المخلافي صوت الصحوه الاسلاميه الاول في اليمن

الكاتب : البأف   المشاهدات : 561   الردود : 5    ‏2006-03-15
poll

هل تعتقد ان للاخوان المسلمين السبق في احيا السنه وقمع البدعه في اليمن

الإستطلاع مغلق ‏2006-04-14
  1. نعم

    100.0%
  2. لا

    0 صوت
    0.0%
  3. لاادري

    0 صوت
    0.0%
التصويت المتعدد مسموح به
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-15
  1. البأف

    البأف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-02-22
    المشاركات:
    1,614
    الإعجاب :
    0
    شهيد القرآن عبده بن محمد المخلافي





    لمحة عن بعض مآثر شهيد القرآن
    عبده بن محمد المخلافي - رحمه الله



    المقدمة :

    الحمد لله الذي أفاض علينا سوابغ نعمه الجسام ، وصلى الله وسلم على صفوته من خلق محمد وآل بيته الطاهرين وصحابته الراشدين وبعد :
    فهذه لمحة فرض علينا أن ننوه بها وفاءً لبعض ما علينا من واجب نحو أخ لنا اختصه الله بصفات أهلته وهو في ريعان الشباب ومقتبل العمر لحمل أعباء الدعوة إلى الله ، وهو الأخ الصالح المصلح عبده محمد المخلافي - رحمه الله وأسكنه رحاب جنته الواسعة - وكم يحلو لي الحديث عن عبده محمد لأنه من أبرز وأعظم الأخوة الذين تربطني بهم آصرة الحب في الله ، وقد شكرت الأخ الدكتور نجيب غانم رئيس الدائرة الإعلامية بالأمانة العامة للتجمع اليمني للإصلاح على كرم عواطفه حين طلب مني تحرير مقدمة لما تكرمت به الدائرة من نشر بعض صفحات مشرقة من حياة شهيدنا المرحوم ، الذي ترك في نفسي آثاراً لا أنساها حينما أتيحت لي مزاملته بضع سنين من أول 1963م إلى أن اختاره الله إلى جواره شهيداً مرضياً في أول عام 1970م تقريباً .
    وكانت معرفتي به في القاهرة فقد اتصلت به عن طريق الهاتف ، فوافاني إلى حيّ الدقّي حيث التقينا في رحاب الله على حبه ،ومنذ تلك اللحظات فرضت شخصيته المحبوبة المؤثرة عليّ حبه والتعلق به ، لأنه من معدن نادر الوجود ، وقد اكتشفت بمعرفتي له أعظم وأغلى كنـز كنت أبحث عنه ، فقلت في نفسي عقب اللقاء الأول به : لعله سيكون لهذا الشاب أثر في نفسي ، متميزاً ، تتوصل به إلى آفاق إيجابية عملية في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى . لقد كان شهيدنا رحمه الله متميزاً بالقدرة في التأثير على معاريفه ، ومن يعاشرهم ، ممن جمعهم الله على الاستجابة لنور هدايته ، ومما أكد هذه الحقيقة أن شهيدنا عمل على نمو علاقتي به ، بأكثر من وسيلة ، منها تحديد موعد للقائي به إما في محل سكننا في الدقي أو في محل سكنه بمدينة البعوث الإسلامية - هذا جانب - ومن الجوانب الأخرى اهتمامه في تهيئة أجواء كنا نجتمع فيها ببعض شباب تلك الأيام ، مثل الأخ الدكتور عبد الغني قاسم الشرجبي وعبد السلام خالد ، وغيرهما ، كما كان له فضل في تزويدي ، بألوان من زاد المعرفة الثقافية الإسلامية النافعة ، وذلك بحضورنا في عدد من اللقاءات والمحاضرات ، التي كان يلقيها كوكبة من رواد الفكر الإسلامي ، مثل: الشيخ محمد الغزالي في مسجد أسد بن الفرات ،والدكتور عيسى عبده في المساجد وبعض الكليات ، والشيخ محمد أبو زهرة ، وبعد أن توطدت بيننا علاقة الإخاء المتميز كنت لا أستطيع مخالفة أي مقترح للأخ/ عبده محمد ، فقد تركت شخصيته وأخلاقه في نفسي آثاراً جعلتني أحس بأنه أصبح من عوامل اليقظة التي كنت في حاجة إلى تعمق مفاهيمها في أعماق نفسي ، حتى تحولت من فرد معجب بالدعوة والدعاة إلى فرد مؤمن بوجوب الحصول على كل وسيلة تؤهلني لخدمة الدعوة ، بحسب إمكاناتي المحدودة ، ومن بركة هذه الدعوة أنها محور الارتقاء بالجنس البشري بكل من أيَّد وجنَّد نفسه لخدمتها ، وخلال صلتي بأخي عبده محمد المخلافي أكرمني الله بالتعرف إلى فاتح أبواب الرقي الدعوي الشهيد/ سيد قطب رحمه الله تعالى الذي ترددت لزيارته نحو عام من أواسط 1964م إلى نهاية شهر مايو 1965م ، فانتقل بنا إلى تيار جاذبيته المؤثرة من مجرد معجب بالدعاة والدعوة إلى مسلم واعٍ يحس بوجوب إسهامه في خدمة الدعوة بحسب ما رزقه الله من المواهب ، وقد كنت أذهب لزيارته وزيارة الشيخ محمد قطب قبل أن أُعلم الأخ عبده محمد فلما أعلمته أصرَّ عليَّ في المرافقة فرافقته ، والتقيت أنا وهو بالشهيد في بعض أيام رمضان من نفس العام في منزله بحلوان ، وكما يقال في المثل أنَّ أحداً لا يعجبه أن يكون أحدٌ أكمل منه إلا الأب الحنون بأولاده ، فكذلك فإن أقوى رابطة وأقوى حنان ما يودعه الله في قلوب الأخوة المتحابين فيه ، فقد سألني الشهيد/ سيد قطب بانفراد عن الأخ/ عبده محمد الذي يزورهم لأول مرة فقلت على الفور هذا أفضلنا ، وخير من أنجبته اليمن إلى الآن من الشباب الإسلامي المستنير ، وقد كنا نذهب لزيارة الشهيد حسب مواعيد لنا نحددها ، وعند زيارة الأخ عبده محمد للشهيد في آخر مايو 1965م التقيت به في رحاب الشهيد على غير موعد ، وكانت جلسة انتقلت بنا من عصر جاهلية القرن العشرين إلى حضارة عصر النبوة ، فكنت أشاهد أبا بكر رضي الله عنه وهو يتحدى عالم الشرك والوثنية بمثل قوله: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ذلك ، ومما دار في خلدي أثناء تلك الزيارة تأكيد الشهيد سيد قطب لنا بقوله : إن المذاهب الهدامة لن يطول بها الوقت وإنها مشرفة على الانقراض وعلى رأسها الشيوعية التي ستنهار خلال 25 سنة

    وصول الشهيد إلى اليمن وبعض أنشطته:

    بعد أن ألقت السلطات الناصرية القبض على الشهيد سيد قطب ، فوجئ الأخ/ عبده محمد بإلقاء القبض عليه لأنه كان مرصوداً من قبل مباحث التعسف الناصرية ، وبإغراء من حثالات الشيوعيين المنتسبين إلى اليمن ، وقد فوجئت به ، واقفاً على باب وزارة التربية والتعليم وهو لا يعرف غير أخيه حسن الذاري، وقد رجحنا أن نلتقي بوزير التربية قاسم غالب أحمد ، الذي كان من أعمدة تسلط النظام الناصري لأن صلتنا الشخصية به كانت سليمة ، لأنه كان يأمل في تأييدنا له ، رغم تباين الاتجاهات وتنكره للأستاذ الزبيري ، وتشبثه بإخوانه كما كان يقول ، وقد حاولنا ستر موضوع اعتقال الأخ/ عبده ووصوله مطروداً ، وقلنا إنه قد أكمل دراسة المرحلة الثانوية بالأزهر، ويفضل أن يخلد إلى راحة يعد فيها نفسه للمرحلة الجامعية ونرجوا أن يُصدر به إلى إدارة التربية في تعز ، وتعيينه مدرساً فوافق على ذلك ، وفي تعز بدأ الشهيد يواصل مسيرته الدعوية ، وخلال بقية عام 1965م لفت أنظار المتربصين بنشاطه وإقبال الناس عليه ، وحين اشتدت وطأة الإرهاب الناصري على اليمن ، واليمانيين سنة 1966م تعرض الشهيد للإيذاء والاعتقال ، وزرته بمرافقة الأخ/ هيال فرحان عبد السلام وهما معتقلان في حبس وزارة الداخلية بصنعاء ، ولكن معنوياتهما عالية ، وقد خففت عليهما بقولي : إن التعرض للأذى في سبيل الله هو الضريبة التي لا بد أن يؤديها ويصبر عليها الدعاة فلا يضركم الأذى .
    وبعد انقشاع الغمة سنة 1967م وفشل الناصريين وهزيمتهم على أيادي أعداء الإسلام " اليهود " ومن ساندوا ويساندوا كل الناقمين والحاقدين على الإسلام ، بعد ذلك حدثت تطورات أطاحت بالنفوذ الناصري وتنفست اليمن الصعداء ، وتم تعيين الأخ/ عبده محمد مديراً عاماً للتربية في تعز ، ثم عين عضواً في مجلس الشورى بعد انقلاب 5 نوفمبر سنة 1968م إلى أن استشهد … وقد شهدت له الساحة حضوراً متميزاً توسعت به دائرة الدعوة وهزت به أعمدة العناصر المعادية للإسلام والمسلمين .


