كيف تحولت ايران من المذهب السني الى المذهب الشيعي

الكاتب : الشريف الهاشمي   المشاهدات : 726   الردود : 0    ‏2006-03-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-29
  1. الشريف الهاشمي

    الشريف الهاشمي عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-12
    المشاركات:
    37
    الإعجاب :
    0
    كيف تحولت إيران من السنة إلى الشيعة؟

    إن الدارس لتاريخ إيران منذ الفتح الإسلامي إلى يومنا هذا يستطيع أن يتبين في سهولة ويسر أنه سار في اتجاهين متعاكسين، كل منهما يختلف عن الآخر، اختلافاً بيناً .

    أما الاتجاه الأول، منذ شروق الإسلام في إيران إلى بداية القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، فقد غلب عليه الفكر السني وهو اتجاه سار فيه تاريخ إيران منذ الفتح الإسلامي إلى قيام الدولة الصفوية باستثناء دولة آل بويه. أما الاتجاه الثاني فقد غلبت عليه الصبغة الشيعية المبتدعة، وهو اتجاه سار فيه تاريخ الإيرانيين منذ قيام الدولة الصفوية الشيعية، في عام 906هـ/ 1500م ثم إعلانها المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً لإيران من عام 907هـ / 1501م، أي منذ خمسة قرون من الزمان .

    وقد كان لغلبة كل صبغة من هاتين الصبغتين أثر واضح في توجيه مظاهر النشاط البشري في إيران وفي رسم سياستها الخارجية وفي تحديد صلاتها بالبلاد الإسلامية وغير الإسلامية التي جاورتها أو اتصلت بها.

    وأحداث التاريخ الإسلامي، قديماً وحديثاً، خير شاهد على صحة ما نقول، فقد ساهمت إيران في بناء صرح الحضارة الإسلامية الراقية - كما يفتخربذلك علماء الشيعة الإيرانيون اليوم(2) حين كان الفكر السني غالباً على النشاط البشري فيها، فكان كثير من علماء المسلمين، من مختلف العلوم والفنون، من الإيرانيين، كما ساهم مجاهدون من الإيرانيين السنة في نشر الإسلام في ربوع آسيا، فأوصلوا نور الإسلام إلى شعوب التركستان وآسيا الصغرى والهند والشرق الأقصى وحتى وصل المسلمون إلى حدود الصين .

    كما أن لغلبة الفكر الشيعي على إيران أثر في النزاعات الإسلامية والفتن الطائفية، لأن الخلافات المذهبية بين الشيعة في إيران بزعامة الدولة الصفوية وأهل السنة في العالم بزعامة الدولة العثمانية وشيبك خان الأوزبك في شمال إيران أدت إلى اشتعال نيران الحرب بين المعسكرين السني والشيعي، وتبادل الطرفان الانتصارات والهزائم، ودامت الحروب بينهما أكثر من قرنين من الزمان مما نتج عنه إنهاك قوى المعسكرين وهذا الذي أراده حماة الشيعة الصفوية، وتمكين المستعمرين من الغرب الصليبي من احتلال أكثر ديار المسلمين وكان للشاه اسماعيل الأول ثم الشاه عباس الثاني النصيب الأكبر في تعميق شرخ الخلافات السياسية والمذهبية بين إيران والدولة العثمانية وقد استعان الشاه عباس بالصليبيين والإنكليز الذين أمدوه بالسلاح الناري الحديث .

    ويمكن القول بأن جذور الخلافات المذهبية قد ساهمت في إيجاد الكثير من المشاكل التي تعرف اليوم بمشاكل الشرق الأوسط . حتى أن الحرب في الخليج التي دامت ثماني سنوات ابتداء من أيلول 1980م ولغاية 1988م بين كل من إيران والعراق إنما كان العامل الرئيسي في إشعالها هو العامل الديني وبالتالي العوامل الإقتصادية والإجتماعية والسياسية .

    وهذه الدراسة عن تحول الفكر الإسلامي في إيران تصور جانباً من واقع العالم الإسلامي المعاصر وتبين أثر الخلافات المذهبية في تمزيق صفوف المسلمين، وإشعال نار العداوة والبغضاء بين شعوبهم وتلقي الضوء على الظروف الاجتماعية والفكرية التي أدت إعلان التشيع مذهباً رسمياً للدولة والمجتمع الإيراني وأسارع إلى تلخيصها فأقول :

    1- الظروف الاجتماعية في العهد التيموري في القرنين الثامن والتاسع الهجريين التي أعطت فرصة كبيرة للتصوف وهي بذلك مهدت إلى التشيع .

    2- التصوف نفسه الذي تأثر بالتشيع وكان المجتمع الإسلامي آنئذٍ تحت نفوذ الصوفية ورجالها .

    3- والسبب المباشر، وهو قيام الدولة الصفوية بزعامة الشاه إسماعيل الذي أرغم الناس على التشيع .

    بدأ الفتح الإسلامي لإيران في زمن الخليفة الراشد(1) أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين أمر خالداً بالسير إلى العراق في محرم(2) سنة 12هـ / 624م إلا أن سيطرة المسلمين على الأراضي الإيرانية المختلفة استغرقت قرابة عشر سنوات(1) بعد انتصارهم المبين في نهاوند(2) في عام 21هـ / 643م .

    ولكن السبب في طول المدة كان نتيجة لاتساع رقعة الأراضي الإيرانية وليس نتيجة لوجود مقاومة من جانب يزدجرد الثالث الذي أفل نجمه بعد هزيمة جيشه-عند نهاوند- وظل هائماً على وجهه إلى أن قتل في عام 31هـ فكان هذا التاريخ نهاية للدولة الساسانية، من الناحية التاريخية ولكن نهايتها الحقيقية الفعلية كانت في عام 21هـ بعد هزيمة يزدجرد الثالث في موقعة نهاوند الفاصلة الحاسمة .

    لقد أعجب الإيرانيون بما في الإسلام من عدل ومساواة وسماحة ويسر فاستظلوا بظله، وحسن إسلامهم فأخلصوا له، وحرصوا على نشره وقد ساعد على انتشار الإسلام في إيران وظهور الصبغة السنية فيها هجرة كثير من القبائل العربية إلى الأراضي الإيرانية(3) والإقامة فيها، ثم اختلاط أفراد هذه القبائل العربية بالإيرانيين وارتباطهم بهم برباط المصاهرة، مما أدى إلى اختلاط الدماء وتداخل الأنساب وزيادة النفوذ الإسلامي والتأثير العربي في الأراضي الإيرانية .

    وكان استقرار القبائل العربية المهاجرة إلى إيران واضحاً في القسم الجنوبي الشرقي-بلوشستان- من إيران نتيجة لموقع إيران الجغرافي، غير أن الصبغة الإسلامية السنية لم تلبث أن سيطرت، تدريجياً، على سائر أنحاء إيران غرباً وشرقاً وجنوباً وشمالاً، علماً أن الفتح الإسلامي قد دخلها من طرف الغرب بسبب الموقع الجغرافي .

    وظلت الصبغة السنية في العهد الراشدي وطوال العصر الأموي والعباسي إلى أن ظهرت نزعة الاستقلال عن العرب في إيران منذ أوائل القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، وازدادت بعد ذلك في عهود الدول التي خلفت الدولة الطاهرية، كالدولة الصفارية والدولة السامانية والدولة الغزنوية، إلا أن الصبغة السنية ظلت غالبة على مظاهر النشاط البشري في إيران .

    وكان ظهور العنصر التركي في العالم الإسلامي السني عاملاً مساعداً على تقوية الصبغة السنية على جميع مظاهر النشاط البشري في جميع الأقطار الخاضعة للنفوذ الروحي للخليفة العباسي السني، لأن الأتراك كانت تغلب عليهم صفة البداوة فإذا آمنوا بشيء تمسكوا به تمسكاً شديداً، ودافعوا عنه بقوة، ولم يقبلوا عنه بديلاً .

    وبدأت الدول التركية تظهر في إيران المسلمة السنية منذ القرن الرابع الهجري، وكانت الدولة الغزنوية هي أول دولة تركية قوية مشهورة ظهرت في إيران في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، مع أن ثقافتها كانت عربية وفارسية، وبلغت ذروتها في عهد محمود الغزنوي الذي استطاع أن يسقط كلاً من الدولتين السامانية والزيارية، وأن يستولي على كثير من ممتلكات البويهيين في الهضبة الإيرانية وأن يدفعهم إلى غربي الهضبة، وقد أخذ تاريخ إيران يدخل في ظل الإسلام_ مرحلة جديدة أكثر أهمية وأخلد أثراً كما أخذت الصبغة السنية تزهو في هذه البلاد بصورة واضحة ملموسة، وكان الاتهام بالتشيع كافياً لإعراض السلطات عن كل من يتهم بهذه التهمة كما حدث للفردوسي مع محمود الغزنوي .

    ولهذا كله تحامل بعض الإيرانيين المحدثين على السلطان محمود وحاولوا الغض من روعة جهاده وفتوحاته بتشويه تاريخه، وإذا كانت الحقيقة العلمية هي غاية الدارسين فينبغي أن نقرر أن السلطان محمود الغزنوي من أعظم حكام المسلمين وأبطالهم الذين أبلوا بلاء حسناً في نصرة الإسلام ونشره في الآفاق، وساهموا في بناء الحضارة الإسلامية بتشجيعه لبُناتها من العلماء والأدباء كما أنه خدم اللغة الفارسية وآدابها وقد شهد عصر محمود الغزنوي ظهور قوة تركية جديدة وهي السلاجقة، ومن الحق أن نقرر أن خروج الطوائف التركية من مواطنها الأصلية- في وسط آسيا- وتسربها أحياناً، واندفاعها أحياناً أخرى إلى غربي آسيا وشرقي أوروبا ووسطها من الحركات العالمية التي شهدها التاريخ(1) - كما يعبر عنها الدكتور عبد النعيم حسنين(2) - وهي حركة استمرت سبعة قرون من القرن الرابع الهجري( العاشر الميلادي) إلى القرن الحادي عشر الهجري(السابع عشر الميلادي) .

    لقد كانت موقعة ملازكرد(3) من المواقع الحاسمة في التاريخ الإسلامي بعامة وفي تاريخ غربي آسيا بخاصة، لأنها زعزعت أركان دولة الروم، وقضت على نفوذهم في أكثر أجزاء آسيا الصغرى بعد ذلك، فكانت- لهذا- بعيدة الأثر في مختلف نواحي الحضارة في هذه المنطقة، فقد أدى أفول نجم الروم من أفق منطقة آسيا الصغرى إلى انكماش نفوذهم حين أخذت أجزاء كبيرة من بلاد الروم تفلت من أيديهم وتنضم إلى العالم الإسلامي، مما أدى إلى حلول الحضارة الإسلامية محل الحضارة اليونانية النصرانية، وصارت هذه المنطقة من بلاد المسلمين، وصار أهلها يتبعون مذهب أهل السنة الذي كان متبعاً في إيران، حيث كان المسلمون يدينون بالطاعة والولاء للخليفة العباسي الذي كان مقره في بغداد عاصمة دولة الخلافة. كما أخذت اللغة الفارسية تنتشر في ربوع آسيا الصغرى لأنها كانت لغة الجنود الذين فتحوا هذه البلاد، وهي اللغة الإسلامية التي تلي العربية في أهميتها.

    وهكذا يسر انتصار السلاجقة(4) السنيين في موقعة ملازكرد في (463هـ / 1071م ) إحداث هذا التحول الكبير في منطقة آسيا الصغرى، وما زالت آثاره ملموسة إلى يومنا هذا، مما جعل هذه الموقعة إحدى المواقع الحاسمة في التاريخ الإسلامي بعامة وفي تاريخ السلاجقة وغربي آسيا بخاصة .

    وقد قامت الحروب الصليبية في عام 487هـ/1095م(1) بعد موقعة ملازكرد بربع قرن من الزمان تقريباً، فكانت نوعاً من الأخذ بالثأر من السلاجقة المسلمين المتمسكين بالمذهب السني، فقد تمكن الصليبيون من الاستيلاء على بيت المقدس بمساعدة بعض الشيعة، في عام 492هـ = 1099م، بعد أقل من ثلاثين عاماً من هزيمة الروم في تلك الموقعة، واستطاع السلاجقة وأحفادهم في بلاد الشام وقوادهم من الأكراد أن يساهموا في قتال هؤلاء الحاقدين، وتمكنوا، في النهاية، من القضاء عليهم وطردهم من بلاد المسلمين وتقوية المعسكر السني .

    ويمتاز العصر السلجوقي في إيران بأنه عصر ظهرت فيه الصبغة السنية في جميع مظاهر الحضارة الإيرانية بحيث عدَّ الشيعة الغلاة(2) - الإسماعلية من أتباع حسن الصباح- بنظر الشيعة أنفسهم، مرتدين خارجين عن الإسلام ووصفوا بأبشع الصفات، وهم الذين اغتالوا نظام الملك الطوسي الوزير الشهير، كما أنهم تمكنوا -أي السلاجقة- بعد انتصارهم على الروم من نشر الصبغة السنية على ألوان النشاط البشري في هذه المنطقة إلى يومنا هذا .

