ضحكات تلتهم العالم

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 589   الردود : 6    ‏2002-05-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-06
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    إلى الأرض ..قبل أن تعبث بها أنانية الإنسان

    -1-
    يحٌكى أن قاصة تٌدعى "الريـانة " كانت تقطن في قرية بعيدة عن العاصمة اختفت ذات ليلة غاب فيها القمر .يقال أن أحدهم شاهد جثتها ملقاة بين أشجار الأثل وقد نال العفن منها ، وفاحت رائحة نتنة من جسدها .
    ويقول آخر أنه شاهد رأسها المتبقي من أشلاء بعثرتها الكلاب التي التهمت أعضاء تلك الجثة المتعفنة، ولما لم تستطع أن تبتلع رأسها لما فيه من أفكار جنونية تركته ليتعرف عليه راعٍ كتبت عنه ذات يوم وعن أغنامه الموبوءة فشمت منها وركل رأسها المفصول إلى بئر ليس له قرار .
    بينما يظن آخرون أنها هربت مع عشيقٍ لها إلى مكان لا يعلم به أحد،ففاح بذلك عطر فضيحتها المقزز وأصدرت عائلتها بياناً تدين فيه وتستنكر فعلتها ،ويقال أن العائلة تبرأت وتنكرت لتلك الفتاة السـ…
    يشاع أن روح القاصة المفقودة تحوم حول القرية كل مساء تصدح بضحكاتها الهستيرية في فضاء القرية ؛فيستيقظ أهاليها وقد تجمدت أطرافهم وتوقفت قلوبهم خوفاً وطارت عقولهم إلى حيث لا يدرون .

    -2-
    حدثني جدي ذات يوم عن قاصة شابة اختفت فجأة ذات ليلٍ هجره القمر ،كان ذلك قبل خمسمائة ألف سنة ،وقال أن أهالي القرية قد أصابهم الجنون جراء ضحكات هوجاء تصدرها روح "الريانة" ،وقال أيضاً أن القرية التي سٌميت لاحقاً باسم قاصتها المختفية أو المقتولة كما أشيع حينذاك قد صارت مهجورة مقفرة ،لا يسكنها سوى نباح الكلاب الضالة وعواء الذئاب الجائعة ونعيق الغربان المفزع . نعم لقد قال جدي أن القرية أصبحت مكاناً مناسباً لتعذيب من لا ترضى عنه السلطات .

    -3-
    روت لي جدتي-رحمها الله-ذات يوم عن قرية صغيرة تقع في بلد في شبه الجزيرة غدرت بقاصة من فتياتها تدعى الريـانة؛فاختفت القاصة لتترك لعنتها تحل على تلك القرية التي صارت وكراً للخفافيش، وقصة مرعبة لمن لا يطيعون آباءهم ومن لا يخضعون لأوليائهم .
    حدث ذلك كما أرخت له-جدتي-قبل ما يقارب ستمائة وسبعين ألف سنة.استولت روح الريانة على القرى المجاورة وبدأت تطمع في النيل من جميع القرى والمدن .


    -4-
    قبل سبعمائة وسبعة وأربعون عاماً أعلن علماء العالم عن عجزهم في إنقاذ أطلال بلدٍ التهمته ضحكات شيطانية لكاتبة غدرت بها قريتها ذات عهد بعيد ،فصارت بلداً مبعثرة الأشلاء،متشظية الأسماء خالية سوى من أصوات مرعبة وضحكات مجنونة تصدح في فضاء يجتاح العالم من قرن إلى آخر ..

    -5-
    قرأت كتاباً يتحدث عن قارة التهمتها ضحكات مجنونة "لريانةً" عرفت كيف تعلم الغدر أن يصوب سهمه في الصدر ،وعلمت الناس أن للكلمات ألف حساب ،وأن الضحكات لعنة والبكاء ندم والندم قلب رحيم ،والقلب مدينةٌ تغسلها أمطار فياضة فتزهر ورود جميلة وإن كانت بلا رائحة ..

    -6-
    البارحة عٌرض برنامجٌ خاص عن ذلك الجزء من العالم الذي احتلته ضحكات شريرة لقلمٍ كتب الضحكات علانية، ورسم الإنسان بشفافية .
    عرض البرنامج وثائق سرية فضحت مدناً وهياكلَ محشوةً حقداً وكراهية ،وأماطت اللثام عن وجوه تدعي الجمال والحنان ،وأسدلت الستار على مسرح يتيم لكنه خبيث ولئيم .