    ضرورة الاهتمام بنشر تاريخ وآثار إخواننا الراحلين رحمهم الله :

    ومن الأهمية بمكان أن تتظافر جهودنا جميعاً للكتابة والنشر عن إخواننا الراحلين من العلماء والدعاة لا سيما الذين أثرَّت حياتهم في إصلاح المجتمع مثل الشهيد/ محمد محمود الزبيري ، والعالم الرباني الشيخ/ محمد سالم البيحاني ، والقاضي العلامة/ يحيى بن لطف الفسيل ، ويحيى الأشول .. ومن العلماء الذين ساهموا في التدريس بالمعاهد .. الأخ العلامة الأواب/ محمد مشعوف الأسلمي -رحمه الله- صاحب المواقف الشجاعة ، والعلامة أحمد بن أحمد سلامة ، والشهيد المؤثر/ عبده محمد المخلافي ، وغيرهم من السلف ، والمجدد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ، والإمام محمد بن إسماعيل الأمير ، والإمام محمد بن علي الشوكاني ، والعلامة أحمد بن عبد الوهاب الوريث رئيس تحرير مجلة الحكمة اليمانية ، والشهيد زيد بن علي الموشكي وغيرهم ،لأن في إحياء ذكراهم دروساً وعبراً وموعظة وأسوة تستفيد منها الأجيال لاستمرار مواكب الدعوة تصديقاً بقول الحق سبحانه ]وآخرون منهم لما يلحقوا بهم( . وأود الصفح ، فقد أطلنا ولي مع الشهيد مواعيد أخرى
    .
    حسن بن يحيى بن علي الحسني الذاري


    صباه ونشأته الأولى في القرية :
    نشأ الشهيد منذ نعومة أظفاره على الكدر والتعب وشظف العيش فقد ماتت أمه وهو في بداية صباه .
    وكان والده فقيراً فلم يقدر على تعليم ابنه ، واعتمد الوالد على ابنه في رعي الأغنام ،وكانت حياة الطفل في تلك الأيام تبدأ من بعد صلاة الفجر يومياً حين يؤديها مع والده ، ثم يأخذ أغنامه ويتجه بها إلى المرعى ولا يعود بها إلا مع الغروب ، وعلى هذه الوتيرة سارت حياة الطفل .
    ولكن الطفل كان طموحاً ولم يقنع بالحال التي هو فيها فقد كان يتطلع للتعليم ، وكم كان يحز في نفسه ويتألم من أعماقه حينما يشاهد أطفال القرية يروحون ويغدون إلى معلم القرية فيتوق أن يكون مثلهم ، وكأن لسان حاله يقول : إنني لم أخلق لرعي الغنم فقط .. ولكن لرعي الأمم أيضاً .
    وأخذ الولد يلح على أبيه طالباً منه أن يتيح له الذهاب إلى معلم القرية ، وعلى الأقل أسوة بأطفال القرية ممن هم في سنه ، ولكن الوالد يمنع ولده من ذلك معللاً منعه بالفقر .. وظل الأمر كذلك .. حتى قيض الله تعالى أحد الأقارب فأخذ الطفل ودفعه إلى معلم القرية وظل الطفل يتعلم على يد المعلم فترة من الوقت ، ثم عاد إلى الرعي من جديد.. ثم درس في المعلامة" كُتًّاب القرية ".


    النبوغ المبكر :
    مكث الشهيد في المعلامة حوالي أربع سنوات تعلم فيها القرآن الكريم وشيئاً من أوليات العربية والحساب ، وتلقى في هذه الفترة قراءة القرآن الكريم كله ، وحفظ خمسة عشر جزءاً منه عن ظهر قلب.
    وإذا كان المثال يوضح المقال .. فإنني هنا أقارن بين الشهيد وبين أترابه لنعرف نبوغه المبكر . إن أقرانه وأترابه يصير أحدهم بعد أربع سنوات من دخوله المعلامة متقناً لبعض السور القصار من جزء عم، قراءة وحفظاً ، وقليل منهم من يصل بقراءته للقرآن الكريم إلى نهاية جزء تبارك .
    أما الشهيد فقد كان طرازاً آخر من الأطفال ، ولهذا وجدناه خلال فترة أربع سنوات يستوعب ويفهم أكثر ما يستوعبه طفل آخر في نفس المدة .
    وقد بدأ القدر بالشهيد منذ نعومة أظفاره بداية عجيبة تدل على ما سيكون له من مستقبل عظيم ، فالبدايات تحدد النهايات ، والمثل الشعبي اليمني يقول : الديك الفصيح يصيح من البيضة - أي يكأكأ - وهو لما يزل في داخل البيضة.
    وما أعظمها من حياة تفتتح بالقرآن الكريم فيكون هو أول ما يرسخ في الذهن والذاكرة ، ومن هنا تتفتح وتثمر ثماراً صالحة وطيبة ، وما ينبغي للقرآن الكريم إلا أن يصنع كذلك . وليت الآباء يحفظون أبناءهم القرآن الكريم منذ نعومة أظفارهم ، فهو الذي نفتتح به سائر أعمالنا .. في كل يوم .. وفي كل مناسبة .. فإن عاشوا .. عاشوا وهم سعداء .. وإن ماتوا .. ماتوا على خير حال وأسلمه
    ..
    ينبوع العبقرية :
    منذ أن عرف الشيهد نفسه في صباه عرفها وهو يتيم لا ينال ما يناله أترابه .. عرفها وهو فقير .. يفتح عينه ويغلقها على منظر واحد هو منظر الغنم التي كلف برعيها .
    فهو إذاً في تعب وكد ومشقة .. لا يعرف اللعب واللهو كما يعرفه أقرانه .. وأنى له ذلك ؟ ولقد كانت هذه الحياة الفقيرة مع ما واكبها من تدين فطري .. ثم تعلم القرآن الكريم .. ثم مواظبة وحرص على القيام بتعاليم الإسلام ، وعلى ذلك نشأ وترعرع .. فكانت هذه الحياة – لطفولته في القرية – بتلك الكيفية هي التي أهلته للحياة المستقبلية .. ووضعت فيه الصفات والخصال التي أوصلته إلى مصاف العظماء والعباقرة .

    هجرته إلى مكة المكرمة :
    بدافع العوز والحاجة والفقر اضطر والد الشهيد أن يدفع بابنه إلى طريق الهجرة طلباً للرزق، وهكذا جرت العادة ومازالت عند كثير من أهل اليمن .. وخرج الشهيد مع قافلة من أبناء قريته متجهة إلى مكة المكرمة في عام 1373هـ 1953م .. وصحب الوالد ولده .. وخرج مع القافلة ليودعه بعيداً عن القرية كما كان يفعل الأهل والأقارب عند توديع أهلهم وأقاربهم.

    المعاناة الأليمة :
    وفي مكة المكرمة حط الشهيد رحاله مع رفقته في السفر .. وحط معهم الجوع رحاله ، بل ولازمهم ملازمة الظل لصاحبه .
    ولا تسل عن الأيام التي طووها على الجوع ، حتى إن أحدهم ليخال الرغيف على البعد هلالاً .. ولم يكن أمامهم غير ماء زمزم وحده .. فكان لهم قوتاً وغذاءً بل وكل شيء في حياتهم .. وأخذ الشهيد يبحث عن عمل -أي عمل كان- فما خرج مهاجراً إلا لطلب الرزق .. ووصية والده ما تزال تلوح في نفسه .. وما يزال صوت والده يرن في أذنيه أن يجمع مالاً ليشتري به بندقية من نوع اشتهر قبل الثورة في اليمن .. كانوا يسمونه بندق أبو ناظور .. وما أدراك ما السلاح في اليمن .. إنه يعد من الضروريات .. وقد يصبر اليمني على أي شيء لا يقدر على امتلاكه حتى الطعام نفسه .. ولكنه لا يصبر عن السلاح أبداً .. لأن السلاح هو الدليل على رجولته وشجاعته .. وبه يتباهى ويتفاخر أمام الناس .. وهناك أمر آخر أوصى به الوالد ابنه وهو أن يجمع مبلغاً آخر من المال لينفقه على زواجه .. وعامة أهل اليمن يزوجون أبناءهم مبكراً .. وهي عادة طيبة ثبت واقعياً حتى الآن أن محاسنها أكثر من مساوئها بكثير .
    وقد واصل الشهيد بحثه عن أي عمل ولما لم يجد عملاً في مكة المكرمة .. أخذه فاعل خير مع بعض رفقته إلى جدة .. وهناك عمل في البناء ونقل أدوات البناء .. وسرعان ما ترك عمله هذا .. وعاد إلى مكة المكرمة .. لأن الشهيد في قرارة نفسه كان يأمل بأمر آخر تماماً .. وهو أمر لا علاقة له بوصايا والده التي كانت مسايرة للواقع ومن باب الاضطرار .
    لقد أخفى الشهيد ما كان يأمله في قرارة نفسه .. ولم يبح بهذا الأمر لأحد .. ولكنه ظل يعتلج في نفسه ، حتى تغلب هذا الأمر على كل ما عداه ، فما هو هذا الأمر ؟

    طلب العلم :
    لقد كان الشيهد يتوق إلى طلب العلم ويحن إليه شوقاً كما تشتاق الأرض المجدبة للمطر .. ويحزن لفقده كما تحزن الأم الثكلى لفقدان ولدها الوحيد .
    وأخرج الشهيد ما كان يخفيه في قرارة نفسه باحثاً عن سبيل إلى العلم فكان من توفيق الله تعالى له أن حصل على مكان بين طلاب العلم في الرباط اليماني في الحرم المكي .. ثم انفتحت أمامه الأبواب المغلقة .. وجاءه الحظ يسعى .
    فقد التحق الشهيد بدار الحديث .. ثم التحق في العام التالي بمدرسة ليلية .. الدراسة فيها مجانية .. في الصف الرابع الابتدائي .. وحافظ على أعمال أخرى ستذكر بعد قليل - إن شاء الله .

    الواجبات أكثر من الأوقات :
    ومنذ أن تبسم له الحظ وواتته الفرص ، نراه لا يضيع لحظة واحدة دون عمل ما أو قراءة واطلاع .. فقد شغل أوقاته كلها .. ولم يبق لديه فراغ مطلقاً .. وكلمة الفراغ لا توجد في لغة أصحاب الهمة ، فلا يوجد فراغ .. أولا يشكو من الفراغ في حياته إلا عديم الهمة أو ضعيفها .. وأما الشهيد فأنى له أن يفرغ ! وكيف يفرغ أمثاله ممن يحملون الهموم بآلامها وشدتها !؟
    والشهيد حمل من الهموم عظيماً وكثيراً فمنها : همَّ الغربة عن وطنه .. وهمَّ طلب العلم .. وهمَّ توفير الحد الأدنى من الرزق لأهله .. ثم همَّ الهموم ألا وهو إبلاغ الناس دعوة الله تعالى وتعليمهم أمور دينهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولقد كان الشهيد منذ بدايات حياته في مكة المكرمة يحس إحساساً قوياً – ترجمه واقعاً كما سنرى بعد قليل – بأن أمر إبلاغ الناس وتعليمهم والقيام بأمر الإسلام قد يكون نفلاً وندباً على سواه من الناس، أما عليه فهو فرض عين وواجب محتم .
    ومع أنه كان يومها ضعيف البنية نحيلاً ، ولكنه يحمل بين جنبيه نفساً ذات همة عالية وعزيمة صارمة .
    وإذا كـانت النفـوس كبـاراً تعبت في مرادها الأجسام
    وكأن لسان حاله يقول :
    ومن عرف الحقائق مات هماً وإن طـلب الإقالة لا يقال
    لقد جمع الشهيد عدة أعمال في وقت واحد .. والعجيب أنه لم يخلّ بأحدها على حساب آخر .
    وان كان المثل الشعبي اليمني يقول : صاحب الحرفتين كاذب -أي من يجمع بين عملين فهو كذاب - لأنه ليس باستطاعة إنسان أن يجمع بين عملين في وقت واحد .. وهذا المعنى صحيح إذا كنت تخاطب عامة الناس .. أما إذا كنت تخاطب شخصية من طراز الشهيد ،أو تتحدث عنه فالأمر يختلف عنده وعند أمثاله من أرباب الهمم العالية - على ندرتهم - وهم الذين تتكسر القواعد بين أيديهم ،وتتغير الآراء والمفاهيم الصحيحة .. لأن أرباب الهمم العالية لديهم طراز خاص من مقامهم ومستواهم من القواعد والآراء والمفاهيم.
    وقد جمع الشهيد بين هذه الأعمال :
    1- الدراسة بدار الحديث صباحاً .
    2- بعد الظهر درس في الحرم على يد بعض المشائخ .. ومنهم : الشيخ /علي سعيد الغيلي الذي درس على يديه كتاب التحفة السنية بشرح الآجرومية .. وفي الفقه درس متن أبو شجاع .. كما تعلم شيئاً من الفرائض على يد الشيخ نفسه .
    3- درس بالمدرسة الرحمانية مساءً .
    4- عمل مراسلاً في نفس هذه المدرسة .
    5- أمَّ الناسَ في مسجد " العتيبية " بمكة المكرمة .

