ابرهة والبيت الحرام

الكاتب : الهاشمي41   المشاهدات : 657   الردود : 0    ‏2006-03-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-27
  1. الهاشمي41

    الهاشمي41 عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-23
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    بنى أبرهة الحبشي كنيسة القُلَّيْس بصنعاء، فكانت آية في الصنعة والإتقان، وقد استعان لبنائها بقيصر الروم، فأمده بالصناع والفسيفساء والرخام، ثم كتب أبرهة إلى النجاشي، فأخبره بأنه بنى تلك الكنيسة، وبأنه سيصرف إليها حاج العرب ، ومن الجلّي أن أبرهة أراد بذلك أن يصرف العرب عن كتبهم المقدسة، ورمز وحدتهم إلى كنيسته رمز النفوذ الأجنبي في بلاد العرب، وبذلك يمكّن الروم والأحباش من إحكام سيطرتهم على العرب، فالانصراف عن الكعبة إلى القُلّيس هو انصراف العروبة والاستقلال إلى التبعية والاستعباد.
    وكان الردّ العربي على سياسة أبرهة عفوياً، ومن الحجاز، فقد انطلق إلى اليمن رجل من بني كنانة، فأَتَى القُلّيس، وأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، وحين سأل أبرهة عَمَن فعل ذلك في القُلّيس، قيل له: (صنع هذا رجل من العرب، من أهل البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة، لمَّا سمع قولك: أصرف إليها حَجّ العرب غضب، فجاء، فقعد فيها، أي أنها..... ليست لذلك بأهل) فغضب أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وقد مَهَد لذلك بأن تَوّج محمد بن خُزاعيّ السُّلمي، وأمَّرَهُ على مضر، ثم أَمَرَه أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجّ القُلّيس، فسار، حتى إذا نزل ببعض أرض كنانة -وقد بلغ أهل تهامة أمرُه، وما جاء له -بعثوا إليه رجلاً من هذيل، فرماه بسهم فقتله ، فأضيف بذلك دليلٌ آخر على وجود الانتماء العربي، وعلى أهميته في محاربة الأجانب وعملائهم من العرب.
    وحينئذ ازداد أبرهة غضباً وغيظاً، وحلف ليغزونْ بني كنانة، وليهد من البيت الحرام، فأمر الحبشة فتهيأت، وتجهزّت للمسير إلى مكّة، فأعظم العرب ذلك (ورؤوا جهاده حقاً عليهم..... فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن، وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، فدعا قومه، ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، ومايريد من هدمه وإخرابه، فأجابه إلى ذلك مَنْ أجابه ثم عرض له، فقاتله فَهُزِم ذو نَفْر وأصحابه، وأُخذ ذو نَفْر، فأُتي به أسيراً فلما أراد قتله، قال له ذو نَفْر: أيها الملك: لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليماً) .
    وتبعث محاولة ذي نَفْر محاولة عربية أخرى لصدّ الأحباش، فحين وصل أبرهة بجيشه إلى أرض خثعم (عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي، في قبيلي خَثْعَم: شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبرهة، وأُخذ له نُفيل أسيراً، فأتى به، فلما هَمّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك: لا تقتلني: فإني دليك بأرض العرب..... فأعفاه، وخَلَّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق) .
    وحين وصل أبرهة إلى الطائف لقيه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، وقالوا لهأيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك، مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتناهذا الذي تريد -يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم.... فبعثوا معه أبا رغال، يدلّه علىالطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة، ومعه أبو رغال حَتّى أنزله المُغَمَّس، فلما أنزل به، مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب ، وما رَجْمُ العرب لذلك القبر إلا تعبير عن السخط على المتعاملين مع العدو، والمتخاذلين أمامه، فرجْم أبي رغال هو رجْم لكل عربيّ سار في جيش أبرهة، وهو راضٍ عن هدم البيت، واحتلال الأحباش للأرض العربية) .
    ثم كانت محاولة ثالثة لصدّ أبرهة عن وجهته: فقد روي أن سيد قريش، عبد المطلب بن هاشم قدم إلى أبرهة ومعه سيّد بني كنانة، نُفاثة بن عديّ، وسيّد هُذيل، خُويلد بن وائلة، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك .
    لقد استنفد العرب جهودهم لصدّ الأحباش، وهي جهود افتقرت إلى الوحدة فلم تنجح، ولكنها عظيمة الدلالة على تنامي الوعي بالانتماء العربي، وعلى تفاوت العرب في وعي ذلك الانتماء، فالعرب الأكثر وعياً قاوموا الأحباش، والأقل وعياً آثروا السلامة، ومنهم فئة قدّمت العون للعدو مؤثرة مصالحها الخاصة أو سلامتها القبلية على المصلحة العامة للعرب كلهم، فاستحقت الرجم واللعن إلى يوم الدين.
    وهكذا أصبح جيش أبرهة في المُغَمَّس، يَتَهَّيأ لا حتلال مكة، وهدم كعبتها، بعد أن عجزت جهود العرب المبعثرة عن صدّه، وكانت آخر كلمة مقاومة للأحباش هي قول عبد المطلب لأبرهة:
    (إنّ للبيت رَبَّاً سيمنعه، قال ماكان ليُمْنَع منّي، قال أنت وذاك) ولكن أبرهة عاد ذليلاً مقهوراً، وقصّ علينا سبحانه وتعالى خبر جيشه في قوله: (ألم تَرَ كيفَ فعل ربُّكَ بأصحابِ الفيل* ألم يجعلْ كيدهمْ في تضليل* وأرسل عليهم طيراً أبابيل* ترميم بحجارة من سِجّيل* فَجَعَلَهم كعصفٍ مأكول) .
    وكان للشعر الجاهلي صوت في ذلك الصراع، فعبد المطلب أخذ بحلقة باب الكعبة، وقال قبل هزيمة أبرهة :
    ياربَّ لا أرجو لَهمْ سِواكا
    ياربِّ فامنعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا

