذبية الأرضية على هذا الجسم.
    كذلك عملية الصعود من أسفل لأعلى بعكس جاذبية الأرض، تتم بسرعة متغيرة وهذا يناسب كلمة (يصّعّد) بالتشديد للدلالة على صعوبة الصعود وقوة الجاذبية الأرضية وتغير سرعة الصعود باستمرار. وهذا يعني أن الآية قد تحدثت عن تسارع الجاذبية الأرضية أيضاً من خلال كلمة ، فهل جاءت كل هذه الحقائق العلمية في آية واحدة عن طريق المصادفة؟
    فمن الذي أنبأ محمداً عليه الصلاة والسلام بهذا القانون الفيزيائي؟ ومن الذي أخبره بأن الذي يصعد في السماء يضيق صدره ويعاني من حرج شديد وصعوبة في التنفس؟
    نبوءة بعصر الفضاء
    طالما راود الإنسان حلم الصعود إلى الفضاء الخارجي، وطالما فكَّر في وسيلة تجعله يخرج من نطاق جاذبية الأرض ليكتشف أسرار السماء وما فيها.
    ولكن هذا الحلم لم يبدأ بالتحقق إلا في نهاية القرن العشرين عندما بدأت رحلة البحث العلمي، وبدأ آلاف العلماء في مشارق الأرض ومغاربها بكتابة أبحاثهم وإجراء تجاربهم حول آلية الخروج من الأرض، وما هي الخطوات التي يجب سلوكها لتحقيق ذلك.
    ولو سألنا العلماء المختصين بإطلاق المراكب الفضائية وتصميمها عن أهم شيء يصادفهم حتى تكون الرحلة ناجحة فسيجيبون بأمرين:
    أولاهما أن خروج المركبة الفضائية من نطاق جاذبية الأرض يجب أن يتم من أبواب أو منافذ محددة للغلاف الجوي.
    والأمر الثاني هو أن حركة المركبة في الفضاء يجب أن تكون حركة منحنية تعرجيه وليست مستقيمة.
    ولكن لماذا هذين الاعتبارين؟ إن الغلاف الجوي مُحَاط بحقول جاذبية ومغنطيسية وإذا لم يتم إطلاق المركبة من نقطة محددة فسوف تنحرف عن مسارها بفعل هذه الحقول وتفشل الرحلة.لذلك يقوم العلماء بدراسة النقاط المحددة للغلاف الجوي والتي يمكن أن تنطلق منها المركبة الفضائية.
    ولكن ما هو شكل الطريق الذي تسلكه هذه المركبة؟ بالطبع هو طريق متعرج والسبب في ذلك لتحاشي حقول الجاذبية التي تمارسها الشمس والقمر وبقية كواكب المجموعة. فحركة المركبة الفضائية في الفضاء حساسة جداً لدرجة أن العلماء قد يضطرون لتغيير مسار المركبة وإطالة طريقها ملايين الكيلومترات تحاشياً لحقل جاذبية ما، أو للاستفادة من حقل آخر في تحريك المركبة.
    ثم إن منافذ الغلاف الجوي ليست دائماً مفتوحة، بل تتغير مع حركة دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وكأنها بوابات تُفتح وتُغلق.
    ومن الأشياء العجيبة التي حدثنا عنها القرآن في آية واحدة هذين الأمرين:
    ـ أبواب الغلاف الجوي (أبواب السماء).
    ـ الحركة التعرجية في الفضاء.
    يقول عز وجل مخاطباً أولئك المشككين بصدق القرآن وصدق من أُنزل عليه القرآن: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلّوا فيه يعرجون) [الحجر: 14]. وهنا نلاحظ أن الآية تحدثت عن فتح باب من أبواب السماء، وتحدثت عن حركة من يصعد من هذا الباب وهي حركة تعرجية (يعرجون).
    وهنا يجب أن نقف عند هاتين المعجزتين في آية واحدة: لو كان هذا القرآن من عند محمد عليه الصلاة والسلام، كيف استطاع معرفة أن للسماء أبواباً تُفتح وتغلق، وأن الحركة في السماء هي حركة متعرجة؟ إذن الذي علم محمداً  هو الله تعالى.
    ولكن هؤلاء الكفار الجاحدين برسالة الله وآياته، ماذا سيقولون لو أن هذا الأمر تحقق بخروجهم إلى السماء؟ إن الشيء الذي أخبرنا به رواد الفضاء الذين صعدوا إلى القمر أن أول ما يصادفهم عند تجاوزهم الغلاف الجوي هو الظلام الشديد الذي يظن معه المرء أن بصره قد توقف!
    حتى إن الأطباء المشرفين على سلامة هؤلاء الروَّاد وجدوا بأن الإنسان عندما يتحرر من الجاذبية الأرضية يتعطل العصب البصري لديه بشكل مؤقت فلا يعود يرى شيئاً وكأن بصره قد أغلق. هذا يحدث بسبب انعدام الجاذبية والذي يؤدي إلى خلل في الدورة الدموية والتفاعلات الحيوية في جسم الإنسان.
    وسبحان الله العليم الحكيم! يأتي البيان القرآني في الآية التالية ليخبرنا بتصوير فائق الدقة عن هذا الحدث المفاجئ لمن خرج من نطاق جاذبية الأرض، يقول تعالى: (لقالوا إنما سكّرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) [الحجر:15].
    وتأمل معي هذا النص الكريم الذي تضمن ثلاث معجزات علمية نعيد كتابتها:
    ولو فتحنا عليهم باباً من السماء: حديث عن منافذ للغلاف الجوي.
    فظلّوا فيه يعرجون: حديث عن الحركة المتعرجة.
    لقالوا إنما سكّرت أبصارنا: حديث عن الظلام خارج الغلاف الجوي.
    بالإضافة إلى أن هذا النص القرآني هو نبوءة بعصر الفضاء الذي نعيشه اليوم. فقد حدَّد الآلية الهندسية لخروج الإنسان خارج نطاق جاذبية الأرض، وذلك قبل أن يكتشفها مهندسو الفضاء بألف وأربع مئة سنة! أليست هذه معجزة تستدعي النظر والتدبر؟
    القرآن يتحدث عن الثقوب السوداء
    نسمع اليوم بما يسمى (الثقوب السوداء)، والتي بدأت كفرضية ثم أصبحت فيما بعد حقيقة واقعة أثبتتها التجارب حتى إن أحد الباحثين استطاع رؤية ثقب أسود بشكل غير مباشر وذلك في السنوات القليلة الماضية.
    النجوم هي كائنات مثلها مثل أي مخلوق آخر، لها بداية ثم تتطور ثم تموت، والثقب الأسود يمثل المرحلة الأخيرة.
    فعندما يكبر حجم النجم لدرجة هائلة تزداد الجاذبية فيه لدرجة أنه ينضغط على نفسه بقوة عظيمة، وتزداد جاذبيته كثيراً، حتى إنه لا يسمح للضوء بمغادرته!
    فإذا انجذب هذا الضوء لداخل النجم ولم يصل إلينا منه شيء، أصبح هذا النجم مختفياً لا يُرى. لذلك سماه العلماء بالثقب الأسود.
    هذا الثقب مثله كمثل أي جزء من أجزاء الكون، إنه يسير ويجري بسرعة كبيرة في هذا الكون. وبسبب حقل الجاذبية العظيم لهذا الثقب فإنه يجذب إليه كل ما يصادفه في طريقه ويبتلع أي شيء يقترب منه حتى الأشعة الضوئية!
    لقد صدرت آلاف الأبحاث العلمية حول هذه المخلوقات الثقيلة والسابحة في الفضاء. ولو طلبنا من العلماء اليوم أن يعرِّفوا لنا الثقوب السوداء تعريفاً علمياً مطابقاً لأحدث ما وصلوا إليه، فإن هذا التعريف سينحصر في ثلاث نقاط:
    1ـ الثقوب السوداء هي نجوم شديدة الاختفاء لا يمكن رؤيتها أبداً، وهي كثيرة العدد.
    2ـ إنها تسير بسرعات كبيرة لتدور حول مركز المجرة مثلها مثل بقية النجوم.
    3ـ وهي تجذب وتبتلع كل ما تجده في طريقها.
    والآن نأتي لكتاب الله عز وجل لنرى هذه الحقيقة جلية واضحة. يُقسم البارئ سبحانه وتعالى بمخلوقاته العظيمة بأن هذا القرآن حقٌّ، يقول تبارك وتعالى مقسماً: (فلا أُقسم بالخُنّس * الجوارِ الكُنّس) [التكوير:15-16]، وتأمل معي كلمات هذا البيان الإلهي وتدرِّجها ومدى مطابقتها لمعطيات العلم الحديث:
    1-(الخُنّس): هي الأشياء التي لا تُرى أبداً. وهذه الكلمة من فعل (خَنَسَ) أي اختفى ولذلك سُمِّي الشيطان بـ (الخنَّاس) أي الذي لا يُرى.
    2 -(الجوارِ): أي التي تجري وتسير بسرعة منتظمة، وهذه من كلمة (يجري) بحركة محددة.
    3-(الكُنّس): من فعل (كَنَسَ) أي جَذَبَ إليه أي شيء قريب منه وضمَّه إليه بشدة، وهذا ما يحدث فعلاً في الثقب الأسود.
    ليس هذا فحسب، بل إن للقرآن تفوقاً واضحاً على العلم، فالعلم يسمي هذه النجوم بالثقوب السوداء، وهذه تسمية غير دقيقة علمياً. فكلمة (ثقب) تعني الفراغ، وعلى العكس تماماً هذه النجوم ذات أوزان ثقيلة جداً.
    أما كلمة (أسود) فهي أيضاً غير صحيحة علميّاً، فهذه النجوم لا لون لها لأنها لا تُصدر أي أشعة مرئية. وكما نعلم فإن اللون الأسود يمكن رؤيته.
    لذلك فإن كلمة (الخُنَّسْ) هي الكلمة المعبِّرة تعبيراً دقيقاً عن حقيقة هذه المخلوقات. وكلمة (الكُنَّس) التي عبَّر بها القرآن قبل أربعة عشر قرناً عن حقيقة هذه النجوم، نجدها في آخر المقالات العلمية عن هذه الثقوب السوداء، حتى إن أحد العلماء يقول عنها: (إنها تكنُسُ صفحة السماء)! ثم انظر معي إلى كلمة (الخُنَّس) كيف جاءت على صيغة الجمع والتكثير، وهذا ما ثبت فعلاً، ففي نهاية القرن العشرين تبيَّن بأن الثقوب السوداء تملأ الكون!
    وسبحان الخالق العظيم! أليس هذا تطابقاً تاماً مع العلم الحديث؟ في ثلاث كلمات نجد حقيقة علمية استغرق اكتشافها سنوات طويلة، وجاء البيان الإلهي قبل أربعة عشر قرناً ليتحدث عنها، أليس هذا إعجازاً واضحاً؟
    رؤية ثقب أسود
    هذا سؤال حيَّر الباحثين طوال السنوات القليلة الماضية، كيف يمكن رؤية ثقب أسود وهو لا يصدر أي أشعة ضوئية؟
    لقد برزت فكرة عند أحد الباحثين في علوم الفلك وهي أن الثقب الأسود له حجم معين، وهو يسير في أرجاء الفضاء الكوني، ولا بُدَّ أنه سيمرُّ أمام نجم ما فيحجب عنا ضوءه. تماماً عندما يمر القمر أمام الشمس فيحجب ضوءها عنا وهذا ما يسمَّى بكسوف الشمس.
    ولكن التجربة ليست بهذه البساطة، فالأبعاد الكونية واسعة جداً جداً، وهذه الثقوب السوداء قليلة الحجم مقارنة بحجم الكون، فما هو العمل في هذه الحالة؟
    إن المثابرة والاستمرار ويقين هذا الباحث بأن الثقب الأسود لابد أن يمرَّ أمام نجم ما هو الذي أنجح تجربته. فأثناء مراقبته الطويلة لمجموعة من النجوم وإذ بأحد هذه النجوم يختفي ضوؤه فجأة ثم يظهر بعد ذلك. وعندما عرض هذه الصورة على علماء الفلك أجمعوا على أن ضوء هذا النجم قد اختفى بسبب مرور ثقب أسود مما أدّى إلى حجب الأشعة الضوئية الصادرة من ذلك النجم وذلك لفترة من الزمن ثم عودة النجم للظهور من جديد.
    هذه التجربة أثبتت وجود هذه الأجسام في الفضاء وأثبتت حركتها، كما أثبتت ومن نظرية الاحتمالات أن عدد هذه الثقوب السوداء يقدر بالملايين بل بآلاف الملايين!
    أليست هذه التجربة هي برهان على أن القرآن حق، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى؟وبالنتيجة يمكن القول بأن الله تعالى يُقسم بمخلوقاته العظيمة أن القرآن حق وأن الرسول على حقّ. فقد رأينا كيف أقسم الله تعالى بالخُنَّس وهي الثقوب السوداء (فلا أُقسم بالخنّس *الجوارِ الكنّس) [التكوير:15-16]، ولكن السؤال: ما هو الهدف من هذا القَسَم؟ (إنه لقول رسول كريم)! الهدف من هذا القَسَم هو إثبات أن القرآن كتاب الله، وأنه ذكرٌ للعالمين كافة، وفي هذا النص الكريم دليل على أهمية الإعجاز العلمي في إثبات أن القرآن كتاب الله تعالى، وعلى المؤمن أن يسعى في تدبر هذه البراهين العلمية لينال رضا الله عز وجل.
    والنجم إذا هوى
    تأمل معي هذا القَسَم اللطيف من المولى جل جلاله (والنجم إذا هوى): من كان يعلم زمن نزول القرآن بأن للنجوم ولادة وحياة ثم تهوي لتموت؟ لقد ظل البشر يظنون أن النجوم ثابتة حتى أثبت العلماء بأن جميع النجوم في الكون لها حياة وتطور وحركة مستمرة.
    وتأمل معي كلمة (هوى) التي تعبر بدقة عن حقيقة نهاية النجوم. فالنجم عندما يشيخ ويكبُر ينفجر ويولِّد طاقة هائلة وتتفتت أجزاؤه وتهوي على بعضها لتنكمش من جديد مشكّلة الثقب الأسود.
    إذن العلماء يسمون هذه النهاية بموت النجوم، وهذه التسمية خاطئة علمياً وذلك لأن كلمة (موت) تعني انتهاء الحياة والحركة. بينما هذه النجوم على العكس تماماً، عندما تموت فإنها تنفجر وتتولد فيها حركة عظيمة، وأفضل كلمة تعبر عن حقيقة هذه النهاية هي(هوى): أي سقط بسرعة كبيرة وتفرقت أجزاؤه!
