للمرة الأولى: تفاصيل اللقاء الأول الطويل بالمصادفة بين عبد الناصر وهيكل قبل الثورة

الكاتب : jawvi   المشاهدات : 430   الردود : 1    ‏2006-04-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-04-02
  1. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    للمرة الأولى: تفاصيل اللقاء الأول الطويل بالمصادفة بين عبد الناصر وهيكل قبل الثورة ب 5 أيام



    http://www.alwahdawi.net/narticle.php?sid=585


    عوامل مطلوبة .. لتتحول الحالة الثورية الى ثورة

    البلد مقبلة على حافة ثورة

    الملك يطلب من حسين سرى عامر أن يتولى تصفية نادى الضباط وتحديد قائمة الأعضاء المشاغبين فيه.. والضباط يقاومون


    صحافة القاهرة أظهرت نصف الصورة المتمثلة فى التنافس بين بريطانيا وأمريكا على مصر..لكن الرقابة منعت الجزء الآخر من الصورة المتمثل فى أزمة نادى الضباط

    فى مرات عديدة تحدث أشياء عابرة لانعلق عليها.. ثم إذ بالحوادث تثبت لنا فيما بعد أن هذه كانت لحظة فارقة فى حياتنا

    جمال عبد الناصر لفت نظرى فى لقاء 18 يوليو باعتباره ضابط صاحى.. رأيته قبل ذلك ولم نرتبط بشيء.. لكن هذه الليلة وهو يبدى اهتماماً شديداً بما كنت أقوله. فإن شيئاً ما اتصل..

    لكى تقوم ثورة فلابد أن يوجد ماهو أكثر من مجرد حالة ثوري.
    لابد أن تكون هناك فكرة قائدة لهذه الحالة الثورية..وحركة للحالة جامعة لها، ملهمة ومحركة للناس..لابد أيضاً الى جانب الفكرة القائدة والملهمة أن تكون هناك عناصر موجهة لها رصيد عند الناس.. والجماعة التى كانت الحالة الثورية متجلية عندها، هى مجموعات الضباط الأحرار.
    وهناك عوامل يمكن أن تحول حالة ثورية الى فعل ثورى. والفعل الثورى يمكن أن يكون فعل تغيير، ويمكن أن يكون فعل انقلابلكن ليس بالضرورة ثورة، بمعنى اعتبار أن الثورة هى نقيض الأمر الراهن أو نقيض الأمر المعتاد.
    هذا بعض ما يشرحه الأستاذ فى حلقة مهمة ان لم تكن استثنائية.
    هذا جانب حيوى ومطرح حتى الآن، بل خاصة الآن وفى مصر 2006 !
    سوف أتحدث فى هذه الحلقة بطريقة قد تختلف قليلاً عن الأسلوب الذى كنت أتبعه من قبل، لأنه ابتداء من هذا اليوم سوف آخذ الأيام تقريباً يوماً بيوم ابتداء من يوم 18 يوليو. 18 يوليو بالنسبة لى كان يوماً فارقاًً فى حياتى دون أن أخطط ودون أن أقصد، وأظنه أيضاً فى نفس الوقت كان بداية اللحظة التى بدأت الحوادث فيها تتجه الى طريق انفجار يبدو أنه لامفر منه.
    سوف أعرض فى كل يوم من هذه الأيام الجرائد الثلاثة الكبرى الصادرة فى القاهرة فى نفس اليوم.
    عدد الأهرام أمامى على سبيل المثال، أهرام 18 يوليو اليوم الذى أتكلم عنه فى هذه الحلقة العنوان الرئيسى فيه:خلاف بين أمريكا وبريطانيا على اختيار مقر لقيادة الشرق الأوسط.
    جريدة المصرى يومها العنوان الرئيسى فيها فى الصفحة الأولى:سرى باشا رئيس الوزراء فى ذلك الوقت يكتب للحكومة البريطانية بدء المحادثات ويرسل لعمرو باشا تعليمات بالأسس التى يتحدث فيها مع ايدن.
    فوزى بك الدكتور محمود فوزى الذى أصبح وزير للخارجية فيما بعد كان فى ذلك الوقت مستشاراً لشئون المفاوضات فى مكتب رئيس الوزراء، جاء من الوفد الدائم فى نيويورك وألحق مؤقتاً بمجلس الوزراءمستشاراً لشئون المفاوضات.
