ربيع الانحناء في الزوايا الضيقة

الكاتب : محمدمفتاح   المشاهدات : 444   الردود : 0    ‏2006-03-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-21
  1. محمدمفتاح

    محمدمفتاح عضو

    التسجيل :
    ‏2005-12-11
    المشاركات:
    35
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم​
    (
    ربيع الانحناء في الزوايا الضيقة)​

    مع تباشير دفء الربيع كان زميلنا العزيز العلامة يحيى الديلمي يزف خبر إدخاله القفص الإسمنتي وارتفاعه عن أرضية العنبر قيد شبر وبهذه البشرى تكون زوايا مثلثنا ( لقمان ، الديلمي ، مفتاح) قد اكتملت في مقبرة الأحياء، وصار كل واحد منا صاحب زاوية في قِسمه وعنبره ، والخير كله والبركة في السياسات الحكيمة والقضاء (العادل) وكم في الزوايا ضحايا؟!!
    ومن هذه الزوايا كان حظي بعد عدة تنقلات إجبارية بين أقسام وعنابر المعتقل زاوية الزاوية في أقصى شمال مبنى ( السياسي) بقسم المدرسة، أما القاضي محمد لقمان فقد هبط زاوية في أقصى الجنوب منذ إيصاله إلى مبنى(القلعة) بالقسم العام ، وأخيراً وبعد رحلة مطولة من المناقلة بين الأقسام والعنابر وصل العلامة يحيى الديلمي إلى الزاوية ، ومن الطريف أننا صرنا موزعين على السجن من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، ومن الطريف أيضاً أنني والعلامة يحيى الديلمي نقبع في ذات الزاوية من مبنيين مختلفين وفي رقم متماثل لعنبرين متباعدين .
    قد تكون مصادفة ولكنها طريفة أن يكون كل واحد من ثلاثتنا في زاوية عنبر وفي ما اصطلح أهل السجن على تسميته ب( كرسي زاوية تحت) وتحت هذه هنا تعني الكثير فهذا الكرسي عبارة عن مصطبة ( دكة) ترتفع عن أرض العنبر أقل من ذراع يعلوها سقف إسمنتي يجعلها بمثابة مغفَّرة في عرف أهل صنعاء وعلى سطحها كرسي زاوية فوق ، وبالمختصر فيما يسمونه كرسي زاوية تحت عبارة عن تابوت محكم الإغلاق من جميع جوانبه ما عدى نصف فتحة هي المتنفس والمدخل والمخرج ومنفذ الضوء . أما سقف هذا التابوت فمنخفض جداً بحيث لا يسمح للقابع داخله أن يجلس إلا منحنياً انحناء لابد منه بحيث لا يستطيع حتى شرب الماء إلا إذا مال على أحد جنبيه أو أسند ظهره على أحد جانبي التابوت ، وقد يكون العنبر مكتظاً كما هو حال العنبر الذي أنا فيه فيضطر سجين التابوت أن يقضي أغلب وقته داخل هذا التابوت منحنياً مما قد يكسبه حدبة مبكرة ويوسع له مساحة الصلعة من كثرة احتكاك رأسه بسقف التابوت .
    قيل لي بأن هذا التابوت الإسمنتي يتحول في الصيف إلى تنور.
    في هذا التابوت يقضي الإنسان معظم يومه وكل ليلته ، وفي هذا التابوت قد يقضي الإنسان سنوات ثقيلة من عمره بدون ذنب اقترفه أو جريرة اجترحها ولكنها شهوة التسلط ونزوة القمع عمياء شوهاء .
    قد يكون التعايش مع الانحناء المتواصل تجربة لم نعتد عليها ولكنها مسلية إلى حد ما بقدر ما هي شاقة وفيها نوع من الرياضة البدنية والترويض النفسي على الانحناء بدون تحرج ، ولكنه انحناء يملأ النفس ثقة بالله ويزرع فيها أعلى درجات الاعتزاز به سبحانه ، ويعمق في الوجدان أن طأطأة الرأس عبودية وتعظيماً وإجلالاً ليس إلا حقاً خالصاً لله سبحانه وحده لا شريك له وأن جبروت البشر مهما كان طاغياً فإنه لن يزيد أصحاب البصيرة وإرادة الخير إلا يقيناً في سلامة منهجهم وإرادة إلى إرادتهم الصلبة فيستعصي على أعتى جبابرة الأرض كسرها والنيل منها .
    ولله در سحرة فرعون الذين كفروا بفرعون وسحره عندا ظهر لهم الحق وامتلأت قلوبهم ثقة وإيماناً به فردوا على تهديده بتقطيعهم وتصليبهم وتعذيبهم بقولهم :( فاقض ما أنت قاض)
    ولله در الشاعر الحر أحمد مطر حينما يقول :
    فلا تنحني السنبلة إذا لم تكن مثقلة
    ولكنا نبالغ في الانحناء
    لنزرع في الأرض حب البقاء
    ونعلنها بالوضوح الشديد وكل الجلاء
    بأن العبودية لله سبحانه
    وأن له وحده العزة والكبرياء
     

مشاركة هذه الصفحة