    وقد تم التقاط صورة حديثة لانفجار نجم بواسطة الأقمار الاصطناعية، ونرى في هذه الصورة منظراً رائعاً يشبه الوردة الحمراء! والعجيب جداً أن العلماء عندما رأوا هذه الصورة أطلقوا عليها: (وردة حمراء مدهنة)! وهذه التسمية أطلقها كتاب الله قبل العلماء بأربعة عشر قرناً! يقول عز من قائل: (فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) [الرحمن:37]. وسبحان الله العليم! من الذي أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم عن مصطلح علمي لم يتم إطلاقه إلا في نهاية القرن العشرين؟
    إن الله عز وجل يستخدم الإعجاز العلمي كوسيلة للبرهان على يوم القيامة. فعندما نرى صورة النجم المنفجر والتي تشبه الوردة الحمراء، وهي نهاية هذا النجم. وعندما يأتي القرآن ليشبّه نهاية العالم بهذه الوردة المدهنة، فلا بد أن ندرك أن يوم القيامة سيأتي. وأن نهاية السماء ستكون كنهاية هذا النجم.
    آيات أخرى تشير إلى نهاية الشمس وأنها ستتكوَّر ويذهب ضوؤها، وأن النجوم ستنكدر وتتعكر ويذهب ضوؤها أيضاً، وهذا ما تؤكده الأبحاث الكونية في أن الشمس لها نهاية والنجوم لها نهاية أيضاً.
    هنالك حقيقة أخرى: فالقمر الذي نظنه ثابتاً في مداره هو ليس كذلك! فقد اكتشف العلماء أن هذا القمر يبتعد عنا عدة سنتمترات كل سنة، ولا بد أنه بعد ملايين السنين سوف يفلت من مداره ويذهب بعيداً عن الأرض!
    في ذلك اليوم عندما ينفلت القمر من مداره سوف يقع في حقل جاذبية الشمس وبالتالي سينجذب إليها ويجتمع معها وهذا ما نجد حديثاً عنه في القرآن، يقول تعالى (وجُمع الشمس والقمر) [القيامة:9].
    وهكذا لو سرنا عبر آيات القرآن وحقائقه العلمية لوجدنا الكثير من الآيات التي تتحدث عن يوم القيامة وتستخدم الحقائق العلمية كوسيلة لإثبات ذلك اليوم، والسؤال: أليس القرآن هو كتاب الحقائق العلمية؟
    حائط من المجرّات
    معرفتنا عن الكون لا تزال ضئيلة جداً، فنحن نستطيع أن نرى من الكون بقدر ما تسمح لنا به العدسات المكبرة، وهذا مرهون بتطور التكنولوجيا وأجهزة القياس. ولكن ما يهمنا الآن هو الكشف الكوني الجديد الذي رصد حائطاً كونياً من المجرات يبلغ طوله مئات ملايين السنوات الضوئية!
    ونحن نعلم أن الضوء يسير بسرعة تبلغ ألف كيلو متراً في الثانية الواحدة، فانظر كم يقطع هذا الضوء في خمس مئة مليون سنة؟ إنها مسافة لا يمكن لعقل أن يتخيلها ولكنها موجودة وهذا الحائط الضخم من المجرات موجود أيضاً. ولكن هذا ليس كل شيء، فكلما تطورت أجهزة القياس والتحليل الرقمية ووسائل وطرق الرصد الكوني كلما اكتشف العلم مزيداً من هذه المجرات ومزيداً من البنى الكونية الضخمة.
    إن مجموعات المجرات المكتشفة اليوم والتي يسميها العلماء بالجزر الكونية هي بمثابة أبنية ضخمة من النجوم والغبار الكوني والأشعة والسُّحُب وغير ذلك من المواد التي لا يعلمها إلا الله تعالى.
    فإذا ما نظرنا إلى هذا الكون من الخارج رأينا أبنية عظيمة مشيدة، أحجار البناء لهذه الأبنية هي النجوم والمجرات، وكأننا أمام أبراج ضخمة محكمة البناء
    إذن الصفة التي تميز هذه السماء لمن ينظر إليها هي أنها ذات بروج، وهذا ما حدثنا عنه القرآن قبل العلم بزمن طويل. يقول الحق تبارك وتعالى: (والسماء ذات البروج) [البروج: 1].
    وهنا يعجب الإنسان! من الذي يمسك بهذه الأعداد الضخمة من المجرات؟ ومن الذي يتحكم بمصيرها ومستقبلها؟ ومن الذي وضع قوانين تحكم النظام الكوني لكيلا يزول هذا النظام وينهار؟
    وبالنتيجة فإن القرآن قد سبق العلم بأربعة عشر قرناً إلى الحديث عن البنى الكونية وسماها بالبروج للدلالة على ضخامتها وإحكامها، أليس هذا إعجازاً؟
    النجوم الثاقبة
    من الكشوف الكونية التي أثارت ضجة في الأوساط العلمية في النصف الثاني من القرن العشرين، النجوم النيوترونية والمنتشرة في كل مكان في هذا الكون.
    إنها نجوم عملاقة بمفعولها وليس بحجمها فهي نجوم ثقيلة جداً برغم صغرها لأنها تتركب من النيوترونات الثقيلة والمضغوطة على بعضها بشدة، وإذا علمنا أن النيوترون لا شحنة له ويستطيع اختراق أي ذرة دون التأثر بشحنتها، فإن الإشعاعات الصادرة عن هذا النجم تثقب الأشياء ثقباً.
    هنالك صفة ثانية لهذه النجوم وهي أنها تصدر نبضات متقطعة باستمرار ذات صوت عالٍ جداً يطرق صفحة السماء طرقاً.
    إذن نحن أمام نجوم عددها بالملايين في الكون (بل أكثر!)، هذه النجوم لم تكتشف إلا في أواخر القرن العشرين وتتلخص ميزاتها بنقطتين:
    ـ النجوم النيوترونية النابضة ذات صوت عالٍ متقطع يعمل كالمطرقة فهي تطرق السماء طرقاً.
    ـ هذه النجوم تستطيع ثقب أي شيء بسبب وزنها الضخم وانعدام شحنتها فهي نجوم ثاقبة.
    وقد يعجب المرء عندما يعلم بأن القرآن الحكيم تحدث عن هذه النجوم قبل ألف وأربع مئة سنة في مقدمة سورة الطارق حيث يقول البارئ سبحانه وتعالى مُقسِماً بهذه النجوم: (والسماء والطارق. وما أدراك ما الطارق. النجم الثاقب) [الطارق: 1ـ3].
    فما أجمل هذا القرآن! وما أعظم آياته! وما أروع إعجازه! يحدثنا عن كل شيء، فهل يوجد كتاب واحد في العالم يتميز بالحديث عن كل شيء بكلمات قليلة وبليغة؟ نعم! إنه كتاب رب العالمين تبارك وتعالى.
    إن القرآن عندما يسمي هذه النجوم بالثاقبة فإن هذا التعبيرالقرآني دقيق جداً ويعبر تماماً عن حقيقة هذه النجوم وآليَّة عملها في ثقب أي شيء. بينما نجد أن المصطلح العلمي (النجوم النيوترونية) لا يعبر عن شيء، فكلمة (نيوترون) لا تعبر عن حقيقة هذه الأجسام عديمة الشحنة والتي تثقب وتنفذ عبر أي ذرة. لذلك نجد التعبير القرآني (الثاقب) ليس مجرد اسم بل هو اسم وصفة معاً. إذن القرآن يتفوق على العلم الحديث ويسبقه دائماً.
    أقطار السماوات والأرض
    آخر ما يخبرنا به العلم الحديث أن الكون ليس كروياً، إنما هو أشبه بقرص مسَطَّح. وهذا يؤدي إلى اختلاف أقطار الكون، ففي كل اتجاه له قطر يزيد أو ينقص عن القطر باتجاه آخر، وهكذا عدد لا نهائي من الأقطار.
    المجرَّة التي نعيش فيها والتي تُعتبر الشمس إحدى نجومها أيضاً مختلفة الأقطار. فهي على شكل قرص ضخم قطره الأكبر مئة ألف سنة ضوئية، وقطره الأصغر بحدود ثلاثين ألف سنة ضوئية. وهذه الأرقام تقريبية أما المواقع الحقيقية لهذه النجوم وأبعادها لا يعلمها إلاَّ الله عز وجل.
    كذلك الأمر بالنسبة للأرض، فقطرها الأعظمي بحدود (12756) كيلو متراً باتجاه خط الاستواء، وقطرها الأصغري باتجاه القطبين ينقص (43) كيلو متراً تقريباً ليصبح بحدود (12713) كيلو متراً، وتختلف أقطار الأرض من نقطة لأخرى على سطحها.
    حقيقة اختلاف الأقطار هذه لم تُعرف إلا مؤخراً، ولكن القرآن الكريم حدثنا عنها قبل ذلك بمئات السنين، يقول تعالى مخاطباً الإنس والجن ومتحدياً لهم: (يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) [الرحمن: 55/33].
    ولكن هل يستطيع البشر فعلاً أن يخترقوا أقطار السماوات والأرض؟ حتى لو استطاع الإنسان السير بسرعة الضوء فإن عليه المسير لمدة تزيد على عشرة آلاف مليون سنة حتى يصل إلى المجرات البعيدة عنا، وهذا كله دون السماء الدنيا فكيف إذا أراد الخروج خارج هذا الكون، إنه أمر مستحيل علميّاً، وهذا تصديق لكلام الله تعالى.
    كذلك الأمر بالنسبة لأقطار الأرض، فأعمق نقطة استطاع الإنسان الوصول إليها لا تزيد على (12) كيلومتراً في المحيطات، فكيف إذا أراد أن يخترق قطر الأرض والذي يبلغ أكثر من (12000) كيلومتراً؟!
    إن هذه الرحلة نحو نواة الأرض مستحيلة علمياً، والسبب أن الضغط الهائل في طبقات الأرض، ودرجات الحرارة المرتفعة جداً والقادرة على صهر أي شيء لا تسمح للبشر بالولوج والنفاذ إلى عمق الكرة الأرضية.
    طبقات الأرض
    يقول عز وجل في محكم التنْزيل: (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الهه قد أحاط بكل شىء علماً) [الطلاق:12]، في هذه الآية تصريح من رب العزة سبحانه بأن عدد السماوات سبع وعدد الأراضين سبع أيضاً.
    العلم لم يستطع الوصول حتى اليوم إلى هذه السماوات، ولكن العلماء درسوا الكرة الأرضية جيداً بكل طبقاتها وتبين أنها تتركب من سبع طبقات فوق بعضها البعض! وهذه الطبقات مختلفة في سماكتها ودرجة حرارتها وكثافتها وضغطها، فكلما اتجهنا نحو مركز الأرض يَزداد ثقل هذه الطبقات بالتدريج وتزداد الضغوط فيها ودرجات الحرارة. هذه الطبقات على التسلسل من السطح نحو المركز هي:
    1- القشرة الأرضية (عشرات الكيلومترات).
    2- الوشاح الأعلى (تصل سماكته حتى كيلومتراً).
    3- نطاق الضعف الأرضي (بحدود كيلومتراً) ويتركب من صخور شبه منصهرة بدرجات حرارة عالية.
    4- الوشاح الأوسط (مئات الكيلومترات).
    5- الوشاح الأدنى (مئات الكيلومترات).
    6- النواة الخارجية (مئات الكيلومترات).
    7-النواة الداخلية (أكثر من 1000 كيلومتراً).
    نواة الأرض الداخلية هي مادة صلبة تتركب من الحديد بشكل أساسي، وهذه النواة هي التي تعطي للأرض حقلها المغناطيسي.
    أما الغلاف الصخري للأرض والذي يكوِّن القشرة الأرضية والوشاح الأعلى، هذا الغلاف ليس متصلاً ببعضه بل يشكل ألواحاً تتحرك باستمرار فوق نطاق الضعف الأرضي.
    يفصل بين هذه الألواح صدوع مستمرة تحيط بالألواح من كل جوانبها. هذه الألواح تصطدم مع بعضها عبر ملايين السنين فتشكل سلاسل الجبال، أو تنْزلق على بعضها لتشكل قاع المحيطات.
    وهنا نتذكر تأكيد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على وجود سبع أراضين: (من ظلم قيد شبرٍ من الأرض طوِّقهُ من سبع أراضين) [رواه البخاري].
    و نكرر سؤالنا لكل من لم يقتنع برسالة سيدنا محمد عليه أفضل الصلوات والتسليمات: كيف عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن الأرض تتألف من سبع طبقات؟ أليس هذا الحديث الشريف من دلائل نبوَّة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى؟
    تصدعات الأرض
    بعدما اكتشف العلم كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس برزت أسئلة أهمها: ما هو تركيب هذه الكرة الأرضية وماذا يوجد بداخلها؟
    لقد قادت مسيرة البحث العلمي في علوم الأرض وطبقاتها إلى اكتشاف حقيقة علمية كبرى حول كوكبنا الذي سخره الله تعالى لنعيش فيه.وتتلخص هذه الحقيقة بأن القشرة الأرضية ليست كتلة واحدة، بل هي مجموعة من الألواح متوضعة بجانب بعضها.
    لقد كانت الأرض في بداية خلقها كتلة ملتهبة تسبح قريبة من الشمس وتدور حولها، وبمرور الملايين من السنين ابتعدت الأرض شيئاً فشيئاً عن الشمس مما أدّى إلى تبرُّد طبقتها الخارجية مشكلة هذه الألواح.
    هذه الألواح التي نظنها ثابتة ومستقرة، تتحرك وتعوم على بحرٍ من الحمم المنصهرة. وما البراكين التي نراها إلا نتائج هذه الحمم المنصهرة.
    ولو نظرنا لخريطة الكرة الأرضية ومخطط الألواح لرأينا التصدعات تحيط بجميع هذه الألواح. بل إن الذي ينظر إلى هذه الألواح يظن أنها كانت
    لوحاً واحداً ثم تصدع وتشقق وشكّل هذه الألواح، وقد يكون هذا ما حدث فعلاً في بداية تبرد الأرض.
    هذه التصدعات التي تغلِّف الكرة الأرضية بالكامل لم يكن أحد على وجه الأرض يعلم عنها شيئاً قبل القرن العشرين. ولكن الله تعالى الذي خلق هذه الأرض هو أعلم بما في داخلها، هذا الإله الخالق العظيم حدثنا بدقة تامة عن هذه التصدعات، يقول عز وجل: (والأرض ذات الصدع) [الطارق:11]، هذه الآية ألا تعبر تعبيراً دقيقاً عن شبكة الصدوع الأرضية؟
    إن مدلولات الآية لا تقف عند هذا الحد، بل يخبرنا العلم الحديث بأن جميع أجزاء الأرض تعاني من تصدعات وهزات أرضية مستمرة على مدار الـ (24) ساعة!
    فبعد اختراع مقاييس الهزات الأرضية الدقيقة وتثبيتها في جميع مناطق العالم تبين أن هذه المقاييس تسجل بشكل دائم هزات متنوعة الشدَّة. بالطبع نحن لا نحسُّ بهذه الهزات إلاَّ إذا كانت قوية أو مدمِّرة كما يحصل عند حدوث زلزال مثلاً.