    المشاركة بأعمال أخرى :
    وبالإضافة إلى ما سبق شارك الشهيد بكتابة المقالات في بعض الصحف السعودية مثل صحيفتي ( حراء ،والندوة ) ونجد مقالاته الصحفية في هاتين الصحيفتين خاصة في الأعداد الصادرة منها في الأعوام 75،76،1377هـ.
    كما أنه كان مشاركاً فعالاً ومؤثراً في الاحتفالات والمناسبات التي كانت تقيمها مدرسته الليلية " الرحمانية " .

    ( في القــــــــــاهــــــــــرة )
    الشهيد في القاهرة :
    لو أن شخصاً آخر غير الشهيد مكث تلك السنوات الخمس بعيداً عن موطنه وأهله وأحبابه ، لكان أول ما يخطر على باله هو أن يعود إلى وطنه ليتزوج وليبدأ في تكوين أسرة له .. ويعود إلى وطنه حاملاً ما غلى ثمنه وخف حمله .
    وهذا أمر واقعي ومعقول جداً فكل مهاجر لا بد أن يعود والحنين إلى الوطن - كيفما يكون - أصيل في النفوس .. ولو لا حب الأوطان لخربت البلدان .
    ولكن نفس الشهيد لم تكن تعرف ذلك ، لأنها نفس تطمح إلى المعالي وتكره سفاسف الأمور .. بل ولا تحب ما يحبه عامة الناس من مألوفات ومحبوبات في الدنيا .. فهو مثل عمر بن عبد العزيز في طموحه وتطلعه فقد طمح للزواج من الفتاة الصالحة فاطمة بنت عبد الملك فتزوجها .. ثم طمحت نفسه إلى الخلافة فوليها .. ثم تاقت نفسه إلى الجنة - أحسب أنه فيها ولا أزكي على الله أحداً .
    وأعود إلى صاحب الترجمة فأقول إنه تطلع إلى إكمال دراسته في القاهرة .. وبعد وقت قصير نجح الشهيد في الوصول إلى القاهرة وسافر إليها بالباخرة عبر جدة ثم بور سعيد .

    في مدينة البعوث الإسلامية :
    التحق الشهيد بالأزهر في الصف الثالث الابتدائي حسب نظام الأزهر القديم وهو يعادل الصف الأول الإعدادي .. ولبس الملابس التقليدية للطلبة الأزهريين وهي الجبة والطربوش الأحمر والعمة .
    ثم بعد شهور من التحاقه بالأزهر سنحت له الفرص أن يسكن في مساكن الطلاب بمدينة البعوث الإسلامية ، وكان الشهيد يحصل على منحة شهرية من الأزهر الشريف ومقدارها أربعة ونصف جنيه مصري ( ج.م ) وعاش عليها .
    ثم حصل على منحة من السفارة اليمنية مقدارها خمسة (ج.م) ، وبعد الثورة في اليمن اعتمدت لجميع الطلاب اليمنيين منح شهرية وزاد المبلغ الممنوح لكل واحد منهم فكان كل طالب منهم يحصل على واحد وعشرين (ج.م) وهي جملة ما كان يأخذه الفرد منهم من الأزهر أو من اليمن .
    وفي الأزهر مكث الشهيد يطلب العلم طوال ست سنوات تقريباً فنال فيها الشهادة الإعدادية الأزهرية .. وكاد يحصل على الثانوية الأزهرية لولا الأحداث المأساوية التي ستُذكر قريباً إن شاء الله تعالى .

    مع العلماء والمفكرين والزعماء :
    كانت الفترة التي قضاها الشهيد في القاهرة فترة مخاض، فيها تشكلت نفسيته ، ونضجت مداركه ، واستقام عوده ، وقوي خلقه .. وفيها ترسخت مفاهيم أساسية في ذهنه وأضحت دستوراً لتعامله مع الناس .. وباختصار فقد كانت تلك الفترة فترة تغيرات جذرية ، وتحولات كبيرة في نفسه وروحه وعقله .
    ولأن الشهيد كان ذا نفسية أليفة مألوفة محببة إلى كل من يلقاه أو من يعرفه ، فقد أقام الشهيد علاقات واسعة مع مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين والزعماء المعروفين آنذاك والمتواجدين في القاهرة أو الذين يزورونها سواء كانوا من أبناء مصر أو من أبناء العالم الإسلامي .
    وكان الشهيد يزورهم في منازلهم أو في أماكن أعمالهم أو يتتبعهم في محاضراتهم ودروسهم .. وسرعان ما يربط معهم علاقات وثيقة كانت مثار دهشة زملائه وإخوانه.. إذ كيف يستطيع طالب في المرحلة الإعدادية أن يقيم علاقات قوية مع كبار العلماء والمفكرين والزعماء .. وأي جرأة امتلكها الشهيد حتى يقوم بذلك!؟
    ومن العلماء المصريين الذين أقام معهم علاقات ودية وكان يزورهم باستمرار الشيخ/ محمد الغزالي ، الشيخ/ محمد أبو زهرة ، والشيخ/ سيد سابق ، والشيخ/ أحمد حسن الشرباصي، والأستاذ/ عبد اللطيف دراز، والأستاذ/ محمد قطب، والشيخ/ صلاح أبو إسماعيل عضو مجلس الشعب المصري الأسبق ، والدكتور/ عبد الحميد سعيد ، ثم اللواء/ محمد صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين ، والشيخ/ محمد بخيت المطيعي صاحب المجموع - أكمل كتاب المجموع الذي بدأ الإمام النووي في تأليفه ومات قبل أن يكمله .
    ومن مصر أيضا الأستاذ/ عبد الصبور شاهين والأستاذ/ البهي الخولي .. وغيرهم .
    ومن اليمن عرف العلماء والزعماء والمفكرين اليمنيين الذين عاشوا في القاهرة أو زاروها آنذاك ومنهم : الشهيد/ محمد محمود الزبيري ، والشيخ/ محمد سالم البيحاني رحمه الله تعالى الذي زاره مراراً في مقر إقامته في فندق (جراند هوتيل) في شارع فؤاد .
    ومنهم أيضا القاضي/ عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق .. ومنهم أيضا الشيخ/ النقيب سنان أبو لحوم ، والأستاذ/ قاسم غالب أحمد .
    ومن الجزائر : عرف المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى .. وكانت بينهما علاقات ودية .. وزاره مراراً في منزله . ومن العراق : عرف الأستاذ/ عبد الرحمن البزاز - كان يومها أستاذاً محاضراً في معهد جامعة الدول العربية - وكان يأخذ منه محاضراته أولاً بأول ، ومن سوريا الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري.
    ومن الباكستان العلامة الإمام أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى .. وزاره عدة مرات في مقر إقامته بالقاهرة لما زارها الأخير .
    ومن الهند عرف الأستاذ الأديب أبو الحسن الندوي .. أطال الله في عمره ، وعلى كثرة العلماء الذين التقى بهم أو سمع عنهم أو قرأ لهم الشهيد .. إلا أنه تأثر بأربعة منهم تأثراً بالغاً ، غير مجرى حياته وهؤلاء هم :
    1- الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى :
    فقد سمع عنه كثيراً من تلامذته في فترات متفرقة وكأنها ومضات في ليل بهيم يومض فيها النور .. كما أنه قرأ عنه برغم القيود الرهيبة التي كبل بها الإخوان المسلمون يومها .. كما كبلت أفكارهم وعلومهم .
    وتأثُر المخلافي بالشهيد البنا أمر بديهي ، فمن الذي يسمع بمجدد القرن الرابع عشر الهجري ولا يتأثر به !؟ ومن الذي لا يتأثر بشخصيته وهو الذي أجمع كل من قابله على صدقه وإخلاصه ، وشهادتهم له بإجماع –يعز عن النظير- أنه جمع شخصيات كثيرة في شخصية واحدة ، فهو المربي الخبير .. وهو الخطيب المصقع .. وهو الفقيه الفهامة .. وهو العالم المتفنن .. وهو السياسي البارع .. وهو القائد المحنك .
    2-الشهيد سيد قطب :
    صاحب الظِلال والمعالم ، والرجل الذي قدم روحه فداءً للقرآن الكريم .. وقد التقى المخلافي بالشهيد سيد قطب عدة مرات في منزله في الشهور القليلة التي أخرج فيها من السجن عام 1385هـ1965م بوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف رحمه الله تعالى ، ولكن الشهيد سيد قطب أُعيد من جديد إلى السجن ليعدم بعد قليل من إعادته إليه .
    وكان المخلافي يمكث مع الشهيد سيد قطب أوقاتاً طويلة في منزله يسمع منه ويحاوره ، ثم تسلم منه نسخة من كتابه معالم في الطريق .. وقام بنشرها بين الطلاب اليمنيين الصالحين .. وذات مرة سأله الشهيد سيد قطب هل قرأت المعالم .. فأجاب المخلافي : نعم .. فقال سيد : إنك لن تفهمه أو تستوعبه حتى تقرأه ست مرات .
    مراقبة الخالق أو المخلوق :- ومن المواقف المؤثرة بينهما أن سيد قطب في تلك الفترة التي أخرج فيها من السجن .. وضعوا له أمام منزله مباشرة مخبراً سرياً لمراقبته على الدوام .. وكان المخبر يزاول ظاهراً كي الثياب (مكوجي) ومع ذلك كان سيد يخرج من منزله مرات كثيرة .. وذات مرة قال المخلافي للشهيد سيد قطب : أنت تعلم أنك مراقب ومع ذلك نراك تخرج كثيراً من منزلك فكيف تعرض نفسك للخطر ؟ فقال سيد رحمه الله تعالى : " إن الإنسان إذا راقبك فمن الممكن أن تتخلص منه ومن مراقبته .. أما الله تعالى فلا يمكن ذلك أبداً " .
    وقد كان سيد يعمل حيلاً عجيبة ليخدع بها المخبر فيخرج من منزله ويعود دون أن يشعر به .
    3-الإمام أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى :
    والرجل الثالث الذي تأثر به الشهيد المخلافي هو المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان ، وبنجلادش ، وقد تأثر به من خلال قراءته لكتبه ، ثم من مقابلته وزيارته له في القاهرة حين زارها .
    4-الأستاذ الفاضل أبو الحسن الندوي :
    رئيس ندوة العلماء في (لكهنؤ- الهند) ، وقد التقاه في القاهرة لما زارها الندوي في نهاية الخمسينيات من هذا القرن الميلادي .
    ومن العلماء الذين تأثر بهم كثيراً وإن كان لا يرقى إلى درجة تأثير الأربعة السابقين .. الشيخ/ محمد الغزالي .. فقد قرأ الشهيد كتبه كلها .. وكان يستعيرها من مكتبة دار العروبة بالقاهرة .