    جريدة الأخبار التى كنت فيها فى ذلك الوقت ولم أكن أحد رؤساء تحريرها لكنى كنت مدير التحرير ورئيس تحرير آخر ساعة، العنوان الرئيسى فى أخبار اليوم فى ذلك اليوم كان: الجيش الإيرانى فى شوارع طهران.. مصدق يقدم استقالته فى الساعة الثانية صباحاً .. ثم بعد ذلك عناوين حول خلاف بين انجلترا وأمريكا: وزير خارجية أمريكا يحاول اخفاء الخلاف بين انجلترا وأمريكا..
    هنا الجرائد فى ذلك اليوم تعبر عن نصف صورة وهى صورة الخلاف الذى تبدى بين انجلترا وأمريكا فيما يتعلق بالشأن المصرى وكنت قد حاولت فيما سبق شرح : ان أمريكا أتت مندفعة الى مصر باعتقاد أن مصر هى مفتاح المنطقة، وأنها أخطر من أن تترك لبريطانيا وحدها، لكنها فى نفس الوقت أعقد من أن تستولى عليها أمريكا.
    وبالتالى فنحن فى هذه اللحظة أمام وضع فيه نوع من التسابق البريطانى الأمريكى.
    لكن انجلترا لديها الحقائق على الأرض متمثلة فى قاعدة قناة السويس وهى أكبر قاعدة على البحر الأبيض وعلى البحر الأحمر وبين القارات.
    وهذه القاعدة بموقعها الممتاز هى الحصن الأساسى والركن الركين فى عملية الدفاع عن الشرق الأوسط فى مواجهة الشيوعية وهى السياسة الأمريكية فى ذلك الوقت. وأمريكا لديها نفوذ فى القاهرة، بالتحديد رهانها كله على الملك لأنها لاتملك وسيلة غير ذلك، لكن انجلترا لديها القوة العملية المتمثلة فى وجودها التاريخى السياسى فى مصر...وهو يخف خصوصا بعد الغاء المعاهدة، ثم وجودها العسكرى وهو يزداد ثقلاً فى منطقة قناة السويس وبالتالى فنحن أمام لحظة حرجة.
    صحافة القاهرة هنا تظهر نصف الصورة المتمثلة فى هذا التنافس بين بريطانيا وأمريكا على مصر، وكل منهما يملك وسائل للتأثير ووسائل للقوة فى الساحة وعلى الأرض.
    والجرائد كانت متنبهة لكن الرقابة تمنع الجزء الآخر من الصورة المتمثل فى أزمة نادى الضباط لأنه فى ذلك الوقت بدأت أزمة نادى الضباط تحتجب.
    وأذكر هنا بالتواريخ الرئيسية فى أزمة نادى الضباط: هنا الملك فى ديسمبر حاول يؤثر على نتيجة انتخابات نادى الضباط ويضع قائمة باختيار رجال القصر.. هذه القائمة سقطت، بينما نجحت قائمة يؤيدها الضباط الأحرار على رأسها محمد نجيب.
    ---
    الملك يطلب من حسين سرى عامر أن يدخل نادى الضباط ويتولى تصفية النادى وتحديد قائمة الأعضاء المشاغبين فيه. والضباط يقاومون.
    والملك يصدر قرار يوم 16 يوليو بحل مجلس ادارة نادى ضباط الجيش .. وتتعقد الأزمة
    والملك يريد أن يرحل أزمة البلد كلها الى مابعد الصيف.
    وبدا أن هناك تحركات غامضة بين ضباط الجيش.
    هناك أزمة، لكن أحداً لا يلاحظ أن شيئاً يختمر ... يتفاعل، تحت السطح.
    - ثم أصل .. الى التجربة المباشرة.
    - لقد وجدت نفسى دون أن أقصد ودون أن أخطط وربما دون أن أدرى حاضراً فى قلب الحوادث وربما بمحض المصادفات.
    فقرار حل النادى صدر يوم 16 يوليو والتنفيذ كان يوم 17 والأنظار أصبحت متركزة على اللواء نجيب، وأنا مسئول عن أخبار اليوم التى ستصدر السبت 19 يوليو وأريد ان أطمئن اذا ماكانت هناك أخباراً جديدة يمكن أن نمررها من الرقابة، فى اللحظة الأخيرة.
