يهود يمنيون: لم نتوقع يوماً ان تكون حياتنا في اسرائيل صعبة الى هذا الحد

الكاتب : Abuali2003   المشاهدات : 450   الردود : 0    ‏2006-03-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-22
  1. Abuali2003

    Abuali2003 عضو

    التسجيل :
    ‏2003-02-12
    المشاركات:
    41
    الإعجاب :
    0
    القدس «الأيام» عن «الحياة»

    المشاهد التي ترافقك وانت تتجول في حي «اوشيوت» في مدينة «رحوفوت» في اسرائيل، قبل الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر، تختلف تماماً عن تلك التي تعكس طبيعة سكان هذا الحي، بعد هذا الوقت. فهذا الحي اليمني الذي يعج بأهله، من رجال يتخذون حديقة صغيرة مكاناً للاستراحة وأحياناً للجلوس، وفتيان يتجولون ويتسامرون، وأطفال تزداد إعدادهم بعد العودة من المدرسة يقضون وقتهم بالعاب تقليدية قديمة، تختفي منه صور بعد الرابعة والنصف. فقلما تجد رجالاً يجلسون في المكان، وان أردت البحث عنهم فعليك بعدد من البيوت التي تحولت مكاناً دائماً للقاء الأصدقاء. هناك يمكنك ان تعرف الكثير عن طبيعة حياة هذه الشريحة من اليمنيين.

    في هذه البيوت تشاهد صوراً مصغرة من الحياة اليومية في اليمن وأبرزها مضغ القات، فهذه العشبة التي لا يمكن لليمنيين الاستغناء عنها تحول جلساتهم الى حفلات يومية تكون النرجيلة نجمها الضاحك. تخزين القات يحدد البرنامج اليومي لليمنيين في اسرائيل. فموعد جلساته اليومية مقدس للجميع وما ان تقترب عقارب الساعة من الرابعة والنصف بعد الظهر حتى تلتقي المجموعة لتواصل جلستها حتى ساعات المساء. النساء يتحولن الى نادلات يقضين الوقت في غرفة في البيت من دون جهاز تلفزيون، فهذا الأخير يحتكر الرجال مشاهدته «خوفاً من تدهور أخلاق المرأة ولانشغالها في شؤون الأطفال والبيت». التلفزيون مركون في مقيل القات ومثبت معظم الوقت على قناة «الجزيرة» الفضائية.

    هذا الجانب من الحياة اليومية لليمنيين في اسرائيل يعكس طبيعة هذه الشريحة التي وصلت في موجة الهجرة الأخيرة عام 1992، وما زال كبار في السن فيها متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم على رغم ما ولدته هذه التقاليد من مشكلات مع جيرانهم اليهود من أصول أخرى وأيضاً مع الجيل الثاني الذي لم يعد يحتمل أسلوب التعامل التقليدي.

    اليمن الصغير
    وصول أول فوج من يهود اليمن الى فلسطين كان بين عامي 1949 و1950 في حملة أطلق عليها «على أجنحة النسور» وضمت خمسين ألف شخص. و بحسب الوثائق الاسرائيلية فان هؤلاء هم معظم أبناء الطائفة اليهودية في اليمن ولم يبق الا نحو 250 عائلة من اليهود في اليمن لم تغادر. وخلال الفترة التي ترأس فيها اسحق شامير الحكومة الأسرائيلية توحدت الجمعيات اليهودية اليمنية برئاسة افيغدور كهلاني ومارست ضغوطاً كبيرة سعياً الى السماح لمن تبقوا بمغادرة اليمن. وبعد تدخل الحكومة الاميركية، التي مارست ضغوطاً على اليمن، بحسب الوثائق الاسرائيلية، سمح لهم عام 1992 بالهجرة الى اسرائيل وخلال ثلاث سنوات وصل 800 يمني. معظم هؤلاء يسكنون في حي اوشيوت في رحوفوت وعشر عائلات في اشكلون، وهناك عائلة واحدة ليمني متزوج من ثلاث نساء اختار الابتعاد عن هذا التجمع السكاني وسكن بيتاً بالقرب من الخضيرة. وبحسب معطيات دائرة الهجرة بقي في اليمن 350 يهودياً يرفضون الهجرة الى اسرائيل.

