لحظة البرق

الكاتب : الصـراري   المشاهدات : 499   الردود : 3    ‏2002-05-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-04
  1. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    لحظة البرق
    وكأن قطرات الديتول في أنفي وليست على بلاط المشفى
    والمشفى كأنه بقايا الذكريات

    ومن أهم الذكريات
    تلك الأمسية
    لقد ودعت أبي

    أما أمي فلم تكن راضية..لم يرق لها أن أدرس من السنين ما درست وأن اسهر من الليالي ما أمضيت وأن أقلب الكتب والمراجع ما فعلت أياما طالت ولم تقصر ..ثم..ثم لا أجد عملا إلا في أقاصي الدنيا..هي تقول ذلك..وأي أرض كانت تغيبني عن أمي كانت من أقاصي ..وآخر الدنيا .

    لم يُرضي أمي أن أكون راضيا من الغنيمة بالإياب..أو أن يكن نصيبي سوء كلية وحشفة أيضا.

    كم كانت تتألم عندما يلعب الوالد بأعصابها وهو يقول واصفا لها " اللاب كوت " علي وكأنما مريلة الخباز الهندي وهو وراء فتحة فرنه الأحمر.

    ومع كل الهموم والآلام الصغار ..هموم البعد وألآم الفراق الإنساني ..استطعت في تلك الليلة أن أودع أبي.

    أما أمي فكفاني منها دمعها.

    كان ذلك قبل أعوام

    وقبل تلك الأعوام كل ما كنت أعرفه عن القلب أنه مضخة دم.

    وأنه في الصدر

    وأنه عضل في عضل مهيمن على شلال من السائل الأحمر القاني الدافئ.

    وأن القلب مائل لناحية من نواحي الصدر.

    أي أن القلب غير مستقيم.

    أي أن القلوب غير مستقيمة.

    ذلك شكلا..وذلك كل ما كنت أعرفه عن القلوب ..وقلبي أولهم.

    قال لي صديقي..هات من الآخر

    قلت: من ساعة وداعي أبي وبكاء أمي؟
    قال : بل حدثني عن سيرة المنحرف أو شبه المنحرف

    لم أفهم؟

    قال: …قلبك..المائل..متى ولم فعل ما فعل؟

    أنت عجل

    قال بل أنت الثور

    قلت : إنما قصدت من عجلة ..من التسرع

    وأنت في برسيم الرحمن الرحيم..قل ..أين ولماذا ..مال ذاك الكلب اقصد القلب؟

    قلت له: كما أخبرتك ..كل ما اعرفه عن قلبي أنه دم في لحم وجئت إلى هذا المشفى وأنا متيقن أن القلب لحم في لحم.

    ودارت أيام

    وقطرات الديتول أصبحت في كل خلية من جسدي..أي أني أصبحت طاهرا طهورا حصنا حصينا

    ولكن القهوة آذتني

    والقهوة نتيجة لا سبب

    أما السبب فلأني اخترت ساعات الليل لي كفترة عمل ..وكيف لي بالليل دون قهوة.

    فأدمنت الذهاب إلى الـ " كوفي شوب " ..وكل ليلة بعض الليل.

    وأدمنت الصمت.

    وصاحبت السرحان والسهام.

    لاشيء عندي

    ولا عندي ما يؤرقني

    عمل وقهوة وصباح يطل مستيقظا فأذهب وأنام..فتنام معي كل أعضائي..وأولهم قلبي المنحرف.

    وذات غبش..

    أي بعد أن عدت إلى مسكني..ولما أصلحت مخدتي وأطلقت ساقي للفراش.

    وعندما توسدت ذراعي

    وأغلقت التلفاز المقيت

    وقبل أن أطفئ النور المشنوق فوق رأسي للقراءة..أحسست بدبيب يقصدني.

    أحسست أني مقصود بجريمة وفي هذا الغبش

    أجل ..فالسارق كان يترصد ني ..وقد درس كل خطواتي وعاداتي.

    ولأني لم أكن مجرما من قبل فلم احسب ما هي الخطوة القادمة لهذا اللص..وما هي خطوتي المضادة له.

    ولكن الخوف وصل إلى صدري..ففزعت
    وازداد الخوف حتى عاد رعبا

    فهببت واقفا انتفض مرتجفا

    ولكن قد فات الفوت ولم يعد ينفع الصوت..

    لقد ماتت الفرصة

    لقد علمت أني قد سرقت

    علمت بذلك لأني أحسست الألم في صدري.