    فتوجهت فى حوالى الساعة السادسة مساء الجمعة 18 يوليو الى منزل اللواء محمد نجيب وكان فى ذلك الوقت فى ضاحية الزيتون . وأنا لم أتعرف على اللواء نجيب فى حرب فلسطين لكنى عرفته بعدها مباشرة والتقيت به كثيراً عندما كان مديراً لسلاح الحدود وعدة مرات وهو مدير سلاح المشاة.. وكان معروفاً أن هذا الرجل لديه جزء مهم من قصة مايجرى فى مصر فى ذلك الوقت.
    استقبلنى اللواء نجيب ووجدت عنده اللواء محمود صبحى الذى كان مديراً للكلية الحربية حتى وقت قريب ثم أحيل الى الاستيداع ومعهما شخص آخر لست متأكداً من هو حتى اليوم لكن لم يقدمه أحد لى ولا قدمنى له وجلسنا.. والموضوع الذى نتكلم فيه هو موضوع ماجرى فى حل مجلس إدارة نادى الضباط يوم أمس.
    واللواء محمد نجيب يبدو حائراً لأنه يعرف الى حد كبير بوجود تنظيمات فى الجيش وبعضها اتصل به، على أى حال نستطيع ان نقول أنه كان يعرف بعض الأشياء لأنه لم تكن هناك حركة واحدة واضحة.
    كان واضحاً أمام كل الناس و مع مرور الأيام:
    أن موضوع أزمة نادى الضباط، وحكاية حسين سرى عامر، والضغوط التى تمارس على الجيش، والشحنات الموجودة فى الجيش، هذه كلها أمور ... مستمرة فى توحيد أو تقريب عناصر كثيرة فى الجيش، قد تكون متنافرة وهى محدودة على أى حال لكن بدا فى تلك الشهور من صيف 1952 أن هناك قوة ما او عنصر ما يحاول أن يقرب هذه العناصر من بعضها ويجمعها على نقطة لقاء واحدة وهى : تطهير القوات المسلحة وليس أكثر حتى هذه اللحظة.
    تطهير القوات المسلحة:
    * سواء بالضغط لإخراج بعض الضباط
    * أو باغتيال بعض كبار الضباط
    * أو حتى فى وقت بين أواخر يونيو وأوائل يوليو وليس قبل ذلك بدأ التفكير فى الاستيلاء على قيادة الجيش... المتمركز فى قيادة الجيش والضغط من أجل اخراج هؤلاء الضباط واعتقالهم لو أدى الأمر، ثم ترك الأمر للملك يتصرف كما يشاء.
    وأظن أنه كان فى ذهنهم أن الملك سوف يقبل وسوف يزيح القادة غير المرغوب فيهم .. الخ، هكذا فإن الحدود محصورة وضيقة فى ذلك الوقت وأى شخص يذهب هنا الى القول بأنه كان يوجد مشروع انقلاب كامل أو مشروع ثورة أو حتى أن هناك المباديء الستة، فإن ذلك كله ليس صحيحاً .. والمباديء الستة كتبت بعد الثورة وليس قبلها.
    فحتى تلك اللحظة كنا بإزاء حركة محدودة جداً لكنها مؤثرة وفاعلة فى الجيش... الذى هو القوة الأخرى المواجهة لجيش آخر فى الميدان وهو الجيش الانجليزى.
    إلا أن الصراع هنا الى حد ما كان يخفت ويتحول بين الجيشين، ويتحول الى قضية داخلية وبالتالى فإن الجيش الانجليزى بدأ يشعر: أن القاهرة تتعارك مع نفسها، بقادتها، بملكها، بجيشها وضباطها وأنهم فى أمان بل أنه فى تلك اللحظة قد خفضت قليلاً مدة الانذار الخاصة بالخطة راديو.
    - نعود الى زيارتى للواء محمد نجيب، لقد كنت أشعر أن الرجل أمامى حائر، فهو فى موقف فى منتهى الصعوبة. اجماع الضباط عليه،والملك رفض العرض بتوليه وزارة الحربية، كما أن الملك حل نادى الضباط فالرجل أصبح فى الحقيقة فى مأزق فى مصيدة تقريباً وكنا نتحدث فى ذلك كله.