    وكان سقوط السلاجقة في عام 590هـ /1194م بداية النهاية بالنسبة للخلافة السنية في بغداد، فقدصادف سقوط السلاجقة ظهور المغول(3)- الذين دعاهم علماء الشيعة مثل الطوسي وابن العلقمي الوزير لتدمير بغداد- وبروز خطرهم على الاسلام السني، وبرغم وثنية المغول فإن الصبغة الإسلامية السنية ظلت سائدة واضحة في إيران بعد سقوط دولة الخلافة العباسية السنية. بل إن قوة الحضارة الإسلامية السنية المستقرة في إيران لم تلبث أن أثرت فيهم فبدأوا يغيرون من عاداتهم الوثنية وأخلاقهم البدوية ويلبسون أنماطاً جديداً من الملابس إلى أن دخلوا في السلم كافة منذ عهد آباقا خان الذي سمّى نفسه أحمد وكان ذلك في عام 680هـ/ 1181م، أي بعد مرور أقل من ربع قرن على سقوط دولة الخلافة العباسية السنية(1) ، وصار حكام المغول مسلمين- منذ ذلك الوقت- فأصبحوا رعاة للحضارة الإسلامية السنية، وأخذ صرح هذه الحضارة يواصل ارتفاعه في العصر المغولي، فنشطت العلوم والفنون وكثر الإنتاج الأدبي وألفت الموسوعات التاريخية كما ألفت كتب قيمة في الطب وعلم النبات والطب والعلوم الطبيعية .

    وهكذا ظلت الصبغة السنية غالبة واضحة في إيران بعد سقوط دولة الخلافة العباسية السنية على أيدي المغول الذين غَلَبوا عسكرياً ولكنهم غُلبوا حضارياً، وتركوا وثنيتهم، ودخلوا في الإسلام وصاروا من جنوده المدافعين عنه والحامين لحضارة الإسلام إلى أن خلف تيمور المغول وبقيت الصبغة السنية ظاهرة غالبة في إيران في ظل الدولة التيمورية التي شجعت العلوم والفنون وزادت صرح الحضارة الإسلامية الراقية ارتفاعاً وشهرة، غير أن الدولة التيمورية أخذت تفقد تماسكها بعد وفاة تيمور في عام 807هـ = 1404م، فقد كثرت المنازعات والحروب بين أبنائه وأحفاده(2) . فاستفادت القبائل التركية المقيمة في القسم الشمالي الغربي من إيران من هذا التفكك في البيت التيموري، وأخذت تقتطع أجزاء من ممتلكات الدولة التيمورية، فتمكنت قبائل القره قيونلو (أصحاب الخراف السوداء) من الاستيلاء على إقليم آذربيجان في 811هـ / 1408م ، كما تمكنت قبائل الآق قيونلو( أصحاب الخراف البيضاء) من هزيمة القره قيونلو والاستيلاء على الإقليم الغربي من إيران الذين أصبحوا من جنود المتحمسين للشاه اسماعيل الصفوي الشيعي، بينما كان أبناء تيمور يحكمون الإقليم الشرقي من إيران وظلوا يحكمون هذا الإقليم حتى عام 911هـ/1509م .

    وكانت الصبغة السنية هي الغالبة الواضحة في إيران-برغم سقوط الخلافة العباسية- فظلت ظاهرة في أثناء غلبة المغول والتيموريين والقره قيونلو والآق قيونلو أي طوال قرنين ونصف من الزمان بعد سقوط دولة الخلافة، وواصلت مظاهر الحضارة الإسلامية السنية ازدهارها مصطبغة بهذه الصبغة، فلم تتغير إلا بعد قيام الدولة الصفوية الشيعية الغالية في عام 906هـ/1500م وإعلانها المذهب الشيعي الإمامي مذهباً رسمياً في إيران في عام 907هـ /1501م، فاتخذ تاريخ إيران وحضارتها الإسلامية اتجاهاً جديداً مغايرا، واصطبغ بصبغة جديدة منذ ذلك الوقت إلى يومنا هذا . ولم تعد إيران إلى رحاب السنة مرة أخرى على خلاف ما كان في مصر مع الدولة الفاطمية، وربما يعود سبب ذلك إلى أن الفاطميين وإن ضيقوا على السنة كثيراً لكنهم لم يشهروا السيف ليغيروا عقائد السنة من جهة ثم مجيء الأيوبيين(1)من بعدهم وطمس كل آثارهم من جهة ثانية، لكن في إيران لم يتبع الأسلوب ذاته ولم ينجح الشاه اسماعيل الثاني في محاولاته إلى أن أغتيل بيد الشيعة.

    فلهذه الأسباب كلها اخترت هذا الموضوع الخطير سياسياً والمهم عقائديا لأرى وأبحث وأقارن بما أصيب به الفكر الإسلامي في إيران -من التشيع والتصوف والفلسفة- بما أصابت به النصرانية في أوروبا على حد قول الدكتور محمد إقبال اللاهوري(2) ، ونرى من ضمن البحث أن هذه الأسباب سياسية وفكرية في الوقت نفسه، وليس لي من هدف إلا الوصول إلى الحق وما يوصلني البحث العلمي المجرد والعلم الذي يسأل عنه صاحبه. ولذا بحثت في التاريخ والعقيدة معاً ؛

    أما في العقيدة فلأن أول مقتضيات دراسة الفرق والأديان هو دراسة العقيدة، وأما في التاريخ فلأن التحول الفكري فيما نحن بصدده في العصر الصفوي، القرن10هـ / 16م لا يعدو كونه معرفة تاريخية استغرقت خمسة قرون في إيران، ولذا كان علي أن أعتكف في مكتبات إيران، خاصة في مكتبة جامعة طهران، أشهراً عديدة لأبحث في بطون الكتب الفارسية، ويحزنني أني لم أجد من البحوث العلمية المجردة ما يشبع نهمي، بل كل ما وجدته لا يعدو أن يكون دراسات غير علمية منحازة ونظرة إلى التاريخ بخلفيات سابقة عمياء لا تغني ولا تسمن، إلا بعض الدراسات التي قام بها الدكتور ذبيح الله صفا في كتابه القيم "تاريخ أدب در إيران" في مجلداته الخمسة، وهو وإن كان يكتب بروح علمانية بهلوية قوية، ولكنه جاء ببحوث لا بأس بها من النزاهة العلمية ، كما أني استفدت- مع الأسف- من دراسات بعض المستشرقين النزيهة، خاصة من كتاب برتولد أشبولر عن تاريخ المغول في إيران .

    ومن الصعوبات التي واجهتني بصدد البحث عن الأسباب التي أدت إلى تشيع إيران هي أنه لم يتناول أحد هذا البحث لا من قريب ولا من بعيد (1) إلا كتب تاريخ الأدب لما تكلموا عن الوضع الأدبي في العصر الصفوي وهذا مما يؤسف له لأن الموضوع بمكان من الأهمية يستأهل أن يجلب اهتمام الباحثين، وربما سبب ذلك يعود إلى الأخطار السياسية أو الاجتماعية، والذي كتب في هذا الموضوع من أبناء إيران نفسها كالعلامة فضل الله بن روزبهان الشيرازي الخنجي، لم يبق منه الشيء الكثير، ولذا كثيراً ما عانيت في هذا الموضوع، ولم أجد بداً من الرجوع إلى كتب تاريخ الأدب في هذه العهود وكتب التاريخ بدلاً من كتب الفكر والسياسة، والمشكلة الثانية في بحثي هذا، هو الخطر السياسي الداهم، مع أني حاولت قدر المستطاع أن يكون البحث نزيهاً وصورة عما وقع بالفعل، لكن التعصب الأعمى لا يفرق بين العلم والجهل وبين الحق والباطل، وغير هذا، فقد كلفني السفر بين بيروت وإيران وغيرهما من البلدان، وخاصة لما كانت بيروت غير آمنة الشيء الكثير وقد تعرضت مرة للخطف بيد مليشيات أمل الشيعية الإرهابية القتلة دون ذنب وجرم .

    هذه أهم المصاعب التي واجهتها، وأما الموضوعات التي عالجتها، فبدأت بجغرافية إيران مجملاً، ثم تاريخ إيران من عصر ما قبل التاريخ حتى العهد الساساني، ثم تعرضت لإيران في العهد الإسلامي، وذكرت كيف أن العنصر الإيراني استفاد من الوضع الجديد، وتقدم تحت علم الخلافة إلى أن استطاع إقامة إمارات شبه مستقلة وما أن وصل العهد البويهي حتى أخذ الاستقلال التام وكذا في العصر الساماني وبعده... تكلمت بكثير من الاختصار عن المذاهب المنتشرة في إيران قبل تحولها إلى التشيع، ومن ثم عرجت على التصوف بشيئ من التفصيل، وبينت أن التصوف كان جسراً للتشيع، لا بل أداة من أدواته ، وألقيت نظرة إلى الأرضية التاريخية للشيعة وبدء تطرفهم في الكوفة ثم إلى العهد التيموري الذي كانت الظروف السائدة في المجتمع هيأت المجال للتصوف ومن ثم التشيع وما أن وصل الشاه اسماعيل في عام 906هـ / 1500م ، حتى استغل كل هذه الظروف ليبلغ أهدافه السياسية للوصول إلى الحكم فاستغل التصوف والتشيع وكل هذه الظروف الاجتماعية.

    ثم عرضت بشيء من التفصيل إلى سياسته الخارجية والداخلية وتبين لي كيف أنه أدخل في التشيع ما لم يكن فيه وكيف كان عاراً على وجه التاريخ الإسلامي-لأول مرة- بتعاونه مع الصليبيين لضرب المسلمين.

    وبعد ذلك تعرضت بشيء من التفصيل الطويل إلى مسار الفكر الشيعي منذ قيام دولة آل بويه الشيعية حتى سقوط بغداد، وتطرقت إلى دراسة الفكر الشيعي في العهد التيموري السني وصلته بالتصوف، كما درست الفكر الشيعي خلال الحكم السلجوقي السني ثم ألقيت الضوء على الفكر الشيعي منذ سقوط بغداد إلى قيام الدولة الصفوية، ومن قيام الدولة الصفوية حتى سقوطها في إيران، كما أني بيّنت مستحدثات كل دولة شيعية في التشيع والشيعة، ثم توصلت إلى نتائج في بحثي المفصل وذكرت ذلك في الخاتمة.

    وأتمنى أن يتناول الباحثون هذا الموضوع المهم، ويعطوه شيئاً من الأهمية، ويكفي أني أثرت الموضوع وحبوت حبو الأطفال لألفت نظر الباحثين، وإن نجحت بشيء من ذلك فلله الحمد، وإن لم أنجح فيكفيني أني بذلت كل ما في وسعي .

    1- انتشار الإسلام في إيران :

    إن كل من يريد أن يحصل على معلومات حقيقية وعميقة عن بلد من بلدان الشرق، فيجب عليه أن يسعى جاهداً ليحصل على تصور صحيح عن الوضع الديني للبلد الذي يدرسه، ويصدق هذا الأمر على بلاد فارس (إيران) في العهود الواقعة ما بين القرن الأول والقرن الخامس الهجري [الموافق للقرن السابع إلى الحادي عشر الميلادي] إذ أن هذه القرون تشكل العهود التي ترك فيها هذا البلد دينه القديم الذي كان يدين به مدة طويلة، إنه دين المجوسية المنسوب إلى زرادشت، وأقبل على الإسلام الذي كان ينمو ويتوسع آنذاك، وصدق هذا المعنى أن الإسلام تجاوز الحدود من دين وطني عربي إلى دين له صبغة عالمية ولكافة البشر، صدق هذا المعنى وبشكل لا مثيل له على الشعب الإيراني . ولكن مع هذا فإن مسير الدين هنا يختلف تماماً عنه في كثير من الدول الآسيوية القريبة، حيث أن معظم الإيرانيين استجابوا للدين الجديد دون ضغط وقوة تذكر من قبل الفاتحين وفي خلال قرون قليلة، أما في بلاد الشام (سوريا، لبنان، فلسطين) ومصر والأندلس (أسبانيا) فقد حفظت الفئات المسيحية الكبيرة وجودها واستمر الصراع مع المسلمين وقاوموا وبقوا في تكتلات صغيرة كما في مصر وبلاد الشام، ولكن معظم إيران أصبح بلاداً إسلامية بأكملها إلا أنها في ذات الوقت لم تفقد صفاتها وانتمائها القومي خاصة إبان نهضة الشعوبية في العصر العباسي، فقررت خلال قرون طويلة أن تجعل من الإسلام مذهباً يوافق وجودها ويناسبها، كما صرح بذلك الملك الإيراني الأخير(1) البهلوي، حينما سئل عن سر الفتور في العلاقة بين الشعب الإيراني والعرب بشكل عام؟ فأجاب: "إننا قبلنا الإسلام من العرب ولكننا لا ننسى أن العرب هم الذين أزالوا دولتنا القوية". وفي كلام أحد أدباء إيران المعاصرين الدكتور سعيد نفيسي قال في هذا الخصوص : نحن الإيرانيين أخذنا من الإسلام قطعة تناسب مقياسنا حتى لا نندمج مع بقية المسلمين كالعرب والهنود والأتراك، فنحن نتميز عن هؤلاء جميعاً ولا نريد الاتحاد معهم .

    وقد تفاعل الخوارج في (إيران) مع دعاة التشيع وبعض رجال التصوف الأعجمي على تأكيد التمايز بين الإيرانيين وسائر المسلمين، كما يقول الدكتور إقبال اللاهوري، مع أن منشأ هذه الحركات الدينية في الأساس لم يكن في إيران، ومن العجيب أن الشعوب في بلاد الشام وبين النهرين ومصر وشمالي أفريقية تخلوا حتى عن لغتهم الأصلية وتعربوا بعد الإسلام، مع أن بعض لغاتهم كالآرامية والقبطية كانت تمتد حضارياً وتاريخياً إلى آلاف السنين، ولكن النصارى في هذه البلاد سرعان ما تكلموا بلسان العرب المسلمين الفاتحين بعد ذلك حتى بلاد الروم العريقة في حضارتها اقتبست لغة الفاتحين الأتراك بل وأصبحوا أمة تركية بكل ما في الكلمة من معنى، ولكن الوضع بالنسبة لإيران كان يختلف تماماً، حيث استطاعت هذه البلاد أن تحفظ لغتها حتى في ظل حكم العرب لها وسيادتهم عليها(2) .