    البحر المسجور
    تمتد التصدعات الأرضية لتشمل قاع البحار والمحيطات، ففي قاع البحار هنالك تصدعات للقشرة الأرضية وشقوق يتدفق من خلالها السائل المنصهر من باطن الأرض. وقد اكتشف العلم الحديث هذه الشقوق حيث تتدفق الحمم المنصهرة في الماء لمئات الأمتار، والمنظر يوحي بأن البحر يحترق! هذه الحقيقة حدثنا عنها القرآن عندما أقسَم الله تعالى بالبحر المسجور أي المشتعل، يقول عز وجل: (والبحر المسجور) [الطور:6].
    إن القرآن لو كان صناعة بشرية لامتزج بثقافة عصره، فمنذ أربعة عشر قرناً لم يكن لدى إنسان من الحقائق إلاَّ الأساطير والخرافات البعيدة عن الواقع، وإن خلوّ القرآن من أيٍّ من هذه الأساطير يمثل برهاناً مؤكداً على أنه كتاب ربِّ العالمين، أنزله بقدرته وبعلمه.
    ولكن قد يتساءل المرء عن سرّ وجود هذه الصدوع. ولماذا جعل الله الأرض متصدعة في معظم أجزائها؟ إن الجواب عن ذلك بسيط، فلولا هذه الصدوع، ولو كانت القشرة الأرضية كتلة واحدة لا شقوق فيها، لانحبس الضغط تحتها بفعل الحرارة والحركة وأدَّى ذلك إلى تحطم هذه القشرة وانعدمت الحياة.
    لذلك يمكن القول إن هذه الصدوع هي بمثابة فتحات تتنفس منها الأرض، وتخرج شيئاً من ثقلها وحرارتها وضغطها للخارج. بتعبير آخر هي صمام الأمان الذي يحفظ استقرار الأرض وتوازنها.
    إن حقيقة البحر المشتعل أو (البحر المسجور) أصبحت يقيناً ثابتاً. فنحن نستطيع اليوم مشاهدة الحمم المنصهرة في قاع المحيطات وهي تتدفق وتُلهب مياه المحيط ثم تتجمَّد وتشكل سلاسل من الجبال قد يبرز بعضها إلى سطح البحر مشكلاً جزراً بركانية. هذه الحقيقة العلمية لم يكن لأحد علم بها أثناء نزول القرآن ولا بعده بقرون طويلة، فكيف جاء العلم إلى القرآن ومن الذي أتى به في ذلك الزمان؟
    إنه الله تعالى الذي يعلم السرَّ وأخفى والذي حدثنا عن اشتعال البحار ويحدثنا عن مستقبل هذه البحار عندما يزداد اشتعالها: (وإذا البحار سجّرت) [التكوير: 81/6]، ثم يأتي يوم لتنفجر هذه البحار، يقول تعالى: (وإذا البحار فجّرت) [الانفطار: 82/3].
    وهنا نكتشف شيئاً جديداً في أسلوب القرآن أنه يستعين بالحقائق العلمية لإثبات الحقائق المستقبلية، فكما أن البحار نراها اليوم تشتعل بنسبة قليلة، سوف يأتي ذلك اليوم عندما تشتعل جميعها ثم تنفجر، وهذا دليل علمي على يوم القيامة.
    من أين جاء ماء الأرض؟
    يؤكد الباحثون في علوم الأرض أن كل الماء الذي نراه في هذا الكوكب قد خرج أصلاً من الأرض نفسها، ولم يأت من مصدر خارجي.
    ففي بداية خلق الأرض كانت الحمم البركانية تتدفق من كل مكان تقريباً على سطح الأرض. استمرت هذه التدفقات لملايين السنين.هذه الحمم الملتهبة تحمل معها كميات معتبرة من بخار الماء الذي كان يصعد لطبقات الجوّ الباردة ثم ما يلبث أن يتكاثف ليعود على شكل أمطار غزيرة تتجمع على الأرض.
    ولولا خروج هذه الكميات الضخمة من الماء ما كانت الحياة لتبدأ على الأرض. فالحياة بدأت في الماء واستمرت حتى يومنا هذا بوجود الماء، ونحن أمام حقيقة علمية وهي أنه حيث يوجد الماء توجد الحياة.
    لذلك نجد علماء الفلك اليوم الذين يبحثون عن آثار للحياة في الفضاء خارج الأرض، إنما يقومون بالبحث عن آثار ماء في هذا الفضاء، لأن وجود الماء هو أقوى مؤشر على وجود الحياة.
    وهنا نجد النظرية القرآنية تحدثنا عن هذه الأشياء بدقة تامة، فالقرآن يؤكد أن الماء خرج من الأرض بقوله تعالى: (أخرج منها ماءها ومرعاها) [النازعات: 31]، وأكد أيضاً أن الحياة خرجت من الماء من خلال قوله تعالى:(وجعلنا من الماء كل شيء حي) [الأنبياء: 21/30].
    كما أكد القرآن أن كميات الماء على الأرض تتوزع بنظام محسوب وليس عشوائياً، يقول تعالى: (ولقد صرفناه بينهم ليذّكّروا) [الفرقان: 25/50]، والعلم يخبرنا بأن كميات الأمطار تتوزع بنظام وكميات المياه تتوزع بنظام. وانظر معي إلى كلمة (صرّفناه) والتي تدل على وجود نظام لتصريف الماء على سطح الأرض.
    الأمر العجيب أن القرآن أشار إلى أن الماء الذي ينْزل من الغيوم يكون ماءً طهوراً خالياً من الجراثيم والمواد الضارة. يقول تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) [الفرقان: 25/48]، وقد ثبت علمياً أن طبقة الأوزون في الغلاف الجوي تقتل الجراثيم الموجودة في ماء المطر. كذلك الأشعة فوق البنفسجية تقوم بتطهير الماء مما علق فيه من بكتريا أو أحياء مجهريه فينْزل الماء طاهراً إلى الأرض.
    إذن القرآن يتحدث عن منشأ المياه على سطح هذا الكوكب، ويتحدث عن توزع منظَّم لهذه المياه على الأرض من خلال كلمة، ويتحدث عن مواصفات هذه المياه. أي أن الحديث شمل: منشأ وتوزع ومواصفات المياه، ألا يدل هذا على أن القرآن كتاب مُحكم علميَّاً؟
    السجلات المحفوظة
    في بداية الألفية الثالثة يكثر حديث العلماء عن الكتب أو السجلات المحفوظة في الأرض، ولكن ما هي هذه الكتب وما هو شكل صفحاتها وما هو شكل كلماتها؟
    منذ (24) ألف سنة مرَّت الأرض بالعصر الجليدي حيث غطى الجليد مساحات شاسعة من الكرة الأرضية وبارتفاع يبلغ آلاف الأمتار. وأصبح علماء المناخ اليوم يخبروننا بدقة مذهلة عن ذلك العصر: حالة الطقس، درجات الحرارة، تركيب الغلاف الجوي، وغير ذلك من المعلومات التفصيلية فكيف استطاعوا معرفة ذلك؟
    عندما قام أحد الباحثين باقتطاع قطعة جليد من الثلوج المتراكمة على جبال الألب تبين أنها تعود لـ (24) ألف سنة مضت وعندما قام بتحليلها واختبارها ظهرت فيها خطوط دقيقة كل خط يصفُ حالة الطقس خلال سنة، ولا يزال الهواء المحفوظ بين ذراتها كما هو منذ تلك الفترة، حتى إنهم أطلقوا على هذه العينة اسم السجلّ المحفوظ!
    العملية ذاتها تكررت مع باحثين في الفضاء عندما قاموا بالتقاط بعض النيازك الصغيرة التي سقطت على الأرض وحلَّلوها فوجدوا في كل جزء
    من أجزائها سجلاً حافلاً بالمعلومات، استطاعوا بواسطته معرفة حالة الكون قبل أربعة آلاف مليون سنة!
    طبعاً هذه المعلومات حصلوا عليها من خلال دراسة بنية هذا النيزك ونوع ذراته وكمية الإشعاع المتبقية فيه، حتى إنهم وجدوا آثاراً لحياة بدائية جاءت من الفضاء!
    وتتكرر هذه العملية مع علماء طبقات الأرض، فقد عرفوا من خلال الصخور عمر الأرض، بل عرفوا أكثر من ذلك، فقد نزل أحد الباحثين إلى أعمق منجم للفحم فوجد مياه متدفقة بشكل دائم.
    وعندما أخذ عينة من هذا الماء وجد أنها تعود لملايين السنوات! وفيها كائنات حية لا تزال كما هي منذ ذلك الزمن تتكاثر وتعيش في ظروف قاسية بانعدام الضوء والهواء. وتعرَّف من خلال تحليل هذا الماء على شكل الحياة في ذلك الزمن وحالة الطقس!
    إن هذا الأمر يتكرر مع الباحثين في تاريخ الإنسان، فقد وجدوا سجلات محفوظة داخل كل خلية من خلايا الإنسان. وعندما وجدوا جمجمة بشرية تعود لأكثر من مئة ألف سنة تبين لهم بنتيجة تحليل ذراتها أن كل شيء موجود ومحفوظ في ثنايا هذه العظام: تركيب ذلك الإنسان الذي عاش قبل مئة ألف سنة، ومواصفاته ومتوسط عمره وحتى نوعية غذائه وشرابه!!
    إذن القاعدة التي نستنتجها من هذه المعطيات أن كل شيء محفوظ بكتاب ولكن حروف هذا الكتاب هي الذرات! وهذه الكشوف حدثت كلها في القرن العشرين.
    وهنا نتساءل: هل يوجد في كتاب الله عز وجل حديث عن هذه الكتب المحفوظة؟ إنها الآية التي ردَّ الله بها دعوى المنكرين للبعث بعد الموت عندما قالوا: فقد استغربوا بعد تحولهم لتراب كيف يعودون للحياة.
    فماذا أجابهم الله عز وجل؟ يقول تعالى: (قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ) [ق: 50/4]. وإذا كنا نحن البشر نستطيع معرفة الكثير من الأشياء عن الماضي من خلال هذه المعلومات المدونة على الذرات، فكيف بعلم الله عز وجل؟
    اختلاف أقطار الأرض
    إن الذي ينظر للأرض من الخارج يراها كرة مستديرة ولا يكاد يحسّ بأي فرق بين أقطارها. ولكن القياسات الحديثة بينت أن هنالك نقصاناً في قطر الأرض عند القطبين.
    فقطر الأرض عند خط الاستواء يزيد على قطرها عند القطبين بحدود (43) كيلو متراً تقريباً، فما هو سرّ هذا التناقص، وهل هو ثابت أم يتغير مع الزمن ولماذا؟
    هذه التساؤلات وغيرها كانت الشغل الشاغل لعلماء الأرض على مدى القرن العشرين. فالأرض تدور حول نفسها بسرعة كبيرة تتجاوز الـ (1600) كيلو متراً في الساعة! وتدور حول الشمس بسرعة هائلة تتجاوز المئة ألف كيلو متراً في الساعة!
    هذا الدوران المستمر على مرّ آلاف الملايين من السنين يؤدي إلى انكماش الأرض وتناقص قطرها عند القطبين بسبب القوة النابذة الهائلة المتولدة عند خط الاستواء. لذلك نجد شكل الأرض بيضوياً وليس تام الاستدارة.
    إن التناقص في قطر الأرض عند طرفيها (القطبين) يتم بمعدل مليمترات كل سنة! هذه المسافة الدقيقة لا يمكن قياسها مباشرة. ولكن تم استنتاجها من خلال الحسابات والأرقام. فهل في كتاب الله حديث عن نقصان الأرض من أطرافها باستمرار؟
    يقول عز وجل في محكم الذكر مخاطباً هؤلاء المشككين بصدق القرآن ويبين لهم حقيقة علمية هم الذين كشفوها: (أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟) [الأنبياء: 21/44].
    وتأمل معي كلمة (ننقصها) التي تعطي معنى الاستمرار. فالأرض كانت تنقص من أطرافها وهي مستمرة في التناقص. وحدَّد القرآن هذا التناقص عند أطراف الأرض عند القطبين المتجمدين الشمالي والجنوبي.
    ولكن دلالات الآية وإعجازاتها لا تقف عند هذا الحدّ. بل هنالك كثير من التناقص في الأرض. فالكرة الأرضية تنفث ملايين الأطنان من فوهات البراكين، ويتسرب جزء منها إلى خارج الغلاف الجوي وهذا نقصان في وزن الأرض باستمرار.
    هنالك نقصان آخر في قمم الجبال التي تنقص باستمرار بفعل العوامل الجوية كالرياح. كذلك يمارس البحر دوره في الحتّ لشواطئه فتتآكل هذه الشواطئ باستمرار وتتناقص. وهذا يعد نقصاناً للأرض من أطراف اليابسة.
    هنالك نقصان آخر في سرعة دوران الأرض. فعند بداية خلق الأرض كانت أكبر من حجمها الحالي بمئتي ضعف تقريباً، وكانت أسرع بعدة مرات.
    وهنالك سلسلة من التناقص الأرضية من حيث المادة والطاقة والمجال المغنطيسي الأرضي وغير ذلك. إذن هذه الآية شاملة لجميع أنواع النقصان الأرضي، وهذا يدل على أن المصطلحات العلمية القرآنية شاملة وتراعي تطور العلم فكلما جدَّ جديد في كشوفات العلم اتضحت أمامنا تفسيرات جديدة للآية لم نكن نعلمها من قبل.
    وهنا يبرز للذهن سؤال: هل يوجد كتاب واحد في العالم كله تتصف كلماته وحجمه بهذا الشمول؟ بل هل يوجد في العالم كتاب واحد إذا قرأته من أوله وحتى آخره لا تجد أي خلل أو خطأ أو تناقض؟
    لذلك وفي عصر كهذا ينبغي على كل مؤمن مخلص ومحبّ لكتاب ربه أن يدرس الإعجاز العلمي لتقوية يقينه وإيمانه وصلته بالله تعالى.
    أدنى الأرض
    من عَظَمة الإعجاز القرآني أنك تجد في كل كلمة معجزة! ومن هذا الإعجاز ما نجده في حديث القرآن عن معركة وقعت بين الروم والفرس في منطقة البحر الميت حيث غُلِبت الروم وانهزموا أمام جيش الفرس.
    بكلمتين فقط حدَّد القرآن موقع هذه المعركة! فقد ثبت تاريخياً المعركة التي جرت بين الفرس والروم عام 619 للميلاد، وقد وقعت هذه المعركة في منطقة قريبة من البحر الميت وقد غُلبت فيها الروم.
    وإذا دققنا النظر في خريطة العالم لوجدنا أن هذه المعركة قد وقعت في منطقة تنخفض عن سطح البحر (392) متراً وهذه المنطقة هي الأكثر انخفاضاً على اليابسة. فأدنى نقطة على سطح الأرض (اليابسة) هي هذه المنطقة. وقد سجلت الأقمار الاصطناعية في نهاية القرن العشرين هذه الحقيقة وهي ثابتة في جميع الخرائط الجغرافية للعالم.