    وطرح اللواء صبحى فكرة إقامة دعوى أمام محكمة القضاء الادارى للطعن فى قرار حل نادى الضباط، وبدا أن هذا هو الطريق الوحيد الموجود وعلى أى حال فى أثناء مناقشة هذا الموضوع وتعليق محمد نجيب انه مافيش فايدة فى ذلك، فى هذا الوقت أتى البكباشى جلال ندا وهو كان من الضباط الذين انتخبوا لمجلس ادارة نادى الضباط وكان من القريبين لمحمد نجيب فى ذلك الوقت ثم دق الباب ودخل اثنان ضباط واحد منهما رأيته قبل ذلك بطريقة عابرة وهو جمال عبد الناصر والاخر لم أكن أعرفه وهو عبد الحكيم عامر وكلاهما يرتدى قميص أبيض وبنطلون رمادى وقد سبق أن ذكرت أنى رأيت جمال عبد الناصر قبل ذلك فى الفلوجة ولم يكن لقاء سعيداً أو كان عادياً،ثم جاءنى مع زكريا محى الدين مرة فى مكتبى فى آخر ساعة وطلب نسخة من كتابى ايران فوق بركان وسألنى عن الذى كتبته عن الانقلابات السورية فى ذلك الوقت بطريقة عابرة، ثم رأيته أيضاً بعد ذلك يوم حريق القاهرة من بعيد.
    دخل الاثنان وجلسا ثم استكملنا كلامنا عما جرى فى نادى الضباط، لكن لاحظت أن الضابطين الذين دخلا جلسا ساكتين ويسمعان، وفى أول مرة تدخل فيها جمال عبد الناصر فى الحديث قال: ان فكرة القضية هذه فكرة معقولة..، واللواء صبحى قال انها ستتكلف حوالى سبعين جنيه فتبرع بثلاثة جنيهات كانت فى جيبه وأنا قلت مستعد للتبرع.. لكن الكلام عائم. ثم قلت شيئاً بدا مستفزاً ، قلت: هل يعقل أن الجيش يبدو عاجزاً عن الدفاع عن كرامته فى فلسطين.. الجيش عجز عن الدفاع عن كرامة البلد.. والآن كرامة الجيش نفسه فى الميزان!... فقال لى جمال عبد الناصر: حضرتك...كان يقولها ربما باعتبار أنى وقتها رئيس تحرير آخر ساعة وصحفى واسمى معروف وهو فى تلك اللحظة ضابط مجهول برتبة بكباشى لكن لا يعرفه احد.. بتظلم الجيش طب الجيش يعمل ايه؟... هل تتصور أن الجيش اليوم يقدر يعمل حاجة وإلا هنكرر حكاية عرابى ...
    فقلت له هنا اقتراحاً .. أدركت بعدها أنه اقتراح ساذج وأنه غير عملي، ربما هو الخيال أو الاندفاع و العاطفة فى ذلك الوقت لأن كلنا كنا متحمسين... اقترحت قائلاً: ان الجيش يقدر يعمل مظاهرة سلمية ولو أن هناك ألف ضابط ذهبوا وكتبوا أسماءهم فى دفتر التشريفات وكتبوا عبارة صغيرة يطلبون من الملك بمسؤليته التاريخية عن الوطن فى هذه اللحظة أن يتدارك الأمور....
    فقال جمال عبد الناصر وبعدها وأنا أفكر فى قوله وجدت أنه كان حذراً أكثر من الكلام الذى قلته ولفت نظرى ذلك قال: هذا بالضبط هو ماحدث مع عرابى .. وكانت نتائجه كارثية فى ذلك الوقت..، وقال أنه يتصور ان أى مظاهرة من هذا النوع أو أى عملية حتى لو لم تأخذ شكل مظاهرة ستكون مظاهرة عسكرية فى ميدان عابدين والملك سوف يستعين بالقوات البريطانية وهى جاهزة متحفزة لأى شيء .. وبالتاليفإن البلد تروح فى مشكلة .. تتكرر مأساة عرابى مرة أخرى فى القرن العشرين ! ...