    -7-
    كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان قاصة شابة يدعونها الريانة،كتبت حروفاً بعثرها الأوغاد،كتبت جملاً فشطبتها أنامل لألف وتسعمائة يدٍ ،رسمت خرائط لأحلام لا حدود لها ولكن ثمة من وضع الحدود وأغرق الأحلام في خيال لا طعم له .
    كتبت الريانة أكثر من عشرين جملة بملايين الحروف ،حروف الريانة كانت تغرق في الأحلام وللأحلام كانت تعيش .
    حدث أن استيقظ قلمها وكتب بحروف قاسية تعبت من الأحلام والآمال ،فكان أن غاب القمر ليعود وقد اختفت ريانة الحروف والجمل وملايين الكلمات و العبارات ..
    عاد ليجد كلمات قذرة ملتصقة بأفواه ساقطة،وأفكاراً مرتزقة معششة في عقول نضب زيتها فتوقفت عن العمل وظلت مٌخَّزنةً في جوف رؤوس متعفنة .
    عاد القمر ليبكي كل مساء على نغمات ضحكات مجنونة تلتهم العالم كما يلتهم طفل جائع قطع البسكويت .
    كان يا مكان قصة تبحث عن نهاية، عن دمار جديد وسلام جديد وقلوب تخٌلق من جديد وكائنات يٌعاد عجنها وخبزها من جديد لتعود ريانة الكلمات ،وتنتهي الضحكات ويعود العالم كما كان قبل ملايين السنين .

    -8-
    قرأنا اليوم في المدرسة تاريخ كوكب الريانة الذي التهمته ضحكات مجنونة يٌسمع صداها في فضاءات وفضاءات ،وسألنا الأستاذ عن الاسم الأول لذاك الكوكب .أخفقنا في معرفة الإجابة
    وطالت بنا الحيرة ،فلا ندري عن ذلك الكوكب سوى أسمه والضحكات التي تتردد كلما دارت بنا الساعات والأيام ..وتركنا الأستاذ بحيرتنا ووعدنا بإجابةٍ شافيةٍ في يوم الغد .
    -9-
    اسمعوا يا أولاد :وجدتٌ قصاصة في صندوق أثري بخزينة منزلنا :يٌحكى أن ثمة ضحكات ريانية التهمت الكرة الأرضية عندما ابتلع الأوغاد كلمات سطرتها ذات يوم ،تتحدث فيها عن معنى حكم الإنسان وما معنى الحرية ولماذا حقوق الإنسان ؟والمرأة والرجل والقرآن ووو
    وكلمات لم ترق لإنسان ذلك الزمان ..
    أسمعتموني يا أولاد !؟ أ عرفتم إجابة سؤال الأستاذ ..؟ إذن هي الأرض حين كانت قبل ملايين السنين كوكباً عمره الإنسان وبنى مجداً وهدم مجداً ،وبنى حضارات وحضارات لم يبق منها سوى ضحكات لفتاةٍ صنعت للأرض مجداً آخر وكتبت له تاريخاً آخر ..
    قصائد مبنية ببيوت من قهقهات مقهورة ،وروايةٌ لها فصول موجوعة ،بطلها واحد وكاتبها واحد وقارئها أيضا لم يزد عن الواحد ..
    الأرض إذاً ما يبحث عنه الأستاذ بسؤال لم يعرفه إلا أجداد الأجداد ..

    -10-
    أخبرنا الأستاذ بإجابتنا وطلبنا منه أن يحكي لنا أسطورة الريانة فبدأ يروي لنا معنى أن تخلق الكلمات روحاً وأن تعبث الحروف ببقايا قلب موجوع :
    كان يا مكان في قديم الزمان قاصة تٌدعى "الريـانة "، كانت تقطن في قرية بعيدة عن العاصمة اختفت ذات ليلة غاب فيها القمر .يقال أن أحدهم شاهد جثتها ملقاة بين أشجار الأثل وقد نال العفن منها ….
    ويقال يا أبنائي أن الريانة قد عادت تبحث في جوف الأرض عن عالمها ،ولم تدرِ ابداً بأن ذاك العالم قد صار في جوف ضحكات لا زالت تتردد في فضاءات مجهولة .