    ولا يمكن تعليل هذا الأمر فقط بقلة المهاجرين العرب إلى إيران، لأن العرب في أمكنة ذات سكان كثيرة أخرى كأطراف نهري دجلة والفرات ونهر النيل أيضاً كانوا قلة، كما لا يمكن تبرير هذا الأمر بتقارب المصطلحات والعبارات المتداولة في تلك الأزمنة، وهذا لا يمكن أن يكون سبباً كافياً لبيان هذا الأمر، لأن لسان الأقباط -على سبيل المثال- لم يكن له أي ارتباط مع اللسان العربي في تلك الأزمنة .

    ولذا يستحسن أن نتابع قضية انتشار الإسلام في إيران بجميع فروعها وجزئياتها، لنقترب من حل المعضلة المذكورة ويجب أن ننتبه في هذا الفصل إلى موضوع توسع الإسلام وقواعده وبنائه ورسوخه وبقائه في إيران .

    وفي الفصول الآتية يجب أن نبين بعد ذلك وضع سائر المذاهب في هذا البلد، وقبل كل شيء دين زردشت (المجوسية) دين البلد، ورد فعله في أوائل القرون الوسطى في إيران .

    لقد وصل المسلمون -العرب- إلى هدفهم المنشود بسرعة بالغة وبكل بساطة فيما يتعلق بمواطنيهم المسيحيين (وإن لم تكن كل قبائل النصارى قد أسلمت)، ولذا فلا غرو أن نرى الجنود العرب الذين كانوا يقاتلون كمرتزقة في جيش إيران يقبلون على الدين الجديد بسرعة بالغة وبالتتابع، حتى أننا نعلم أن المسلمين -عن قصد- دعوا هؤلاء الجنود بمواطنيهم -وعلى الغالب نجحت سياستهم هذه- وطلبوا منهم أن يدخلوا في الإسلام كي يصلوا بهذه الوسيلة إلى النتيجة المطلوبة وهي إضعاف جيش إيران في المواقع الحساسة(1) ولكن بالنسبة إلى الفرس فإن الوضع كان مختلفاً جداً، إذ أن تخليهم عن عقيدتهم كان يعني ضياع وطنهم ودولتهم .

    ولكن في الوقت نفسه فإن الحروب المتمادية في السنوات الأخيرة من الحكم الساساني مع تدني مستوى الأخلاق الناتجة عن هذه الحروب جعل الأمر يصل إلى درجة أن بعض الإيرانيين أقبلوا على الإسلام منذ بداية أمره ولا يمكن إرجاع هذا السبب -فقط- إلى تلاشي البناء الاجتماعي للدولة، (لأننا لا نملك دليلاً كافياً عليه) وهؤلاء الذين استجابوا للدين الإسلامي كما نعلم كانوا من الضباط ومن ثم كان يتبعهم عدد من الجنود(2) .

    وكان هدفهم الوصول إلى التساوي العسكري(3) والاجتماعي والاقتصادي مع العرب، والسبب الذي أظهره هؤلاء لقبولهم الإسلام كان اهتمامهم واحترامهم للنجاح العسكري الذي حققه العرب(4) حتى أن قائد فئة من الجنود الإيرانيين الذي أسلم أظهر ذلك صراحة وبكل التأكيدات(5) .ويمكن أن نعد هذا سبباً حقيقياً بحيث نفسره بأن هؤلاء أرادوا أن يحتفظوا بوضعهم الاجتماعي بين أقوامهم حتى بعد هزيمة دولتهم الساسانية، لذا لما رأى مواطنوهم وزملاؤهم الدهاقين الذين كانوا يشكلون العناصر الأصلية للدولة لما رأوا أن هؤلاء استطاعوا فعلاً أن يحتفظوا بمراكزهم بهذه الطريقة استجابوا للإسلام، إضافة إلى انهم كانت لديهم معرفة بالمذاهب التوحيدية من خلال اطلاعهم على المانوية والمسيحية(1) والعرب أيضاً لم يتركوا عادتهم هذه، حيث عرضوا الإسلام على الفئات صاحبة النفوذ والكلمة في هذا البلد ونحن نسمع مراراً أن حوادث كهذه وقعت فعلاً مراراً وتكراراً خلال سنوات متمادية، بل خلال قرون متمادية، وعلى سبيل المثال في سنة 653(2) م، 700(3) ، 730(4) ، 830(5) ، وفي عام 893(6) و895(7) ، وحدث هذا بالنسبة لجد العالم الجغرافي الشهير خردادبه(8) والكاتب الشهير عبد الله بن المقفع (روزبه-القرن الثامن الميلادي) وشاعر من الديلم (1003/1004)(9) وحدث هذا في بعض الأحيان بترغيب من شخص الخليفة(10) .

    وقد رتبوا مجالس بحث ومجادلة ومناظرة لهذا الأمر حيث كان مشهوراً ومعمولاً به من قديم الأيام في بلاد الشرق(11) كما حدث هذا في عام 817م، من جانب الخليفة المأمون في مرو حيث عقد مجلس بحث وجدال بين المسلمين واليهود والمجوس دون أن يضطر المجوس إلى قبول الإسلام إكراهاً(12) .

    وفي جميع الأحوال التي ذكرناها فإن النجاح الذي أحرزه العرب كان متشابهاً في كل مكان، فقد أقيمت المساجد(1) في كل مكان وكان الأشراف والأعيان والقواد يدخلون في دين الفاتحين، وفي المقابل كان العرب الفاتحون يقرون هؤلاء على ملكهم ونفوذهم كما كان، بل كانوا يعززون الصلة بهم عن طريق الزواج(2) .

    والمراجع الإسلامية تدل دلالة واضحة على أنهم لم يلجئوا إلى الضغط والقوة ليدخلوا الناس في الإسلام وإن كان هناك بعض حالات الشذوذ والاستثناء فإن هذا ليس من الدين نفسه(3) .

    وعومل المجوس منذ البداية كأهل الكتاب أو الذين كان يتعامل معهم معاملة أهل الكتاب، وكأن هناك أعداد قليلة في القرون الأولى فضلوا الهجرة إلى الهند على قبول دين الفاتحين(4) بقاياهم فيها إلى الآن .

    مما لا شك فيه أن موقع الدهاقين بدوره كان يوجب على أكثرية اتباعهم الدخول في الإسلام وعلى هذا المنوال، خاصة في شرقي إيران، أي في خرا سان، دخل كثير من أتباع الدين السابق في الإسلام وبناءً على هذا وفي الدرجة الأولى انتشر الإسلام أولاً بين الطبقات العليا، أي بين الذين كانت ثقافة إيران بيدهم، والذين كانوا متشبعين بالروح القومية ويحفظون تراثهم المملوء بأحاديث شجاعتهم ورؤيتهم الخاصة للحياة(5)، وفي هذا القسم يكمن بعض الجواب عن سؤالنا فيما يتعلق ببقاء الثقافة الإيرانية واللغة الفارسية في العهود الإسلامية إلى عهدنا هذا، وبدهي أن هذا السبب لا يشمل جميع بلاد فارس، خاصة سكان المدن وجميع الفئات القروية التي كانت مباشرة تحت الحكم الإسلامي، لكن حتى في هذه المناطق أيضاً غرس الإسلام بشكل أساسي وعميق، يعني أن المدن رغبت في الحكومة لأسباب سياسية واشتاقت إلى قدرة الحكم، والعمال المجوس (الذين كانوا يتناولون النار والماء والتراب) قد كانوا موضع التحقير ولذا رأوا حريتهم ونجاتهم من هذا الضغط النفسي في قبول الإسلام، فضلاً عن هذا فإن وجود الخير والشر في دين زرا دشت قد جعل الضغط النفسي في قبول الإسلام لدى أتباع زرا دشت ميسوراً، إذ أن تصور قوتين موجودتين في دين زرا دشت يعني الخير والشر يمكن البحث عنهما في تصور وجود الله وإبليس والآراء المذهبية الأخرى كخلق الكون في ستة أيام والجنة والنار والملائكة والشياطين وهذا الرأي يدل على ان الشعب الإيراني كان مستعداً لقبول الدين الجديد نظراً لوجود عدة قضايا مشتركة كالإيمان بالخير والشر والحساب والجزاء(1) .

    لذا يمكن القول بأن ترك الدين القديم وقبول الدين الجديد لم يكن بالأمر الصعب .

    وفي هذا الوقت قد وجدت سلسلة من الكتب والمناظرات الجدلية وموسوعة رسمية للإعلان والدعاية من قبل الذين آمنوا بالدين الجديد(2) .

    وقد صنف المؤمنون من الأعاجم في طبقة الموالي أي من الإيرانيين الذين آمنوا حقاً، ولم يبالوا بالاعتراض على سلوك الحكومة السياسي لأنهم كانوا يعتقدون ان النجاة الحقيقية للروح الإنسانية إنما تكون في اتباع القرآن، وإن كان ارتباطهم بالقرآن هذا لم يكن موافقاً لسياسة الحكومة الرسمية .

    ولم تسكت هذه المؤسسة الرسمية للدعوة بعد ذلك، سواء خالفت دعوتها السياسة الرسمية للدولة أم أن الفرق الشيعية المختلفة استغلتها وجنت ثمارها حيث شكلت هذه الفرق الجبهة المخالفة للدولة(3) .

    وتقدم التصوف الذي كان وثيق الصلة بالتشيع قد جعل سرعة هذه الحركة أضعاف ما كان(4) ، وبناء على هذا كان التصوف أساساً لدخول الأتراك في شرق إيران للإيمان والإسلام، ولقد بذلت الخلافة العباسية جهوداً لكسبهم في صفها(5) .

    وفي هذا الصدد أيضاً كغيره لم تكن هناك أية ضغوط عليهم وإقبالهم على الإسلام إجمالاً تم بالحرية التامة وبشكل مستمر إلا أنه قد حدث بشيء من البطء(1) .

    إن سبب إقبال المجوس على الدين الإسلامي يعود إلى أسباب اجتماعية واقتصادية(2) في الدرجة الأولى حيث تسببت هذه العوامل في استجابتهم السريعة للإسلام، في الظاهر، ليصبح بعد ذلك إيماناً حقيقياً وعميقاً. وهذا يمكن أن يكون سبباً لإقبال الكثيرين من أهالي إيران على اعتناق الإسلام، إلا أن معلوماتنا بالنسبة لإسلام غير المجوس قليلة جداً، ولا يمكن معرفة دين هؤلاء غير المجوس قبل الإسلام من المراجع العربية لأنها لا تذكر شيئاً عنه.

    حينما نعرض لظاهرة انتشار الإسلام يجب أن يكون واضحاً أن هذا الانتشار السريع ليس انتشاراً لعقيدة الإسلام فحسب، وليس مجرد صراع بين الإسلام وبين المجوسية والديانات الإيرانية الأخرى، إنما هو انتشار فكر وإيمان وثقافة، وقد أدى إلى انتشار اللغة العربية والثقافة العربية ثم استعمال الحروف العربية، ثم تنظيم سياسي معين لأن الدخول في الإسلام كان بمثابة تحصيل الجنسية وحق المواطنة الكاملة في الدولة الإسلامية. ويتيح هذا الحق للمسلمين الإيرانيين أن يشتركوا في النشاط السياسي لهذه الأمة الفتية التي هي خير أمة أخرجت للناس، وهو أيضاً يمثل نشاطا اقتصاديا، لأن المسلمين جلبوا معهم نظريتهم في الضرائب والملكية وسبل الإنتاج الزراعي وغيره من وجوه الإنتاج، ثم هو في الوقت ذاته تطور اجتماعي، وتغير في نظام الأسرة وفي الحياة الدينية وفي التركيب الطبقي(3) .

    هذا الوجه من تاريخنا الإسلامي لم يدرس بعد الدراسة الكافية، حتى العالم الاجتماعي وبل مؤسس علم الاجتماع وعبد الرحمن بن خلدون لم يوف هذه الناحية حقها، والمؤرخون المحدثون كانت عنايتهم الأشد بالأحداث السياسية أو بمعالم النهضة الفكرية أكثر من العناية بالكشف عن جذور هذا التطور العميق، وكل ما نعرفه هو أن هذا التطور وصل إلى نتيجة واضحة منذ القرن الثاني الهجري فصاعدا، حينما صار وجه إيران إسلاميا خالصا .

    ثم تتابعت انتصارات الفرس السياسية حتى أصبح لهم التوجيه الأكبر في الحياة الإسلامية كلها في عهد بنو بويه ومن قبلهم البرامكة في العهد العباسي . كما برزت آثار الحضارة الساسانية في الحضارة الإسلامية، في الثقافة والنظم والفن، ولم تظهر هذه الآثار إلا بعدما انحرف مسار الخلافة الإسلامية وتفككت وأصبحت لكل بقعة إمارة وأمير للمؤمنين ومنبراً .

    ودراسة انتشار الإسلام في إيران تتطلب منا توضيح النواحي الآتية :

    1- العوامل التي مكنت الإسلام من النجاح والانتشار .

    2- تطورات الحركة الإسلامية أو بمعنى آخر تتبع حركات دخول الإيرانيين في الإسلام.

    إيران من السنة إلى الشيعة

    3- العوامل التي مكنت الإسلام من النجاح والانتشار(1)في إيران :

    نعتقد أن أهم هذه العوامل هي ما يمكن أن نسميها بالسياسة العامة للدولة الفتية في إيران، هذه السياسة التي وضعت أصولها زمن الفتح أو بعده بقليل . وكانت هذه السياسة تتألف من أركان كثيرة، أهمها معاملة أهل الذمة بالرفق، لأن هذه المعاملة كانت من أهم الأسباب التي هيأت الذميين نفسياً لتقبل الدعوة والإقبال على الحضارة الإسلامية، والمعروف أن سياسة الدولة الإسلامية كانت تنبع من المعاهدات وعقود الصلح التي كانت تعقد مع المدن المفتوحة، وإن كانت لهذه المعاهدات أهميتها البالغة ودلالاتها(2) ولكنها ليست كثيرة الصلة بموضوعنا .