    في اسرائيل تختلف وضعية اليمنيين الذين وصلوا مع بداية اقامة دولة اسرائيل كلياً عن وضعية العائلات التي وصلت قبل 14 عاماً، فثمة مشاعر كراهية تتبادلها الشريحتان نابعة من طبيعة حياة كل منهما. فمعظم القادمين في الموجة الاولى سكنوا في طبريا واعتمدوا في حياتهم على زراعة الأرض وعملوا في مشاريع بناء صغيرة. كل منهم كان يملك بيتاً وارضاً لكن علاقتهم باليهود الآخرين كانت مشوبة بالتوتر والخلافات اليومية بسبب العادات والتقاليد التي لم ترق للآخرين الى جانب نظرة استعلائية يتعرضون لها من الجماعات اليهودية الأخرى، ما دفع الغالبية منهم الى ترك المدينة والتوجه الى السكن في مناطق مختلفة، فتوزعوا الى بلدات عدة في اسرائيل وسرعان ما اندمجوا في المجتمع. اما من وصلوا في موجة التسعينات فهؤلاء ما زالوا حتى اليوم متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم وضاعف من تمسكهم وجودهم في حي واحد لا يشعر الواحد منهم فيه باختلاف عن الآخر بل يشعرون بأنهم بنوا لأنفسهم «يمناً صغيراً» خاصاً بهم. لكن هذا لا يعني عدم وقوع صدامات وشجارات وخلافات مع الجيران اليهود الذين رفضوا الكثير من العادات ومنها فرن الطابون مقابل البيت وذبح العجول والدجاج وغيرهما من الدواجن في ساحة البيت.

    معارضة الآخرين تقاليدهم زادتهم نقمة واستياء فيما رفض الجيل الجديد التمسك بها وحاول الاندماج بالمجتمع الاسرائيلي. أولى التغييرات التي قام بها معظم أبناء هذا الجيل كانت في أشكالهم وأزيائهم سواء تسريحات الشعر أو خلع القبعة اليمنية ام ارتداء الجينز بدلاً من العباءة التقليدية، وهذا ولد حال اغتراب وخلاف أيضاً بين الأباء والأجداد والأبناء.

    هذه التغييرات تقتصر على الشباب ونسبة قليلة من الفتيات. فهذه العائلات ما زالت تتصرف مع الفتاة كما كانت عليه الحال في اليمن بمنعها من دخول المدارس المختلطة او الخروج في المساء او تغيير الزي، باستثناء عادة واحدة لم يتمكن اليمنيون من الحفاظ عليها وهي زواج الفتاة في جيل مبكر يبدأ من 13 عاماً. علماً ان معظم الفتيات يتزوجن من شبان يمنيين ومن ترغب بزواج من غير يمني فلا تلقى عموماً معارضة من الأهل.

    حنين للعرب
    الحديث مع كبار السن يكشف عن حالة من الإحباط واليأس والشعور بالظلم مترافق مع حنين الى جيرانهم العرب «الذين كانوا يقدمون لنا سلال الفواكه من دون مقابل ويتعاملون معنا بصدق وإخلاص» كما يقول يحيى تسفاري ويضيف: «اذا كان اليهودي محتاجاً لنقود كان يدينه العربي من دون مشكلة، حتى انه لم يكن يطالب بنقوده الى ان نعيدها. هناك في اليمن كانت الحياة هادئة نزرع الأرض ونعتاش منها. لم نشعر يوماً بضائقة اقتصادية مع اننا كنا نعمل نصف يوم».

    الأفواج التي وصلت منذ 14 عاماً وما بعد استقبلت بحفاوة كبيرة، وهذا أمر يعزز الكراهية بين ابناء الجيلين، كما يقول يتسحاق قعتبي من أبناء الفوج الأول وهو على علاقة طيبة مع أبناء حي اشيلوت ويضيف:» لدى وصول هؤلاء كانت خيبة أمل لا توصف بيننا. فنحن عندما وصلنا سكنا في خيم وكل الكبار عملوا في البيارات والزراعة. أما هم فقد حصلوا على كل ما يحتاجونه. كانت البيوت بانتظارهم وكذلك الثلاجة والغسالة وكل احتياجات البيت، والكثير منهم يعتاشون على مخصصات التأمين.

    وعلاقة قعتبي بأبناء الأفواج الأخيرة ليست صدفة. فقد عمل مذيعاً في «صوت اسرائيل» التي كانت مسموعة في اليمن، كما يقول تسفاري. كان يقدم ليومين في الاسبوع برنامجاً خاصاً عن اليمن وخلاله يدعو من تبقى فيها من اليهود الى المجيء الى اسرائيل» كنا عندما نسمعه نبكي. اشتقنا كثيراً لاسرائيل وكنا ننتظر بفارغ من الصبر الوصول اليها. لم نتوقع يوماً ان تكون حياتنا في اسرائيل صعبة الى هذا الحد. هنا لا يوجد أي نوع من الهدوء».

    تسفاري تزوج من ست نساء. لدى وصوله الى اسرائيل رافقته السادسة واليوم يفكر بالزواج من سابعة. في اسرائيل مسجل كزوج لامرأة واحدة وزواج الثانية سيولد له مشكلات قضائية لأنه مخالف للقانون الإسرائيلي، ولكنه يريد ان يكون كعشرة آخرين في حيه يعيش كل واحد منهم مع اثنتين ولكن مع فارق ان هؤلاء وصلوا الى اسرائيل مع زوجتين ولم يكن في إمكان القانون الاسرائيلي حرمانهم من واحـدة.