    ثم لاحظت أن عبد الحكيم عامر همس لمحمد نجيب ثم قاما ومعهما جمال عبد الناصر الى خارج الصالون بعض الوقت مالا يزيد عن ربع ساعة، استكملنا أثناءها الكلام، اللواء صبحي، وجلال ندا، وأنا حول الاحتمالات... وعادوا واستأذن الضابطان، واستأنفنا الحديث فى حضور اللواء نجيب لكنه بدا شارداً بشكل أو آخر، ووضح لى أنه لاتوجد أخبار مهمة جديدة لديه للجريدة فاستأذنت وخرجت من منزل محمد نجيب وركبت سيارتى وأثناء قيادتى للسيارة وجدت جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر واقفين على محطة الأتوبيس ينتظران قدوم الأتوبيس والمواصلات كانت سيئة بشكل ما، فوقفت وقلت لهما: تحبوا أوصلكم فى حتة؟ فقال عبد الناصر: أنا آسف انت رايح فى أى سكة؟ قلت له: أنا رايح أخبار اليوم قال لى هتمر على باب الحديد؟ يقصد ميدان محطة السكة الحديد قلت له:نعم قال لى:طب حضرتك وصلنا لغاية هناك، ركب جنبى جمال عبد الناصر وفى الخلف عبد الحكيم عامر وأنا أقود، وهو أراد أن يوضح لى لماذا هما واقفان لينتظرا الأتوبيس حوالى عشر دقائق لغاية أن وجدتهما وهذه ايضاً مصادفات بحتة قال جمال عبد الناصر لى: ان سيارته تعطلت اليوم وهو يركبها صباحاً وتركها عند الميكانيكى وكان من المفروض أن يأخذها فى العصر لكن لم ينته تصليحها ولذلك فهو جاء بالأتوبيس هو وعبد الحكيم عامر، وحكى هذه الحكاية، هذا كان أول شيء فى الحديث.
    ثم تطرق الحديث الى ماكنا نتكلم فيه ونحن داخل صالون بيت محمد نجيب فقال لى:أنا آسف.. لكن اقتراحك بمظاهرة ألف ضابط فى ميدان عابدين ويروحو يكتبوا الأسماء فى دفتر التشريفات.. ان هذا سيصبح تكراراً لعرابى وسيتدخل الانجليز...
    فقلت له ولا أدرى كيف قلتها : الانجليز لن يتدخلوا حالياً. أعتقد انى قلتها اعتمادا على معلومات عندى من الليلة السابقة التى هى يوم 17 يوليو فقد كنت بالمصادفة أيضاً أتعشى فيها فى منزل اللواء أحمد شوقى عبد الرحمن مدير إدارة الملحقين الأجانب وكان منزله فى شارع الملك فى حدائق القبة وكان عنده جولبرن الملحق العسكرى البريطانى وآخرين ودار كلام عن الموقف والأحوال فى مصر ..الخ، وسط الكلام قال جولبرن أنه سيقوم بأجازة، كما كنت أعرف من الأخبار أن السير ستيفنسون يرى أن الموقف فى مصر بدأ يصبح عملية مصرية، ان الملك يريد أن يرتب المسائل ويؤجل الأمور الى مابعد الصيف، والنحاس باشا سيسافر للخارج وفى أزمة نادى الضباط سيأتى اسماعيل شيرين وهو صهر الملك وأن المسائل بشكل او بآخر مؤجلة وكل الناس بدأت تأخذ أجازات..
    لكن على أى حال، كنت أعرف أن السفير فى أجازة لكن فى هذه الليلة عرفت أيضاً من جولبرن أن القائد العام للشرق الأوسط سيبدأ أجازة وان الجنرال القائد المباشر لقوات الحماية سيبدأ كذلك..
    فقلت ذلك ل جمال عبد الناصر وفى ذهنى معلومات ليلة أمس فقط وهنا توجد مصادفات تلعب أدواراً غريبة جداً..
    قلت:
    * أنا كنت سهران أمس فى العشاء عند أحمد شوقى عبد الرحمن ،وسمعت الملحق العسكرى البريطانى يتكلم عن المسائل فى القاهرة وماجرى وسيجرى... لكن من الواضح أن مركز الحوادث لم يعد صداماً بين جيشين على أرض واحدة لكن جيشاً منهما اليوم بدا يؤخذ بالكامل فى مشاكل هنا فى الداخل .. فى حوادث القاهرة..وبالتالى فإن درجة الاستعداد انخفضت.. والقادة بدأوا يفكرون فى أجازات ، فأنا تكلمت ولاحظت اهتمام جمال عبد الناصر..