    وخلاصة المعاهدات جميعها أنها كلها تتجه اتجاهاً واحداً تقريباً وتنبع من مصدر واحد، فقد تضمنت جميعها منح أهل الذمة من الإيرانيين حرياتهم الدينية، ذلك أن المجوس عُدّوا من أهل الذمة، فكانوا على قدم المساواة مع أهل الكتاب(3)، وفوق هذا، نالوا الحريات الدينية، وتكفل المسلمون بحمايتهم وتوفير أسباب الأمن والطمأنينة لهم، ذلك في مقابل دفع الجزية التي كانت تعفى منها أعداد كثيرة من الناس . كما منحت تلك العقود أهل الذمة حقوقا لم تكن متوافرة لهم من قبل، وفضلا عن هذا تضمنت هذه السياسة استخدام الإيرانيين(4) -وهم غير مسلمون- في وظائف الدولة، خصوصا الوظائف المالية، لأن إيران كانت فيها طبقة الدهاقين(5) التي عرفت بمهارتها المالية ونبوغها في أعمال الخراج ومعرفتها بالشؤون الإدارية والسياسية .

    وقد استخدم أفراد هذه الطبقة في عهد الراشدين وكثر استخدامهم في عهد بني أمية(6)كما أبقى المسلمون التنظيمات الإدارية فظلت سجلات الضرائب في إيران تكتب بالفارسية ما يقرب من خمسين سنة وظلت في خراسان تكتب بالفارسية بعد الفتح بنحو مائة سنة، كما استخدم العرب النقود الفارسية نفسها، فبقى الدرهم الفارسي بصورته القديمة أساساً للمعاملات المالية، تلك هي روح السياسة واتجاهاتها، وقد طبقت السياسة نصاً وروحاً في عصر الخلفاء الراشدين(1) .

    وكان عهد الخلفاء الراشدين هو العهد المثالي للدعوة الإسلامية، بل هناك من الشواهد ما يجعلنا نقرر أن العصر الأموي لم يخرج كثيراً عن هذه المبادئ، وظل التسامح الديني رائجاً في عهدهم، وبقيت عقود الصلح دون أن تتغير، بل توسع الأمويون -إلا في عهد عبد الملك بن مروان- في استخدام أهل الذمة في وظائف الدولة، وكل ما يؤخذ عليهم اتجاههم إلى مضاعفة بعض الضرائب لاعتبارات تطلبتها ظروف عصرهم ومشاكله .

    وقد حافظ العباسيون على هذه الروح بدورهم وكان العصر العباسي هو عصر النفوذ الفارسي على نطاق واسع(2) .

    وقد كان التسامح الديني في الإسلام ذا أثر كبير في تهيئة أهل إيران نفسياً لاعتناق الإسلام فقد أثبت المسلمون بأخلاقهم العملية فائدة اعتناق الإسلام لأتباع الديانات الأخرى، كما أتاح لهم فرصة مقارنة ما عندهم بما جاء به الإسلام، ولذا لا نوافق الذين يشكون أو يشككون في إخلاص إيمان أهل فارس، ولذلك نرى من الحق أن نقرر أن أغلب الفرس وأهل إيران عموماً، الذين استجابوا لنداء الإسلام كانت استجابتهم عن إيمان واعتقاد، وكثرة العلماء والمؤلفات وانتشار العلم فيها خير شاهد لنا في هذا الباب، فضلاً عن أن أهم أصحاب كتب الحديث كالصحاح الستة هم من العجم، هذا كله فضلاً عن أن طبقات المسلمين من أهل إيران هم الذين تولوا الدفاع عن الإسلام بعد أن تسلموا زمامه، وقد دافعوا عنه كما دافع عنه العرب بحرارة وإخلاص(3) .

    كما كان الإعفاء من الجزية الذي قررته الشريعة الإسلامية، لأن الجزية في إيران كان لها مفهوم غير مفهوم الجزية في البلاد الأخرى، فكانت الجزية في مصر البيزنطية يفرضها شعب غالب على شعب مغلوب .أما الجزية في إيران فقد كانت أرحم بكثير من نظام الضرائب والسخرة في العهد الساساني، فكانت فرصة الإعفاء تجعل جماعات كثيرة من الفقراء تستجيب للدعوة الإسلامية(1) .

    ويعنينا من هذا كله موقف الدولة الإسلامية من موضوع الخراج وملكية الأرض، فقد كان موقف الدولة في هذه الناحية يمثل في نظر الإيرانيين تطوراً بعيد المدى لأنه تضمن القضاء على الإقطاع الذي ساد في العصر الساساني وتحرير الملايين من الناس الذين كانوا يعيشون عبيداً للأرض وليس لهم شيء فيها إلا العمل الشاق المتواصل، وقد قررت الحكومة الجديدة مبدأ الحياة الملكية لكافة الفلاحين الذين كانوا محرومين منها.

    فكان هذا تطورا بعيد المدى وقد صحب ذلك فرض ضريبة الخراج التي كانت بالقياس إلى الضرائب القديمة خفيفة العبء(2) ، وبدهي أن هذه الحقوق كانت تتضاعف بالدخول في الإسلام، فإذا أسلم إيراني استبدل بنظام الحيازة حق الملكية واستطاع أن يملك الأرض ويتصرف فيها بالبيع والشراء مقابل دفع ضريبة العشر: وإلى جانب الخراج وملكية الأرض هنالك العطاء من بيت المال فقد كان من المفروض أن من حق الإيرانيين إذا أسلموا أن يشتركوا في الجيش وأن يفرض لهم العطاء وقد فرض للمسلمين منهم العطاء من بيت المال وكان هذا العطاء في عهد معاوية خمسة عشر درهماً للفرد في الشهر إلى جانب النفقات الأخرى، وكان هذا العطاء يتضاعف بمضي الوقت، وكان الاشتراك في الجيش وفرض العطاء من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار الإسلام، ويجب أن نضيف إلى ما تقدم ما كان من المحافظة على النظم الإدارية والإبقاء على الموظفين من أهل البلاد، وقد تأثرت طبقة الموظفين بهذه السياسة، فلما وجدت أنها تستطيع أن تحتفظ بوظائفها مع احتفاظها بدينها القديم، أيقنت أن دخولها في الإسلام سيضاعف من حقوقها وقد حدث هذا فعلاً(1) فكان إسلام أفراد هذه الطبقة يضاعف من حقوقها فيزيد من تمكنها من الناحية الإدارية .

    ولم يكتف هؤلاء الناس بالدخول في الإسلام إنما اتخذوا أسماء وألقاباً عربية للمحافظة على أوضاعهم وزيادة حقوقهم وقد ظنوا أن استعرابهم على هذا النحو قد يزيدهم اتصالاً بالحكومة الإسلامية التي آمنوا بها من قبل، فتزداد امتيازاتهم، ومن المؤكد أن هذه السياسة تسللت إلى نفوس الطبقة العليا من المجتمع فأسلم الكثيرون من أفراد الطبقة الأرستقراطية واتخذوا أسماء عربية(2) .

    أما العامل الثاني فهو على ما نعتقد الفرق الواضح بين التشريع الإيراني الرسمي المجوسي الذي يتمثل في الزرادشتية التي لم تكن ديناً فحسب إنما كانت تنظيما للحياة الاجتماعية والاقتصادية، والتشريع الإسلامي وهو بدوره ما كان تشريعاً دينياً فحسب إنما كان تشريعاً اجتماعيا واقتصادياً وسياسياً يشمل جميع نواحي الحياة(3) .

    كانت الشريعة المجوسية بما فيها من الطبقية والامتيازات الخاصة ، قانون المجتمع الفارسي وظلت هذه الشريعة متماسكة حتى آخر القرن الخامس الميلادي حين زلزلتها المزدكية (الإباحية) من أساسها في عهد كي قباد وبمجيء الإسلام وشريعته انهارت حصونها تماماً -مثل أية شريعة أخرى- خاصة مقابل نزعة الإسلام نحو المساواة والقضاء على الطبقية .

    وهي نزعة كانت أشد وضوحاً زمن الفتح فلا غرابة إذا كان اتجاه التشريع الإسلامي هذا قد ترك أثراً نفسيا بعيد المدى في طبقة العمال المدنيين، وطبقة الفلاحين كانوا أسرع الطبقات دخولا في الإسلام -مثلهم في ذلك مثل المستضعفين في مكة عهد الإسلام الأول- ومن العوامل(4) التي ساعدت على انتشار الإسلام الهجرات العربية إلى إيران واستقرار العرب في هذا الوطن الجديد، فقد كان أغلب هؤلاء المهاجرين من أهل العطاء والديوان وكانوا يقومون بدعوة الناس إلى الإسلام(1) بحالهم ومقالهم .

    تلك هي الطلائع الأولى التي انتشرت في جميع أنحاء إيران وكانت النواة الأولى للمهاجرين الذين استقروا فيها بعد أن تحقق لهم النجاح العظيم، وقد استمرت الهجرة العربية بعد زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه (وكان قد شجع على ذلك) ووضحت في عهد عثمان رضي الله عنه وفي عهد معاوية هاجر كثير من الأزد واستقروا في خراسان واصبحوا عاملا هاماً في الحياة السياسية والاجتماعية هناك، واتجه الأمويون اتجاهاً واضحاً إلى توطين العنصر العربي في مختلف أنحاء إيران، ووضحت هذه السياسة على الخصوص في عهد ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، فما كاد القرن الأول الهجري ينتهي حتى انتشر العنصر العربي في إيران كلها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب(2) .

    إيران من السنة إلى الشيعة:2"- لمحة عن أبرز اتجاهات النشاط الفكري والفلسفي في إيران :

    إذا غضضنا الطرف عن السرخسي الذي كان تلميذاً للكندي ولم يصلنا منه شيء والفارابي الموسيقار الذي كان تركياً والطبيب الرازي(1) الذي نظر -استجابة لمواريثه الفكرية- إلى النور باعتباره المخلوق الأول واعتقد بخلود المادة والمكان والزمان، فإننا نأتى باسم شهير بارز وهو أبو علي محمد بن محمد بن يعقوب الشيعي والمعروف عند المؤرخين بابن مسكويه(2) ، خازن السلطان البويهي عضد الدولة الشيعي وهو أحد أبرز علماء الكلام والطب والأخلاق والتاريخ في فارس، وهو يتابع في مسألة، وجود المبدأ الأول -أرسطو ويستند إلى نفس الدليل المنسوب(3) اليه وهو دليل الحركة في الطبيعة، ولا حاجة الى سرد ذلك الدليل وفلسفة ابن مسكويه هنا، لأنه قد ألف عشرات المؤلفات إن لم نقل المئات في زماننا وباللغات المختلفة عن فلسفتها.

    ابن سينا

    يأتي بعد ذلك ابن سينا الذي سنقف عنده قليلا، على قدر ما يتعلق ببحثنا، لأن فكره ما زال مسيطراً على بلاد فارس وفي الحوزات الإيرانية الشيعية في إيران، وقال آية الله الخميني عنه: وأما ابن سينا فلم يكن له كفوا أحد كما سمعت منه في التلفاز الإيراني. وحاول ابن سينا دون غيره من الفلاسفة الإيرانيين المتقدمين أن يبني مذهباً فلسفياً متكاملاً(4) وهو بذلك يلبس مذاهب الباطنية لباس الإسلام وصنف كتبا زاد فيها بمقتضى الأصول المشتركة، أشياء لم يذكرها المتقدمون وسمى ذلك العلم الإلهي(5) .

    وكان مولد ابن سينا سنة 370هـ= 980م أو بعد ذلك بخمسة أعوام -ولكن خمسة أعوام على مدى ألف عام لاتكاد تبدل شيئا من حياة الفرد في أمته -أقصد في صورة الحضارة من حياة الأمة، واذا كانت الخلافة العباسية قد فقدت، قبيل مولد ابن سينا زهوها وقوتها على يد أبناء مذهبه البويهيين، فان السامانيين ثم الغزنويين لم يكونوا اعداء للخلافة، ولكن تلك الخلافة انقرضت -وكان أهم سبب لانقراضها، هو العقائد اليونانية التي أدخلتها- في السنة التي توفي فيها ابن سينا(1). أما الحركة التي أقلقت العالم الإسلامي، في ذلك الحين، وعمت بشرّها المغرب والمشرق أيضا، فكانت الدعوة الفاطمية الباطنية التي وصلت الى بيت ابن سينا نفسه(2) ، حيث في ذلك الحين أم أحد دعاة الفاطميين المصريين بخارى، وكان والد ابن سينا وأخوه من الإسماعيلية، فكان ابن سينا يسترق السمع الى احاديثهم في الفلسفة والعقل والنفس وحساب الهند، ويبدو من قول ابن سينا -بادىء ذي بدء- أن هذه الحركة الباطنية لم تلق هوى من نفسه ولا استجابة

    من عقله(3) . ثم بدأ ابن سينا تعلم العلوم العقلية على أبي عبدالله الناتلي المتفلسف (وكان صديقا لوالد ابن سينا من الإسماعيلية)، فدرس أيساغوجي(4) والمنطق و... سرعان ما فاق التلميذ أستاذه(5) . ويقول عنه ابن كثير: الطبيب الفيلسوف ابن سينا، عالج بعض الملوك السامانية، وهو الأمير نوح بن نصر فجازاه وحكمه في خزانة كتبه، فرأى فيها من العجائب والمحاسن ما لا يوجد في غيرها ، فيقال إنه عزا بعضها إلى نفسه، وقد حصر الغزالي كلامه في مقاصد الفلاسفة ثم رد عليه في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلساً عند الموت وكفره في ثلاث منها، وهي قوله بقدم العالم وعدم المعاد الجثماني وأن الله لا يعلم الجزئيات وبدعه في البواقي ويقال إنه تاب عند الموت والله اعلم(1) . وابن تيمية يقول: إنه زنديق والامام ابن الصلاح يقول إنه لم يكن من علماء المسلمين بل كان شيطانا من شياطين الإنس(2)

    "- مجمل فلسفة ابن سينا (النفس-العالم-العلم الإلهي-خلق الله) وموقف علماء المسلمين (ابن تيمية- الغزالي) منه :

    لم يقيد ابن سينا نفسه بمذهب فلسفي واحد، بل كان متخيراً،أخذ من الأقدمين، من افلاطون وأرسطو خاصة، الذي كان مشركا يعبد هو وقومه الكواكب والأصنام(3) ، ثم وقف متسائلا أمام المذهب الاسكندراني(4) وأخذ أكثر ما قاله الفارابي(5) .