    والآن نأتي لأسلوب القرآن وكيف عبَّر عن هذه المعركة وكيف حدَّد موقعها بدقة، يقول عز وجل في محكم التنْزيل: (غلبت الروم * في أدنى الأرض * وهم من بعد غلبهم سيَغلبون * في بضع سنين) [الروم: 30/1-4]،في هذه الآيات يتضح بجلاء موقع المعركة وهي (أدنى الأرض) أي أخفض منطقة على الأرض.
    وهنا نعجب من هذه المعجزة ونتوجه بسؤال لمن ينكر إعجاز القرآن: إذا كان هذا القرآن من صنع بشر عاشوا قبل أربعة عشر قرناً، كيف استطاعوا تحديد أدنى نقطة على سطح الأرض في ذلك الزمان؟
    إن هذا التحديد الدقيق لأخفض منطقة على اليابسة يدل على أن هذا القرآن من عند الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض، يقول عز وجل:
    في هذا النص القرآني معجزة غيبيَّة، فقد تنبأ القرآن بأن الروم سينتصرون على الفرس في بضع سنين أي من ثلاث إلى عشر سنوات، وقد تحقق هذا الأمر ضمن المدة التي حددها القرآن في سبع سنوات، وهذا من إعجاز القرآن الغيبِي والذي كان سبباً في إيمان الكثير من المشركين.
    إذن في النص معجزتان الأولى علمية تتعلق بتحديد أخفض منطقة على سطح اليابسة، والثانية غيبيّة تتعلق بتحديد انتصار الروم على الفرس في بضع سنين، والسؤال: هل جاء هذا التحديد الدقيق جداً علمياً وغيبيّاً بالمصادفة؟
    الحديد
    إذا تلفتنا حولنا نرى للحديد أثراً في كل شيء اخترعه الإنسان في القرن العشرين. فجميع الآلات والأجهزة يدخل في تركيبها الحديد، جميع وسائط النقل ووسائل الاتصال وغيرها حتى الطعام الذي نأكله واللباس الذي نلبسه وحتى الماء الذي نشرب اليوم وغير ذلك... كل هذه الأشياء تم إعدادها بواسطة آلات صُنعت أساساً من الحديد، فما هو سرّ هذا المعدن الذي يُعتبر سيد المعادن في القرن العشرين؟
    الملفت للانتباه أننا عندما ندرس جميع المعادن نجد أن للحديد خواصاً ينفرد بها وحده. فهو المعدن الوحيد الذي نستطيع أن نتحكَّم بصلابته ومتانته بحدود واسعة من خلال إضافة بعض العناصر مثل الكربون. ولكن ما الذي يعطي الحديد هذه الخواص الفريدة؟
    إنها الطريقة التي تركبت فيها ذرات الحديد، فبين هذه الذرات توجد قوى عظيمة تشدّ هذه الذرات إلى بعضها ضمن مجموعات تسمى جزيئات الحديد. وعندما يضاف عنصر الكربون بنسبة ما فإن ذرات الكربون الأصغر حجماً تتوضع في أماكن محددة بين هذه الذرات لتزيد من قوى الشدّ هذه مما يزيد في مرونة المعدن ومتانته معاً.
    ويمكن القول: في ذرات الحديد وجزئياته بأس شديد، لأن كلمة (البأس) تجمع عدة صفات كالمتانة والصلابة والمرونة، وهذه جميعها موجودة داخل الحديد.
    وهنا تتجلى عظمة القرآن عندما يصف الحديد بأن فيه بأساً شديداً، يقول تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) [الحديد: 57/25]. ولكن هنالك شيء آخر في هذه الآية وهو كلمة (أنزلنا): فهل نزل الحديد فعلاً إلى الأرض؟
    نحن نعلم منذ بداية خلق الكون أن العنصر الأساسي الذي نشأ في بداية الخلق هو الهيدروجين (وهو أخف العناصر في الطبيعة) ثم بدأت العناصر الأثقل بالتشكل نتيجة للاندماجات النووية والحرارة المرتفعة والطاقة الجبارة التي خلَّفها الانفجار الكبير.
    وقد كان يُظن سابقاً أن الحديد الذي على الأرض نشأ من تفاعلات تمت على الأرض. ولكن أحد الباحثين قاس كمية الطاقة اللازمة لتشكل الحديد فوجدها كبيرة جداً، مثل هذه الطاقة لا تتوفر إلا في النجوم الضخمة (التي هي أضخم بكثير من الشمس). وقد قاده هذا الأمر إلى التصريح بأن عنصر الحديد لا يمكن أن يتشكل داخل المجموعة الشمسية أو على الأرض، بل تشكل في الفضاء بدرجات حرارة وطاقة عالية جداً ثم قُذِف به إلى الأرض على شكل نيازك، أي نزل إلى الأرض!!
    إذن في الآية الكريمة إعجازان:
    ـ ثبت علمياً أن الحديد الموجود في الأرض نزل نزولاً من السماء.
    ـ ثبت علمياً أن القوى الموجودة في عنصر الحديد هي قوة شديدة جداً تجمع بين المتانة والمرونة والصلابة وهي ما سماه القرآن بالبأس الشديد.
    ولكن الإعجاز لم ينته، فالوزن الذري للحديد هو على التقريب(57) والعجيب أن رقم سورة الحديد في القرآن هو (57) أيضاً!! أما عدد الإلكترونات في ذرة الحديد فهو (26) إلكتروناً، وهذا ما يسمى بالعدد الذري وهو عدد ثابت لكل عنصر من عناصر الطبيعة. والعجيب أن الآية التي ذكر فيها الحديد في سورة الحديد، رقم هذه الآية مع البسملة هو (26) نفس العدد الذري للحديد!!!
    إن هذه الحقائق العلمية والرقمية تثبت أننا كيفما نظرنا إلى آيات الكتاب العظيم نجدها مُحكمة ومعجزة ولا تناقض العلم الحديث بل تتفوق عليه. وهذا إثبات على أن القرآن كتاب متكامل ومحكم.
    وفي هذا المقام نذكِّر بأن الإعجاز القرآني لا يقتصر على علوم الفلك والأرض والطب وغيرها، بل في كل آية من آيات القرآن هنالك معجزة رقمية مبهرة وبناء محكم يدلّ على أن هذا القرآن كتاب من عند الله تعالى، رتب حروفه وكلماته بنظام رقمي لا يمكن لأحد أن يأتي بمثله! وهذا ما برهنا عليه من خلال أبحاث الإعجاز الرقمي والتي تصدر تباعاً، ويتضمن كل بحث حقائق رقمية مذهلة تدل على عظمة منَزِّل القرآن سبحانه وتعالى.
    كيف مدّ الظلّ؟
    منذ أكثر من ثلاثة قرون أثبت البحث العلمي كروية الأرض، ودورانها حول نفسها، ودورانها حول الشمس. ولكن اتضح فيما بعد أن سرعة دوران الأرض ليست ثابتة! فهي تتباطأ بشكل ضئيل جداً مع مرور ملايين السنين. فماذا ينتج عن هذا الدوران وهذا التباطؤ؟
    لولا دوران الأرض لما تعاقب الليل والنهار، وهذا يؤدي إلى انعدام الحياة على ظهر هذا الكوكب. ثم إن الأرض في بداية نشوئها كانت قريبة جداً من الشمس ثم بدأت بالابتعاد عنها، وأدى ذلك لتباطؤ دورانها حتى أخذت مكانها الملائم لنشوء الحياة. إذن لولا هذا التباطؤ في سرعة دوران الأرض لما قامت الحياة أصلاً عليها.
    إن الأثر الذي نراه لدوران الأرض حول نفسها هو حركة الظلّ وتمدده. ولولا دوران الأرض لم يتحرك هذا الظل ولبقي ساكناً.
    إن الدراسة الدقيقة لسرعة الظلّ تؤدي إلى معرفة سرعة دوران الأرض، وميل محورها. ولكن سرعة تحرك الظلّ ليست ثابتة أبداً بل تتغير لتغير سرعة الأرض وهذا التغير طفيف ويسير جداً، لم يتمكن العلماء من قياسه إلا في أواخر القرن العشرين.
    بل إن الوسيلة الوحيدة اليوم لدراسة المجرات والنجوم هو الضوء الصادر عنها وحركة هذا الضوء على شاشات الكمبيوتر. حتى إن أحدث أبحاث القرن الواحد والعشرين تقترح دراسة ظل الكواكب في النجوم البعيدة بهدف كشفها. فهذه الكواكب لا يمكن رؤيتها إنما يستدل عليها بواسطة الظلّ الذي تولده لدى مرورها أمام النجم.
    والعجيب جداً أن القرآن العظيم يتحدث عن هذه الأمور بوضوح شديد. فالله تعالى يطلب من كل إنسان أن يتأمَّل وينظر كيف مدَّ الله الظلّ (أي حرّكه)، وأن الله قادر على أن يجعله ساكناً.
    ثم أشار البيان الإلهي إلى أن الشمس هي مركز الدوران وهي الدليل على حركة هذا الظلّ. وأن حركة هذا الظلّ تتباطأ بشكل يسير من خلال قبض هذا الظلّ أي إبطاء حركته قليلاً.
    يقول سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً) [الفرقان: 25/45-46].
    وسبحان الله كم تحوي هذه الكلمات الإلهية من حقائق!
    1ـإشارة لحركة الأرض ودورانها مما يسبب حركة الظل وامتداده.
    2ـ إشارة إلى إمكانية سكون الظلّ، أي إيقاف حركة الأرض. وهذا شيء يتحدث عنه العلماء اليوم، فسرعة الأرض تتباطأ باستمرار حتى يأتي يوم تتوقف فيه عن الحركة ويصبح الظلّ ساكناً!
    3ـ إشارة إلى أن مركز الدوران هو الشمس وليس الأرض كما كان يُعتقد سابقاً. فالشمس هي دليل أي هي مركزية، وقد ثبت أن الشمس هي مركز المجموعة الشمسية وجميع الكواكب بما فيها الأرض تدور من حولها بنظام بديع ودقيق.
    4ـ إشارة إلى تباطؤ حركة الظل بشكل يسير، أي تباطؤ حركة الأرض، وهذا ما أثبته العلم حديثاً!
    إذن نحن أمام أربع حقائق علمية في نص قرآني لا يتجاوز السطرين! فمن أنبأ هذا النبي الأمي عليه الصلاة والسلام بهذه الحقائق المذهلة؟ وكيف استطاع هذا الرسول الكريم معرفة حقائق كونية لم تكتشف إلا في القرن العشرين؟ إن التفسير المنطقي الوحيد لوجود هذه الحقائق في القرآن الكريم هو أن هذا القرآن صدر من منَزل هذه الحقائق عزّ وجلّ.
    نشوء الجبال
    القرآن هو بحق كتاب الحقائق العلمية، وهذه دعوة من القرآن لكل ذي بصيرة للتفكر في طريقة خلق الجبال وانتصابها وكيف نشأت. يقول عز وجل: (وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ) [الغاشية: 88/17 ـ 20].
    لقد انتصبت الجبال عبر عشرات الملايين من السنوات، فمنذ بداية خلق الأرض وتبرد قشرتها الخارجية وتشكل الغلاف الصخري المحيط بالأرض تشكلت الألواح الأرضية ذات الحركة المستمرة.
    عبر ملايين السنين تحركت الألواح واصطدمت ببعضها وبرزت بنتيجة التصادم هذه الجبال وانتصبت شيئاً فشيئاً. لذلك نجد القرآن يعبر تعبيراً دقيقاً عن آلية تشكل الجبال بكلمة واحدة نُصِبَتْ!
    الحقيقة الثابتة هي أن هذه الجبال كانت أصلاً جزءاً من القشرة الأرضية (بكلمة أدق القشور الأرضية)، ونتيجة لحركة هذه القشور (أو الألواح) واصطدامها بدأت تتراكم أطراف هذه الألواح المتصادمة عند نقطة التصادم وبدأت الأرض تلقي للخارج بصخورها حتى تشكلت الجبال.
    إذن الجبال نشأت من الأرض نتيجة لإلقاء ما بداخل الأرض من صخور إلى الأعلى، وهنا يتجلى البيان الإلهي ليعبر تعبيراً شديد الدقة عن إلقاء هذه الجبال، يقول تعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) [الحجر: 15/19].
    ويتحدث القرآن في آية ثانية عن الحكمة من إلقاء هذه الجبال الرواسي، وهي لتثبيت الأرض وضمان توازنها واستقرارها، يقول تعالى: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [لقمان: 31/10].
    ولو تتبعنا جميع الآيات التي تحدثت عن الجبال في القرآن، وعلى الرغم من تكرار هذه الكلمة عشرات المرات في مواضع متفرقة من كتاب الله، لا نجد أي تناقض أو خلل أو اختلاف. بل نجد جميع الآيات تؤكد أن الجبال تحفظ توازن الأرض واستقرارها كي لا تميد بنا وتهتز وتضطرب.
    إذن مهمة الجبال هي حفظ توازن الأرض، ولكن كيف تحفظ الجبال توازن الأرض وماذا يقول العلم وهل تحدث القرآن عن ذلك؟
    الجبال أوتاد
    هذه آية من آيات الله عز وجل، قصيرة بعدد كلماتها ولكنها غزيرة بمعانيها ودلالاتها وإعجازها. تصِفُ الجبال بكلمة واحدة وهي قوله تعالى: (وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً) [النبأ: 78/7]. والسؤال: هل جاء هذا المعنى في تشبيه الجبال بالأوتاد على سبيل المجاز، أم أن الجبال هي فعلاً أوتاد؟
    إن كل كلمة من كلمات هذا القرآن هي حقٌ لا ريب فيه من عند الله تعالى. والآن لنتدبر هذه الآية ونسأل: ما هو الوتد وما هي مهمته وكيف يمكن للجبل أن يكون وتداً؟ ماذا يخبرنا العلم بهذا الخصوص وما هي آخر الأبحاث في مجال علوم الأرض وما هي الحقائق التي توصل إليها العلماء عن الجبال؟
    في السنوات الماضية اكتشف العلماء أن كل جبل هو عبارة عن وتد يثبت الأرض في رحلة دورانها. وقد حدث هذا الاكتشاف أثناء دراسة القشرة الأرضية. فتبين أن للجبل كثافة تختلف عن الأرض من حوله، وأننا نرى من الجبال الجزء البارز منها، ولكن معظم أجزاء هذه الجبال تنغرز في باطن الأرض لآلاف الأمتار ولا نراها ‍‍!
    تماماً كالوتد، معظمُه في الأرض وجزء صغير منه بارز فوقها، هكذا حال الجبال معظم وزنها وحجمها يتركزان في باطن الأرض ولا يبرز منها إلا القليل فوق سطح الأرض. ولولا هذا التصميم للجبل لكان عبئاً على الأرض ولأحدث هزات فيها.
    هذه الحقيقة العلمية بدأت تستحوذ اهتمام الباحثين منذ مطلع القرن العشرين، واستغرقت جهود العلماء عشرات السنوات من البحث والتجربة والقياس والتكاليف الباهظة... وبالنتيجة تم إثبات أن جميع الجبال التي نراها لها جذور كالأوتاد تماماً تمتد لمسافات تزيد على ستين كيلو متراً في باطن الأرض !
