الرهينة للكاتب اليمني زيد مطيع دماج

الكاتب : بجاش صقر يافع   المشاهدات : 766   الردود : 0    ‏2002-05-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-07
  1. بجاش صقر يافع

    بجاش صقر يافع عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-08-10
    المشاركات:
    479
    الإعجاب :
    0
    الفصل الأول لرواية الرهينة للكاتب اليمني زيد مطيع دماج
    الفصل الأول :




    كم هي جميلة هذه المدينة! شاهدتها لأول مرة عندمالا أخذت من قريتي ووضعت في قلعتها (القاهرة) بين رهائن الإمام.

    أخذني عكفة الإمام ذوو الملابس الزرقاء , عنوة من بين أحضان والدتي ومن بين سواعد أفراد أسرتي المتبقين .

    لم يكتفوا بذلك بل أ خذوا حصان والدي تنفيذا لرغبة الإمام .

    كان يوما معتدلا , خفت فيه حدة هطول الأمطار لتتيح لنا مشاهدة المدينة والقرى البعيدة المتلألئة فوق الجبال , كان الجو صافيا . إنه علان شهر التأهب للحصاد . كنت مع زميلي الدويدا لدويدار الحالي كما يسمونه , على سطح دار النائب العالي , لا أدري لماذا أحببت صداقته , ربما لتقارب السن , وربما لعملنا المشترك .

    كنت قريب العهد في منزل النائب , نائب الإمام و عامله على المدينة وما يتبعها , عندما أخذوني قسرا من قلعة القاهرة , معقل الرهائن.

    وأدخلت من بوابة قصر النائب وأنا أتذكر نظرات الازدراء التي ودعني بها زملائي الرهائن . كنت على علم بأن بعض الرهائن قد أخذوا إلى قصور الإمام وبعض نوابه وأمرائه دوادرة . وكنت أسمع أن بعضهم قد تمكن من الفرار والبعض قد فشل , فكبلوه بالقيود الحديدية في قلعة القاهرة مدى الحياة . الشيء الذي لم أكن أعرفه هو معنى الدويدار وما هو عمله ? ولم أكن أعي أي تفسير يقال , ربما لصغر سني .

    - من شروط الدويدار أن يكون صبيا لم يبلغ الحلم . هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه السجين أيضا معنا , والمكلف بتعليمنا القرآن والفروض والطاعة في قلعة القاهرة معقل الرهائن .

    - يقوم الدويدار حاليا بعمل الطواشي وعندما تبدو علينا الحيرة يقول :

    - والطواشي هم العبيد المخصيون . فنزداد حيرة أكثر .

    - والخصي , هو من تضرب خصيته . ونحتار أكثر أيضا من جديد متألمين لهذا العمل القاسي فيقول :

    - لكي لا يمارس عملا مشينا , جنسيا , كمضاجعته نساء القصور , أي بمعنى آخر يجب أن يكون فاقدا لرجولته , أي بمعنى آخر , عاجزا . ونحتار أيضا , فنقول :

    - هذا يكفي , مفهوم ?

    - غير مفهوم يا سنا الفقيه . يقوم غاضبا لردنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحا أو وقاحة , ونصيح بنشيدنا المعتاد :

    - غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , إلخ .


    كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم كما يقول الفقيه : يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا . وكنت ألاحظ أن معظم العائدين منهم إلى القلعة قد تغيرت ملامحهم , حيث غدوا مصفري الوجوه بالرغم من ظهور نعومة شاملة في أجسامهم مع شيء من الترهل وذبول في غير أوانه .

    كنت ألاحظ أيضا اهتمام حرس القلعة بهم , هؤلاء ناعمي الملمس رقيقي الأصوات , بملابسهم النظيفة المرسلة حتى الأرض , وبتلك الكوافي المزركشة التي حاكتها نساء القصور فوضعوها على رؤوسهم لتخفي شعرهم المجعد الممشط , الذي تفوح منه رائحة الدهون المعطرة التي يستنشقها بلذة أفراد الحرس , والفقيه مدرسنا أيضا الذي يبالغ في مراعاته لهم بسماجة أكثر مما يلزم , مما كان يدفع ببعضنا للاحتجاج والتذمر لهذه المعاملة المتميزة فيصيح غاضبا :

    - أوباش , اخرسوا يا متوحشون , أعوذ بالله من أشكالكم وطباعكم أيضا !