    يقول ابن تيمية: "لكنه أصلح تلك الفلسفة الفاسدة -فلسفة سلفه أرسطو- بعض اصلاح حتى راجت على من يعرف دين الاسلام من الطلبة والنظار وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده، ولكن سلموا لهم أصولاً فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سبباً إلى ضلالهم في مطالب عالية ايمانية ومقاصد سامية قرآنية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، بل يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات(1) .

    ويقول في مكان آخر: إن ابن سينا أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان مما أخذه من أهل الكلام المبتدعين الجهمية(2) ونحوهم وسلك طريق الملاحدة الإسماعيلية في كثير من أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشيء من كلام الصوفية، وحقيقته في زمنه ودينهم دين "رسائل إخوان الصفا"(3) وأمثالهم من أئمة منافقي الأمم الذين ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى(4). وتكلم ابن سينا في النبوات والكرامات ومقامات العارفين، بكلام فيه شرف ورفعة بالنسبة إلى كلام المتقدمين من الفلاسفة، وإن كان عند العلوم الإلهية النبوية، فيه من القصور والتقصير والنفاق والجهل والضلال والكفر، ما لا يخفي على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان، ومن سلك طريق المتفلسفة فقد أعجب به لأنه قرب إليهم معرفة الله والنبوات والمعجزات والولاية بحسب اصول الصابئة والفلاسفة -لا بحسب الحق نفسه- بما اضفناه على جهالاتهم من نور الرسالة برهان النبوة(1) كما فعله نسطور النصراني الذي كان في زمن المأمون(2) وإليه تنسب النسطورية(3) في التثليث والاتحاد، لكنه بما اضاء عليه من نور المسلمين أزال كثيرا من فساد عقيدة النصرانية، وبقي عليها منها بقايا عظيمة وكذلك يحيـى بن عدي(4) النصراني لما تفلسف، قرب مذهب النصارى في التثليث إلى اصول الفلاسفة في العقل والمعقول، هؤلاء الفلاسفة المحضة، الباقون على محض المشائين -يرون ان ابن سينا صانع المليين، لما رأوا من تقريبه، وجهلوا فيما قالوا، وكذبوا، لم يصانع -ولكن قال بموجب الحق وبموافقة اصولهم العقلية- ما قاله من الحق الذي أقر به(5). وكما قلنا إن ابن سينا نفسه وأهل بيته كانوا من أتباع أئمة الباطنية، كبني عبيد بن ميمون القداح الذين ادعوا انهم من ولد محمد بن اسماعيل بن جعفر، ولم يكونوا من اولاده، بل كان جدهم يهوديا ربيبا لمجوسي وأظهروا التشيع ولم يكونوا في الحقيقة على دين واحد من الشيعة، لا الإمامية، ولا الزيدية، ولا الغالية، بل كانوا أكثر غلوا من الجميع، ولهذا أدخل ابن سينا الفلسفة(1) . وتكلم ابن سينا في أشياء من الإلهيات والنبوات والمعاد والشرائع لم يتكلم فيها سلفه، ولا وصلت اليها عقولهم ولا بلغتها علومهم، فانه استفادها من المسلمين، وإن كان إنما أخذ عن الملاحدة المنتسبين الى الاسماعيليين وكان هو وأهل بيته وأتباعهم معروفين عند المسلمين بالإلحاد، وأحسن ما يظهرون دين الرفض وهم في الباطن يبطنون الكفر المحض، والمقصود هنا أن ابن سينا اشتغل بالفلسفة بسبب أهله، كان يسمعهم يذكرون النفس والعقل(2) ... وهؤلاء المسلمون الذين ينسب إليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن، اعلم بالله من سلفه الفلاسفة، كأرسطو وأتباعه، فإن اولئك ليس عندهم من العلم بالله الا ما عند مشركي العرب ما هو خير منه(3) . يقول ابن تيمية، وقد ذكرت كلام أرسطو نفسه الذي ذكره في "علم ما بعد الطبيعة"(4) في مقالة اللام وفي غيرها، وهو آخر منتهى فلسفته وبيت بعض ما فيه من الجهل، فانه ليس في الطوائف المعروفين الذين يتكلمون في العلم الالهي مع الخطأ والضلال مثل علماء اليهود والنصارى وأهل البدع من المسلمين وغيرهم، أجل من هؤلاء، ولا أبعد عن العلم بالله تعالى منهم. نعم! لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد وهو كلام كثير واسع ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم يقصدون الحق، لا يظهر عليهم العناد، لكنهم جهال بالعلم الالهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ، وابن سينا(1) لما عرف شيئا من دين المسلمين، وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة، وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة، أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه وما أحدثه مثل كلامه في النبوات واسرار اآيات والمنافات، بل وكلامه في بعض الطبيعيات، وكلامه في واجب الوجود، ونحو ذلك، والا فأرسطو وأتباعه ليس في كلامهم، ذكر واجب(2) الوجود ولا شيء من الأحكام التي لواجب الوجود، إنما يذكرون "العلة الأولى"(3) ويثبتونه من حيث هو علة غائية(4) للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به فابن سينا، أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى راجت على من يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار، وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض، فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده، ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات، خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، بل يسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات(5)

    ايران من السنة الى الشيعة (نتائج انتشار الإسلام في إيران)

    ما يعنينا هنا أن نتتبع أهم النتائج التي ترتبت على نجاح الدعوة الإسلامية وغلبتها على الإيرانيين وتمكنها من نفوسهم منذ نجاح الثورة العباسية سنة 132 هـ/ 749م حتى دخول السلاجقة بغداد سنة 447 هـ/ 1055م وأن نؤكد حقيقة مهمة، هي أن إيران لم تفقد مقوماتها في ظل الإسلام، وقد استمدت هذه المقومات عناصر بقائها من عناصر حضارية وطبيعية وجغرافية(1) ، هذه النتائج سارت في خطين متوازيين، الخط الحضاري والخط السياسي وقد قطعت أشواط الخط السياسي والحضاري بصور متقاربة متشابهة تقريباً .

    ففي الميدان السياسي أفسح العباسيون للإيرانيين مجال الظهور السياسي ما شاءت لهم قدراتهم بشرط ألا يكون عدوانا على سلطات الخلافة أو فعاليتها، وأن يتم نوع من التوازن بين القوى الإيرانية الصاعدة نحو النفوذ وبين الخلافة المتمسكة بالنمط المركزي أو الفدرالي القادرة على القوة والحركة، وقد استمر هذا الظهور إلى نهاية العصر العباسي الأول، ثم ما لبثت أن انهارت المقومات التي كانت مصدر قوة الخلافة وهيبتها، وضعفت الخلافة العباسية، وظهرت في أنحاء العالم الإسلامي المختلفة الحركات الإستقلالية(2) ، كما ظهرت الإمارات المستقلة مع الحفاظ على سلطان الخلافة الروحي، وقد عبرت إيران عن نفسها تعبيراً استقلالياً في نطاق الولاء للخلافة العباسية وظهرت في كل إقليم من أقاليمها إمارات مستقلة سواء في خراسان وفارس وطبرستان وبلاد الديلم(3) ، ظلت هذه الإمارات تسيطر على الحياة السياسية في إيران حتى ظهر البويهيون، ودخلوا بغداد، ثم نشروا نفوذهم في إيران كلها تقريباً، وتحكموا في الخلافة العباسية وباسمها ساسوا مشرق العالم الإسلامي كله .

    وظل البويهيون يمسكون بمقدرات الخلافة، حتى دخل السلاجقة -الترك- بغداد سنة 447 هـ/ 1055م ولا حاجة بنا -هنا- أن نسوق هذه الأحداث السياسية بكل تفاصيلها المعروفة، إنما نريد أن نتبين من خلالها الشخصية الإيرانية وهي تجتاز هذه المرحلة في طريقها إلى السيادة والنفوذ .

    1- النتائج السياسية :

    1- تقدم العنصر الإيراني تحت علم الخلافة بعد نجاح الثورة العباسية واستمر هذا التقدم طوال العصر العباسي الأول .

    2- ثم ظهرت إماراتهم الإسلامية المستقلة في كل إقليم من أقاليم إيران لما ضعفت الخلافة واضمحل نفوذها وتسمى هذه المرحلة بمرحلة التعبير التمهيدي عن الإستقلال .

    3- ثم استطاع الديلم من بني بويه أن يسيطروا على إيران كلها تقريباً وأن يسيطروا بعد ذلك على الخلافة العباسية في بغداد، متخذين لقب شاهنشاه ولقب سلطان واستطاعوا أن يمثلوا الأوج الذي بلغته العناصر الإيرانية في زحفها نحو التقدم والظهور وتسمى هذه المرحلة بالتعبير الشامل عن الإستقلال(1) ، وسوف نتحدث عنهم في فصل "إيران في عهد الإستقلال الشامل" .

    1- التقدم السياسي للعناصر الإيرانية تحت علم الخلافة والثقافة العربية :

    تقدمت العناصر الإيرانية في ميدان السياسة والقيادة تقدماً حثيثاً، فهي التي أيدت الدعوة العباسية في مراحلها الأولى وهي التي كانت وقود الدولة، كانوا جندها المخلصين المعبرين عن إرادتها والمنفذين لسياستها، وكان الخراسانيون من جيل أبي مسلم الخراساني، هم الذين حملوا عبء الكفاح وكانوا جند الدولة المخلصين في زحفها نحو العراق وإطاحتها بالدولة الأموية، وتثبيت دعائم الحكم العباسي وليس أدل على ذلك من تلك الرسالة المهمة التي كتبها ابن المقفع وسماها برسالة الصحابة(أ) والتي تعتبر من أهم الوثائق التي تكشف عن سياسة العباسيين وحقيقة أهدافهم .

    ولهذه الرسالة قيمة كبيرة في نقد نظام الحكم ورسم وجوه إصلاحه، فقد رفعت إلى أمير المؤمنين ويظن أنه المنصور لأنه يذكر دولة بني العباس وقد استقرت، ويذكر السفاح ويترحم عليه(1) ، وقد أدرك ابن المقفع المكانة المهمة التي احتلها جند خراسان في السياسة العباسية، ومدحهم بأنه لم ير مثلهم في الإسلام، وأنهم يمتازون على غيرهم من الجند بالطاعة والعفاف والكف عن الفساد والتزلف للولاة والتفاني في خدمة الخليفة(2).وكان الخراسانيون يمثلون القوة الضاربة في عهد المنصور في القضاء على أعدائه(3) وإطفاء الثورات التي قامت في الحجاز وتثبيت سلطانه في مصر والمغرب وعمدته في جهاده مع الروم، ولم تتخل الدولة العباسية عن العناصر الإيرانية إلا عند مجيئ المعتصم، فقد عاودوا الظهور في الصراع بين الأمين والمأمون وكانوا جند المأمون في القضاء على الأمين والتمكين لنفسه من السلطان ثم استعان المعتصم بالترك الغربيين من ما وراء النهر، وكانوا أقرب إلى العناصر الإيرانية من الأتراك الشرقيين، ونظراً لأهميتهم فقد ضوعف عطاؤهم ونالوا من الرعاية حقهم وتولى القيادة فيهم رجال منهم وصلوا إلى أعلى مراتب السلطة والقيادة(4) .

    وبدراسة النظام الحربي في العصر العباسي الأول يتبين كيف أن القيادة العسكرية في جميع القطاعات كانت في أيدي هذه العناصر الجديدة، ولم يكتف الفرس بالسيطرة العسكرية بل وامتد نفوذهم إلى الجهاز الإداري كله في حاضرة الدولة وفي الولايات وغلبوا على جميع دواوين الحكومة، وتولوا مناصب الولاية على البلدان والوزارة منذ أيام الدولة الأولى، وكانت بأيديهم مقاليد السياسة العباسية وكان الوزراء(5) في العصر العباسي الأول كلهم من العناصر الإيرانية، فأبو سلمة الخلال أول وزير عباسي مولى فارسي وأبو أيوب المورياني وزير المنصور فارسي من موريان وهي قرية من قرى الأهواز، ويعقوب بن داوود وزير المهدي هو مولى كذلك، وكذلك كان يحيى بن خالد البرمكي، واستوزر الرشيد بني سهل وكانوا من أولاد ملوك الفرس وتولى الوزارة الفضل بن سهل والحسن بن سهل ومن بعدهم استوزر المأمون أحمد بن يوسف مولى بني عجل ثم ثابت بن يحيى بن يسار الرازي، ولو تصفحنا أسماء الوزراء الذين أشار إليهم الجهشياري(1) لتبين أن أكثر الوزراء في العصر العباسي الأول كانوا من الفرس كما تولوا وظائف الكتابة، فقد كان للوزراء أعوان من الكتاب، وكان لولاة الأقاليم ورجال الدولة كتاب، وكان أكثر هؤلاء الكتاب من الفرس كالوزراء يحذون حذو أجدادهم من الفرس، بل وصل الصعود في مجال العمل السياسي بهذه العناصر إلى حد احتكار السلطة السياسية نوعاً ما توارثها الأبناء عن الآباء، أعني أنه تكونت لهم في العصر العباسي الأول مراكز قوى بالتوارث(2) .