    ولو كان هذا القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم وهو نبي أمّي لم يتلَقَّ العلم ولم يكن في زمنه من العلوم إلا الأساطير التي تُنسج حول الجبال، فكيف عبَّر بدقة متناهية وسمَّى هذه الجبال بالأوتاد؟ إن الذي علَّمه هذا المصطلح العلمي هو ربّ الجبال ومنَزّل القرآن سبحانه وتعالى.
    الجبال تحفظ توازن الأرض
    إن مهمة الجبال هي حفظ توازن الأرض، فالأرض تدور حول نفسها بسرعة كبيرة، وتدور حول الشمس بسرعة أكبر، وتدور مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة... هذا من جهة، ومن جهة ثانية هنالك حركة مستمرة للألواح الأرضية، ولولا وجود الجبال لمالت هذه الألواح لا سيما أنها تطفو على بحرٍ من الحمم المنصهرة.
    إذا اخترقنا القشرة الأرضية لعشرات الكيلومترات سوف نرى عالماً جديداً مليئاً بالحركة والحرارة والغليان. لولا وجود الجبال وأوتادها الثقيلة التي تثبت القشرة الأرضية لأدّى الضغط الهائل تحت القشرة الأرضية إلى اقتلاع هذه القشرة وانعدام الحياة على ظهرها.
    لذلك من نعم الله علينا أنه أرسى هذه الجبال وقال عنها: (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) [النازعات: 79/32]. تماماً كالسفينة التي تسير في البحر إذا لم يركَّب لها ثقل في أسفلها يثبتها ويحفظ توازنها فإنها تنقلب وتميل وتغرق. كذلك الأمر بالنسبة للقشور الأرضية التي تسبح فوق الحمم الملتهبة لولا تثبيت الجبال لهذه القشور لغرقت في بحر من الجحيم !
    فعلى الرغم من شدة حرارة باطن الأرض وشدة الضغوط والأثقال الموجودة تحت قشرة الأرض، إلا أننا نعيش حياة هادئة مستقرة ومتوازنة.
    إن الذي يحفظ توازن القشرة الأرضية هو الله تعالى، ولو شاء لرفع درجة حرارة باطن الأرض قليلاً وأدَّى ذلك إلى اضطراب الأرض وغرق اليابسة التي نعيش عليها في بحر ملتهب، ويكفي أن يتحرك لوح من ألواح الأرض عدة أمتار فسيؤدي ذلك إلى خسف هذا اللوح واضطراب حركته.
    وهنا نتساءل من جديد: من كان يعلم أن الجبال تحفظ توازن الأرض وتثبت قشرتها وتعطيها الاستقرار اللازم لاستمرار الحياة على ظهرها؟ من كان يعلم بأن الجبال هي أوتاد لها جذور عميقة في باطن الأرض؟
    حركة ألواح الأرض
    منذ ثلاثين عاماً فقط تم إثبات حركة الألواح الأرضية جميعها، وكانت سرعة تحرك هذه الألواح لا تتجاوز عدة سنتمترات في السنة. طبعاً هذه السرعة لا يمكن قياسها بشكل مباشر إنما بأساليب تعتمد التكنولوجيا الرقمية الحديثة.
    والعجيب أن القرآن العظيم تحدث عن حركة هذه الألواح حركة خفيفة من خلال الآية الكريمة: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ) [النمل: 27/88].
    ولكن لماذا تتحدث الآية عن الجبال بالتحديد؟ والجواب هو أن هذه الجبال هي التي تثبت ألواح الأرض، بل هي التي تقود هذه الألواح وهي الجزء البارز والأكثر ثباتاً.
    هنالك تساؤل آخر: لماذا قال عز وجل: (تمرُّ) ولم يقل (تسير) أو (تجري)؟ إن فعل (يجري) يُستخدم في القرآن مع حركة الشمس والقمر والأرض من خلال قوله تعالى: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) [الرعد: 13/2]. ونحن نعلم بأن سرعة جريان الشمس عالية جداً، فهي تجري بسرعة تبلغ ملايين الكيلومترات في السنة فناسبها كلمة (تجري)، بينما تتحرك الجبال عدة سنتمترات في السنة فناسبها كلمة (تَمُرُّّ) للتأكيد على حركة الجبال الخفيفة.
    إنها دقة مذهلة في اختيار الكلمة الأنسب للتعبير عن حقائق الأمور، هكذا حال كتاب الله عز وجل. بينما نجد الأبحاث العلمية تستخدم كلمة (سرعة) للجبال والشمس والمجرات وغيرها ولا تفرق بينها إلا بالأرقام، أليس هذا تفوق قرآني على العلم الحديث؟
    إن مرور السحاب ناتج عن حركة الرياح التي تدفع هذه الغيوم، وحركة الرياح ناتجة عن فرق درجات الحرارة. إذن هنالك تيارات حرارية هي التي تحرك الغيوم. كذلك الأمر بالنسبة للجبال التي تتحرك بسبب حركة الألواح الناتجة عن فرق درجات الحرارة في الطبقة التي تلي القشرة الأرضية، إذن حركة الجبال ناتجة عن تيارات حرارية أيضاً.
    والتشبيه القرآني لحركة الجبال بحركة الغيوم هو تشبيه دقيق من كل النواحي. ونتساءل من جديد: من أين جاء رسول الخير والرحمة عليه الصلاة والسلام بهذا العلم الدقيق الذي لم ينكشف إلا في أواخر القرن العشرين؟
    الجبال والمطر
    وهنا تتجلى حقيقة علمية كشفت عنها البحوث الحديثة، فالجبال لها دور مهم في تشكل الغيوم ونزول المطر. حتى إن أعذب المياه وأنقاها نجدها في تلك الجبال الشامخة.
    فقد رصد العلماء حركة الرياح وهي تحمل ذرات بخار الماء من سطح البحر. هذه التيارات الهوائية تبدأ بالحركة الأفقية حتى تصطدم بالجبال وهذا يؤدي إلى تغيير مسار الرياح باتجاه الأعلى، لذلك نجد أن قمم الجبال العالية تتجمع الغيوم حولها وتغطيها الثلوج طيلة أيام السنة تقريباً.
    إذن كلما كان الجبل أكثر شموخاً وارتفاعاً أدى ذلك لتجمع كمية أكبر من الغيوم ثم نزول المطر أو الثلج ثم ذوبان هذا الثلج وتسرُّبه عبر طبقات الجبل ومسامه حتى تتفجر الينابيع شديدة العذوبة.
    إن مياه الينابيع هذه والتي جاءت من الجبال العالية خضعت لعمليات تصفية متعددة. وكما نعلم من محطات معالجة المياه: كلما مرَّت المياه عبر مراحل تصفية (فلترة) أكثر كلما كان الماء أنقى. وفي حالة الجبال التي ترتفع عدة كيلومترات، تعمل هذه الجبال كأفضل جهاز لتنقية المياه على الإطلاق. ولا يمكن للإنسان مهما بلغ من التقدم العلمي أن يقلِّد هذه العمليات التي تتم عبر الجبال.
    وهنا يأتي القرآن ليتحدث عن تنقية المياه ودور الجبال العالية في ذلك، يقول تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاء فُرَاتاً) [المرسلات: 77/27].
    ففي هذه الآية الكريمة ربط المولى جل جلاله بين الرواسي الشامخات وهي الجبال العالية وبين الماء الفرات وهو شديد العذوبة. وهنا لا بُدَّ من وقفة: من كان يعلم في ذلك الزمان الدور المهم للجبال في إنزال المطر وتنقية المياه؟
    وهكذا لو تتبعنا آيات القرآن كلها لم نجد أي اختلاف أو تناقض، بل جميع نصوص القرآن جاءت محكمة ومتفقة مع معطيات العلم الحديث، أليس هذا دليلاً ملموساً على أن القرآن كتاب الله تعالى؟
    ظلام الليل
    عندما صعد الإنسان إلى القمر في أواخر الستينات من القرن العشرين دشَّن عهداً جديداً لرؤيته حول هذا الكون. فقد تمكن من رؤية الأرض من الخارج وقد حصل هذا كما نعلم منذ مدة لا تزيد على (35) سنة.
    من الأشياء المثيرة التي رأها العلماء في هذه الرحلة الظلام الشديد الذي يغشى الكون ! وبدت الأرض كرة زرقاء جميلة على أحد جانبيها النهار وهو الوجه المقابل للشمس وعلى الوجه الآخر الليل.
    إن الذي يراقب الكرة الأرضية من الخارج ويرى سرعة دورانها وكيف يتداخل الليل والنهار يجد بأن أفضل وصف لهذا المشهد هو قول الله تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) [الحديد: 57/6]. ويقول أيضاً: ( يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) [فاطر:35/13].
    ثم عندما نبتعد عن هذا الكوكب ونسبح في ظلام الكون وننظر إلى منظر الأرض نرى أن النهار لا يشكل سوى طبقة رقيقة جداً مقارنة مع حجم الأرض.
    هذه الطبقة يغشاها الليل من كل جانب وكأنه يلاحقها باستمرار لدى حركة دورانها. وهنا يتجلى في وصف هذه الصورة قول الحق تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 7/54].
    ويقول أيضاً: (وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الرعد:13/3]
    إذن الظلام وهو الليل يغشى الكون ويغشى طبقة النهار بل يلاحقها باستمرار ويطلبها بشكل حثيث لا يتوقف حتى إننا نرى هذه الطبقة الرقيقة من النهار وكأنها تنسلخ !
    وهنا تتجلى إحدى عجائب القرآن عندما شبه الله تعالى انسلاخ النهار عن الليل فقال: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) [يس: 36/37].
    إذن طبقة النهار رقيقة جداً تتحرك نتيجة دوران الأرض حول نفسها، ويلاحقها الليل حثيثاً فهو أيضاً يتحرك ويسبح في الفضاء. ومن عجائب القرآن أنه تحدث عن حركة الليل والنهار هذه وأنها تتم بنظام محدد. يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: 21/33].
    وسبحان الله ! أي كتاب في العالم يحوي كل هذه الحقائق؟ فقبل 1400 سنة: من كان يتصور بأن النهار هو طبقة رقيقة جداً تنسلخ كالجلد الذي ينسلخ عن الدابة؟
    ومن كان يتصور أن الليل والنهار يتحركان بنظام محدد ومحسوب؟ ومن كان يتخيل أن الظلام يغشى الكون ويغشى النهار؟
    ولو ذهبنا إلى جميع الآيات حيث ذكر الليل والنهار والشمس والقمر نجد الحقائق العلمية فيها متوافقة مع أحدث مكتشفات القرن الواحد والعشرين. فلا خلاف اليوم على حقيقة علمية وهي أن كل شيء في الكون من أصغر ذرة وحتى أكبر مجرة إنما يدور ويتحرك بنظام محسوب وفلك محدد.
    واستمع معي إلى هذه الآية الكريمة: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: 21/33]. في هذه الآية معجزة علمية مبهرة. فقد تحدثت عن دوران كل شيء. ولكن إذا كنا نرى دوران الشمس ودوران القمر فأين دوران الليل والنهار؟
    لنلجأ إلى نظرية النسبية لفهم حقيقة الأمر. إن المراقب من الفضاء الخارجي عندما ينظر إلى الأرض يراها تدور حول الشمس بمدار محدد وواضح إذن في هذه الحالة الشمس أو الأرض كل منهما يتحرك ويدور ويسبح في فلكه.
    في الحالة الثانية إذا نظرنا إلى الأرض من الفضاء الخارجي ولكن أثناء نظرنا إليها قمنا بالدوران حولها فإننا نرى حركة الليل والنهار يتعاقبان باستمرار وكأن الليل أو النهار يدور في فلك محدد.
    بكلمة أخرى كل شيء في الكون يتحرك ولا وجود للثبات، فمثلاً الأرض التي نعيش عليها والتي نظنها ثابتة ومستقرة ولا تتحرك لها العديد من الحركات لنتأمل بعض هذه الحركات وهذه حقائق علمية يقينية اليوم:
    1 ـ حركة الأرض حول نفسها.
    2 ـ حركة الأرض حول الشمس.
    3 ـ حركة الأرض مع الشمس حول مركز المجرة.
    4 ـ حركة الأرض مع المجرة كلها في مدار لا يعلم حدوده إلا الله تعالى.
    5 ـ بالإضافة إلى حركة خفيفة وخفيّة لألواح الغلاف الصخري من تحتنا.
    6 ـ حركة الأرض مترنحة حول محورها.
    بالإضافة إلى حركات عديدة أخرى ناتجة عن تأثر الأرض بجاذبية القمر، وغير ذلك.
    آية الليل
    والآن لنذهب في رحلة خيالية إلى ذلك الكوكب الصغير الذي يسميه العلماء بتوأم الأرض ـ القمر ـ في هذه الرحلة نخترق حاجز الزمن الماضي لنرى شكل القمر منذ أربعة ألاف مليون سنة. لقد كان جرماً مشتعلاً تتدفق منه البراكين والحمم بل تغلفه تغليفاً.
    لو بقي القمر مشتعلاً حتى الآن لم يكن للحياة وجود على الأرض، ولكن بنتيجة بُعد الأرض عن الشمس باستمرار وبُعد القمر معها تبردت قشرة القمر ومُحيَ ضوؤُه وأصبح يستمد نوره من الشمس ليعكسه إلى الأرض.
    إن هذه الحقيقة استغرقت عشرات السنوات لكشفها، فالقمر كان يوماً ما ملتهباً وشديد الحرارة والضياء ثم انطفأ ضوؤه ومُحي تماماً.
    وكدليل علمي على صدق هذا الكلام هو أن سطح القمر مليء بفوهات البراكين التي أثبتت التحاليل أنها كانت تقذف ملايين الأطنان من المواد المنصهرة ذات يوم. ودليل آخر وهو أن باطن القمر لا يزال ملتهباً، وهنالك دلائل علمية كثيرة على هذه الحقيقة.
    ومن لطائف القرآن حديث دقيق وجميل عن آيتين من آيات الله تعالى: الشمس والقمر، فالقمر هو آية الليل والشمس هي آية النهار، يقول عز وجل: ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً) [الإسراء: 17/12].
    في هذه الآية تصريح من رب العزة تعالى أن القمر كان مضيئاً ثم محى الله ضوؤهُ:، وهذه الحقيقة الكونية لم تُعرف إلا منذ عهد قريب فقط، أليس هذا إعجازاً علميّاً عجيباً؟
    هذا ليس كل شيء بل هنالك آية أخرى توضح هذه الحقيقة وتكمّلها، وهذه الآية تقرر بأن القمر هو جسم بارد لا يصدر الضوء بل يعكسه فقط.
    وسوف نرى من خلال الفقرة الآتية أن هذه الآية تتوافق تماماً مع الحقائق العلمية المكتشفة حديثاً والتي تُظهر لنا بالصور الملونة الأشعة الحارقة للشمس وأنها مفاعل ذري ضخم جداً يبث الضوء والحرارة والإشعاعات، بينما القمر هو كرة قاحلة لا يوجد فيها أي مصدر من مصادر الضوء إلا ما تستمده من الشمس ثم تعكسه إلى الأرض فنرى نور القمر.