    وعندما يتحدث تسفاري عن زوجته السابعة يهمس مازحاً: «من يتزوج من سبع في حياته، يحصل على سبع أخريات في الجنة»، لكنه يضيف:» ارغب بالزواج من اخرى لأنني أحب الأولاد. لدي اليوم 15 ابناً وخمسة وثلاثين حفيداً... الحقيقة انني لا اذكر أسماءهم».

    زوجته يونا تتمنى اللحظة التي تتيح لها فرصة العودة الى اليمن والسبب كما تقول انها لم تعد قادرة على تحمل طبيعة الحياة اليومية في اسرائيل: «انا لا أتمتع إلا بخبز الطابون في ساحة البيت. هذا الأمر أزعج الجيران وسبب لنا المشاكل ما اضطرنا الى إحضار طابون من غاز داخل البيت. ثم ان الطحين في اسرائيل غير صحي كما هو الوضع في اليمن. لقد اشتقنا لرائحة الخبز المنتفخ. هناك كل شئ بسيط وصحي حتى المياه التي كنا ننتشلها من البئر افضل ومفيدة اكثر من الأنابيب هنا التي لا تجلب الا الحجارة للجسم».

    والجدير بالذكر ان النساء اليمنيات يجدن اللغة العبرية اكثر من الرجال والسبب التحاقهن بدورات خاصة للغة كما هو حال جميع المهاجرين الجدد. وتقول العاملة الاجتماعية التي رافقت العائلات، ياعيل هرشكوفتش، ان الرجال رفضوا في البداية رفضاً قاطعاً ان تلتحق المرأة بدورة اللغة العبرية لكن دائرة الهجرة أصرت على ذلك وبالفعل تعلمت النساء اللغة أما الرجال فرفضوا الالتحاق بالدورة.

    العمل والعيش والجيش
    عند وصول العائلات اليمنية الى اسرائيل لم يكن من السهل التحاق ابنائها بالمدارس العادية. ولأنهم يرفضون تدريس الفتاة في مدارس مختلطة تقرر ارسالهم الى مدارس دينية. معظم هذه المدارس تابعة لحزب «شاس» الديني. وخلافاً لكثيرين من اليهود لم يتحملوا تعاليم المدارس الدينية ولم يواصلوا تعليمهم.

    انضم عزرا تسفاري الى حزب «شاس» ونجح خلال فترة قصيرة في احضار ستين فتى الى المدارس والنوادي الخاصة بالحزب لكنه سرعان ما تركه ويقول:» لم أتمكن من التأقلم مع حياتهم. فالبدلة والخليوي لا يناسبان الحياة التي ابحث عنها. أنا رجل جدي أردت ان أعمل».

    وتسفاري يعيش هو الأخر حال إحباط، فوصوله الى اسرائيل لم يكن كبقية العائلات اليمنية. فقد غادر اليمن هو وعائلته الى الولايات المتحدة الاميركية عام 1991 بعد ان حصلوا على تأشيرة دخول بهدف معالجة الوالد المريض. وهناك تمكن من العمل والحياة في شكل مريح لكن الموساد، وكما قال، لاحقه طوال الوقت: «قالوا لي انهم سيضمنون البيت والسكن والعمل وحتى السيارة. تشجعت وقررت التجاوب مع طلبهم ووصلت مع العائلة الى اسرائيل. انتظرت رجال الموساد ان يحضروا لي ما وعدوني به وحتى اليوم لم اشاهد أحداً منهم».

    و يقول الدكتور اهرون بن ديفيد وهو من اصل يمني: «ان اليمنيين ليسوا علمانيين ولا متدينين لكنهم محافظون». واليمنيون الشبان والصبايا خلافاً لبقية اليهود من أصول أخرى لم يلتحقوا بالجيش وقلة قليلة منهم فقط أقدمت على ذلك. شمعون جميل يؤكد أنه رغب في الالتحاق بالجيش بعد تشجيع من اقاربه واغراء ما سيحصل عليه من منح ومساعدات لكنه لم يحصل على أي مساعدة خلال فترة خدمته ما اضطره الى الهرب من الخدمة وبالتالي وجد نفسه في السجن.

    ويقول جميل: «الحياة في اسرائيل ليست سهلة. من يريد ان ينجح عليه ان يتعب ويعمل ليلاً ونهاراً ويهتم بنفسه ، وحتى في مثل هذه الحالة ربما لا يحقق النجاح الذي يريده».والأمل لدى كل يمني في اسرائيل اليوم، كما يقول عزرا تسفاري هو ان ينجح الشاب في تعلم مهنة حتى يضمن العمل والعيش.
     

مشاركة هذه الصفحة