    ومصداق ذلك ما وصلت إليه أسرة البرامكة في العصر العباسي الأول من نفوذ، وقد كانت هذه الأسرة إيرانية عريقة يعود أصلها إلى مدينة بلخ، وقد بدأ ظهور أفرادها في عهد المنصور، فظهر منهم خالد بن برمك الذي يرجع إليه الفضل في تثبيت النفوذ العباسي في منطقة خراسان وفي إيران كلها، وتتابع نفوذهم في عهد المهدي وسيطروا على الحياة السياسية في عهد الرشيد، فلم يتولوا منصب الوزارة فحسب، إنما تولوا جميع المناصب الإدارية والعسكرية، بل ظهر نفوذهم في الحياة الأدبية كما ينسب إليهم أنهم قاموا بكثير من الإصلاحات الإدارية، وعملوا على إحياء التقاليد الإيرانية(3) ، وعلى الرغم من أن العنصر العربي استطاع أن يظهر نفوذه قبل أن يختفي في نكبة البرامكة(4) ، وفي ولاية الأمين الخلافة، وفي عزل المأمون من ولاية العهد، فإن النفوذ الإيراني في الحياة السياسية بدأ يعود من جديد في صورة أقوى في عهد المأمون، ولم يكن النزاع بين الأمين والمأمون إلا نزاعاً بين النفوذين العربي والفارسي، وكان المأمون قد اتخذ خراسان مركزاً لنفوذه وكاد أن يجعل من مدينة مرو عاصمة للدولة العباسية، بل إن مبايعته(5) لعلي الرضا وهو الإمام الثامن لدى الشيعة بولاية العهد، كانت استجابة منه لشعور الإيرانيين، وكان انتصار المأمون تأكيداً للنفوذ الإيراني، والدليل على هذا ما تولاه الإيرانيون في عهد المأمون وبعده بقليل كالنفوذ الذي تولاه طاهر بن الحسين الذي أسس الدولة الطاهرية، وقد ظهر بنو سهل في العراق في عصر المأمون(1) وكان العباسيون إزاء هذه العناصر الصاعدة يرسمون لأنفسهم سياسة بعيدة الغور، لم يتخلوا عن تطبيقها طوال العصر العباسي الأول كانت هذه السياسة قائمة على أن يشارك هؤلاء الإيرانيون، العباسيين نفوذهم وسلطانهم وينالوا من السلطة ما طاب لهم، لكن داخل إطار محدود لا يسمح لهم بتجاوزه(2) وإلا فإن مصيرهم هو العزل والمصادرة والقتل وكانوا يسمحون لهم بذلك في حدود الطاعة المطلقة للخلافة والإعتراف بسلطانها حتى إذا سولت لهم أنفسهم أن يخرجوا عن حدود الطاعة، كان الكبت والقمع دون هوادة .وكان لهم في ذلك سياسة مرسومة وهي سياسة ضرب العناصر بعضها ببعض، فقد ضربوا الخراسانية(3) جيل أبي مسلم بالبرامكة الفرس وضربوا البرامكة ببقية النفوذ العربي، وضربوا بقية النفوذ العربي بالخراسانية من جيل بني طاهر، ثم ضربوا هؤلاء الخراسانية بأتراك المعتصم .

    إذن يمكننا أن نقول إن سياسة العباسيين حيال هذه العناصر الإيرانية المتقدمة في المجال العسكري والسياسي قامت على أساس المشاركة والموازنة في إطار الطاعة لبني العباس، فإذا أحسوا منهم أي خطر عاملوهم بالكبت والقمع والقتل، هذه السياسة تفسر الكثير من أحداث العصر العباسي الأول، كمصرع أبي مسلم ونكبة البرامكة والصراع بين الأمين والمأمون(4) والقضاء على بني سهل .

    كانت الخلافة في العصر العباسي الأول تستفيد من العناصر الإيرانية وتطلق لها من السلطان السياسي ما لا يخل بمبدأ التوازن، فإذا أحست بالإختلال بادرت إلى الفتك والتنكيل(1) .

    ثم ضعفت الخلافة العباسية بعد الواثق بن المعتصم مباشرة، وتناقل المؤرخون أخبار العدوان على أشخاص الخلفاء بالسجن أو القتل أو التعذيب أو العزل أو على سلطانهم بالسلب والتضييق . فكأن الخليفة لم يأمن حتى على نفسه فحسب، بل إن منصب الخلافة فقد ما كان له في نفوس المعاصرين من الهيبة والقداسة(2) .

    وتُردّ هذه التطورات إلى ضعف الخلفاء حيناً، وإلى انصرافهم إلى اللهو أحياناً أخرى، لا ننكر أنه ظهر بعض الخلفاء الضعاف الذين استسلموا للواقع، ولكن الأمر لم يخل من خلفاء آخرين كانوا على جانب كبير من قوة الإرادة، والحقيقة أن الأمر لم يكن ضعف أشخاص الخلفاء بقدر ما كان ضعف نظام الخلافة نفسه(3) .

    كانت الخلافة العباسية تستمد قوتها من مصادر متعددة: من دعوة عباسية منظمة، ومن صلات مطردة بين رؤساء التنظيم العقائدي في بغداد وبين شبكات الدعاة وجماهير الأنصار في الأقاليم وتستمد قوتها من بيت من بيوت قريش يتوارث أفراده هذا المنصب ويتحدون جميعاً للإبقاء على هذا الميراث، ثم عصبية قوية متماسكة تؤمن بأن بقاءها من بقاء الخلافة قوية(4) ، وأن مصلحتها قد ارتبطت بالخلافة بصلات قوية، وإذا كانت تلك هي مصادر القوة في النظام الخلافي، فإن افتقادها هذه المصادر يؤدي إلى ضعف الخلافة.

    وليس من شك في أن صلات الخلفاء بشبكات الدعاة في كافة أرجاء العالم الإسلامي لم تضعف فحسب، بل تهاوت تماما بعد الخليفة المتوكل، فلم نسمع عن ذلك النوع من الرسائل الذي رأيناه في العصر العباسي الأول، ومعنى هذا أن الخليفة فقد صفته كرأس لذلك التنظيم الذي سيطر على الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول، وادى هذا بالتالي إلى أنه فقد القداسة والهيبة في نفوس الناس، وتعرض الخلفاء لصور كثيرة من الإمتهان(1) .

    وضعفت الروابط بين الخليفة وملايين الناس الذين أيدوا الحزب العباسي وانخرطوا في سلكه . وأغلب الظن أن الخلايا المندسة في البلاد قد انحلت أو انصرفت إلى تأييد الدعاة الشيعة الذين ملأوا الفراغ في التنظيم العقائدي في العصر العباسي الثاني. فلم نسمع أن هذه الجماهير كانت تولى الخلافة المضطهدة ذلك التأييد العميق نفسه الذي كانت توليه للمنصور أو الرشيد .

    وأغلب الظن أن الدعاة قد تضاءل نفوذهم ولم يعد حكام الولايات رؤساء للتنظيمات المحلية كما كان الحال عليه في العصر العباسي الأول. فقد ضعفت صلتهم بالخلفاء وانصرف الكثيرون منهم إلى تنمية مصالحهم الذاتية والإكثار من المال والجند توطئة للإسهام في الحركة الإستقلالية التي غلبت على الحياة الإسلامية(2) .

    ومن أسباب الضعف ذلك الإنقسام الذي وضح في صفوف البيت العباسي الحاكم منذ البداية الأولى. لاحت بوادر هذا الخلاف في عهد السفاح ثم اشتدت في عهد المأمون . فالسفاح مثلاً ولى أخاه المنصور العهد وأعرض عن عميه عبد اللّه وسليمان، ولم يرض العمان فثار عبد اللّه بن علي على المنصور، وإذا بالمنصور يعزل عمه سليمان عن ولاية العهد

    ثم درج العباسيون على سياسة تولية العهد لأكثر من واحد، فالسفاح يولي المنصور ثم عيسى بن موسى . والمنصور يولي المهدي ثم عيسى بن موسى، والمهدي يختار الهادي، والرشيد يولي الأمين والمأمون .

    وقد وضح الإنقسام في موقف الهادي من هارون وفي موقف الأمين من المأمون. وقد أحس المأمون بما يتهدد البيت العباسي من خطر فعهد بالخلافة إلى المعتصم فقط(3) .

    وقد فقدت الخلافة العباسية قاعدتها العصبية -التي لا بد لكل دولة منها- التي هي مصدر النفوذ والسلطة، فالعصبية العربية كانت تضعف ضعفاً طبيعياً بسبب تفرق العرب في الأمصار، واختلاط دمائهم . وقد غدرت الخلافة العباسية في تطبيقها لسياسة التوازن بالخراسانية بعد نجاح الدعوة وقتل زعيمها أبي مسلم، ثم استعانت بالبرامكة ثم نكبتهم واعتمد الأمين على العرب وعاد المأمون إلى الخراسانية واضطر المعتصم إلى استخدام الترك(1) في الجيش على نطاق واسع، فلما ضاق بهم أهل بغداد أنشأ لهم حاضرة جديدة .

    ونشأت منهم طائفة من المحاربين احترفت الجندية، وخدمت المعتصم ونفذت سياسته، وتسربوا إلى الجهاز الإداري وأسند إليهم الكثير من المناصب العليا في الدولة . وبلغ نفوذ الأتراك حدا بعيدا في التحكم بعد وفاة الواثق، وأصبحوا أصحاب السلطان المطلق لفترة امتدت نحو قرن. وتدخل هؤلاء الترك في تولية الخلفاء(2) وعزلهم وامتد سلطانهم إلى منصب الوزارة، فأثقلوا على الوزراء وطالبوهم بالكثير من المال، فإن لم يلبوهم تعرضوا للعزل والتنكيل .ثم تولوا الوزارة في عهد المستعين الذي اتخذ أننامش وزيراً له . وأصبح تعيين الوزراء يتم عن طريقهم...

    وفي عهد المعتز بالله عزلوا جعفر بن محمود الإسكافي، ثم قبضوا على وزير آخر يسمى أحمد بن إسرائيل . وفي عهد المستعين حاول أبو صالح عبد الله بن محمد بن يزداد أن يضيق عليهم فهددوه بالقتل حتى هرب .

    وامتد نفوذهم إلى بعض الأقاليم، فكان الولاة يختارون إما من طبقتهم أو من المقربين إليهم(3) . وقد حاول كل من المتوكل والمعتز والمهتدي أن يدفع هذا الخطر التركي فلم يفلحوا ودفع أغلبهم حياته ثمناً لهذه المحاولة(4) .

    إيران من السنة إلى الشيعة- العقلية الايرانية في ظل الاسلام


    1"- دراسة في الفكر الإيراني في ظل الاسلام :

    لما وطئت أقدام العرب الفاتحين أرض فارس بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الفكر الايراني، لكن جنود سعدبن ابن أبي وقاص وأبناء الجزيرة الذين اجتازوا رمالها الشاسعة وأرغموا الجيش الفارسي بقيادة رستم في نهاوند على التسليم والذين أنهوا بسيوفهم الاستقلال السياسي للفرس، -وهم الشعب العريق- لم يضعوا قيدا يذكر على حرية الفكر لدى الايرانيين الذين ولوا ظهورهم للعقيدة المجوسية وأقبلوا على الاسلام طائعين ، دون أن يتخلوا تماما عن كل موروثاتهم الفكرية -وان تركوا الوجه الظاهر من ثقافتهم- بل دمجوها بالاسلام الوافد الجديد الى حد كبير مما جعل الاسلام يأخذ -ببطء- لونا فارسيا فيما بعد، يتفق مع العادات الفكرية والرسوم والآداب الآرية(1) .

    وهذا يشبه عمل العقل الهلاني -الهليني(2) - الواقعي في الغرب في تجربة مشابهة، على تأويل دين سماوي آخر -وهو المسيحية الوافدة اليه من أرض كنعان السامية. وكانت النتائج في الحالتين متشابهة على نحو مثير ولذا قال العلاّمة الدكتور محمد اقبال اللاهوري الشاعر الاسلامي العظيم "ان الاسلام أصيب في ايران بما أصيبت به النصرانية في أوربا(3).

    لقد كان الهدف لدى العقلية المتلقية للدين الجديد في الحالتين أن تحاول عن طريق التأويل والفلسفة التخفيف من الصرامة البالغة للقانون الالهي المطلق الذي فرض على المجتمع من الأعلى، وبعبارة أقصر كما يقول اقبال، هي محاولة لجعل ما هو خارجي مفروض يبدو كما لو كان ذاتيا نابعا من الداخل، وقد بدأت عملية التحول أو التحويل هذه مع شيوع دراسة الفكر الإغريقي في فارس(1) .

    وقد عوّق هذا الأمر -مع عوامل أخرى- نمو فكر محلي خالص، لكنه على كل حال يعتبر انتقالاً من الاتجاه الموضوعي المجرد للفلسفة الإيرانية قبل الإسلام إلى الاتجاه الذاتي الذي عرف به الفلاسفة اللاحقون، ويبدو أن تحقيق هذه النقلة يرجع إلى الدور الذي لعبه الفكر الوافد، الذي هيأ الاتجاه القديم الواهن نحو التصوف وأن يتخذ طابعا أكثر روحانية، والميل القديم الى التصوف الذي تبلور في نهاية القرن الثاني الهجري أخذ على عاتقه تقديم المزيد من الروحانيات .