    الضياء والنور
    يقول سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) [يونس: 10/5].
    وهنا نجد تشبيهاً علميّاً دقيقاً، فالشمس هي سراج، ولكن ماذا يعمل السراج العادي وما علاقته بالشمس؟ إن السراج يحرق الزيت ويصدر الضوء والحرارة، الشمس تقوم بالعمل ذاته فهي تحرق الهيدروجين وتدمجُه (بشكل نووي) لتصدر الضوء والحرارة أيضاً.
    أما القمر فلا يقوم بأي عمل من هذا النوع بل هو كالمرآة التي تعكس الأشعة الشمسية الساقطة عليه فيردَّ جزءاً منها إلى الأرض بمراحل متعاقبة على مدار الشهر. فحجم الأشعة المنعكسة من القمر للأرض ليس ثابتاً، بل يتغير مع أيام الشهر بنظام دقيق ومحسوب.
    ولولا هذا التقدير المحكم لمنازل القمر لم يستطع الإنسان معرفة الحساب والتاريخ والأوقات، وهذا من رحمة الله عز وجل بعباده.
    وتأمل معي هذه الآية التي تؤكد أن الشمس سراج وأن القمر هو جسم منير أي يستمد النور من غيره: (تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً) [الفرقان: 25/61]. وقال أيضاً: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً) [نوح:71/16].
    والسؤال الذي يطرح نفسه: من كان يعلم زمن نزول القرآن بأن الشمس هي سراج يحتوي على وقود يحترق باستمرار؟ حتى إن العلماء اليوم يشبهون الشمس بفرن نووي ضخم وقوده هو ذرات الهيدروجين، أما التعبير القرآني (سِرَاجاً) فهو دقيق جداً من الناحية العلمية.
    أليس في تعابير القرآن العلمية الدقيقة دليل على أن القرآن صادر من رب السماوات السبع عز وجل؟
    إن الإعجاز القرآني لا يقتصر على علم الفلك والشمس والقمر وغير ذلك من العلوم الكونية، بل في كل علم من العلوم هنالك معجزة حقيقية وهذا ما سنتعرف عليه في الفقرات القادمة من خلال إعجاز القرآن في علم البحار.
    الأمواج الداخلية
    طالما بحث الإنسان عن أسرار وعجائب هذا الكون، وطالما استهوته رحلات الاستكشاف عبر عالم البحار، ذلك العالم المليء بالمجهول والغرائب، خصوصاً ذلك العالم العجيب في أعماق المحيطات والبحار.
    ولكن المخاطر كانت أكبر من طاقة البشر، فالإنسان لا يستطيع الغوص لمسافة تزيد على عدة أمتار بسبب ضغط الماء الذي يتضاعف كل عشرة أمتار، وإذا نزل إلى عمق أكبر فإن خطر الموت محيط به. لذلك فقد بقي هذا العالم مجهولاً حتى القرن العشرين عندما اخترع الإنسان الغواصة التي تستطيع الغوص لعمق يبلغ مئات الأمتار وآلاف الأمتار.
    ولعلّ الاكتشاف المهم في منتصف القرن العشرين هو اكتشاف أمواج على عمق ألف متر وأكثر ! هذه الأمواج تجرف الغواصات بل تدمرها !
    إذن نحن نشاهد أمواجاً على سطح البحر، واستطعنا أن نشاهد أمواجاً في أعماق البحار اللُّجِّيَّة العميقة.
    العجيب في الأمر أن القرآن العظيم تحدث عن هذه الأمواج مشيراً إلى وجود أمواج داخلية في البحر العميق ثم أمواج سطحية على سطح هذا البحر،
    يقول عز وجل: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 24/40].
    في هذه الآية تشبيه لأعمال من لا يؤمن بهذا القرآن، إن شخصاً كهذا مثله كمثل من يعيش في بحرٍ لُجِّيٍّ (أي عميق) تحت أمواجه الداخلية العميقة. هذا الشخص تغلِّفه الظلمات فلا يكاد يرى شيئاً، فالموج يغشاه من فوقه ثم يأتي الموج على سطح البحر، ثم يأتي السحاب، فهذه الطبقات من الظلمات مثلها مثل أعماله السيئة التي حجبته عن رؤية نور القرآن، وأنى له أن يرى نور الحق !
    إن هذه الحقيقة العلمية تؤكد أن كل كلمة في القرآن هي حق لا ريب فيه، وأن القرآن يستخدم التشبيهات وهي حق وفيها معجزة.
    وسبحان رب السماوات والأرض ! حتى الحديث عن الكفار وكفرهم وأعمالهم جاء في إطار معجزة علمية ليؤكد لنا البارئ عز وجل رحمته حتى بالكفار من خلقه وأنه يخاطبهم بلغة العلم، فهل يوجد خطاب أبلغ من هذا؟
    منذ عدة عقود فقط أدرك الإنسان وجود مثل هذه الأمواج في عمق المحيط، ولو كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم لتحدث عن الصحراء بدلاً من البحر، فمن الذي أخبره بوجود هذه الأمواج قبل أربعة عشر قرناً؟ مع العلم أن الرسول الأعظم عليه صلوات الله وسلامه لم يركب البحر ولا مرة في حياته، فما هو مصدر هذا العلم؟
    مَرَجَ البحرين
    إنه الله تعالى الذي يعلم أسرار الكون ويعلم أسرار البحار وهو القائل عن البحار أيضاً: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً وَحِجْراً مَّحْجُوراً ) [الفرقان: 25/53].
    وفي هذه الآية أيضاً معجزة علمية لم تنكشف إلا مؤخراً. فمن رحمة الله بخلقه أن جعل لهم البحر مالحاً لتستمر فيه حياة الأسماك لتكون غذاءً للإنسان. وخلق لنا الأنهار العذبة لنشرب منها شراباً عذباً فراتاً لتستمر به حياتنا.
    وكما نعلم تصب الأنهار العذبة في البحار المالحة، وعلى الرغم من التدفق الكبير لمياه هذه الأنهار وبرغم ضخامة حجم مياه البحر المالح، لا تجد أي خلل أو طغيان لهذا على ذاك أو العكس.
    وقد اقتضت حكمة الله تعالى وجود قوانين دقيقة تحكم النظام على الأرض. فالماء العذب أخف وزناً من الماء المالح، وبالتالي القوى الموجودة في ذرات الماء العذب تختلف عن تلك الموجودة في الماء المالح. وهذا يؤدي إلى اختلاف في الضغط والحرارة بين ماء النهر وماء البحر.
    كل هذه الاختلافات تؤدي إلى نشوء قوى تدافع بين ماء النهر وماء البحر في منطقة المصب أو البرزخ. هذه القوى تمثل جداراً منيعاً وحجراً محجوراً.
    إن قوانين حركة السوائل لم يتم كشفها إلا في القرن العشرين على يد عشرات العلماء الذين أفنوا حياتهم في سبيل كشف هذه الحقيقة العلمية. والتي لم يتم التأكد منها فعلياً إلا في أواخر القرن العشرين عندما التقطت الأقمار الاصطناعية صوراً للبحار ومصبات الأنهار فيها وكان واضحاً البرزخ والحاجز بينهما.
    إن هذا الحاجز المنيع لا يقتصر على مصبَّات الأنهار في البحار، بل هنالك حواجز مائية بين كل بحرين على سطح الأرض ! فتجد مثلاً نقطة التقاء البحرين (البحر الأحمر والمحيط الهندي) عند مضيق باب المندب، أن فيها منطقة تمتد لعدة كيلو مترات بين هذين البحرين هي منطقة البرزخ وتبقى خصائص كل بحر تختلف عن الآخر ولا يختلطان أبداً !
    يقول سبحانه وتعالى: ( أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النمل: 27/61]. وتأمل معي كم من الحقائق العلمية تتضمن هذه الآية: علم الأرض، علم الأنهار، علم الجبال، علم البحار.
    العديد من آيات القرآن أشارت إلى الحاجز بين البحار، لنقرأ الفقرة التالية.
    الحاجز بين البحرين
    وللقرآن حديث أيضاً عن هذا الحاجز، يقول تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) [الرحمن: 55/19-20]. إنه حديث عن بحرين مالحين والدليل على ذلك أن الآية التالية التي تصف هذين البحرين هي: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن: 55/22]، وكما نعلم المرجان لا يعيش إلا في البحار المالحة.
    وقد ثبت علمياً أن بحار العالم تختلف من حيث تركيب مياهها، فلكل بحر خصائص فيزيائية تختلف عن البحر الذي بجانبه من حيث درجة الحرارة والملوحة والكثافة وغير ذلك، حتى نوعية الكائنات الحية في هذا البحر تختلف عن تلك التي تعيش في البحر الآخر.
    بل أثبت العلم بشكل قاطع أنه لا توجد قطرة ماء في العالم تشبه القطرة الأخرى تماماً، الاختلافات دائمة، وهذه صفة وضعها الله تعالى في مخلوقاته ليتفرد بالوحدانية هو سبحانه وتعالى.
    وقد التقطت الأقمار الاصطناعية حديثاً صوراً لجميع البحار على الكرة الأرضية، وبيَّنت وجود حواجز مائية بين هذه البحار. هذه الحواجز تشكل جدراناً منيعة من القوى الميكانيكية تفصل بين البحار فلا يطغى هذا على ذلك.
    ونتساءل: من كان يعلم بوجود مثل هذه الحواجز بين البحار؟ إنها معجزة تستحق التبصر والتفكر في آيات المولى سبحانه وتعالى علنا نزداد إيماناً بعظمة هذا الخالق الكريم.
    دور الرياح
    ودور الرياح في تلقيح النبات معروف ولا يخفى على أحد. فلولا الرياح التي يرسلها الله تعالى لتقوم بحمل حبوب الطلع من زهرة لأخرى لما استمرت حياة النبات ولم يستطع التكاثر والنموّ.
    وقد تحدث كتاب الله عز وجل عن هذا الدور للرياح فقال عز من قائل: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ) [الحجر: 15/22].
    ولكن هنالك شيء جديد اكتشف في العقود القليلة الماضية وهو دور الرياح في تلقيح الغيوم أيضاً ! فقد قام علماء الأرصاد بتجارب طويلة حول آلية تشكل الغيوم وكيف ينْزل المطر. وبعد وضع عدة نظريات علمية حول هذا الموضوع تم إثبات دور الرياح في عملية تشكل السحاب.
    فالرياح تحمل بخار الماء من سطح البحار والمحيطات إلى طبقات الجوّ العليا، ولكن ذرات الماء هذه تحتاج لتجميع وتكثيف حتى تتشكل الغيوم.
    وهنا يأتي تلقيح الرياح للسحاب، ولكن كيف تحدث هذه العملية؟ إن الرياح تحمل دائماً معها ذرات الغبار والملح الناعمة، وهذه الذرات عندما تصعد إلى الجوّ ولارتفاع عدة كيلومترات حيث درجة الحرارة منخفضة جداً، تتجمع حولها ذرات الماء لتشكل قطرات وبالنتيجة تتشكل الغيوم الثقيلة التي تزن آلاف الأطنان !!
    والعجيب أن القرآن قد تحدث عن دور الرياح في تلقيح الغيوم، يقول عز وجل: (وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) [الحجر: 15/22].
    في هذه الآية معجزات علمية ففي كلمة (أَرْسَلْنَا) دقة علمية فنحن نعلم بأن عملية الإرسال تكون منظَّمة، وهذا ما نجده في خرائط توزع الرياح الملتقطة بالأقمار الإصطناعية. ثم إن هذه الرياح هي لواقح للغيوم، وبسببها ينْزل المطر من السماء، ثم إن هذا الماء الهاطل هو نقي غير ملوث وصالح للشرب، وأخيراً هذا الماء يُختزن في طبقات الأرض وقد يمضي على تخزينه ملايين السنين، إذن في باطن الأرض خزانات ضخمة للمياه.
    وباختصار في آية واحدة حقائق علمية متعددة: إرسال الرياح، تلقيح السحاب، إنزال الماء من السماء، صلاحية هذا الماء للشرب، تخزين هذا الماء. والسؤال: هل هذه الحقائق المحكمة والبليغة والدقيقة من صنع البشر؟
    إثارة السحاب
    هنالك دور آخر للرياح وهو إثارة السحاب، لأن تجميع قطرات الماء حول ذرات الغبار هو مرحلة أولى، وهنالك مرحلة ثانية، وهي إثارة هذه القطرات لتشكل الغيوم بواسطة الحقول الكهربائية. وهذه العملية لم يتم كشفها إلا في السنوات القليلة الماضية، إن الحقول الكهربائية تتشكل بشكل أساسي بواسطة الرياح التي تدفع بذرات الماء وذرات البخار وبسبب الاحتكاك بين هذه الذرات وتلك تنشأ الشحنات الكهربية الموجبة والسالبة.
    إن نوعية الشحنات هذه تتحكم في شكل الغيوم وانبساطها في السماء، وكل هذه العمليات تجري وفق قوانين رياضية دقيقة ومُحكمة وشديدة التنظيم.
    بعدما أُثيرت ذرات بخار الماء واجتمعت تشكل قِطَعاً من الغيوم ضخمة أو (كِسَفاً من الغيوم)، وعندها تكتمل العملية وتبدأ المياه بالنُّزول من خلال هذه الغيوم.
    إن الشيء العجيب أن القرآن يتحدث عن هذه العمليات الدقيقة بشكل مذهل، يقول عز وجل: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) [الروم: 30/48].
    وتأمل معي المراحل التي حددتها الآية الكريمة:
    1ـ إرسالُ الرياح: لترفع ذرات الماء من البحار إلى الجوّ.
    2ـ إثارة السحاب: من خلال تلقيحه وتجميعه.
    3ـ بسطُ السحاب: من خلال الحقول الكهربائية.
    4ـ جعلُه كِسَفاً: أي قطعاً ضخمة وثقيلة.
    5ـ نزول الودْق: وهو المطر الغزير.
    أليست هذه المراحل مطابقة لأحدث الأبحاث العلمية عن آلية نزول المطر؟ يقول تعالى في آية أخرى: (وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ) [فاطر:35/9].
    وإذا نظرنا من حولنا، ألا نجد النظام يشمل كل شيء في خلق الله تعالى؟ وفي الصور التي تلتقطها الأقمار الاصطناعية لكوكب الأرض ألا نلاحظ توزيعاً محدداً للرياح على سطح الأرض؟ أيضاً في القرآن حديث عن التصريف أو التوزيع الدقيق لخارطة الرياح، يقول عز وجل: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [البقرة: 2/164]. وتأمل معي كيف ربط البيان الإلهي بين توزع الرياح وتصريفها، وبين السحاب، وذلك للدلالة على دور الرياح في تشكل السحاب.