    في صفوف الإخوان المسلمين :
    في الفترة التي قضاها الشهيد في القاهرة التحق بصفوف جماعة الإخوان المسلمين في الوقت الذي كان فيه أفراد الجماعة كلهم في السجون والمعتقلات ، والقلة منهم ممن لم يعثر عليهم تحت المطاردة .
    وفي هذا الجو المشحون بالظلم والسجن والمتابعة والقتل لجماعة الإخوان نجد الشهيد المخلافي ينضم إلى صفوفهم ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على رجولة المخلافي وهمته وشجاعته ، ففي هذا الوقت يهرب الناس منهم إما خوفاً أو جبناً أو طلباً للسلامة والراحة ، أما هو فيعزم على الالتحاق بهم مهما كانت التضحيات ومهما كانت الأهوال والعقبات في الطريق .
    وقد كان للشهيد الزبيري أثر بالغ في استقطاب المخلافي إلى جماعة الإخوان المسلمين -لأن الشهيد الزبيري كان إخوانياً قديماً بايع الإمام الشهيد البنا نفسه - وقد مكث الاثنان معاً يعملان في جماعة الإخوان المسلمين دون أن يرتبطا عضوياً بالإخوان في مصر- كما يبدو - بسبب الظروف السيئة التي أحاطت بالإخوان حينها إلى أن سافر الشهيد/ الزبيري مع الشيخ/ عبد المجيد الزنداني إلى اليمن بعد قيام (ثورة 26 سبتمبر ) .
    وبعد ذلك مدت الحبال مع الإخوان المسلمين عن طريق الأستاذ/ عـبـده محـمد الـمخـلافـي نـفسـه عـند لقائه المتكرر كما تقدم مع الشهيد سيد قطب ، وبذلك وضع المخلافي حجر الأساس لبناء الإخوان المسلمين اليمنيين .

    مع الشهيد أبي الأحرار الزبيري :
    كان الشهيد الزبيري أباً روحياً ووطنياً لجميع أبناء اليمن وخاصة من كان منهم في مصر آنذاك ، وكان الزبيري يلتقيهم جميعاً بدون استثناء بحكم أنه أب للجميع - ولأن قضية الظلم والطغيان الإمامي المستبد قضية الجميع .. والتقى عليها الكثيرون من اليمنيين .. بالرغم من تباين اتجاهاتهم السياسية .. واختلاف ميولهم وآرائهم .. إلا أن علاقة الزبيري بالشباب المتدين خاصة كانت علاقة قوية ووثيقة بسبب اتجاهه الإخواني كما أسلفت .
    وكثيراً ما كان هؤلاء الشباب يعقدون لقاءات مطولة في بيت الشهيد الزبيري نفسه ، وكان بعضها يمتد إلى الحادية عشرة ليلاً ، وكان الشهيد المخلافي أحد أولئك الفتية المتدينين .
    وكان الزبيري يصطحب الشهيد في بعض جولاته في أنحاء القاهرة ومعهما بعض الشباب اليمني .. ويتجه الزبيري بهم إلى المقابر الواسعة في القاهرة حيث تقطن كثير من الأسر المصرية .. ويعلل لهم سبب اصطحابه لهم إلى هذه الأماكن بقوله :
    ( أكثروا من زيارة هذه الأماكن وأكثروا من الترداد عليها حتى تتعودوا عليها .. فإذا عدتم إلى بلدكم فلن تصطدموا حين تجدوا أشباهها هناك ) .

    مع الطلبة اليمنيين في القاهرة :
    تحرك الشهيد بين صفوف الطلاب اليمنيين .. وكان يزورهم في منازلهم ، وأستطيع أن أقول بثقة -إن شاء الله- إن الشهيد زار جميع الطلاب اليمنيين الذين كانوا في القاهرة إلى منازلهم وكان هذا شغله الشاغل ، وكان يشارك في الرحلات التي يقوم بها الأزهر ، وفي المخيمات أيضا ، وبديهي أن يشترك فيها بعض الطلاب اليمنيين فتكون فرصة للشهيد أن يربط علاقاته معهم .
    وحرص الأستاذ المخلافي على إقامة العلاقات بوسائل عدة ، ومن تلك الوسائل أذكر الآتي :
    الزيارات - كما تقدم - إلى المساكن والمنازل .
    المراسلة - وخاصة لمن بعدت المسافة إليه - وإرسال بطاقات التهنئة بمناسبة العيد ونحوه .
    حضور تجمعاتهم ومنتدياتهم .
    دعوتهم للحضور والتجمع في الندوات والمحاضرات العامة والاحتفالات ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم .
    التعاون في حل قضاياهم ومشاكلهم والعقبات التي تعترض طريق دراستهم وطلبهم للعلم .
    استقبال القادمين منهم لطلب العلم في أرض المطار (مطار القاهرة) .
    واختط الشهيد خطاً مميزاً للدعوة إلى الله تعالى بين صفوف الطلاب اليمنيين ، وأذكى شعلة الإيمان في نفوسهم ، وبث فيهم الحماس .. وأعاد الأمل إلى نفوسهم التي تحطمت على صخرات الواقع السيئ .. واستيقظ الكثير منهم فكانت صحوة إسلامية عارمة ضربت جذورها في أعماق نفوس الطلاب اليمنيين هناك ، وامتد أثرها إلى يومنا هذا .. وستظل -ان شاء الله تعالى- وقد انتقلت تلك البذور الأولى في القاهرة إلى اليمن وأتت ثمارها فيها .. بفضل الله تعالى .
    وقد لخص أحد الطلاب اليمنيين المعاصرين لتلك الفترة وممن أصبح له شأن رفيع في وطنه اليوم ، فقال عن الفترة التي قضاها الشهيد مع الطلاب اليمنيين في القاهرة ( إنها تمثل انبثاق فجر بعد ليل دامس فقد بدأت الأفكار الإسلامية تتحرك بين صفوف الطلاب اليمنيين وتجد لها أرضية قوية ثابتة ) .

    مع الطلاب من أنحاء العالم الإسلامي :
    ولم تقتصر علاقات المخلافي مع الطلاب اليمنيين فقط بل شملت علاقاته الوثيقة طلاباً كثيرين في مدينة البعوث الإسلامية ، وأقام الشهيد شبكة واسعة من العلاقات مع طلاب من الباكستان ، وافغانستان ، والفلبين ، وسوريا ، والأردن ، وماليزيا ، وفلسطين ، وجزر المالديف ، وغيرها .
    واليوم أضحى أولئك الطلاب قادة وإداريين في بلدانهم ، ومازالوا يذكرون الشهيد المخلافي بخير، وما من أحد منهم يلتقي في الخارج برجل من اليمن إلا ويسأله عن المخلافي وأين هو ؟ وماذا صنع ؟ فما يزال بعضهم لا يعلم بموته .

    في العطلة الصيفية :
    لم يكن لدى الشهيد وقت فراغ كما عرفنا عنه في مكة المكرمة ، وفي القاهرة كان الأمر كذلك .. وكانت العطلة الصيفية عنده فرصة سانحة للقيام بما لم يستطعه أثناء العام الدراسي .. وكان المخلافي يقضي العطلة الصيفية في الرحلات أو المخيمات الصيفية .. فإذا عاد منها قضى بقية العطلة في زيارات وربط علاقات مع الطلبة اليمنيين وغيرهم .
    والعطلة الصيفية بالنسبة للشهيد المخلافي لم تكن كما يعرفها ويفهمها بعض الطلاب أنها فترة فراغ (وتسكع) بل كانت فترة عمل دؤوب - وقد استفرغت الحديث عن ذلك - وكانت إحدى العطل هي بداية المرحلة الإسلامية العضوية في حياة الشهيد ، ففي مخيم أقامه الأزهر في عام 1378هـ1959م تقريباً في الاسكندرية التقى الشهيد في أثناء أيام المخيم بشاب فلسطيني من الإخوان المسلمين واستعار منه كتاب : شبهات حول الإسلام للأستاذ/ محمد قطب فأخذه الشهيد فرحاً جذلاناً .. وعاد ليقرأه مع زميل له في القاهرة .. وقرأه بلهفة ونهم غريبين ، ثم لما استوعبه ذهب يناقش وينافح عن الإسلام ويجادل به بعض الشباب الجامعي من اليمن وممن كانت لهم ميول يسارية أو قومية علمانية .. وهم بدورهم كانوا يحاولون استمالته إلى صفوفهم .. ولكنهم لم ينجحوا معه بل أفحمهم بحجته برغم أنه كان حينها في بداية المرحلة الإعدادية .. ولم يقرأ من الكتب الإسلامية التي ترد على الشبهات المثارة حول الإسلام غير كتاب محمد قطب الآنف الذكر .

    الندوة :
    مما يدل على تأثر المخلافي بالأستاذ/ الندوي أن الأول أسس مع إخوانه في القاهرة ندوة إسلامية على غرار ندوة العلماء في لكهنؤ بالهند التي يرأسها الندوي نفسه .
    وقد احتوت الندوة على عدة أنشطة وهي :
    •النشاط الثقافي والتربوي .
    •النشاط الاجتماعي .
    •النشاط المكتبي والإعلامي .
    •النشاط المالي .
    •العلاقات العامة .
    وكانت هذه الأنشطة بمثابة لجان متخصصة يرأس كل لجنة شاب ومعه مجموعة من الشباب يعاونونه في عمل اللجنة ، وكان الشهيد المخلافي يرأس الندوة كلها ، وكان نائبه فيها هو الأستاذ ياسين عبد العزيز حسن القباطي والذي قدم إلى القاهرة للدراسة في أواخر عام 1962م .

    تفاعل ومشاركة مع قضايا اليمن :
    تفاعل الشهيد مع إخوانه وزملائه الطلاب عموماً في قضايا اليمن وبالذات القضايا التي تمس حياتهم كطلاب أو حياة شعبهم وأمتهم .
    وأذكر موقفاً واحداً للتدليل على ذلك فقد حدث قبيل الثورة اليمنية في أواخر أيام العهد المباد أن حرض الشهيد الزبيري وغيره من الأحرار الطلاب اليمنيين فتحرك الطلبة - وشاركهم الأستاذ المخلافي - واحتلوا سفارة اليمن المتوكلية في القاهرة وظلوا فيها أحد عشر يوماً .. وكان ذلك في عام 1382هـ1962م. وكانت مطالبهم تتلخص في توفير المنح لهم ، والاحتجاج على الأوضاع السيئة في البلاد ، وأما الطلاب الذين لم يعتصموا في السفارة وظلوا خارجها فقد كانوا يقومون بإيصال الطعام والشراب والأشياء الضرورية إلى زملائهم المعتصمين ، وكان الأستاذ المخلافي من ضمن المعتصمين في السفارة .
    إحياء المناسبات الإسلامية :
    كان الشهيد يترقب مرور المناسبات الإسلامية وقدومها فإذا حان ميعاد قدوم مناسبة سارع للاحتفاء والاحتفال بها ، ودعا الطلاب لحضورها ودعا العلماء والخطباء للحديث عنها .
    وكانت المناسبات الأكثر إحياءً هي: يوم الهجرة ، ويوم مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويوم الإسراء والمعراج ، ويوم بدر الكبرى .