    ومن خلال هذا التطور الأخير قدر للثنوية الايرانية القديمة -ثنوية النور والظلمة- أن تنتعش وتأخذ معنى روحياً جديداً .

    ولعل هذه الحقيقة المتمثلة في أن الفكر اليوناني قد أنهض العقلية الايرانية الحاذقة نحو حياة جديدة، وأسهم في اثرائها حين استطاع المجرى العام للتطور الفكري في إيران أن يتمثل أخيرا هذا الفكر الوافد .

    هذه الحقيقة تسمح لنا أن نعرج على مذهب بعض المفكرين الإيرانيين المتأثرين بالأفلاطونية الجديدة -خاصة شيخهم الشيخ الرئيس ابن سينا- الذين ما كانوا بسبب ذلك يستحقون الا عناية ضئيلة في تاريخ الفكر الإيراني الخالص(2) . على كل حال يجب أن نذكر أن الفلسفة اليونانية قد تطرقت الى الشرق الإسلامي خلال سوريا وحران(3) .

    لقد تبنى السوريون آخر اتجاهات الفكر الإغريقي، أي الأفلاطونية الجديدة ونقلوه إلى العالم الإسلامي متوهمين أنه يمثل الفلسفة المشائية الحقيقية لأرسطو(1) .

    ووصلت الفلسفة اليونانية بسبب جهل المترجمين وتحريفهم وعقائدهم الدينية وإدخالها في الترجمات إلى المسلمين مشوهة(2) منسوخة جهلا من الناقلين أو قصداً، مع أن خلفاء المسلمين وحكامهم كانوا يدفعون إلى هؤلاء النقلة ثقل الكتب التي كانوا ينقلونها، ذهبا ِإبريزا، وكانوا، فوق ذلك كله يأتمنونهم على هذا التراث(3) .

    ولقد كان فلاسفة المسلمين من طهارة النفس أنهم لم يشّكوا في هذا التزوير الذي أدخله الاسكندرانيون والنقلة من بعدهم على الفلسفة، فأخذوا يجهدون أنفسهم وعقولهم في سبيل التوفيق بين هذه المتناقضات والمحاولات التي لا تركب في عقل على حدّ قول د.عمر فرّوخ- وقضوا في ذلك قرنين ونصف قرن من الزمن(4) وكأن ذلك كان جزاء من الله للذين طلبوا الهداية في غير كتاب الله وعولوا على الفكر اليوناني لأنه إذا ظهرت البدع -سواء الفكرية أو العملية- التي تخالف دين الرسل انتقم الله ممن خالف الرسل وانتصر لهم(5) .

    ومن المدهش أن الفلاسفة العرب كما الفرس استمروا في الجدل حول ما يعتقدون أنه التعاليم الفعلية لمعلهم أرسطو وأفلاطون ولم يخطر ببالهم أبدا أنه فهم شامل لهؤلاء الفلاسفة -المشركين(1) - من الضروري معرفة اللغة اليونانية، ولقد احتاجوا إلى قرون عديدة -من جراء ذلك- حتى وصلوا إلى مفهوم واضح للفكر اليوناني المتمثل بأرسطو وأفلاطون.

    ومن جانب آخر نعلم إن اصطلاح "علم الكلام: قد أطلق على نظام خاص من الفكر، قام بين المسلمين قبل الترجمة وسابقا على وجود الفلسفة اليونانية وأسسها، وأصحاب هذا الفن كانوا يسمون "متكلمين" في مقابل نوع آخر من المفكرين الذين ابتدأوا بابن سينا والكندي والفارابي وعرفوا باسم "الفلاسفة"(2) .

    فاصطلاح علم الكلام ظهر بين المسلمين حين ثار الجدال بينهم حول مسائل العقيدة(3) لكن اشتدت هذه الخلافات بعد الترجمة ودخول الفلسفة، كأنها كانت زيتاً على نار. ولذا قال أئمة الإسلام أقوالهم المشهورة في الكلام.

    وبما أننا بصدد الكلام عن علم الكلام ورصد الفكر الإسلامي، لا بد أن نعرف -بادىء ذي بدء- أن هناك فارقا بين الإسلام وبين الفكر الإسلامي. فالإسلام هو دين الله تعالى المنزل على خاتم الأونبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، ومصدره الكتاب والسنة، أما الفكر الإسلامي فهو العمل العقلي للمسلمين في فهم ما جاء في الكتاب والسنة، ومن ثم فإن الإسلام لأنه يعتمد على وحي معصوم، لا اختلاف ولا تناقض فيها، أما الفكر الإسلامي فهو يمكن أن يقع فيه الاختلاف حسب اجتهادات المجتهدين ومستوياتهم الفكرية، وهذا الى جانب العلم بأن الخلاف في العقيدة غير وارد، لأنها لا تدخل في دائرة الاجتهاد وتعتمد على الوحي المعصوم الوارد في الكتاب والسنة .

    إن الباحث في تطور الفكر الإسلامي، الذي يمثل العمل العقلي للمسلمين يجد أن هذا الفكر قد مر في مرحلتين :

    الأولى: مرحلة النقاء الأولى وكان همّ المسلمين الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ونشر الدين(1) .

    الثانية: كانت في ظهور ما دار حول مسائل اعتقادية، انتزعها العقل الإنساني، من واقع مليء بالتساؤلات(2) بعد ما شحن هذا الواقع الفاسد بالآراء اليونانية الفاسدة التي أفسدت النصرانية في الغرب من قبل(3) . فعلم الكلام يعني بالإلهيات والنقاش في هذا العلم على منهج عقلي فلسفي هو الذي كون علم الكلام، وإذا كان الأمر -كما قلت- فإن الفرق بين الإسلام القائم على الكتاب والسنة وبين الفكر الإسلامي القائم على العمل العقلي للمسلمين -وما كان ينبغي ذلك- ينتهي إلى علاقة وطيدة الصلة، صنع هذه العلاقة، النقاش الذي دار حول العقائد الإيمانية(4) .

    وكما نعلم لقد تأثر الكلام الإسلامي بالتيار العقلي اليوناني في نهجه العقلي وفي اتجاهه الاختراعي الإبداعي وكان علم الكلام بذلك فلسفة يرتطم بكل ما يعترض الفلسفة من عقبات بمقدار قربه من الفلسفة(5) . وقلنا من قبل إن ترجمة الفكر اليوناني وتزعم المسلمين لهذا الفكر الأرسطي والدفاع عنه قد أجج نار الخلاف بين المسلمين وبالتأكيد أن ابن سينا كان واحدا من أولئك الزعماء لهذا الفكر الدخيل وكان أكثر تمسكا بالأصل -التعاليم الفعلية لأرسطو وأفلاطون بعد الترجمة- من الفارابي(1) وابن مسكويه وابن رشد، ولكن لا يمكننا اتهامهم بالتقليد الأعمى لأرسطو وأفلاطون -كما يقول إقبال- وتاريخ فكرهم كان محاولة دائمة للخوض في ذلك الكم الهائل من العبثية الذي نتج عن اهمال مترجمي الفلسفة اليونانية وتحليلاتهم تدل على الجهد الاكتشافي وليس العرض والتحليل فحسب ويدل ذلك على ذهن بارع سجن وأغلق عليه من قبل كومة من العبثية البائسة(2) والتي استطاع الصبر أن يزيلها تدريجيا وهكذا استطاعوا غربلة الصدق وتمييزه عن الكذب.بعد هذه الملاحظات التمهيدية -الطويلة نسبيا- سوف ندرس بعض تلامذة الفلسفة اليونانية الأوائل من الفرس الذين حولوا الفكر الإسلامي الأصيل -الإلهي_ وأغرقوها بالفكر اليوناني البشري وحرفوا الكلم عن مواضعه(3) ومن ثم كانت النتيجة أن ظهر الفكر الإيراني القديم بمظهره الجديد وفي ثوب الفلسفة والكلام بدلا من العقيدة الإسلامية الصحيحة

    إيران من السنة إلى الشيعة- ظهور الإمارات الإيرانية المستقلة (الإستقلال الذاتي) وبروز القومية الإيرانية

    الإيرانيون الذين ظهروا في الحياة السياسية على النحو الذي رأيناه في العصر العباسي الأول وجدوا من الخلفاء في هذا العصر القوة التي تلزمهم حدود الطاعة، ولا تبيح لهم من السلطات إلا ما يحفظ فعاليتها ويبقى على سلطانها وانطلقوا صعوداً(1) بعد أن ضعفت الخلافة العباسية على النحو الذي بيناه ولم يستطع أحد من الخلفاء أن يوقف هذه الموجات الإستقلالية على نحو ما فعل خلفاء العصر العباسي الأول فظهر أولاً الطاهريون (205-259هـ) في خراسان والصفاريون (254-290 هـ) في سجستان (سيستان) والسامانيون (279-378هـ) في خراسان والزياريون (376-426 هجري) في طبرستان، وفي ظهور هذه الإمارات تم إحياء كثير من التقاليد الإيرانية القديمة(2) .

    بادئ ذي بدء ليس القصد أن ندرس تاريخ الإمارات المستقلة وما صحب ظهورها من أحداث سياسية دراسة مفصلة لأننا في الفصل القادم سوف نتعرض لهذه الإمارات كلها، إنما القصد أن نكشف في خطوط عامة طبيعة هذا الدور من الظهور السياسي الذي بدأ بظهور الطاهريين وانتهى بسيطرة البويهيين على إيران كلها، وكيف كان ظهور هذه الدول وتفكير مؤسسيها السياسي تعبيراً لا شك فيه، عن قومية إيرانية واضحة(3) .

    وأول ما يلاحظ أن جميع هؤلاء المؤسسين كانوا مجرد ولاة من الفرس انتهزوا فرصة ضعف الخلافة العباسية وحصلوا على الإستقلال، وتوارثه أبناؤهم بعدهم أو بعض أهل بيتهم، وخضعوا -إسمياً- للخلافة العباسية ولكن نفوذهم السياسي لم يتجاوز هذا الحد بدليل الألقاب التي اتخذوها والتي نقشوها على النقود، فلم يلقبوا بألقاب السلاطين إنما ظل الواحد منهم يلقب الأمير أو الملك(4) .

    هذا ولم تستطع قوة من هذه القوى المشار إليها أن تتغلب على إيران كلها في حركة سياسية شاملة إنما الذي حدث أن كل إقليم من أقاليم إيران أو كل ولاية من ولاياتها حصلت على الإستقلال الذاتي وظهرت فيها إمارة تنظر إلى الإمارات الأخرى نظرة العداء(1) ، ولم يكن هناك ثمة تفكير قومي عام، فهذه المرحلة إذن هي مرحلة الإستقلال الجزئي -الحكم الذاتي- .

    ورغم هذا فإن ظهورها كان يتضمن تعبيراً عن القومية الإيرانية تجلى في انتساب أغلبهم إلى الفرس وإشادتهم بهذا النسب وإسراف من أرخ لهم في إظهاره والتركيز عليه كما تجلى في إحيائهم الكثير من تقاليد الفرس الساسانية وتشبههم بملوك الفرس القدماء وإقامة بلاط جامع للقوى الثقافية التي ساعدت على نشاط حركة الإحياء الفارسية، وكان ذلك كله في أغلب الأحيان في نطاق الولاء للخلافة العباسية، إلا أن بعض هذه الإمارات لم يتورع من أن يشهر السلاح في وجه الخليفة في بعض الأحيان .

    أما عن انتسابهم إلى الفرس فأمر لا خلاف فيه، فمؤسسو هذه الدول معظمهم من أصل إيراني فآل طاهر انتسبوا إلى رزيق بن ماهان مولى طلحة بن عبيد الله الخزاعي والي سجستان من قبل مسلم بن زياد ، فهم إذن من موالي الفرس الذين أسلموا في العصر الأخير، وبرزوا في خدمة الدولة(2) الأموية ويعتبر براون أن الدولة الطاهرية أولى الدول الفارسية الخراسانية التي قامت بعد الإسلام(3) ، ولم يكتف هؤلاء الأمراء بتأكيد انتسابهم إلى أكاسرة الفرس بل راح بعضهم يعمل على التشبه بالفرس في نظم الحكم وإحياء الكثير من التقاليد الفارسية القديمة وخاصة آل زيار، فقد روى أن مرداويج سأل عن تيجان الفرس وهيئتها فمثلت له فاختار صفة تاج كسرى، فعمل له تاج من ذهب، جمعت فيه أنواع الجواهر وضرب له سرير من ذهب رصع بالجواهر فجلس عليه وجعل عليه منصة عظيمة وجعل أمامه سريراً من الفضة عليه فرش مبسوط، ودون ذلك كراسي مذهبة ليجلس عليه أصحاب الأقدار حسب مراتبهم في الجلوس(4) .

    كما يذكر أنه كاتب عاملاً له أن يعد إيوان كسرى منزلاً له، وأن يعمره كهيئته قبل الإسلام(1) ولما حضرت ليلة الوقود في أصبهان جمعت الأحطاب من الجبال والنواحي البعيدة وأعدت الشموع العظام . وعمل لمجلسه الخاص تماثيل وأساطين كبيرة من الشمع، وحشد على رؤوس الجبال ما لم تجر العادة بمثله(2) .

    وإذا كان آل زيار قد جهروا على هذا النحو، فإن غيرهم من الأمراء مثل الطاهريين والسامانيين الذين ظهروا بمظهر الولاء الكامل للخلافة العباسية كانوا في حياتهم الخاصة ومجالسهم وبلاطهم ودواوينهم، إنما يحيون النماذج الفارسية القديمة .

