يمثّل الاعتذار في المفهوم الديني قيمة كبرى !!!

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 554   الردود : 1    ‏2006-03-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-29
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    سئل العلامة المرجع، السيّد محمد حسين فضل الله، في ندوته الأسبوعية، حول فلسفة الاعتذار وضوابطه في الإسلام؟




    فأجاب: يمثّل الاعتذار في المفهوم الديني قيمة كبرى من حيث كونه يعبر عن الندم في فعل أو قول أو حركة، كما يمثل العزم على عدم العود إلى الخطأ والمعصية. ومن هنا فقد مدح الله سبحانه وتعالى التوابين الذين أفاقوا من غفلتهم وعادوا عن ذنبهم وخطأهم، وأتاح لهم الحصول على محبته ورضوانه. إن الاعتذار والتوبة يمثّلان باباً من أبواب الرحمة الإلهية بالعباد، التي تلاحظ طبيعة الإنسان وتراعي ظروفه التي قد تهزمه في كثير من الحالات ليقع في الخطأ، فلم توصد أبواب الرحمة والعودة في وجهه، مهما عظمت خطاياه وذنوبه، وقد ورد في بعض الأحاديث: "إن لله رحمة يشرئبّ لها عنق إبليس".

    هذا من حيث المبدأ، ولكن عند الدخول في التفاصيل، فلا بد من الحديث عن شروط الاعتذار وضوابطه، فالاعتذار ينطلق في الأساس من خطأٍ معيّن ارتكبه الإنسان، وهذا الخطأ تارة يكون فيما يرتبط بحقوق الله وأخرى فيما يرتبط بحقوق الناس، والأمر في الدائرة الأولى قد يكون سهلاً، حيث إن الله سبحانه وتعالى يتجاوز عن تقصير العبد في أداء حقوق خالقه، فيصفح ويتجاوز عنه إذا آب وعاد إلى ربّه، وندم على ذنبه، أما عندما ترتبط الإساءة بحقوق الناس فلا يكفي مجرد الندم والتوبة، بل لا بد أن يستتبع ذلك، بإعادة حقوق الناس إليهم عندما يُعتدى على حقوقهم المادية من مال أو نحوه، والاعتذار منهم عندما يُساء إليهم معنوياً بمثل الغيبة وهتك الأعراض.

    وعلى ضوء ذلك يكون الشرط الأول في مسألة الاعتذار من الآخرين الذين أُسي‏ء إليهم أن يبادر المسي‏ء إلى تصحيح الخطأ وتلافي السلبيات المترتبة عليه وضمان ما يستوجب منها الضمان، ولا بد له بعد ذلك من أن يتوجّه بنية صادقة ومخلصة لله تعالى بالاعتذار والعزم على عدم العود إلى ما فعل، ليكون الاعتذار منطلقاً من حال صدق وصفاء تطهّر القلب وتصحح العمل، لا أن يكون مجرد لقلقة لسان وتلاعب بمشاعر الآخرين، انطلاقاً من مصالح معينة أو مراعاة لبعض الظروف الضاغطة. وبهذه الضوابط وهذه الروحية الصافية والطيبة يكون الاعتذار منقبة، أما عندما يكون استغلالاً رخيصاً للمشاعر بغية تلميع الصورة وتحسينها أمام الرأي العام، فعندها تعتبر المسألة غشاً وخديعةً ومذمّةً. وعلى العاقل والسوي والحكيم والذي يتحرك في الحقل السياسي على وجه الخصوص، أن يدرس خطواته وكلماته جيداً قبل إطلاقها، حتى لا يقع فيما يستوجب منه الاعتذار، لأن المسألة لا تتصل بالجانب الشخصي فحسب، بل تتعدى ذلك إلى المساس بمصالح الأمة وتعريض أمنها وسلامها وسمعتها للأخطار أو التشويه. ومن هنا ورد في بعض التعاليم الإسلامية: "إياك مما يسي‏ء ويعتذر، فالمؤمن لا يسي‏ء ولا يعتذر، والمنافق في كل يوم يسي‏ء ويعتذر". وعلى ضوء ذلك فإن كثرة الاعتذار ليست مدعاة للمدح في هذا الجانب بقدر ما تعبر عن خلل وارتجال وعشوائية تستدعي من الإنسان أن يقوم بتكرار الاعتذار...

    كما أن من يبادر إلى الانسحاق أمام المستكبرين والظالمين ليعتذر منهم عن مواقف محقّة سبق له أن اتخذها عندما يشعر بأن الريح قد مالت لمصلحتهم، لا يمكن أن تصنف اعتذاره هذا ضمن الاعتذار المقبول، بل هو مداهنة ومراوغة وتنكّر للقيم الإنسانية ولقضايا الأمة في مجاهدتها للمستكبرين، وقد يشكّل ذلك نوعاً من أنواع الخيانة والسقوط من خلال التنازل عن الحقوق الأساسية للأمة، الأمر الذي يستوجب على الأمة أن تراقب هذه الحالات وهذه النماذج وألا تندفع معها استجابةً لرغبات آنية وعصبيات شخصية وما إلى ذلك. إننا نفهم أن يكون الرجوع عن الخطأ فضيلة، وقد ينطلق ذلك من صحوة ضمير، إلا أن من السذاجة أن نبادر بسرعة إلى تصديق هؤلاء الذين تلطّخت أيديهم بدماء الأبرياء وارتكبوا الجرائم، بل لا بد للوقائع والتجارب أن تكشف صدقهم أو كذبهم من جهة، مضافاً إلى أنه لا بد لهم أن يعتذروا للأمة وأن يدفعوا ثمن قهرها وظلمها من جهة ثانية، وعلى الأمة ألا تكون ساذجة فتقبل من هؤلاء مجرد اعتذارهم الشكلي الذي لا يستتبع تغييراً على مستوى السلوك والسيرة، فما الضمانة على ألا يعيد هؤلاء الأمة إلى نفس النفق الذي سبق لهم وأدخلوها فيه.