    عقبات ومشاق في الطريق :
    استاء الطغيان وانزعج أيما انزعاج لما صنعه الشهيد المخلافي في ندوته ، وما حققه مع إخوانه من أعمال طيبة بين صفوف الطلاب .. وبعد مراحل من التضييق والمتابعة ومحاولات إلصاق التهم الملفقة نفد صبر الطغيان - وإن لم يكن له صبر في الحقيقة - وأصدر أوامره في ليلة - كعادته في إصدار القرارات ليلاً من ليالي سبتمبر سنة 1385هـ1965م وتقضي الأوامر باعتقال الأستاذ المخلافي مع ثلة من إخوانه الكرام .
    وتم حجزهم واعتقالهم ، وتركوا في زنازين فردية ، ثم فُتشت مساكنهم وغرف نومهم في مدينة البعوث الإسلامية .
    وقاموا بوضع الشمع الأحمر على باب غرفة الأستاذ المخلافي ، ثم عادوا مرة أخرى وفتحوها وصادروا كل ما فيها ولم يبقوا فيها شيئاً .
    أخي أخذوك على إثرنا وفوج على إثر فوجٍ جديد
    فإن أنا مت فإني شهيد وأنت ستمضي بنصر أكيد
    ومكث الأستاذ المخلافي بين أيديهم حوالي عشرين يوماً في زنزانة انفرادية بالقلعة .. وبين سب وإهانة وتحقيقات لا أول لها ولا آخر،ثم تم طرده وتسفيره من القاهرة وأركبوه باخرة منطلقة من ميناء بور سعيد وألقت مرساها في ميناء الصليف في اليمن .

    خطوط عريضة في حياة الأستاذ المخلافي بالقاهرة :
    في المدة التي قضاها الأستاذ المخلافي في القاهرة وقعت أحداث هامة أجملها فيما يلي :- ( بدون ترتيب زمني )
    • اجتماع موسع في شقة قرب الهرم بجوار أبي الهول لمجموعة من الطلاب اليمنيين ، وانبثق الاجتماع عن تكوين جمعية إسلامية للطلاب اليمنيين .
    • اللقاء مع الزبيري .. وقيام جماعة إسلامية أوسع وأكبر من سابقتها .
    • تأسيس مجموعة الطليعة العربية الإسلامية .
    • الارتباط العضوي بالإخوان المسلمين .
    وفي كل هذه الأحداث وغيرها كان الأستاذ/ المخلافي أحد الرؤوس الهامة بل هو الرأس الأول المدبر والمحرك .. ويليه الأستاذ/ عبد المجيد الزنداني في ظل ورعاية الأستاذ الزبيري .. الذي لم يكن متفرغاً للعمل الإخواني لأنه كان الأب الروحي لجميع اليمنيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وكان الشخصية الفاعلة الأولى المؤثرة في ( الاتحاد اليمني ) في القاهرة آنذاك قبل الثورة .
    وبعد أن قامت الثورة اليمنية .. وعودة الأستاذ/ الزبيري .. ومعه الأستاذ/ الزنداني إلى اليمن .. كان إلى جانب الأستاذ/ المخلافي في قيادة العمل بالقاهرة الأستاذ/ ياسين عبد العزيز حسن القباطي حيث كان نائباً له كما تقدم .

    ملامح وخطوط عن حركة الطليعة العربية الإسلامية :
    أنشأ الأستاذ/ المخلافي في القاهرة - مع بعض إخوانه - حركة طلابية إسلامية في عام 1383هـ 1963م تقريباً .. وعرض منهاجها الميثاق على السلطات المصرية فوافقت عليه .
    وكانت أهداف الحركة تتلخص في أربعة أهداف هي :
    1- الإيمان . 2- الجهاد . 3- العدالة . 4- الوحدة .
    وقد استطاعت الحركة منذ أول بروزها أن تقتحم الميادين التي احتكرتها الروابط الطلابية الإلحادية العلمانية .
    ودخلت مجال الانتخابات فنافست القوى الأقدم منها ، وفوجئ بها الآخرون كما فوجئوا بنجاحها دونما مقدمات تاريخية تبرر نجاحها .
    واستطاعت أن تسحب البساط من تحت الحركات العلمانية والإلحادية لأنها ذات أنفاس إيمانية وإسلامية قوية .

    حركة الطليعة العربية الإسلامية من منظور أحد المعاصرين :
    تحدث الأستاذ/ زيد بن علي الوزير في كتابه ( محاولة لفهم المشكلة اليمنية ) صـ126 عن حركة الطليعة فقال عنها :
    ( إن هذه الفئة إسلامية المنطلق والغايات ، وهي قوة إسلامية ناشطة .. فالجهود لا تزال منصبة لخدمة الإسلام ، ومحاربة دعاة المبادئ الغربية والشرقية على السواء .. أي أن الطلائعيين يشكلون بالفعل تحدياً خطيراً لكل التيارات المغايرة لطبيعة الحكم في الإسلام ) .
    ونقل الوزير شيئاً من ميثاق الحركة .. وعلق عليه .. وأقتطفُ مما نقله الفقرة التالية :
    ( حركة عربية تؤمن بالعروبة وعاءاً للإسلام .. وهي حركة إسلامية لأنها تؤمن بالإسلام روحاً للعروبة ) .




    ( في اليمـــــــن من جديـــــــد )



    الأستاذ المخلافي في مدينة تعز :
    كانت مدينة تعز ـ العاصمة الثانية لليمن ( قبل الوحدة ) وهي المحط الأخير للشهيد المخلافي بعد سفره من القاهرة ، وبعد أسفاره المتواصلة .. حط المخلافي رحاله في بناية المركز الإسلامي.
    فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر
    وقد تم قبول الأستاذ المخلافي في المركز الإسلامي بموجب توجيه صادر من وزير التربية والتعليم - آنذاك - قاسم غالب أحمد وحين استقر الشهيد المخلافي في المركز الإسلامي لم يكن يملك من حطام الدنيا شيئاً غير قميصه المهترئ على بدنه .
    واتخذ من المركز قاعة للدروس والمحاضرات ، وغرفة نوم ، وداراً يأوي إليه ، حتى رق له بعض المحسنين فأمدوه
    فأمدوه بشيء من المال والملابس بما يسد الرمق ، ويحفظ ماء الوجه .
    ثم تم تعيينه معلماً في إحدى المدارس بتعز ، فحصل على مبلغ من المال مكنه من أن يستأجر منزلاً قديماً مع زميلين له وكان ينام فيه بعض الأحيان .. ويضع فيه ممتلكاته الوحيدة التي ليس له ملكاً سواها ألا وهي الكتب .. ولكن المنزل انهار بعد فترة قصيرة وسلم الله تعالى أن لم يكن أحد فيه .
    وظل الشهيد في بناية المركز الإسلامي حتى يوم زواجه .. حيث استقر في بيت عمه ( والد زوجته ) .

    الثبات والاعتصام بالحق :
    برغم تلك الظروف والأحوال السيئة التي خيمت على البلاد ، والتي واجهت الشهيد منذ أول استقراره في مدينة تعز ، برغم ذلك لم يتخلف الأستاذ المخلافي عن الدعوة إلى الله تعالى ، مع أنه كان شريداً طريداً .. فلم يكن لديه وقت للعق جراحه أو استعادة أنفاسه .. بل هو الجهاد المتواصل .
    وفي وسط تلك الظروف السيئة .. والأحوال المتقلبة .. والأجواء الملبدة بغيوم الشرور والإلحاد .. والخطر المدلهم يحيط بالداعية في كل وقت وحين .. وفي كل خطوة وكل عمل .. في حين ذلك كله انطلق الشهيد يدعو إلى الله تعالى .. واتخذ من المركز الإسلامي منطلقاً .. فكان له بمثابة دار الأرقم في حياة الجماعة المسلمة الأولى .

    الاتصال الشخصي :
    أقام الأستاذ/ المخلافي شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية بمختلف فئات وطبقات المجتمع من علماء ، وأعيان ، ومشائخ ومسؤولين ، وتجار ، وعمال ، وطلبة ، وفلاحين ، وغيرهم ، وكان يزورهم ويتفقدهم ، ويعطي كل مقام حقه ، فهو التلميذ بين يدي العلماء ، وهو ناصح موجه أمام المسؤولين ، وهو صديق ودود مع الصالحين ، وهو معلم ومرب عطوف بين تلامذته وطلاب العلم ، وهو قائد شعبي محبوب بين الجماهير ، وناقد خبير وناصح مع المشائخ والتجار .
    وكم قدم إلى المسئولين من مطالب للأمة ، فتبناها وتحمس لها ، وكان مع كل قضية منها يبدو وكأنها قضيته الوحيدة وشغله الشاغل .. ويكاد يفرغ لها حماسه وجهده ووقته ، وخاصة إن كانت قضية جرى فيها الأمر على خلاف الشرع .
    وضمن الاتصالات الشخصية أقام علاقات واسعة في كافة المدن اليمنية تقريباً مثل : صنعاء ، والحديدة ، وإب ، وعدن ، وغيرها .
    وضمن هذا التوجه زار مناطق ( صنعاء ) و( زبيد ) و( الحديدة ) و ( النجد الأحمر ) في لواء إب ، و( ذي السفال ) ومنطقة ( الشعر ، وبعدان ) في لواء إب أيضاً .
    وكانت زيارات المخلافي المتنوعة وأهمها زيارات المرضى تعد من أهم صور توثيق العلاقات بينه وبين الآخرين أياً كانوا .
    وعموماً فقد كانت زياراته كلها مفيدة ومثمرة بل وتحس وكأنه رسم لها بدقة - وليس ذلك بصحيح - لكونه يتصرف تصرفات سلوكية تترك أثراً طيباً لا ينسى ، كما أنها تصير مثالاً يحتذى ويقتدى به .


    مؤتمر الجند :
    وضمن الاتصالات الشخصية للأستاذ/ المخلافي .. شارك في بعض المؤتمرات التي عقدت في تلك الفترة .. ولكنني لم أتأكد من مشاركته إلا في مؤتمر واحد: هو مؤتمر الجند والذي عقد عام 1366هـ /1966م تقريباً .
    وقد حضر هذا المؤتمر المشائخ ، والأعيان ، والمسئولين ، من عموم وأنحاء البلاد وفي مقدمة الجميع حضر المشير/ عبد الله السلال رئيس الجمهورية الأسبق .
    وكانت مهمة المؤتمر تنحصر في قضية واحدة .. ألا وهي تنقية الأجواء بين صفوف الجانب الجمهوري .
    وألقى الأستاذ المخلافي كلمة توجيهية رائعة على الحاضرين .. وكان لها صدى طيب وتأثير ملموس .