    أسطورة ابتدعتها العرافــة ريا احمد
    ذاتٌ عهدٍ من أساطيرِ الخيال
    من المجموعة القصصية (قطرات من فضة) قيد الطبع
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-05-07
  3. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    لله در عرافتنا القديرة ما اوسع خيالك وما اخصب افكارك لقد أريتينا مقدرة السيدة اليمنية على التعبير عن هذه الحياة برمتها بابسط طريقة واسهل عبارة واشوق مجموعة قصصية قرأتها ما اجمل بعثرة الأفكار ثم تجمعها في نقطة هي اكبر من واقع وأعمق من حقيقة وتجلت فيها المأساة وبان لنا كيف هذه الحياة ولمن تعود ومن الذي عرفها على حقيقتها . ألا من يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلي عذبها وعذابها
    فلم ارها إلا غرور وباطل* كما لاح على ظهر الفلاة سرابها
    فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها* وإن تجتذبها نازعتك كلابها.
    تعزى هذه الكلمات لأحد أولئك الأجداد يقال انه الشافعي والله اعلم
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-05-07
  5. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    عرفان

    أن اجمل ما يقدمه النشر الإلكتروني هو ان يسمع الكاتب صدى ما يكتبه لدى المهتمين بالاطلاع على الكتابات الادبية وغيرها .
    اشكرك كثيرا اخي ابو الفتوح فحتما كلماتك الجميلة وردود الفعل التي اجدها بين تارة واخرى على هذا المجلس او غيره تمثل لي الكثير جدا ..اعني ذلك الكثير الذي تعجز الكلمات عن ذكره وتعداده ووصفه ايضا
    تحياتي
    الريانة
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-05-07
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    (( أن للكلمات ألف حساب ،وأن الضحكات لعنة والبكاء ندم والندم قلب رحيم ،والقلب مدينةٌ تغسلها أمطار فياضة فتزهر ورود جميلة وإن كانت بلا رائحة ..))

    ((فبدأ يروي لنا معنى أن تخلق الكلمات روحاً وأن تعبث الحروف ببقايا قلب موجوع :
    )) ..
    التوقيع -------------------- العرافــة ريا احمد


    =========
    أسطورة تحكي هذه المعاني لهي أسطورة يمانية
    يحق لها أن تخلد في ذاكرية الأجيال ...

    وحروف ترسم هذا المشهد وتبني من المعاني
    رسائل تصل تباعاً عبر نافذة الجهاز العصبي من عين واحساس
    لهي جديرة بالاشادة بابداع خلاق وقلم متميز ...

    تحية وتقدير أديبتنا القديرة ...ريا أحمد .
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2002-05-07
  9. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    اشكرك

    هلا اخي فهمي
    اشكرك جزيل الشكر فكلماتك التي اعطتني اكثر مما استحق اعطتني ايضا بهجة وسعادة ..
    تحياتي
    الريانة
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2002-05-09
  11. YaHar

    YaHar عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-20
    المشاركات:
    353
    الإعجاب :
    0
    لم تكن اسطورة

    شخصياً .. لا أعتقد أنها اسطورة .. اذا قلت لكم أن لهذه الكلمات نصيباً من الصدق المفضوح بالدموع والشموع .. وبدون تحيز ما يهمنا الابداع في خيال العرافة اكثر من الاطار الذي تغلف به .. ثم ان من رأيي أن لهذه الافكار والكلمات استثناء لا يدركه الا الذين لديهم من الحزن رائحته ومن العشب اخضراره ومن التميز زرقته ...

    لأبدأ بفضح الطين وعلاقته بالريانه ذات الخيال الواسع .. تصوروا وبكل ما أوتيتم من خيال وبكل ما سٌلبتم من فرح وما اكتسبتم من زحام وما أعطيتم من شقاء أن الريانه لم تمت ..نعم لم تمت ..!!

    حقيقة.. حزينة.. حسينة.. فالدموع والشموع هنا يا سادتي ليست حكاية .. ولكنها مرافىء للروح.. يسكن إليها القاص مطمئناً إلى قلقه .. وإلى ورقه ... حكاية نابضة .. ذخرت لها الاخت ريا احمد أوجاعاً كثيرة ...

    من أقصاه إلى أقصاه .. ترمي هذه العرافة الرائعة بعصاها .. تهش بها ألمها .. ولا تغش بها نغمها ...

    اعيدوا قراءة ما نقش من كفوف وتبللوا بالدهشة لعلكم تتطهرون ..


    تحياتي واعجابي للريانه ...



    يهـــــــــر ...
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2002-05-10
  13. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    ماذا تركت لي من كلمات ؟

    أخي يهر ،،
    تحية
    لا ادري من اين يمكن ان ابدع الكلمات ؟ ومن اين يمكن ان اخلق الكلمات لكي ارد على تعليقك ؟
    اذهلتني فعلاً ،،لعلك بتعليقك الجميل زدت القصة التي اصر على انها اسطورية جمالا وروعة كما زاد عليها الزملاء اعضاء المجلس تألقا وفتنة .
    لك تحياتي وللجميع خالص المحبة والتقدير
    الريانة
     

مشاركة هذه الصفحة