    ولم يأنف بعض هؤلاء الأمراء من أن يشهر السيف في وجه الخلافة، وأن يرفع برقع الولاء الزائف، كما هو الحال في موقف يعقوب بن الليث الصفار من الخليفة المعتمد الذي جمع ببغداد حجاج خراسان والري وطبرستان وجرجان وقرأ عليهم كتاب الخليفة بلعن يعقوب وأرسلت عشرات النسخ من هذا الكتاب إلى الأمصار لتذاع بين الناس، وقد عمل يعقوب على قصد بغداد نفسها وحمل الخليفة على الإذعان لمطالبه(3) .

    يقول براون(4) إن استقلال بلاد الفرس يمكن أن يقال أنه بعث عن طريق هذه الأعمال الباهرة‍ التي قام بها يعقوب بن الليث رغم أنه لم يكن من بيت عريق، ويذكر أيضاً(5) أن الدولة الصفارية مثلا كانت في أيامها الأولى أقل خضوعاً وأكثر استقلالاً من الدولة السامانية ويشير صاحب الفخري(6) إلى أن مرداويج كان ينوي قصد بغداد وتشتيت الدولة ويكفي تأييداً لهذه النزعة الإيرانية الواضحة أن نذكر أن بلاط بعض هؤلاء الأمراء كان من أهم المراكز التي كانت تجذب الشعراء باللغة الفارسية الجديدة كبلاط السامانيين في بخارى وقصر شمس المعالي قابوس بن وشمكير في طبرستان .

    وأصبح إقليم خراسان -وهو منطقة كانت أوسع بكثير من الإقليم الحالي الذي يعرف بهذا الإسم- أكثر أجزاء إيران حيوية ونشاطاً، ففي عام [185هـ= 801م] عين طاهر ذو اليمينين -الذي كان قائداً لجيش أحد أبناء الخليفة -هارون الرشيد- وهو المأمون، حاكماً على خراسان بناء على طلبه، فاتخذ مدينة نيشابور عاصمة له. وقد خلفه في هذا المنصب ابناه وحفيده وابن حفيده، وكان كل واحد منهم يدفع للخلفاء -في بغداد- خراجاً سنوياً قليلاً . وكان حكام هذه الدولة المحلية يعرفون باسم الطاهريين(1) . وقد امتازوا بحب الكتابة والشعر وحكموا من [195-260 هـ= 810-873م] .

    وكانت الشخصية القوية التالية التي ظهرت في إيران، هي شخصية يعقوب بن الليث الصفار(2) ، وكان نحاساً وقاطعاً من قطاع الطرق، ثم أصبح -من 253 هـ= 867م- سيداً على خراسان وهراة، فعين والياً على خراسان من قبل الطاهريين، ولكنه سرعان ما أسقط دويلتهم وبسط نفوذه على كرمان وفارس وأصفهان أيضاً . وتوفي في عام [266هـ= 879م] بعد انهزامه في محاولة لفتح بغداد نفسها، فتوجه أخوه عمرو بن الليث إلى إقليم ما وراء النهر وكان السامانيون قد ظفروا فيه -حديثاً- بالسلطة، ولكنه هزم وأرسل أسيراً إلى بغداد حيث أعدم في 290هـ= 902م، واحتفظ أعقابه بالحكم طويلاً في سجستان، وقد حدثت في هذه السنوات المحدودة للحكم الصفاري حادثة ذات مغزى ثقافي مهم، الا وهي شروع كاتب يعقوب (محمد بن وصيف السجزي) بنظم الشعر على أوزان الشعر العربي بالفارسية لأول مرة بعد الإسلام .

    وظفر السامانيون -الذين كانوا ولاة يخضعون للطاهريين- بسيادة تامة على شرقي إيران، وحكموا هذه المنطقة مائة سنة تقريباً. وقد حكم إسماعيل مؤسس هذه الدولة وأول شخصية بارزة فيها -من [279-295هـ =892-907م] وكان شخصاً كريماً ذكياً، كما كان قائداً مظفراً جداً، واستطاع في السنوات الأخيرة الهادئة من حكمه أن يكرس كثيراً من وقته لتعمير عاصمته بخارى .

    وقد وصلت الدولة السامانية إلى أقصى قوتها في عصر نصر بن أحمد من [301-332هـ = 913-943م]فسيطرت على إقليم ما وراء النهر وخراسان وسجستان وجرجان وطبرستان والري وكرمان، وضم بلاط بخارى رجالاً من ذوي العلم والفكر، منهم الفيلسوف أبو علي بن سينا المعروف لدى الغربيين باسم "أفيسينا" Avicenna وفيه ولد الأدب الفارسي الحديث على أيدي الشاعرين الرودكي والدقيقي منشئ الشعر الحماسي، وقد عمل السامانيون على إثارة النزعة الوطنية الإيرانية وإحيائها، ولكن تحولها إلى حكومة إقطاعية أدى إلى ظهور حكام أقوياء، ثم إلى اسقاط الدولة في النهاية(1) .

    وإقليم الديلم مهم أيضاً لأنه كان مقراً للحكام البويهيين -الشيعة، حيث نعيد الكلام عنهم في الفصول الآتية مرة أخرى- وعين علي بن بويه حاكماً محلياً من قبل مرداويج بن بن زيار، ولكن علياً وأخويه الحسن وأحمد لم يلبثوا أن سيطروا سريعاً على وسط إيران وغربيها .

    وفي عام (334هـ= 945م) دخل أحمد بغداد، ولكنه ترك الخلفاء العباسيين -الذين منحوا هؤلاء الإخوة مناصب وألقاباً فخرية- يتمتعون بسيطرة روحية إسمية .

    وأبرز شخصية بين البويهيين هو عضد الدولة(2) الذي حكم من 338-373هـ = 940- 983م وقد اتخذ الري وأصفهان عاصمة له، وقد اتجهت الدولة بعد وفاة عضد الدولة نحو الإنهيار بخطى سريعة، فانتزع محمود الغزنوي الجزء الغربي منها بينما بقي الجزء الشرقي سليماً حتى مجيء السلاجقة .

    وقد ارتفع شأن تسعة من أفراد الأسرة الغزنوية الذين حكموا في الجزء الشرقي من إيران في تلك الأوقات، وكان ألبتكين أول حكام هذه السلسة التركية عبداً اشتراه اسماعيل الساماني، ثم صار حاكماً على خراسان، وأعلن نفسه سلطاناً على غزنة في حدود سنة 349هـ = 960م .

    وقد أخذ محمود سادس أفراد هذه الأسرة على عاتقه أن يوسع مملكة أسلافه المحدودة، فأسقط السامانيين في عام (390هـ = 999م) وابتلع الزياريين ودفع البويهيين إلى غربي الهضبة الإيرانية في عام (420هـ = 1029م) لكي يبسط حكمه فوق مهجارا وأفغانستان وما وراء النهر وخراسان وطبرستان وسجستان وجزء من الهند، ولم يبق خارج نفوذه من إيران الأصلية سوى كرمان وفارس، وكان يتبع الملحدين وأصحاب البدع حيثما كانوا في مملكته وقد شمل السلطان محمود الغزنوي(1) بعنايته كل الشعراء والعلماء، فكان جميع العلماء المشهورين يستدعون إلى غزنه، وكان منهم العنصري الشاعر والبيروني العالم المؤرخ والفردوسي المشهور الذي التحق بالبلاط -لأول مرة- وهو في منتصف عمره، وبدأ ينظم ملحمته الرائعة، شاهنامه أو كتاب الملوك، وظل ينظم فيها حتى بلغت 60000 بيت من المثنوى المنظوم، وتشتمل الملحمة على أمجاد أربع دول قديمة، اثنتان منها خرافيتان، مأخوذتان من الأساطير الواردة في الأوستا والإثنتان الأخريتان هما البارثيون والساسانيون، ولكن الملحمة تشتمل على أساطير حتى في هاتين الدولتين أكثر مما تحتوي على تاريخ دقيق وهو يعمل في تكريس الروح القومية الفارسية فيها، وتكثر في هذه الملحمة الطويلة قصص الفروسية والبطولة وكانت مصدر إلهام لكثير من شعراء الفرس المتأخرين وبعض الأوروبيين مثل ماتيو ارنولدmatthew Arnold (2) . ولذا لم يجد ترحيباً واسعاً من محمود الغزنوي الحاكم العالم الذي يعيش في مسرح الحوادث أكثر من الخيال والخرافات وقال له بأن ألوفاً من هؤلاء الأبطال الذين تتكلم عنهم يوجدون في جيشي .

    يجب علينا أن ندرك أن كثيراً من المؤلفين الفرس الذين عاشوا في هذا العصر قد ألفوا كتبهم باللغة العربية، لأن اللغة العربية بهرتهم بأساليبها الرائعة التي استساغها العقل الفارسي، وكانت حروف الهجاء العربية أسهل بكثير من الحروف البهلوية المعقدة، ولذلك كان العلماء الإيرانيون يعدون اللغة العربية لغتهم الثانية بل لغتهم العلمية الأولى، وتسربت كثير من الكلمات العربية في اللغة الفارسية، وكان من الطبيعي أن تستعمل الحروف العربية في ذلك الوقت لكتابة الفارسية كما هي اليوم، وكتبت شخصيات معروفة مثل الشيخ سعدي الشيرازي والغزالي الطوسي بكل من اللغتين العربية والفارسية.

    النتائج الحضارية :

    والتقدم الحضاري الذي أحرزه الإيرانيون المسلمون سار في الطريق نفسه الذي سلكه التقدم السياسي وقد مرّ بمرحلتين متمايزتين:

    أ- المرحلة الأولى : موازية للمرحلة التي قطعتها العناصر الإيرانية في مجال التقدم السياسي طوال العصر العباسي الأول وقد ظهر أثر الإيرانيين واضحاً في نظم الحكم والحياة الإقتصادية والإجتماعية وفي الحياة الثقافية، ولكن هذا التقدم كان تحت علم الخلافة العباسية والطابع العربي لكل مسارات الحضارة .

    ب- والمرحلة الثانية موازية لمرحلة الإمارات الإسلامية المستقلة والنفوذ البويهي في الوقت الذي وضح فيه ضعف الخلافة وتقلص نفوذها، وأهم ما تميزت به هذه المرحلة هو نهضة الأدب الفارسي(1) شعراً ونثراً.

    أ- المرحلة الأولى: تقدم العناصر الإيرانية تحت علم الخلافة العباسية والطابع العربي الشامل لكل مسارات الحضارة :

    1"- نظام الحكم : كان من أثر إسلام الإيرانيين واعتماد الدولة العباسية عليهم وتقدمهم ذلك التقدم السياسي الذي بيناه آنفاً أن بدأت الحياة الإسلامية تشهد إحياء التقاليد الإيرانية في نظم الحكم وقد أفاد العباسيون على نطاق واسع من التقاليد الإدارية الفارسية القديمة، يقول برنارد لويس(2) :

    " وكانت الإدارة عند العباسيين تطوراً للإدارة عند الأمويين المتأخرين واعترف المنصور بدينه الكبير للخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في تنظيم الدولة". إلا أن تأثير النظام الفارسي المعمول به أيام الساسانيين قد ازداد قوة وإن كثيراً من شعائر العباسيين هو تقليد متعمد للعادات الفارسية التي أصبحت معروفة إذ ذاك عن طريق الموظفين الفرس . واتخذت الإفادة من تقاليد الفرس(3) صوراً متعددة، فقد كانت استحداثاً لأنظمة جديدة لم تكن موجودة من قبل كما أدت إلى تطور أنظمة قائمة .

    2"- الإيرانيون والحياة الإقتصادية :

    فتحت الخلافة العباسية الطريق أمام الإيرانيين في المجال السياسي، كما فتحت أمامهم الطريق إلى النشاط الإقتصادي، فقد أسقطت القيود التي فرضها الأمويون الأواخر وخففت عن الفلاحين عبء الخراج ورفعت من مستواه، وأعطت العمال في المدن الكبرى حرياتهم المدنية، وأزاحت من سبيلهم كل العقبات، ولكن طبقات أخرى غير العمال والفلاحين استغلت هذا الميدان المفتوح الذي هو دون قيد، فانطلقت فيه إلى الغاية وأفادت من النهضة الإقتصادية العظيمة، وظهرت إقطاعية عظيمة النفوذ بعيدة السلطان تملك المساحات(1) الواسعة من الأراضي في العراق أو الأمصار، وتستغل هذه الأرض لصالحها وتستدر منها أعظم الثروات، وكذلك نشأت طبقة غنية استغلت الأموال الطائلة في المشروعات الصناعية والتجارية، وظهرت طبقة التجار الذين استفادوا من التقدم التجاري الذي أشرنا إليه فركبوا البحار وسيروا السفن لحسابهم(2) ونقلوا البضائع في كل اتجاه .

    3"- الإيرانيون والحياة الإجتماعية :

    وفي ميدان التقاليد الإجتماعية بدا واضحاً الأثر الإيراني في جميع مظاهر الحياة في العصر العباسي الأول فقد تقدمت العناصر الإيرانية اجتماعياً وغلبت التقاليد الفارسية على حياة الناس في العراق وانتشرت من ثم في العالم الإسلامي كله، وغلبت التقاليد الإجتماعية الفارسية في الأزياء وتمثلت التقاليد الإيرانية في الإحتفاء بأيام النوروز والمهرجان: كان الخلفاء يحتفلون بالنوروز في أول العام وفي آخره بالمهرجان، وتأثر الناس بالأساليب الفارسية في الحياة واقتدوا بالفرس(3) في مظاهر البلاط والحفلات والأعياد والمراسم وبنوا الدور على الطراز الفارسي الذي شاع في بغداد وسامراء، بل انتقلت هذه التقاليد إلى البلاد الإسلامية الأخرى، نقلها المبعوثون من بغداد، ونقلها القضاة ورجال الدولة

    م ن ق و ل
     

مشاركة هذه الصفحة