    ولكن ماذا بالنسبة لحرارة وهج الشمس وتأثيرها المباشر على حركة ذرات بخار الماء؟ نعلم اليوم تماماً أن للشمس الدور الأكبر في تبخير الكميات الضخمة من مياه البحر، فكلما ارتفعت حرارة الشمس وزاد وهجها ازدادت كمية المياه المتبخرة.
    وهنا يجب أن نميِّز بأن ضوء الشمس ليس هو الذي يقوم بالتبخير فقط، بل وهج الشمس، أي كمية الإشعاعات المختلفة التي تبثها الشمس. فالشمس تبث الطيف الضوئي المرئي وتبث الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية: هذا الطيف الكامل من الأشعة المرئية وغير المرئية يسمى بوهج الشمس.
    والقرآن الكريم يتحدث عن هذا الوهج ودوره في إنزال المطر، يقول عز وجل: (وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجاً) [النبأ: 78/13-14]، والمعصرات هي الغيوم الكثيفة.
    وتأمل معي كلمة (وَهَّاجاً) وهي صفة حرارة الشمس التي سماها الله بالسراج المشتعل، وهذه تسمية دقيقة من الناحية العلمية.
    وكلمة (وَهَّاجاً) لم ترد في القرآن إلا في هذا الموضع، وجاء بعدها مباشرة الحديث عن إنزال المطر. ولو كان القرآن من قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم فكيف عرف أن وهج الشمس (أي حرارتها) هو الذي يبخر الماء وليس ضوءها؟ بل كيف عرف هذا الرسول الرحيم صلى الله عليه وسلم أن الشمس هي سراج؟
    إذن القرآن هو أول كتاب ربط بين وهج الشمس ونزول المطر بكلمتين: (وَهَّاجاً) و (ثَجَّاجاً). فانظر إلى هذه الدقة العلمية !
    السحاب الثقال
    إن أوزان هذه السُّحُب تبلغ آلاف البلايين من الأطنان ! وإذا علمنا أن مساحة أسطح البحار التي تغطي ثلثي الأرض تقريباً تبلغ أكثر من (340) مليون كيلو متراً مربعاً، فتخيل معي حجم التبخر الحاصل على مدار العام من أسطح بحار الأرض، وكم هو هائل وزن الغيوم المبسوطة في السماء.
    إن هذه الأوزان الثقيلة للغيوم لم يتم تقديرها إلا مؤخراً بعد معرفة أسرار السحاب، ولكن كتاب الله تعالى يتحدث عن هذه الغيوم الثقيلة وإنشائها بقول الحق تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ) [الرعد: 13/12].
    وتأمل معي كيف ربط القرآن بين البرق والسحاب والثقال، ونحن نعلم اليوم بأن أثقل الغيوم وأكثفها هي تلك التي يرافقها البرق !
    إن عملية البرق عملية معقدة أيضاً وتحدُث كنتيجة لاقتراب الغيوم من بعضها حيث تنفرغ الشحنات الكهربائية لكلتا الغيمتين مما يؤدي إلى حدوث البرق وإنشاء غيوم جديدة، وهذا ما عبرت عنه الآية بدقة عندما تحدثت عن البرق أولاً ثم عن نشوء الغيوم الثقيلة بكلمة.
    وهنا يتعجب المؤمن من روعة البيان القرآني ودقة وصفه لحقائق الأمور، وهنا تتجلى حكمة الله البالغة في إبقاء المؤمن في حالة تأمل لعظمة خلق الله تعالى ليدرك عظمة الخالق، وليزداد إيماناً وخشوعاً لهذا الإله الكريم وليبقى في حالة تفكر وتدبر لكلام الله تعالى ويردِّد هذا الدعاء لله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار) [آل عمران: 3/191].
    علم النبات
    إن الذي يتأمل في مخلوقات الله وخصوصاً النباتات التي تمدُّنا بالغذاء يتعجب كيف نشأت كل هذه النباتات وممَّ نشأت. ويعجب أكثر عندما يعلم بأن المادة الأساسية لجميع نباتات الأرض هي الماء.
    فعندما ينْزل المطر على الأرض يختلط مع التراب وتنشأ قوى تدافع وتجاذب بين ذرات الماء وذرات التراب، وينتج عن ذلك ازدياد في حجم التراب.
    إذن قوى التجاذب والتدافع تتسبب باهتزاز ذرات التراب وزيادة حجمها. وهذه حقيقة علمية نراها اليوم واضحة جلية. ولكن زمن نزول القرآن لم يكن أحد يعلم شيئاً عن هذا الأمر، إلا أن القرآن كتاب العجائب يحدثنا بدقة عن هذه المراحل بالتسلسل العلمي، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) [الحج: 22/5].
    وانظر إلى التعبير الدقيق (هامدة)، فالأرض الجافة لا تتوقف فيها الحركة نهائياً بل هنالك حركة لذرات التراب ولكنها هامدة أي ضعيفة جداً. فإذا ما نزل عليها الماء وهذا يحدث أولاً ثم وهذا يحدث ثانياً، وبعد ذلك يختزن التراب الماء في داخله لفترة طويلة مما يؤمن الغذاء باستمرار لهذه النباتات.
    لقد أودع الله تعالى خاصية التمدد واختزان الماء في جزيئات التراب ولولا هذه الصفة لم تستمر الحياة أبداً. فقد اكتشف العلماء أن التراب يتميز بتخزينه كميات ضخمة من الماء يمكن أن تبقى لسنوات طويلة.
    كما أن الآية الكريمة تحدثت بدقة علمية تامة عن مراحل الإنبات، فالرحلة تبدأ بإنزال الماء على هذه الأرض حيث يمتزج هذا الماء بذرات التراب، لتبدأ هذه الذرات بالاهتزاز المستمر مما ينتج عنه زيادة في حجم التراب وتمدده.
    وبعد ذلك تبدأ الحبوب الموجودة في التراب بامتصاص هذا الماء وتبدأ بالتمدد أيضاً والنموّ وتبدأ عملية الإنبات ومن عظمة القرآن أنه لخَّص كل هذه المراحل بثلاث كلمات فقط: (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ).
    علم البيئة
    في الأيام الأخيرة كثُر الاهتمام بشؤون البيئة، وأدرك العلماء أهمية التوازن البيئي وأثره على حياة الكائنات من نبات وحيوان وإنسان، وبشكل خاص بعد الكميات الضخمة من الملوثات والتي أفرزتها حضارة القرن العشرين.
    قبل عدة عقود لم يكن هنالك تلوث يُذكر، ولكن في السنوات الماضية زاد عدد المصانع في العالم وزاد عدد وسائل النقل وهذه تنتج كميات ضخمة من المواد الملوثة والتي تسبب أمراضاً خطيرة أهمها السرطان.
    هذا التلوث أثر بشكل كبير على الكائنات المائية كالأسماك، وكذلك على الحيوانات وكذلك على النباتات. ولكن من فضل الله تعالى ورحمته بخلقه أنه أودع في هذه النباتات وسائل لتنقية الهواء من المواد السامة.
    فكما نعلم تستهلك النباتات لصنع غذائها وثمارها غاز الكربون من الهواء، وتجري في داخلها عملية تسمى بالتركيب الضوئي تركب من خلالها المادة الخضراء والتي يركب منها النبات الحبّ والثمار.
    بنتيجة هذه العملية يطلق النبات الأكسجين الذي يستفيد منه الإنسان في عملية التنفُّس. والعجيب أن كمية النباتات على وجه الأرض مناسبة لحجم الغلاف الجوي.
    هنالك توازن دقيق بين ما يأخذه الإنسان وبين ما يطلقه النبات من الأكسجين. وتوازن آخر بين ما يطلقه الإنسان من غاز الكربون وبين ما يأحذه النبات من هذا الغاز. وسبحان الله ‍‍‍! هذا التوازن الدقيق تحدث عنه القرآن في عصرٍ لم يكن هنالك أي علم عن توازن البيئة. يقول تعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ) [الحجر: 15/19].
    وانظر معي إلى دقة ألفاظ القرآن وتعابيره العلمية، وهذا يدل على أن هنالك ميزاناً لنسب النباتات على الأرض، ونسبة ما تمتصه من الكربون ونسبة ما تطلقه من الأكسجين. وهذه النسب قاسها العلماء حديثاً بكل دقة. وعلى سبيل المثال فإن نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي هي (21) بالمئة تقريباً. ولو زادت هذه النسبة لاحترقت الأرض مع أول شرارة، ولو نقصت هذه النسبة قليلاً لماتت الكائنات اختناقاً !
    أما نسبة غاز الكربون في الغلاف الجوي فهي أقل من (1) بالمئة. ولو زادت هذه النسبة لتسمَّمَ البشر وماتوا جميعاً، ولو نقصت لماتت النباتات وتوقفت الحياة. لذلك هنالك توازن دقيق في هذه النباتات وهذا ما تحدث عنه القرآن: ولكن عندما ندخل إلى كل خلية من خلايا أي نبات أخضر على وجه الأرض، ماذا نشاهد؟ إننا نشاهد تركيباً مستمراً للمادة الخضراء. ومن هذه المادة تخرج الحبوب والثمار وهنا نجد للقرآن العظيم حديثاً أيضاً عن هذه العمليات الدقيقة: (وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأنعام: 6/99].
    فقد أكد القرآن أن تشكل المادة الخضراء يتم أولاً ثم يتم إخراج الثمار والحبوب منها. وهذا ما أثبتته الأبحاث الحديثة.
    ونتساءل: هل قام محمد صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأمي بدراسة تركيب النبات وفحصه بالمجاهر الإلكترونية؟ وما الذي يدعو هذا الرسول الكريم للدخول في هذه القضايا العلمية التخصصية الدقيقة؟ إن المصدر الذي تلقى منه رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العلوم هو الله تعالى الذي خاطب البشر جميعاً وأكد لهم أنه هو الذي علَّمه هذا العلم.
    إن القرآن تحدث عن علم النبات في العديد من آياته، ويكفي أن نعلم بأن القرآن هو أول كتاب قرر وجود الأزواج في عالم النبات قبل العلم الحديث بقرون طويلة. يقول سبحانه وتعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ) [يس: 36/36].
    وقال أيضاً: (وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ) [الزخرف:43/12].
    الحياة في الكون
    مع بداية القرن الواحد والعشرين يزداد شيئاً فشيئاً اعتقاد العلماء بوجود حياة خارج الأرض في الفضاء. فتراهم يرسلون المراكب الفضائية محاولة منهم لكشف أي آثار للحياة في هذا الكون الواسع.
    ومن آخر الرحلات رحلة باتجاه كوكب المريخ تكلفت أكثر من (800) مليون دولار ! فلماذا هذا المبلغ الضخم وما الفائدة من هذه المحاولات؟
    لقد دلَّت جميع البحوث الكونية على وجود الحياة في الكون. ففي هذا الكون أكثر من مئة ألف مليون مجرة، وفي كل مجرة أكثر من مئة ألف مليون شمس كشمسنا. فيكون احتمال وجود كواكب هو احتمال قوي جداً واحتمال الحياة على ظهرها هو أيضاً احتمال قائم وممكن.
    فالأحجار النيزكية المتساقطة من الفضاء على الأرض تحمل آثاراً بدائية للحياة. وكذلك وجود آثار للماء على سطح الكوكب الأحمر (المريخ) مما يعزز فرضية وجود حياة.
    هذه الحقائق العلمية لم تترسخ وتأخذ مكانها في البحث العلمي إلا في نهاية القرن العشرين. ولكن كتاب الحقائق ـ القرآن ـ له حديث مؤكد عن إثبات هذه الحقيقة من خلال قول الحق عز وجل عن آياته في السماء والأرض: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) [الشورى: 42/29].
    وانظر إلى قوله تعالى في هذه الآية: (فِيهِمَا) أي في الأرض والسماوات، وهذا دليل على وجود الحياة في خارج الأرض. وهنا نطرح سؤالاً لهؤلاء المشككين بصدق كتاب الله وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم: من الذي عرَّف محمداً عليه الصلاة والسلام بحقيقة وجود الحياة في خارج الأرض؟
    ثم إن القرآن يؤكد حقيقة ثانية وهي إمكانية اجتماع هذه المخلوقات ! إن سعي العلماء اليوم وتكبدهم التكاليف الباهظة في سبيل رؤية مخلوقات كونية والاجتماع معها: أليس تطبيقاً لهذه الآية التي نزلت قبل أربعة عشر قرناً؟
    علم الذرة
    لقد سُمِّي النصف الأول من القرن العشرين بعصر الذرة حيث تم وضع الأسس السليمة لعلم جديد هو الفيزياء الذرية. وربما كان من الكشوف الهامة في هذا العلم اكتشاف ما يسمى بالنظائر وتحديداً النظائر المشعة والتي مهدت الطريق أمام الوصول إلى التفاعلات الذرية.
    إذن نحن عندما نتحدث عن أي عنصر كيميائي، مثلاً الحديد، لا يكفي ذكر اسم هذا العنصر، بل يجب أن نحدد الثقل الذري له. فالثقل الذري (أو الوزن الذري) يختلف من عنصر لآخر ويختلف داخل كل عنصر. فلدينا الحديد 55، والحديد 56، والحديد 57، وهذه كلها حديد، ولكنها مختلفة بوزنها الذري.
    وعندما نتعامل مع التفاعلات الذرية لا يجوز أن نقول (ذرة حديد) فحسب، بل يجب أن نضع إلى جانبها وزنها الذري لنعرف ما نوع هذه الذرة، لأن كل ذرة لها ثقل محدَّد.
    وإذا ما حطَّمنا هذه الذرة وجدنا أنها تتركب من جسيمات أصغر منها مثل الإلكترون والبروتون والنيوترون، وهذه بدورها تتركب من أجسام أصغر منها تسمى بالكواركات.
    ولكن الذرات لا توجد بشكل منفرد في الكون بل توجد على شكل مجموعات تسمى بالجزيئات، فمثلاً نجد أن ست ذرات حديد ترتبط مع بعضها لتشكل جزيئاً من الحديد. وهذه الجزيئات ترتبط مع بعضها أيضاً لتشكل مادة الحديد.
    إذن يتعامل علماء الذرة مع مقياسين أثناء دراستهم: فعندما يتعاملون مع أجزاء الذرة ومكوناتها (ما هو أصغر من الذرة) فهذا يسمى بالفيزياء النووية، وعندما يتعاملون مع مجموعة من الذرات أو ما يسمى بالجزيئات فهذا يسمى بالفيزياء العادية.
    ومن عجائب القرآن أنه تحدث عن كل هذه الأشياء في آية واحدة ! فانظر إلى قول الحق تبارك وتعالى عن علمه بكل شيء: (مَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) [يونس: 10/61].
    في هذه الآية لم يقل ربنا سبحانه وتعالى: (من ذرّة)، بل قال:، وقد وردت كلمة (ذرّة) في القرآن ست مرات وتسبقها دائماً كلمة (مثقال)، ليؤكد لنا الله تعالى على أن للذرة ثقلاً أو وزناً، وأن كل ذرة إنما تُحدَّد بهذا الثقل، أو ما يسمى حديثاً بالوزن الذري.