    إنَّ عَدُوَّ البيتِ مَنْ عاداكا
    امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا

    وقال أيضاً من أبيات يناجي فيها ربَّهُ :
    لا يَغْلُبَنَّ صَليبُهُمْ
    وَمِحالُهُمْ غَدْواً محالك

    ومن الأشعار المقاومة للأحباش أبيات لعكرمة بن عامر العبدري، دعا فيها الله ليخزي الأسود بن مقصود الذي استاق تهامة، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب، وكان من قادة جند أبرهة .
    وحين هزم الأحباش راحو يسألون عن نفيل بن حبيب الخثعمي ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال من أبيات له :
    وَكُلُّهُمُ يُسائِلُ عن نُفَيْلٍ
    كَأَنَّ عَلَيَّ للحُبْشانِ دَيْنا

    وماكانت دلالَتُهُمْ بِزَينٍ
    ولكنْ كانَ ذاك عَلَيَّ شَيْنا

    إن نفيلا - وكان قائد حركة مناهضة للأحباش- أكره على المسير معهم، وهو يضمر العداء له ولذلك كان يرى أن مساعدته للأحباش - وإن كان مكرهاً- عار لحق به، وماذلك إلا دليل على شدة وعيه بانتمائه العربي الموجب للدفاع عن مُقَدَّسات العرب ضد الغزاة الأجانب.
    رجع الجيش الحبشي مدحوراً إلى اليمن، وفي ركابه عدد من الرهائن، من أبناء القبائل المنتشرة في الطريق من مكة إلى اليمن . وكانت تلك الرهائن سبباً في وفود العرب إلى الأحباش في اليمن رغبة في تخليص أولئك الرهائن من الأسر، ولعلّ الأحباش أخذوا الرهائن لأسباب منها أن يفد العرب إليهم ليصطنعوهم، وممن وفد إليهم لبيد بن ربيعة العامري، فأحسنوا إليه، وله في ذلك شعر ووفد إليهم معقل بن خويلد الهذلي، فأحسنوا إليه، وأرادوا أن يزوجوه منهم ويبقوه عندهم، فأبى، وله في ذلك شعر ، وكان مع معقل أساري من فلول الجيش الحبشي فافتدى بهم من عند الأحباش من أسراء بن كنانة، وأهالي نجد ، افتخر بنجاح وفادته حين عاد إلى قومه بالأسرى، وذلك في قوله :
    وَسوْدٍ جعادٍ غِلاظِ الرِّقا
    بِ مِثْلَهُمُ يَرْهَبُ الرّاهِبُ

    أشَابَ الرؤوسَ تَقَدِّيهمُ
    فكُلُّهُمُ رامِحٌ ناشِبُ

    أتيتُ بِأبْنائِكُمْ مِنْهُمُ
    وليس مَعِي مِنْكُمُ صاحبُ

    فذلِكُمُ كان سَعْيي لكُمْ
    وكلُّ أناسٍ لَهُمْ كاسِبُ

    إن وفادة معقل على الأحباش ليست عمالة، فدافعها انتماء عربي، دعاه إلى السعي من أجل فكاك أسرى من قبائل عربية مختلفة، ويؤكد شعوره بذلك الانتماء وعداءه للأحباش أنّه رفض الإقامة عندهم والزواج منهم.
    ولكن أهالي اليمن لم يستسلموا لظلم الاحتلال، فانقضوا على رموزه الظالمة ، غير أن قدراتهم المتاحة كانت عاجزة عن إخراج الأحباش، فتطلّعت القلوب الثائرة إلى العون الخارجي، وكان رأس تلك القلوب سيف بن ذي يزن،
     

مشاركة هذه الصفحة