    ولم أجد ما أفعله..لأني لم أعش مع اللصوص من قبل..ولا صاحبت قطاع الطرق في سالف عهدي.

    وأرتج علي أمري

    ولم أدر ما أفعل

    ولم أحس بما فعلت

    ولم أجد نفسي إلا راكضا مذعورا لاهثا..وإلى المشفى

    فلقد تذكرت

    تذكرت اللص المطلوب

    وتذكرت كيف استطاع أن يؤقت لجريمته.

    تذكرت أني كنت مراقبا

    وآخر ما أذكره أني دخلت الـ كوفي شوب ذات ليل..ولاهم لي إلا فنجان القهوة.

    ولكن العادة تغيرت

    وليلي اصبح منقسما بيني وبين غيري.

    لقد اتجهت ذاك الليل إلى طاولتي المعتادة ..تلك المنزوية في ركن من أركان المقهى المهجور.

    وقبل أن أصل سمعت.. سمعت خفقان قلبي المنحرف أعلى صوتا وأعنف ضربا وأمضى وخزا.

    وقبل أن أضع يدي على صدري من شدة الألم ..ألتفت إلى ناحية صوت آتٍ وكأنه من الغيب ..: ياه..ولا حتى نظرة؟!!

    كانت الممرضة " نوال " هي القادمة بصوتها من فضاء الغيب.

    هي نوال ذاتها..في ناحية من طريقي الخالي.

    قلت : هل أنا المقصود بهذا الحريق؟

    قالت: يا ويلك..وتدعي أنك الذبيح؟!

    قلت : عفوا..إنما قصدت البرق من لحاظك

    قالت: وأنا أعني دمي المسفوح ..تعال ..تعال ..أجلس واشرب.

    بل لنشرب..

    وشربنا

    وروينا

    ولم نرتو

    ولم يطل الليل..بل مات

    ولما عدت

    عندما شئت أن أنام ..وجدت أن نومي قد نام

    عندها أيقنت أن القلوب غير مستقيمة ..لا سيرة ولا سلوكا

    والبرق يأتي من السماء …ومن العيون أيضا..

    وكذلك اللحم يحترق ..بالدم ..والدمع ..والبسمة ..والغمزة..

    واللحم يشرب..حتى من دمه..

    واللحم ينحرف أحيانا

    حتى لو كان مثل قلبي الخلي.
    =================
    الكاتب : محمد عجيم

    ojeem@yahoo.com


    المصدر : قائمة adabiaa
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-05-05
  3. YaHar

    YaHar عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-12-20
    المشاركات:
    353
    الإعجاب :
    0
    - - - - - - - -

    الصراري .. تحياتي لك أخي الكريم ..

    قد لا أجد كلمات مناسبة لوصف استمتاعي بلحظة البرق والتي أظن أن الكثير سيشاركني .. ليس فقط .. الاستمتاع بها .. لكن أيضاً: في العجز عن إيجاد كلمات مناسبة لوصف هذا الاستمتاع ..!!

    أشكر لك هذ الذوق الراقي يافهمي .. ولله درك يا محمد عجيم ...
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2002-05-05
  5. درهم جباري

    درهم جباري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-16
    المشاركات:
    6,860
    الإعجاب :
    1
    الحبيب / فهمي ..

    فعلا هي لحظة برقية راقية ، متعتنا بها متعك الله بالخير .. وللكاتب منا الأعجاب ..

    لكما الود .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2002-05-05
  7. الصـراري

    الصـراري مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-09-01
    المشاركات:
    12,833
    الإعجاب :
    3
    الأخ الغالي والأديب المتميز... يهر
    مرحباً باشراقك المتجدد
    في رحاب مجلسك الادبي ...
    وكل تعليق لك نجد له نكهة ادبية
    متميزة وعنوان ملكة أدبية مكينة
    وذائقة رفيعة ..
    فتقبل خالص التقدير والمحبة ..
    =================

    أخي الحبيب وشاعرنا القدير ..درهم
    لو أتيت بكل كلمة شكر وتقدير
    ماوفتك حقك أيها الجبل الشامخ
    والأديب القدير ..فانت روح هذا المجلس الادبي
    لكني وكلتها الى لغة القلوب علها
    توصل اليك ولو بعض مالك من محبة ووفاء ..

    خالص المحبة والتقدير ...
     

مشاركة هذه الصفحة