    ونحن اليوم إذا فتحنا أي مرجع علمي في علم الذرة نجد أن العلماء دائماً يكتبون اسم الذرة وإلى جانبها وزنها الذري، وهذا ما فعله القرآن في جميع الآيات التي تحدثت عن الذرة حيث ارتبطت كلمة (مثقال) بكلمة (ذرّة) دائماً.
    ثم نجد في الآية ذاتها إشارة إلى ما هو أصغر من الذرة، أي أجزائها، وهذا ما يسمى بالفيزياء النووية، وكذلك في الآية إشارة إلى ما هو أكبر من الذرة، أي الجزيئات، وهذا ما يسمى بالفيزياء: (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر).
    وهنا نتساءل، بل نوجه السؤال لكل من يظن بأن القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم: كيف استطاع رجل يعيش قبل 1400 سنة أن يدرك هذه التفاصيل الدقيقة عن علم الذرة؟ بل كيف استطاع في ذلك الزمن أن ينتج كتاباً كاملاً ومتكاملا لا نجد فيه أي خلل أو نقص أو عيب أو خطأ؟
    الكذب عند الانسان
    لقد قام علماء التشريح بدراسة خصائص الدماغ فاكتشفوا أسراره والأعمال التي يؤدّيها كل جزء من أجزائه. ولكن الاكتشاف المثير كان تحديد مركز الكذب عند الإنسان.
    فبعد آلاف التجارب لاحظ الأطباء أن مقدمة الدماغ هي المسؤولة عن توجيه الإنسان نحو الخطأ أو الصواب وسموها بمركز القيادة.
    ووجدوا أن الخلايا المتوضعة في هذا الجزء تقوم بأعمالها عندما يتعمد الإنسان الكذب وإنكار الحقيقة. ومن هنا بدأ يعمل العلماء على محاولات لابتكار جهاز يرتبط مع مقدمة رأس الإنسان ليكشف الكذب. ويمكن الاستفادة من جهاز كهذا كوسيلة للتحقيق مع المجرمين وكشف كذبهم.
    إن هذه الحقيقة العلمية: حقيقة وجود مركز للكذب والخطأ في مقدمة رأس الإنسان أو ناصيته لم تكتشف إلا في أواخر القرن العشرين، ولم يتم التأكد منها يقيناً إلا في مطلع القرن الواحد والعشرين والسؤال: هل للقرآن الكريم حديث عن هذا الاكتشاف؟
    يقول عز وجل: (كَلا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ) [العلق: 96/15-16]. فالناصية هي مقدمة الشيء وأعلاه، وهذه الكلمة عبَّرت تعبيراً دقيقاً عن مركز الكذب والخطأ عند الإنسان.
    وهنا يعجب المرء من هذا الوصف الدقيق: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم عالماً بتشريح الدماغ؟ أم أن الله هو الذي علَّمه؟
    ثم تأمل معي دقة المصطلحات القرآنية، فقد سمَّى هذا الجزء من الدماغ بالناصية ولم يسمِّه مقدمة الدماغ. لأن مقدمة الدماغ ليست كلها مسؤولة عن الكذب بل هو جزء صغير جداً يتوضع في مقدمة وأعلى الدماغ تماماً. ولذلك فالكلمة الأنسب لغوياً وعلمياً هي (ناصية)، وهذا ما نجده في كتاب الله تعالى.
    هذه الكلمات نجدها في آية أخرى وردت على لسان سيدنا هود عليه السلام في معرض خطابه لقومه. يقول تعالى: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [هود: 11/56].
    هذا تأكيد على أن الله تعالى يمسك بمركز قيادة كل دابة على وجه الأرض يوجهها كيف يشاء. ولو كان القرآن الكريم من تأليف محمد عليه الصلاة والسلام لم نجد فيه هذه الدقة العلمية الفائقة في اختيار التعابير العلمية.
    الجلد والاحساس بالألم
    عندما تطور علم الطب تدفقت الحقائق العلمية الطبية على مدى القرن العشرين، وأصبحت المعلومات الطبية في ازدياد مستمر حتى يومنا هذا. وقد درس الأطباء الآلية التي يتم بواسطتها الإحساس بالألم، فماذا وجدوا؟
    لقد تبين بنتيجة التجارب أن جلد الإنسان هو المسؤول عن الإحساس بالحرارة والبرودة. فمراكز الإحساس بالحرارة تتوضع في طبقات الجلد. فإذا ما نُزِع الجلد لم يعُد الجسم يحسّ بالألم. وكما نعلم فإن من أشدّ أنواع الألم هو ألم الحروق، وذلك لأن مراكز وأعصاب الإحساس بالحرارة تتأثر مباشرة بهذه الحروق وباستمرار.
    ومن الناحية الطبية فإن أعظم أنواع العذاب والألم التي يمكن أن يذوقها الإنسان عندما يحترق جلده ثم يُترك ليُبدَّل هذا الجلد ثم يحترق مرة أخرى وهكذا.
    في كتاب الله عز وجل وصف دقيق لهذه الآلية من العذاب لأولئك الذين كفروا بآيات الله ولم يقيموا وزناً لكتابه، يقول عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيمًا) [النساء: 4/56].
    إن الهدف من تبديل هذه الجلود هو مزيد من العذاب، وهذه الحقيقة ثابتة طبياً، إذن: أيها المشكك بكلام خالقك ورازقك سبحانه وتعالى، ألا تخشى من عذاب الله؟ ألم يحن لقلبك أن يخشع أمام هذه الآية؟
    بقي أن نشير إلى حقيقة ثابتة تضمنتها الآية الكريمة وهي الألم الناتج عن تبديل الجلد، فهذه العملية مؤلمة جداً، بل ألمها قد يكون أعظم من ألم الحرق نفسه ! وهذا الشيء نحسُّ به عندما نتعرض لحرق في منطقة ما من الجلد فنجد أن ألم الحرق قد يستمر لبضع ساعات ثم تأتي بعد ذلك عملية تبديل الجلد المحروق بجلد جديد والتي تسبب آلاماً فظيعة للإنسان حسب مساحة وعمق الحرق.
    الذكر والأنثى
    ما من أب أو أم إلا ويتوقان لمعرفة نوع المولود القادم ذكراً أم أنثى. وقد بقيت هذه المعرفة تعتمد على الخرافات والتنبؤات حتى جاء عصر العلم الحديث ليتمكن العلماء من وضع الأسس الصحيحة لعلم الأجنة واكتشاف أسرار عملية الحمل والولادة وتطور الجنين وتحديد نوعه وكيف تتم هذه العمليات بدقة فائقة.
    فقد تبين أخيراً أن نطفة الرجل هي المسؤولة عن تحديد نوع الجنين، وليس لبويضة الأنثى من تأثير على ذلك. فنطفة الرجل تحتوي على صفة الذكورة أو الأنوثة، أما بويضة المرأة فلا تحتوي إلا صفة الأنوثة دائماً.
    لذلك عندما تلتقي نطفة الرجل مع بويضة المرأة وتلقحها يتحدد جنس الجنين حسب ما تحمله هذه النطفة، ولدينا احتمالان:
    1ـ نطفة مذكرة مع بويضة مؤنثة: المولود ذكر.
    2ـ نطفة مؤنثة مع بويضة مؤنثة: المولود أنثى.
    وهنا نجد حقيقتين علميتين أولاهما أن الجنين يتم خلقه من نطفة واحدة وليس من المني كلِّه. والثانية أن هذه النطفة هي التي تحدد نوع المولود.
    والعجيب في كتاب الله وهو كتاب العجائب، أنه قد تحدث عن هاتين الحقيقتين بدقة، يقول تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى) [النجم: 53/45-46]. إذن الذكر والأنثى خلقهما الله من نطفة الرجل.
    وفي نصٍّ آخر نجد الحقيقة ذاتها تتكرر في خطاب الله للإنسان: (ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى) [القيامة: 75/38-39]. وتأمل معي كلمة ولم يقل: فجعل منها الزوجين، وهذه إشارة إلى الرجل ونطفته وأنه هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين:
    مراحل الخلق
    لو تتبعنا مراحل خلق الجنين والأطوار التي يمر بها لوجدنا وصفاً علمياً دقيقاً في كتاب الله لكل مرحلة، وهذا الوصف مطابق لآخر ما توصلت إليه البحوث الطبية! وإن وجود هذه المراحل بدقة في القرآن هو سبق علمي ودليل على إعجاز هذا الكتاب العظيم وأنه كتاب رب العالمين سبحانه وتعالى.
    سوف نعدد أطوار خلق الإنسان من القرآن الكريم، ونرى ما يقابل كل طور أو مرحلة مما توصل إليه الباحثون في علم الأجنة. يقول تعالى:
    1- (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ
    2- ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً
    3-فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
    4-فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
    5-فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً
    6- فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً
    7-ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ
    فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 23/12-14 ].
    هذه هي المراحل القرآنية، وسوف نرى المراحل العلمية لخلق الجنين:
    1ـ مرحلة النطفة: وهذه هي المرحلة الأولى التي يتحدث عنها علم الأجنة وهي إلقاء النطفة في القرار المكين وهو الرَّحِم.
    وكما نلاحظ في بداية الآية حديث القرآن عن مرحلة سابقة هي مرحلة الطين. وهذه المرحلة تؤيدها الأبحاث التي تدرس مكونات جسم الإنسان، والتي تبين أن جميع هذه المكونات موجودة في الماء والتراب. وهذا يثبت أصل الإنسان علميّاً. فالعناصر التي تكوِّن جسم الإنسان جميعها موجودة في الطين.
    2ـ مرحلة العَلَقَة: وهذه هي المرحلة الثانية في خلق الجنين، فبعد أن تجتمع النطفة المذكرة والبويضة المؤنثة تخترق النطفة جدار البويضة وتبدأ رحلة انقسام الخلايا، وبعد أيام تتشكل مجموعة من الخلايا تذهب لتعلق على جدار الرحم وتتغذى منه.
    وهنا يتحدث القرآن الكريم عن المرحلة الثانية من مراحل الخلق وهي العلقة. ويجب أن نتذكر بأن أول آية نزلت من القرآن تتحدث عن حقيقة خلق الإنسان من عَلَقْ، يقول تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) [العلق: 96/1-2].
    3ـ مرحلة المضغة: والآن بعد تعلُّق العلقة بجدار الرحم تتكاثر وتتغذى ويكبر حجمها وتصبح كقطعة اللحم الممضوغة ! وهنا يتحدث كتاب الله تعالى عن هذه المرحلة بدقة. إذن المرحلة الثالثة هي مرحلة المضغة، وهذا ما نشاهده عند تكبير الجنين وهو في هذه المرحلة فيظهر كقطعة لحم تم مضغها، وسبحان الله ! ما هذه الدقة في التصوير؟
    4ـ مرحلة العظام: ثم تأتي مرحلة خَلْق العظام التي يتحدث القرآن عنها. وهذا ما أثبتته آخر أبحاث علوم الأجنة حيث اتضح أن تشكل العظام يبدأ في مرحلة مبكرة من عمر الجنين قبل خلق اللحم.
    5ـ مرحلة اللحم: يقول عز وجل عن هذا الطور من أطوار خلق الجنين. وفي هذا التسلسل: العظم ثم اللحم، تتجلى معجزة تظهرها لنا الصور الملتقطة للجنين في بطن أمّه، كيف تخلق العظام أولاً ثم تُكسى باللحم ثانياً.
    وحتى عهد قريب كان الأطباء يظنون أن تسلسل العمليات يتم بعكس ذلك، أي يعتقدون أن خَلْق اللحم يتم قبل خلق العظام، وقد ثبُت لهم عكس ذلك بما يتوافق مع النص القرآني.
    وهنا يعجب المرء: كيف استطاع النبي الكريم عليه الصلاة والسلام أن يعرف بدقة هذه المراحل؟ وهو لا يمتلك أجهزة التصوير الحديثة، وليس لديه مختبرات، بل ليس لديه أي وسيلة من وسائل البحث العلمي الحديث؟
    6ـ مرحلة التصوير والخلق الآخر: والآن تجري داخل خلايا الجنين بعد مرحلة إكسائه باللحم عمليات معقدة جداً لم يستطع العلم الحديث
    كشف أسرارها. يتكون خلالها شكل الجنين وصفاته وتبدأ معالمه بالاتضاح. وبعد كل هذه الحقائق وهذه الدقة البالغة، هل يمكن لإنسان أن يقول عن القرآن إنه ليس كتاب علوم؟ إنني على يقين تام بأن علوم الدنيا كلها موجودة في هذا القرآن ولكننا لا نحيط إلا بالقدر اليسير الذي يسمح لنا به الله تعالى. فالقرآن هو كتاب فيه علم الله ! وعلم الله تعالى لا تحده حدود.
    خاتمـة
    إن آفاق إعجاز القرآن الكريم لا تنحصر في بحث واحد، بل في كل يوم هنالك جديد لا ينتهي عن عجائب هذا القرآن التي حدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله عن القرآن: (ولا تنقضي عجائبه ) [رواه الترمذي].
    رأينا في هذا البحث نفحات من آيات الله في مخلوقاته، وشاهدنا كيف يتوافق القرآن الكريم مع أحدث ما توصلت إليه الأبحاث العلمية، بل دائماً يتفوق القرآن على العلم الحديث.
    هنالك آيات كثيرة وكثيرة تشمل سدس القرآن تقريباً، جميعها تحدثت عن حقائق علمية جاء العلم الحديث ليثبتها ويصدقها بل ويشهد على صدقها إن مواضيع الإعجاز العلمي لا تنحصر بعلوم الفلك والأرض والبحار والطب وغيرها، بل هنالك آفاق متجددة لمعجزة القرآن العظيم. ولعل من أعجب وأغرب أنواع الإعجاز في عصر التكنولوجيا الرقمية هو: الإعجاز الرقمي، وهو علم جديد يبحث في العلاقات الرقمية المذهلة بين كلمات القرآن وحروفه وآياته وسوره.
    فما أجمل القرآن عندما يخاطب الناس بلغة عصرهم
    المراجـع
    1-القرآن الكريم.
    2-صحيحي البخاري ومسلم.
    3-تفسير ابن كثير.
    4- مجموعة من البرامج للدكتور زغلول راغب النجار.
    5- مجموعة من البرامج للشيخ عبد المجيد الزنداني.
    6- أبحاث من موقع وكالة الفضاء الأوربية: www.esa.int
    7- من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم: مجموعة من الأبحاث للدكتور زغلول راغب النجار ـ مكتبة الشرق الدولية ـ القاهرة ـ 2003.
    8- سلسلة كتب علمية لهارون يحيى ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت ـ 2003.
    9- السماء في القرآن الكريم: الدكتور زغلول راغب النجار ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ 2004.
    10- مجموعة من أبحاث الإعجاز العلمي في القرآن ـ الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة: www.nooran.org
    11- آيات الله في الآفاق: د. محمد راتب النابلسي ـ دار المكتبي ـ دمشق ـ 2004.
    12- أبحاث موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة: www.55A.net
     

مشاركة هذه الصفحة