    إن الصورة المشرقة للاعتذار هي تلك الناشئة من شعور المسؤول بالخطأ لعدم قيامه بخدمة الأمة والوطن كما ينبغي وبما يلزم، لا الاعتذار الذي ينطلق من خيانة الأمة أو التنكّر لقضاياها، فهذا النوع من الخطأ يفقد المسؤول شرعيته إذا ما وقع فيه. أما الشعور الطبيعي الذي ينبغي للمسؤول أن يعيشه فهو أن يحاسب نفسه على أي تقصير إزاء الأمة وقضاياها، أو تجاه المظلومين والمقهورين، وقد ورد في بعض الأدبيات من الأدعية الإسلامية: "اللهم إني أعتذر إليك من مظلوم ظُلم بحضرتي فلم أنصره، ومن حق ذي حق وجب عليّ فلم أوفره".. فلا يعتذر المسؤول عن ظلم ارتكبه هو، بل عن عجزه وتقصيره في رفع الظلم عن الآخرين. إن الاعتذار للمستكبر والظالم من قِبَل الضعيف قد يشكل جريمة في كثير من الأحيان، لأنه يمنح هذا المستكبر فرصةً أخرى لظلم الأمة وقهرها، وقد رأينا كيف أن الإدارة الأمريكية تستغل أية حالة تراجع أو تخاذل في الأمة قد تنطلق تحت عنوان الاعتذار لتحاصر الأمة في مواقع ومناطق جديدة.

    إن المطلوب من الإدارة الأمريكية الحالية وممن سبقها أن يقدموا الاعتذار للعرب والمسلمين على سلسلة الجرائم التي ارتكبوها بحقهم، سواء في دعمهم لإسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني أو في استباحتهم للمواقع السياسية أو الاجتماعية أو لثروات الأمة أو لمقدساتها أو اجتياحهم لأرضها وتدميرهم لطاقاتها وقتلهم لمئات الآلاف من الناس من دون أن يرفّ لهم جفن أو أن يشعروا بصحوة ضمير واحدة. كما أن على اليهود الذين اغتصبوا فلسطين وساهموا ـ ولا يزالون ـ في مأساة الشعب الفلسطيني أن يقدموا الاعتذار للأمة مشفوعاً بالحقوق والتعويضات، لا أن يستخدموا إمكانياتهم الإعلامية وعلاقاتهم السياسية لتزوير التاريخ وإرغام الآخرين على الأخذ بأساطيرهم وخرافاتهم التي أرادوها أن تتحول إلى حقائق غير قابلة للجدل والنقاش ورجموا كل من يجادل فيها بالمعاداة للسامية حتى وإن كان سامياً قحاً.

    أما في لبنان، فإن على الذين أجرموا بحق البلد في حروبهم التي خاضوها لحساب الآخرين أو في سرقاتهم للأموال العامة أو في إهدارهم لكل الفرص الاقتصادية والسياسية التي كان من شأنها إصلاح الوضع للأجيال السابقة واللاحقة أن يعتذروا للشعب اللبناني وأن تكون أولى مبادراتهم الاعتذارية تقديم لائحة بالأخطاء والارتكابات والإعلان الصريح عن عدم العود إلى مثلها وإرجاع أموال الدولة إليها والعزم على توفير الفرص للطاقات الشبابية الطامحة للقيام بدور شريف في بناء البلد، لا أن يُصار إلى استخدام الفاشلين مجدداً في مسيرة البناء الكبرى، وقد قالها علي(ع): "إن شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيراً".

     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-04-04
  3. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    يمثّل الاعتذار في المفهوم الديني قيمة كبرى من حيث كونه يعبر عن الندم في فعل أو قول أو حركة، كما يمثل العزم على عدم العود إلى الخطأ والمعصية. ومن هنا فقد مدح الله سبحانه وتعالى التوابين الذين أفاقوا من غفلتهم وعادوا عن ذنبهم وخطأهم، وأتاح لهم الحصول على محبته ورضوانه. إن الاعتذار والتوبة يمثّلان باباً من أبواب الرحمة الإلهية بالعباد، التي تلاحظ طبيعة الإنسان وتراعي ظروفه التي قد تهزمه في كثير من الحالات ليقع في الخطأ، فلم توصد أبواب الرحمة والعودة في وجهه، مهما عظمت خطاياه وذنوبه، وقد ورد في بعض الأحاديث: "إن لله رحمة يشرئبّ لها عنق إبليس".
     

مشاركة هذه الصفحة