    في التربية والتعليم :
    عُين الأستاذ المخلافي مديراً عاماً للتربية والتعليم بلواء تعز في عام 1386هـ /1966م .. ثم امتحن بسجنه .. إذ اشتدت الأحوال السياسية في البلاد ، وتأزمت ، وعصفت بالكثير .. حتى بمن لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
    ثم بعد الإفراج عنه ..أُعيد إلى التدريس في المدرسة الثانوية الوحيدة-آنذاك - في مدينة تعز .. ومكث فيها قليلاً ، ثم قامت حركة 5 نوفمبر 1387هـ/ 1967م .. فأعيد الأستاذ/ المخلافي مرة أخرى إلى إدارة التربية والتعليم .. وكانت إعادته بسبب مطالبة مجموعة كبيرة من العلماء ، والأعيان ، والتجار ، والمشائخ ، والجماهير الغفيرة من أنحاء اللواء .
    وقد ذهب الكثير منهم إلى صنعاء يطالبون بإعادة الشهيد مديراً عاماً لإدارة التربية .. وتمت تحركاتهم دون علم الشهيد لا من قريب ولا من بعيد .. وفوجئ الأستاذ (نفسه) بالتعيين كما فوجئ غيره .
    واستجاب المسؤولون في صنعاء لمطالب الجماهير الشعبية .. وعين الأستاذ للمرة الثانية في إدارة التربية.
    ولقد قام الشهيد - أولاً ثم أخيراً - بمهامه ومسؤولياته خير قيام وأكمله وأتمه.

    الاهتمام بالمناهج الدراسية :
    شارك الشهيد في التخطيط من أجل وضع مناهج دراسية مناسبة وملائمة تربوياً وإسلامياً وعلمياً .
    وحظيت مادة التربية الإسلامية بفروعها عناية خاصة من قِبَل الشهيد ، ومما يجدر ذكره أن الأستاذ المخلافي كانت له علاقات وثيقة بكثير من المسؤولين في العاصمة صنعاء كما في غيرها .. وعن طريق هذه العلاقات استطاع أن يفسح مجالاً للشيخ عبد المجيد الزنداني للعمل في وزارة التربية والتعليم وبحرية تامة .. وقام الشيخ/ عبد المجيد الزنداني بوضع مناهج مادة التوحيد التي عم نفعها وأثرت تأثيراً قوياً في صفوف الطلاب والمتعلمين والمثقفين .
    وكان للأستاذ/ المخلافي تأثير غير مباشر في وضع الخطوط العريضة التي قامت عليها مناهج التربية الإسلامية .

    الإعلام الرسمي :
    فضلاً عن المجالات الدعوية التي تحرك الأستاذ/ المخلافي من خلالها وهي : مجال المساجد .. ومجال المركز الإسلامي .. ومجال الاتصال الشخصي .. ومجال التربية والتعليم .. كان المجال الخامس هو: مجال الإعلام الرسمي .. حيث لم تكن البلاد - آنذاك - تعرف من الوسائل الإعلامية غير الصحافة والإذاعة فقط .
    ومن خلالها تحرك الأستاذ/ المخلافي .. ودعا إلى الله تعالى .. فأما في الصحافة فكان يحرر صفحة أسبوعية في الصحيفة اليومية الرسمية - في ذلك الوقت - في محافظة تعز .. وهي صحيفة الجمهورية .. وكان عنوان الصفحة التي يحررها المخلافي هو: ( الوعي الإسلامي ) ثم تحول إلى عنوان آخر هو : ( ركن الثقافة الإسلامية ) .
    وكان يظهر كل يوم جمعة من كل أسبوع .. وكانت مواد ( ركن الثقافة الإسلامية ) غالباً ما يكتبها الأستاذ المخلافي بنفسه .
    وداوم الأستاذ على كتابته تلك طيلة عامي 1386هـ/ 1966م 1388هـ/1968م ، وأما الإذاعة الرسمية في صنعاء فقد سجل لها الأستاذ/ المخلافي عدة دروس ، وكلمات قصيرة .. وكانت تذاع عند افتتاح الإذاعة في الصباح .
    وفي الإذاعة المحلية في مدينة تعز سجل الأستاذ/ المخلافي بعض الأحاديث اليومية القصيرة ، كما سجل لها إجابات على أسئلة قدمها المواطنون ، وسجل لها كذلك بعض الفتاوى .

    المحن والآلام في طريق الشهيد :
    كان لتأثير المخلافي وإخوانه الدعاة على عامة الناس وخاصتهم ضريبته ، إذ تكالبت عليهم مختلف القوى العلمانية التي كانت تغص بها الساحة- آنذاك - وأخذت توجه أسلحتها في وجه المخلافي .. وكان منها الدعايات .. ومما قيل عن الأستاذ/ المخلافي : -
    أن لديه في منزله الكبير أكبر ثلاجة لبيع الخمور وأنه يدمن الخمرة إدماناً لا مثيل له، وكذبوا ، إذ أن الأستاذ/ المخلافي لم يمتلك في حياته كلها حتى بقايا منزل .. ومات ( رحمه الله تعالى ) ولم يخلف شيئاً من حطام الدنيا .
    أنه عميل للسعودية وأمريكا .. خائن للوطن والثورة .. ويقبض الأموال الطائلة مقابل عمالته .
    أنه رجعي تآمري يقف مع الملكيين ضد الجمهورية وهذا كذب .
    أنه وهابي يحارب الوحدة اليمنية ، وهذا كذب أيضاً .
    أنه كذاب دجال يخالف قوله فعله ، وهذه وقاحة منهم .
    وهذه من افتراءاتهم التي يكيلونها للدعاة لغرض صرف الناس عنهم ، والأستاذ/ المخلافي من القلائل الذين خدموا دينهم وأمتهم ووطنهم .. بصدق وتجرد .. وكان رحمه الله تعالى من طبقة الزبيري وإخوانه الأبرار .
    والرد على هذه الأكاذيب الأخيرة تجده في هذه الترجمة التي بين يديك عن الأستاذ/ المخلافي ، وسأضرب مثالاً واحداً على دعاياتهم التي أنزلوها حينذاك فقد قالوا ذات مرة إن الأستاذ/ المخلافي يقول في خطبته ( إن فيصل رسول الله .. وجونسون حاج بيت الله ) ألا لعنة الله على الكاذبين .
    ومثل هذا الزعم .. ومثل هذا الكذب كان ينتشر بين العوام كانتشار النار في الهشيم .. لأن العوام أرضية جاهزة لتقبل أي شيء دون تروٍ ودون تمحيص لجهلهم ولفقدانهم معايير الانتقاء والاختيار ، ولأن الأجواء في تلك الأيام كانت مناسبة جداً لينشر من كان من الناس ما شاء من أفكار .
    فقد كان الجديد - أي جديد كان - له قابلية خاصة وغريبة لظروف خاصة باليمن .. وقد ألمحت إلى بعضها في كتابي " شهيد القرآن " .

    موقف الأستاذ المخلافي من الدعايات :
    هو أولاً موقف المؤمن الصابر الواثق بربه وبنفسه ، وهو موقف الرد العملي بتبصير الجاهل الأمي .. وتوضيح ما استغلق عليه .. وإيضاح الدليل والبرهان لصاحب الثقافة القليلة .
    ثم هو موقف مقارعة الحجة بالحجة .. والبرهان بالبرهان .. وما أكثر ما كان يدعو أعداءه ليناقشوه ويحاججوه على مسمع ومرأى من الجماهير في المساجد، والمنتديات ، ولكنهم كانوا يعلمون - سلفاً - أن لا حجة لهم أبداً وأنهم سيُغلَبون ويفتضحون بالتأكيد ، ولذلك تحاشوا مواجهة المخلافي وجهاً لوجه ، ولم يحدث - ولو مرة واحدة - أن ناقشه أحد منهم أمام الجماهير .
    وموقف ثالث اتخذه الأستاذ/ المخلافي إزاء الدعايات ويتمثل في الهجوم عليهم وتعريتهم على حقيقتهم ، وبيان ما تنطوي عليه نفوسهم الخبيثة من كيد ومكر وحقد ضد الإسلام والمسلمين واليمن واليمنيين .

    السجن والتضييق والمتابعة :
    ظل الأستاذ المخلافي يلقى عنتاً ومشقة في طريقه ، فضيق عليه في رزقه وأحصوا أنفاسه وحركاته وسكناته وكان ذلك بأمر من مخابرات صلاح نصر التي جثمت على مصر واليمن حينذاك .
    وتوجهت تلك الأعمال الإجرامية الظالمة بالاعتقال والسجن ففي جماد الآخر عام 1386هـ/ 1966م ترامى إلى سمع الأستاذ المخلافي ورفاقه الأبرار بأن الملأ يأتمرون بكم ليسجنوكم وربما ليقتلوكم فاخرجوا إني لكم من الناصحين ، وهكذا أوصل بعض المخلصين الخبر إلى الأستاذ وإخوانه ، فما تراه فعل ؟
    لقد لاذ إخوان المخلافي بالفرار إلى عدن والأرياف وليس هذا عار عليهم فقد فر موسى- عليه الصلاة والسلام – من قبضة الطاغية فرعون قال تعالى :] ففرت منكم لما خفتكم[ سورة الشعراء آية 21 .
    وأما الأستاذ/ المخلافي فآثر البقاء على الفرار .. وما أسرع ما وصلوا إليه - وهم سريعون هنا بطيئون أمام اليهود - فألقوا عليه القبض مع حوالي ثمانين شخصاً من مدينة تعز وحدها ، وأخذوا في تجميعهم على مدى ثلاثة أيام واحتجزوهم في المبنى المسمى اليوم بـ( المجمع الحكومي ) لمدينة تعز واللواء كله .
    ثم رحل الجميع إلى صنعاء وسجنوا في سجن القلعة الرهيب ، وأما التهم الموجهة إليهم فكانت جاهزة ومعدة كما جرت العادة عند صلاح نصر ومخابراته ، وبديهي أنها لم تخرج عن نطاق ما يقال في الدعايات التي أنزلوها ، وقد كانت التهمة هي أنهم عملاء لأمريكا .. وعملاء للسعودية .. خونة للثورة والوطن و .. و.. إلى آخر اتجاه الريح في تلك الأيام .

    تأثير فترة السجن على الأستاذ المخلافي :
    أفرج عن رفاق الأستاذ بعد شهرين ، أما هو فقد منحوه من فيض بركاتهم فأغدقوا عليه بزيادة شهر واحد عن أصحابه ،وطيلة فترة السجن ظل الأستاذ المخلافي في زنزانة انفرادية وظل معزولاً عن غيره من المساجين لخوفهم من تأثيره عليهم .
    وقد أوصل بعض المخلصين أخباراً غير سارة للأستاذ المخلافي فقد نقل إليه أن فرداً أو أكثر يخرج يومياً من السجن إلى ساحة الإعدام .
    وكان الأستاذ المخلافي يظن أنهم سيقتلونه - وقد صح ظنه فيما بعد - فقتل ولكن بطريقة أخرى .. وبعد الإفراج عنه بحوالي عامين .

    محاولة تسفيره :
    وبعد خروجه من السجن ضاعف من أعماله الدعوية ، وضاعفوا هم من محاولاتهم الرامية لقتله بطرق تبدو طبيعية ، فكانوا يفتعلون معه الحادث تلو الحادث .. ولكنهم بحمد الله تعالى كانوا يبوءون بالفشل .
    ولما يئسوا من أن يزحزحوا الشهيد في مواقفه ولم يقووا على اغتياله ، وبعد فشل مجهوداتهم أخذوا يقنعون الأستاذ المخلافي بأن يقبل عرضهم ، وقد عرضوا عليه وعلى مستوى عال ورسمي في البلاد ليكون سفيراً لليمن في أثيوبيا ( الحبشة ) ورفض الأستاذ المخلافي العرض ، ورد على العرض بأنه لا يرغب في الأعمال الرسمية أياً كانت ، بل يتمنى أن يسمح له بفتح مدرسة خاصة لنشر العلم ، فهو داعية قبل أي شئ آخر .
    وواضح أن هذا الأمر - تعيينه كسفير- يقصد به طرده خارج اليمن ، ولكن بأسلوب ظاهره لا غبار عليه .