    وأنا أقول أن الانجليز لن يتدخلوا لأن لديهم اعتبارات كثيرة جداً :
    1- أن القوات موجودة لكى تواجه ايران
    2- ليس هناك مايدعو للتدخل طالما أن التفاعلات موجودة فى القاهرة، والقاهرة تقوم بما تريد والتفاعلات سياسية وعلى أى حال واضح ان المسائل تأخرت فضلاً عن أن القادة كلهم غير موجودين حتى الملحق العسكرى البريطانى غير موجود، السفير البريطانى غير موجود.. وإذن فمن الصعب جداً أن أتصور أنه يمكن اتخاذ قرار بالتدخل فى ظل غياب كل هؤلاء.
    وأن غياب كل هؤلاء يوضح أمامى كصحفى حال كل من فى مصر تقريباً، الأطراف الفاعلة سواء الانجليز أو القصر أو الوزارة أو الأحزاب، يبدو أن الآزمة مؤجلة أو الصدام مؤجل... ونادى الضباط مغلق لكن اسماعيل شيرين سوف يستطيع أن يسيطر على الموقف بشكل أو بآخر ولديه رصيد فى الجيش وهو رجل محترم بمعنى أنه معقول وصحيح أنه ليس لديه خبرة قتالية كبيرة لكن لديه علاقات كثيرة بالضباط، وأقول وقبل أى شيء آخر أنه صهر الملك فلديه بشكل أو بآخر سلطة أن يتكلم وأن يعطى وعوداً. لكن كله مؤجل أو مرحل.
    شعرت أن جمال عبد الناصر بدأ يهتم بالكلام الذى قلته وبالتحديد: عن أجازات القادة، وعما قلته حول الاستعداد لإيران، وأن أزمة ايران تتحرك ويزداد الاستعداد لذلك..
    فى هذه اللحظات تقريباً كنا اخترقنا حدائق القبة الى منشية البكري، الطريق القديم بالعباسية الى قرب ميدان السكة الحديد، فسألتهما:تحبوا أنزلكم فين؟.. فإذ بجمال عبد الناصر يقول:هل من الممكن أن نكمل كلامنا فى مكان آخر؟.. فقلت:تعالوا معى الى مكتبى...
    فى الطريق همس عبد الحكيم عامر وهو جالس بالخلف لجمال عبد الناصر وقال له شيئاً، فوجدت جمال عبد الناصر يقول لى:ممكن نروح مكان آخر غير أخبار اليوم؟، فيما بعد أدركت أن تحفظ عبد الحكيم عامر على ذهابنا ل أخبار اليوم مبعثه أن جريدة أخبار اليوم كانت تعتبر فى ذلك الوقت جريدة السراى وهو لايريد الظهور فيها.. فقلت له تحب نروح بيتى... واتجهنا الى هناك.فى ذلك الوقت كنت أسكن فى بيت فى 14 ش شجرة الدر، فى شقة صغيرة من ثلاث حجرات لكن أظن أنها كانت بذوق حلو، لذلك فعندما ذهبنا الى البيت ودخل جمال عبد الناصر وأذكر أنه نظر لى وقال:انت ارستقراطي؟!.. قلت له اطلاقاً، أبعد ماأكون عما أنت تتصوره.. أنا أعتبر ان عملى هو الشيء الوحيد الذى أمتلكه وهو الذى يعطينى أى عائد وليس عندى أى شيء آخر...
    فى المنزل كانت غرفة المعيشة مفتوحة على الصالون واسعة وفيها مكتبة كبيرة جداً ثم حجرة نوم بعد ذلك وأنا وحدى لم أكن قد تزوجت بعد فجلسنا وبدأنا نكمل الحديث وأنا أشعر ان جمال عبد الناصر راغباً فى الاستعادة، راغباً فى استعادة موضوع الأجازات، موضوع الجنرالات الانجليز، موضوع الاستعداد لايران، موضوع عدد القوات وماهو مخصص لايران؟.. ثم سألنى سؤالاً غريباً جداً: هو كل الصحفيين بيعرفوا فى هذا؟..وحكى لى: أنا ربما كنت أظلم الصحفيين .. لأنى ذهبت فى مرة لأزور الأستاذ أحمد أبو الفتح فى جريدة المصرى.. فانتظرته فى حجرة فيها الأستاذ عبد الرحمن الخميسى.. وعبد الرحمن الخميسى كان يصحح على مايبدو بروفة قصة، فجمال عبد الناصر كان يحاول أن يسأله عن شيء فإذ هو يردد عبارة كان متوقفاً عندها.. هى: ان هذه ليست ساقى ولكنها ساق رجل آخر!... وجمال عبد الناصر ظل حافظاً لتلك العبارة !... وراح جمال عبد الناصر يسأله: هو الأستاذ أبو الفتح هيتأخر ولاحاجة؟، ويعيد عبد الرحمن الخميسى: هذه ليست ساقى ولكنها ساق رجل آخر!..