    - .. غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , يا حنان يا منان . وينفض الرهائن من الدرس ويتجهون إلى سطح السور المطل على المدينة يمرجحون سيقانهم في الهواء , وينظرون إلى الأفق البعيد , كل يبحث عن قريته وراء الجبال .

    كان الفقيه مدرسنا , رغم وجود العصا في يده , لا يجرؤ على رفعها على أحد منا . حاول مرة وضرب بها أحد الرهائن , فأدى ذلك إلى كسر ذراعه ونتف لحيته , ولم يعاود ممارسة ذلك مرة أخرى .

    عندما وصلت إلى دار النائب , فرح صديقي الدويدار بي , وغمرته سعادة لم أكن أتوقعها . وبدأ يعرفني على كل جزء من القصر الواسع وملحقاته , وكنت أصادف , وأنا معه , نساء من مختلف الأعمار وعلى مستويات متفاوتة من الجمال والهندام وحسن الملبس .

    كنت أنزوي عندما كان يقوم بتعريفي بهن :

    - هذه عمة النائب .

    - ...

    - هذه ابنة النائب .

    - ...

    - وهذه أخت النائب , المطلقة .

    - ...

    - وهذه زوجة النائب الثانية .

    - ...

    - وهذه الأولى .

    - ...

    - وهذه الخادمة الجديدة , إنها جميلة كما ترى , أليس كذلك ?

    - ...

    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .

    ولم أكن أجيب أيضا , كنت أنكمش حين يربتن كتفي , وأنفر حين تمتد أيدي بعضهن لقرص وجنتي أو فرك شفتي بتلذذ .

    كنت أتقزز من ذلك , بينما كان زميلي يضحك ملء شدقيه ويهرع بي من السلالم الواسعة المرصوفة بالحجارة المربعة ليقودني إلى الحمام التركي . سراديب وقباب وممرات كلها مرصوفة أيضا بالحجارة المربعة السوداء , ملحمة " بالقضاض " المصنوع من النورة البيضاء .

    لبخار يتصاعد بكثافة عند القمريات الرخامية الجاذبة للضوء , ترددت في الدخول , لكن زميلي قال :

    - لا تخف , ليس اليوم للنساء !

    - للنساء أو الرجال , لن أدخل هذا المكان مرة أخرى .

    - هل تعرف أننا الوحيدان في هذا القصر الذي يحق لنا دخوله في أي وقت ? سواء كان ذلك يوم النساء أو يوم الرجال ?

    شعرت بجسمي يقشعر وقلت :

    - لن أدخله أبدا .

    قال وقد جذبني خارجا نحو إسطبل مهجور للخيل :

    - سوف تدخله مستقبلا !

    بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء , الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات , وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .

    كان إسطبل الخيل واسعا , تنبعث منه رائحة ذكرتني بسفل منزلنا في الجبل , رائحة روث وبول البقر والثيران ممزوجة برائحة التبن والعجور , وأصوات الدجاج المنزعجة لقدومنا بينما كانت تنبش بأظفارها أكوام السماد باحثة عن الحشرات . كم كان والدي حريصا على بقاء النواقيس النحاسية على رقاب الثيران !

    كان وقع أصواتها الموسيقى يطربني كلما مررت بسفل دارنا , أو في المراعي أو عند النبع . حتى الجمال والحمير في جبلنا كانت تعلق على أعناقها تلك الأجراس النحاسية القديمة التي تحذر الناس والأطفال بالذات في الطرقات والأزقة . لم أشاهد في إسطبل النائب , ذلك الواسع , سوى بغلتين فقط , أما أبقاره الحلوب , فهي في مكان قريب من باب قصره الخلفي . وعندما تملكتني الدهشة أسعفني زميلي الدويدار بالإجابة قائلا :

    - الخيل يأخذها الإمام وولي عهده سيف الإسلام الأمير , إلى قصورهم , ولا يبقون سوى بعض البغال والحمير .

    - ولكني لا أجد حمارا واحدا ?

    - أمثالي وأمثالك , والآخرين !

    منقول بجاش صقر يافع
     

مشاركة هذه الصفحة