    مع المقاومة الشعبية :
    في أيام حصار أعداء الثورة للعاصمة صنعاء الذي زاد عن شهرين وانتهى في 8 فبراير1968م كادت العاصمة تسقط في أيديهم ، وحينها هبَّ الشعب اليمني بكل طوائفه يدافع عن الثورة ، وكونت المجاميع الشعبية من كل المدن اليمنية لحماية مناطقهم أولاً ثم ليكونوا تحت الطلب عند الحاجة إلى صنعاء ثانياً .
    ولما كان الأستاذ/ المخلافي يعلم أن من أهم أهداف الثورة العودة إلى الإسلام الحق والأصيل لا كما زيفه العهد المباد ، فقد انضم في صفوف المقاومة ، أو قل ضموه إلى صفوف المقاومة لتاريخه الجهادي من أجل الدين ومن أجل الشعب اليمني ،ونظراً لشعبية الأستاذ المخلافي بين صفوف الجماهير فقد عين نائباً لقائد المقاومة الشعبية في لواء تعز ، إلا أنه لم يؤثر من موقعه هذا فقد وضعوه ليستفيدوا من شعبيته فقط وكان منصباً فخرياً ليس إلا .
    ولكن الأستاذ المخلافي حاول أن يستدرك ما أمكن فألقى بعض المحاضرات على جموع المقاومة الشعبية في ميدان الشهداء بمدينة تعز
    .
    الأستاذ عضواً في المجلس الوطني :
    إلى نهاية عام 1288هـ/ 1968م لم يكن دستور البلاد الدائم قد وضع بعد، وكانت الحاجة ضرورية وهامة لإقامة مؤسسة تشريعية قانونية لوضع دستور دائم للبلاد .
    وتم تعيين أعضاء المجلس الوطني لذلك الغرض وكان منهم الأستاذ المخلافي ، وعلى الفور قدم الأستاذ المخلافي استقالته من إدارة التربية والتعليم حيث خلفه فيها الأستاذ/ الفاضل ياسين عبد العزيز .. واتجه الأستاذ المخلافي إلى صنعاء ، وباشر مسؤولياته الجديدة في المجلس .
    وافتتح المجلس أعماله لأول مرة في 1389هـ مارس 1969م ، ولمكانة الأستاذ المخلافي بين أعضاء المجلس فقد طلبوا منه أن يقرأ القرآن الكريم ليفتتح به أعمال المجلس ، ثم ألقى الأستاذ المخلافي كلمة في الحاضرين فوضع بها النقاط على الحروف .. وبين لهم ما مهمة المجلس ،وأنها مهمة عظيمة وشاقة ويجب أن يتهيئوا لها .
    ثم وضح في كلمته مسؤولية كل فرد من الحاضرين أمام الله تعالى ، وأن كل واحد منهم مطالب بأن يستشعر ثقل المسؤولية على عاتقه ، فيجب أن يخلص فيها ويعمل لها جاهداً ومستفرغاً جهوده من أجلها ، ثم عرج بهم إلى الشخصية التي ستنتخب لترأس المجلس .. والتي يجب أن تكون من أقوى الشخصيات القادرة على حماية الدستور الذي نحن بصدد وضعه .. وتلك هي مهمة المجلس .

    لجنة صياغة الدستور :
    اختار أعضاء المجلس الوطني من بينهم لجاناً أوكل إلى كل منها عملاً محدداً تقوم به وتحاسب عنه أمام المجلس .
    وقد دخل في معارك كلامية حامية الوطيس مع بعض أعضاء المجلس ،ووصل الأمر إلى درجة المشادات والمهاترات ،وكان الأمر يستحق ذلك الجهد لأنه أمر يتعلق بروح ولب دستور البلاد الدائم ألا وهو عبارة نصها :
    ( إن الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسية للقوانين ) وهذه عبارة خاطئة وغير صحيحة أبداً ، وكان خصوم الأستاذ المخلافي في المجلس يصرون على وضعها في الدستور بينما كان هو على صواب في عبارته التي دونت في الدستور بعد ذلك ونصها - وهي المادة الرابعة – ( الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعاً ) والبون شاسع بين العبارتين فبينهما كما بين الكفر والإيمان .. وكما بين الثرى والثريا .
    ولأن هذا الأمر في غاية الأهمية فقد جعل منه الأستاذ المخلافي مسألة حياة أو موت فكان لسان حاله يقول :
    ( إما أن تثبت العبارة الدستورية أو أموت دونها ) ، ولما عجزوا عن زحزحته في موقفه هددوه بالقتل ، ثم ثبتت العبارة في الدستور ،وطار المخلافي من بينهم.


    دعوته في صنعاء :
    استقر الأستاذ المخلافي في صنعاء مع زوجته تبعاً لعمله في المجلس الوطني هناك.
    وكانت أوقاته من بعد عمله الرسمي في المجلس الوطني يقضيها في إلقاء المحاضرات والندوات والدروس في صفوف الجيش وثكناته ، وفي المساجد بين المغرب والعشاء وكعادته دائماً ربط علاقات واسعة ووطيدة مع الزعماء والمشائخ والأعيان والعلماء من عموم أهل اليمن الذين هم في صنعاء ، ومنهم الشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر ، والقاضي/ غالب بن راجح ،والشيخ/ سنان أبو لحوم وغيرهم من مشائخ اليمن ، وقضاتها ، ووجهائها ، وعلمائها .

    صفاته وأخلاقه :
    اجتمعت في شخص الأستاذ المخلافي صفات كثيرة فهو خطيب مصقع ، وواعظ مؤثر ، وحكيم جريء ، ومفكر مجرب ، وسياسي بارع ، وقائد محنك ، ومرب فاضل ، يمتلك لغة يحدها أدب ، وأمل يحوطه حذر ،وطموح يقيده تخطيط ، وشجاعة يحكمها عقل .
    يحب الوضوح والصراحة ، ويكره النفاق والرياء والنميمة .
    وكان ظاهره كباطنه ، وبذلك عرفه إخوانه وأصدقاؤه ومعارفه وحتى خصومه ، إذ أجمعوا أنهم لم يعرفوا عنه نزوة من نزوات الشباب برغم الأجواء المحيطة به وخصوصاً في القاهرة ، وكان مع تلك الصفات مولعاً بالقراءة واسع الاطلاع سريع الفهم ، حاضر البديهة ، شجاع الرأي لا يخاف في الله لومة لائم .
    وسأتحدث بشيء من التفصيل عن بعض صفاته وخصاله فيما يلي :

    الشجاعة :
    الشجاعة أم الفضائل وقرينة الكرم ، وخلق عظيم ،وهي عند الأستاذ المخلافي مكتسبة فطرية منذ طفولته بحكم تربيته الأولى ونشأته في مناطق ريفية.
    ولكنها ازدادت ونمت في نفسه مع الأيام ، فغذاها الإيمان والثقة بالله تعالى والتوكل عليه ، ونال الأستاذ الشهيد من الشجاعة أوفرها .
    ولكن شجاعته تلك لم تتجاوز إلى حد التهور والطيش .. بل كانت شجاعته المتناهية ممزوجة برحمة ، وعطف ، ولين جانب ، ولعله - ولهذا السبب - لم تعرف له خصومة شخصية مع أحد في الفترة التي قضاها في مكة المكرمة ،ثم في القاهرة ،أو حتى في اليمن .

    تواضعه وبساطته :
    كان الأستاذ/ المخلافي بسيطاً في كل أموره .. متواضعاً في سلوكه وأخلاقه .. متواضعاً في ملبسه وزيه ومظهره .
    ولم يكن تواضعه تكلفاً وتصنعاً .. بل كان خلقاً وسجية .. وطبعاً غرسه الإيمان في قلبه ونفسه .. ثم زكاه ونماه .. وصقلته الأيام والتجارب حتى صار تواضعه طبعاً وسجية .
    ومن أمثلة تواضعه أنه كان يقوم بإعداد الشاي لتلامذته في المركز الإسلامي ، وفي رحلاته معهم ، وكان يخدمهم أكثر مما يخدمونه .
    وفي القاهرة كان يصنع الشاي لإخوانه ويستضيفهم في غرفته - وكان يجيد طبخ الشاي بصورة أثارت انتباه إخوانه - ويخدمهم ، وأحياناً يستضيف أحد زملائه في غرفته فإذا جاء وقت النوم ترك الأستاذ/ المخلافي سريره الوحيد ونام على الأرض لينام ضيفه على السرير .

    تأثيره :
    وعن تأثيره حدث عن البحر ولا حرج فكم من شباب ، وكم من علماء ، وكم من مثقفين ، وكم من جماهير أثر فيهم الأستاذ/ المخلافي ودفعهم للعمل من أجل الإسلام ونصرة الدعوة الإسلامية .
    وتأثير الأستاذ/ المخلافي في الناس ما زالت آثاره واضحة وقوية في الألوف من الرجال والشباب والمثقفين الذين يملأون الساحة اليمنية اليوم ، لقد كان تأثيره قوياً جارفاً فكأنه مغناطيس قوي يجذب إليه معادن الرجال الأقوياء والمخلصين .
    والعجيب أن الأستاذ المخلافي مارس عملياً مراحل الدعوة الحكيمة ونجح فيها نجاحاً باهراً ، دون سابق تجربة ودون تدريب ، ونجح من أول مرة زاول فيها الدعوة ،ويبدو تأثير الأستاذ المخلافي في حالة خطابه .. فإذا خطب وتكلم فهو الخطيب المصقع والمفوه الذي ينقل السامعين من حال إلى حال ، ويقنعهم بقوله قناعة عجيبة تجعلهم في أعلى درجات الحماس .
    ومهما أطال في خطبته فلا يمل خطابه بل يظل الحاضرون متلهفين ويتمنون أن لا يتوقف .

    همته العالية :
    كان المخلافي طرازاً فريداً من الرجال ، طراز يتربى بين يدي الإسلام فيربي فيهم الأخلاق والصفات العملاقة ويبلغ بهم مداها ، حتى ليصدق في أحدهم ـ بهمته العالية ـ المثل القائل : رب همة أحيت أمة .
    إن ذلك الطراز من الرجال هم الذين يتحول مسار التاريخ على أيديهم ، وبهم يغير القدر دنيا الناس تغييراً نحو الأفضل والأحسن والأصلح .
    إنهم عمالقة تعلو قاماتهم ، وترتفع جباههم نحو السماء ، وهم يسيرون في الدروب ويسير الناس من خلفهم زرافاتٍ ووحداناً متأسين بهم ومقتدين بأفعالهم ،ومهما وصف المخلافي بهمته فلن يوفى حقه .