    حفظ عبد الناصر العبارة لكنه ظل كذلك معتقداً بأن كل الصحفيين وقتها، فنانين أو على هذا النحو... لكنى هنا أتصور على كل حال أنه كان لديه نوع من الاستغراب حول أن كل هذه المعلومات متاحة لصحفى عن القوات الانجليزية وعن أوضاع القادة...الخ خاصة أنى بالطبع لم أقل له أنى كنت ليلة أمس عند اللواء شوقى عبد الرحمن سمعت فيها تفاصيلاً كثيرة وأنى كنت أقوم بالتحضير لقصة صحفية أكتبها عن هذا الشأن وقد سألنى فحكيت له تقريباً المادة التى حصلت عليها أمس لكن فيما يبدو لى أنه بهر بكمية مالدى وظل يستزيد ... وعلى أى حال فإنه قبل أن يمشى كانت الساعة قاربت التاسعة والربع مساء من ذلك المساء، وأذكر أيضاً أنه سألنى إذا كان ممكناً أن يتناول ساندوتش.. فى ذلك الوقت كان معى رجل هو المسئول عن بيتى ومازال حتى هذه اللحظة يسعدنى بوجوده معى واحنا الاثنين طبعاً كبرنا.. لكنه كان موجود فى تلك الليلة لأنه كان ينتظرنى لو كنت عايز أتعشى أو يقوم بشيء..فسألته: تقدر تعمل ساندوتش جبنة فالرجل قام بما يتصور أنه إكرام للضيوف وأحضر سيمون فاميه الذى كان يباع وقتها فى علب محفوظة فتح علبة صفيح وطلع منها شرائح فى طبق مع بعض توست، و أكل الساندوتش بنفس وهو يبدو عليه أنه يريد أن يسمع أكثر وسعيد ثم بدأ يسألنى ويقول لى حضرتك هتكون فين لأنى أريد أن أكمل هذا الكلام معك هل يمكن أن نتقابل؟.
    * لفت نظرى باعتباره ضابط صاحي، أنا رأيته قبل ذلك لكن لم نرتبط بشيء، لكن هذه الليلة وهو يبدى اهتماماً شديداً بكل ماكنت أقوله..أقول أنه بشكل ما: فإن شيئاً ما اتصل.
    عبد الحكيم عامر فى هذه الليلة أظن لم يتكلم كثيراً، لا أذكر شيئاً معيناً قاله، لكنه كان يجلس والكلام كان بينى وبين جمال عبد الناصر سواء فى أسئلته أو فى اجاباتى لكن عبد الحكيم غير داخل فى التفاصيل، لايتكلم ولا يسأل فى شيء لكن كله كان مع جمال عبد الناصر...
    ---
    فى اليوم التالى كتبت فى دفترى ملاحظات عمارأيته، ركزت على ماحدث فى منزل محمد نجيب، كلامه، وكلام صبحي، وأشرت الى كلام الضابط جمال عبد الناصر معى.. باختصار. لكنى لم أشأ أن أضع اسمه على ورق فى الحقيقة وقلت أنه كان معى وجاء الى منزلى وتكلمنا لكن قلت هذا الكلام فى سطرين اثنين ولم أكن أعلق.
    الغريب جداً أنه فى مرات عديدة تفوت منا أشياء، وتحدث أشياء عابرة لانعلق عليها، ثم إذ بالحوادث تثبت لنا فيما بعد أن هذه كانت لحظة فارقة فى حياتنا... كتلك اليلة التى كانت بالنسبة لى لحظة فارقة لأنه تحركت مسائل كثيرة جداً بعدها وأنا وجدت نفسى فى شيء لم أقدر له تداعياته...لم أكن أتصور أن هذه بداية مرحلة مختلفة فى حياتى.
    * فى صباح اليوم التالى وجدت رسالة متروكة لى من الأستاذ مصطفى أمين : أنه ذاهب الى الاسكندرية لأن هناك أزمة وزارية ...ولقد احتدمت أزمة نادى الضباط ورفض طلب حسين سرى فى مجيء محمد نجيب فقرر أنه يستقيل.. ولا نعرف كيف فكر الملك فى المجيء به بعد نجيب الهلالى لأنه كان واضحاً أن علاقة الملك برئيس وزرائه حسين سرى كان يشوبها عنصر كراهية شخصية... وفى الوثائق نجد أن سرى باشا وبهى الدين بركات باشا وحتى حافظ عفيفى فى ذلك الوقت جميعاً رأوا الرجل فى الملك ولم يروا الملك فى الرجل... رأوا الرجل فى ضعفه.
    الى درجة أن بهى الدين باشا يقول للسفير الانجليزى: لا أمل فى مصر وهذا الشاب موجود!.
    ثم ان كلمة الثورة أو البلد كانت مقبلة على ثورة ترددت فى كلام بهى الدين بركات مع السفير الانجليزي، ولم يكن هناك داع اطلاقاً فى شواهد الأحوال على الأقل لكلمة ثورة.
    وفى حقيقة الأمر، لم يكن هناك ثورة، بمعنى أنه كانت هناك فى مصر فى ذلك الوقت حالة ثورية بلا جدال ولكن لكى تقوم ثورة فلابد أن يتواجد ماهو أكثر من مجرد حالة ثورية.
    لابد أن تكون هناك فكرة قائدة لهذه الحالة الثورية..وحركة لها وجامعة لها وملهمة ومحركة للناس..لأنه لايكفى أن جمعاً من الضباط، يغضبون لأسباب داخلية متعلقة بالجيش... لابد أيضاً الى جانب الفكرة القائدة والملهمة أن تكون هناك عناصر موجهة لها رصيد عند الناس.. وليس أحداً قادماً من المجهول يقول أريد أن أقوم بانقلاب!.
    لكن لكى تتحدد عوامل ثورة فأظن أنه لابد لها من اعتبارات. من عوامل موضوعية تقول أن هناك ثورة قادمة.
    لكن هنا فى هذه الحالة فإن الناس كلها كانت تحس ب الحالة الثورية...ولابد من التفرقة بين الحالة الثورية أو وجود بؤر للتمرد وللرفض... و بين أن يتحول ذلك الى ثورة.
    على أنى أتصور أن ساسة مصر فى ذلك الحين كانوا يستشعرون أن مصر ماضية الى حالة صدام ما.
    والغريب أنه كان قد تردد كلام وقتها عن احتمال ثورة، حتى الأمير محمد على يذهب الى السفير الانجليزى ويقول له:ان البلد مقبلة على حافة ثورة!.
    وهناك عوامل يمكن أن تحول حالة ثورية الى فعل ثورى. والفعل الثورى يمكن أن يكون فعل تغيير، ويمكن أن يكون فعل انقلابلكن ليس بالضرورة ثورة، بمعنى اعتبار أن الثورة هى نقيض الأمر الراهن أو نقيض الأمر المعتاد.
    على أية حال فإن كلمة ثورة فى تلك اللحظات لم تكن تخلو منها الأجواء.
    والجماعة التى كانت الحالة الثورية متجلية عندها، أى مجموعات الضباط الشباب، فأكاد أكون جازماً بأن فكرة تغيير شامل لم تكن قد طرأت بعد على أذهانهم لكن فى ذهنهم موضوع الجيش وان الجيش لابد من تطهيره من هؤلاء الذين لايستطيعون لامواجهة اسرائيل ولااعداد الجيش بكفاءة ولاصيانة دور الجيش عن التدخل فى العمل الداخلى.
    فنحن هنا أمام موقف شديد الالتباس: وزارة سرى باشا تستقيل... وملك يريد أن ينتهز الفرصة ليسافر ويحاول أن يؤجل الأمور، والرجل فيه يغلب الملك.
    والأمور تنحدر على الطريقة تقريباً التى وصفها بول رينو رئيس وزراء فرنسا عندما قال مرة فى الحرب العالمية الثانية:
    * عربة فرنسا تندفع بأقصى سرعة على الطريق ... لكن ياإلهى نحن لانعرف الى أين؟.

    * نقلا عن العربي المصري
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-04-04
  3. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    رحمه الله تغشي ذلك البطل القومي عبد النا صر
     

مشاركة هذه الصفحة