    اعتزازه بالقرآن الكريم والسنة النبوية :
    واعتزاز الأستاذ المخلافي بالقرآن الكريم أمر لا يحتاج إلى أدلة أو أمثلة لأن الأستاذ نذر حياته له ، وبه افتتحت حياته في القرية حين حفظ نصفه وهو لا يزال صغيراً ، وبالقرآن الكريم اختتمت حياة المخلافي لأنه مات من أجله ،فقد كان اليوم التالي لوفاته هو يوم افتتاح دار القرآن الكريم - التي ما زالت قائمة إلى اليوم - ولست بصدد ضرب الأمثلة حول ذلك ، وإنما أذكر أمراً شاهده كل من زار إدارة التربية والتعليم وما من شك أن الكثيرين تأثروا به وأذكره للذكرى فقط فما هو ذلك الأمر؟
    لقد كانت هناك لوحة كبيرة أمر بكتابتها الأستاذ نفسه معلقة فوق مكتب المدير مباشرة ،وعلى اللوحة رسم مصحف كبير يبدو مفتوحاً للقراءة والأنوار تشع منه ، وتحته كتب بيتان من الشعر وهما :
    من هاهنا شمس المعارف تشــرق وتمزق الغسق اللعين وتسحق
    أبـداً على رغم الحقود فإنـهـا ستظل في كبد السمـا تتألـق
    ظلت هذه اللوحة سنوات طويلة بعد وفاة الأستاذ المخلافي حتى أزالها من أزالها لا جزاه الله خيرا .
    والسنة النبوية كان لها حظ عظيم في مكتب الأستاذ المخلافي يدل على ذلك شراؤه لكل كتاب صدر في جمعية أنصار السنة المحمدية ،وأهمها سلسلة كتب الشيخ/ محمد حامد الفقي ( رحمه الله تعالى ) ،وكانت مكتبة الأستاذ المخلافي تحتوي على السلسلة كاملة ،وكان يضعها في مكتبته في مكان بارز بعد أن يقرأها .
    وتلك المكانة العالية للسنة النبوية في نفس المخلافي تؤكدها الأفعال قبل الأقوال،وتؤكدها المواقف قبل العواطف ،وتؤكدها الآثار المشاهدة الملموسة قبل أن تؤكدها الترتيبات والرسوم المدروسة .
    وخير الأمثلة على هذا اهتمامه الكبير بإصلاح المساجد وحماسه لها ، مما أحدث تغييرات واسعة ،وتحسينات ضرورية ، وترميمات لا بد منها في مبانيها وفي مواقفها ، وفي أغراضها وغاياتها ، وشملت كل ما من شأنه أن يجعل المسجد قائماً بدوره ورسالته في حياة المجتمعات الإسلامية .
    ومن ذلك إحياء السنة النبوية المندثرة أو المنسية ،مثل حلقات العلم والذكر ، وخطب الجمعة ، ودروس الوعظ والإرشاد ونحو ذلك .

    شدته في الحق :
    كان الأستاذ المخلافي شديداً في الحق لا يحابي ولا يجامل على حساب الحق أو على حساب الدعوة أو على حساب العمل .
    وكانت شخصيته مألوفة ، محببة .. شخصية هاشة باشة .. سهل الأخذ والعطاء ، بسيط المخبر والمظهر ، وشخصية هذه صفاتها يفترض في صاحبها أن يوصف بالتساهل في الأمور وربما وصف بالمجاملة على حساب الحق ولكن المخلافي كان على عكس ذلك تماماً .
    فرغم يسره وبساطته ورحمته إلا أنه كان شديداً في الحق .. صلباً عنيداً لا يتنازل عن موقفه - إذا رآه حقاً - وكانت صفته هذه ظاهرة للعيان ، وملموسة في معاملاته اليومية لما صار مديراً للتربية والتعليم .. وذلك برغم الإهمال والتسيب والفوضى التي كانت تخيم على البلاد بأسرها ، وعلى إدارة التربية والتعليم بشكل خاص كأثر من آثار الماضي قبل الثورة .
    ومن الصور الدالة على شدته في الحق ما حدث له مع صديقين عزيزين حميمين قريبين إلى قلبه ،وكانا معه تحت إدارته المباشرة وكان الصديقان في زيارة رسمية للعاصمة صنعاء لتنفيذ بعض المعاملات الرسمية ، وحدث يومها في صنعاء أن زيدت مرتبات جميع العاملين في سلك التربية ، وعلم الصديقان بذلك فدخلا على وزير التربية .. واستصدرا منه أمراً خاصاً بهما لصرف الزيادة والتي لن تصل إلى جميع أعضاء سلك التدريس والموظفين إلا بعد حوالي شهرين .. ومعنى هذا أن الصديقين سيحصلان على علاوات شهرية قبل الآخرين .. ولما عادا إلى عمليهما في إدارة التربية والتعليم بتعز ، وقدما مذكرتهما إلى الأستاذ المخلافي لينفذ الأمر ما كان منه إلا أن رفض وبإصرار أن يصرف لهما أي مبلغ قبل غيرهما ، وذلك بالرغم مما بينه وبينهم من مودة ، وحب ، ورضخ الصديقان مكرهين لأمر الأستاذ .
    ومن صور شدته في الحق أيضاً الرشاوي التي كانت تقدم له وهو مدير عام التربية والتعليم ، وذلك باسم هدايا أو إكرامية أو مساعدة أو أي اسم آخر ، وما أكثر ما جاءته هذه الرشاوي وبطرق ملتوية .
    وكان موقف الأستاذ المخلافي منها جميعاً موقفاً واحداً ، وهو الجواب الحاسم والقوي فيأمر بحبس الرائش والراشي إن كان موجوداً أو قريباً منه .
    وعرف من لم يعرف أنه أمام عملاق عفيف اليد .. كما هو عفيف اللسان ولا يمد يده أبداً حتى في شبهة قوية .
    ومثال ثالث يدل على شدته في الحق : فذات مرة صرف له أحد الموظفين في إدارته بالتربية مبلغاً من المال ، وبرر له الموظف أن هذا من حقه وليس زيادة عما يستحقه ولكن المخلافي رفض المبلغ بإباء ، وأراد أن يعاقب هذا الموظف ، فعمد الموظف إلى بعض أصدقاء الأستاذ المخلافي ليقنعوه بقبول المبلغ ، وكان الأستاذ يومها فقيراً معدماً ، وكان هذا غالب أحواله ولكنه أصر على موقفه ورفض المبلغ رفضاً قاطعاً لأنه من مالية إدارة التربية التي هو مديرها وقال لهم:
    ( لا أقبل كثيراً ولا قليلاً لأنني أحس أن من ورائه أشياء وأشياء ).


    رجل عامة :
    لقد أهلته تلك الصفات ليكون رجل عامة ، يلتف الناس ويتجمعون حوله فحيثما علموا بوجوده تقاطروا عليه واحتشدوا حوله ، فما قاله قبلوه ، وما أمر به سمعوه ونفذوه ، وعاش بين العامة كواحد منهم يتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم ، وما عرف الأستاذ المخلافي إلا وحوله الناس مجتمعون ،وقلما رآه أحد على غير ذلك ، ويشمل تجمعهم حوله حتى في المنزل وفي وقت راحته ، وجدير بمثله أن لا يجد راحة وما راحته الحقيقية إلا في تعبه .

    حلمه ورحابة صدره :
    والحلم ورحابة الصدر خلق جميل اتصف به الرعيل الأول من السلف الصالح ، وقل من يتصف به اليوم من الرجال ، ولقد كان الأستاذ المخلافي من هذا القليل .
    ويمكن ملاحظة هذا الخلق في شخصيته من خلال سلوكه وتصرفاته وتعاملاته واحتكاكاته اليومية مع جميع من يحيط به في عمله ووظيفته .. وفي مقيله واستراحته ، وفي خطبه ومحاضراته .. وفي دروسه وتعليمه .
    وأوضح الأمثلة والمواقف الدالة على ذلك أذكر منها ما يلي :
    عدم تضجره أو تأففه من إيذاء بعض الموظفين ، أو من تكرار الأخطاء ، واستخدام الكلمات السيئة المثيرة للأعصاب من قبل بعضهم ، فتراه يتحمل الإساءة ، ويصفح عن الخطأ وعن تجاوز الحدود .
    وسع تلامذته ومريديه بأخطائهم المتكررة ، وبأخلاقهم التي لا بد من تربيتهم على التخلي عن سيئها ، ثم التحلي بأحسنها ، وهذا أمر يحتاج لتفرغ كامل ، ويتطلب معايشة ومخالطة مستمرة لمن يربيه ويعلمه ، ويتطلب توجيهاً مستمراً فقد يردد الأمر الواحد عشرات المرات لكي يعيه من يربيه ويعلمه .
    ثم يحتاج أيضاً لحلم وسعة صدر تستوعب التباينات الفردية في الصفات والأخلاق بين من يربيهم ويعلمهم ، فلا يغضب ولا يحتد حتى لا يفقد توازنه بين طلابه فيضيع الأثر التربوي المرجو ، ومع أن الأستاذ المخلافي لم يكن متفرغاً لتلاميذه إلا أنه أشرف على تربيتهم تربية عالية لا تزال آثارها مشاهدة وملموسة فيهم إلى اليوم .
    زياراته للمرضى ممن عادوه وجاهروا بعداوته ، ومع ذلك يزورهم عندما يمرضون ، دون غضاضة ، ودون حرج ، فلا يرى عليه أثراً للتكلف أو التصنع بل كان يشاهد أثناء الزيارات طبيعياً جداً .

    كرامة وعناية :
    في مسجد الغفران في مدينة تعز وقف الأستاذ المخلافي مرة يحاضر جموع المصلين الذين اكتظ بهم المسجد وغص بهم فيما بين المغرب والعشاء ،وكان عنوان المحاضرة : ( الإسلام وغزو الفضاء ) وقد أعلن عن المحاضرة قبل ميعادها وذلك لأهمية الحديث عن مثل هذه الأمور في تلك الأيام ، ولا يعرف أهمية ذلك إلا من عرف تلك الفترة وعايش الناس فيها ، وفهم ملابسات الواقع .
    وبينما كان الأستاذ مسترسلاً في محاضرته ، كان هناك من يتحرك في الظلام ، إذ جاء مجرم يتلصص من باب خلفي صغير للمسجد ووقف في الظلام بحيث يرى هدفه بوضوح ولا يراه أحد .
    وعلى بعد أمتار قليلة صوب المجرم فوهة بندقيته السريعة الطلقات نحو الأستاذ المخلافي ، وكان الناس منصتين له ، وكأن على رؤوسهم الطير - ولا يلوون على شيء - وجاءت العناية الربانية ووقعت الكرامة إذ سقطت البندقية من يد المجرم .. فأخذها قبل أن تقع على الأرض وصوبها من جديد فسقطت للمرة الثانية .. وأخذها قبل أن تقع على الأرض .. وتكرر هذا عدة مرات .. حتى حانت التفاته غير مقصودة من أحد الحاضرين فرآه على تلك الحال فأشار لشاب قوي البنية من تلامذة المخلافي .. فما أسرع ما تحرك إليه ، وقبض عليه ، وسلمه للجهات المختصة .


    ( من أقوال الأستاذ ومواقفه )

    ( لن نسمح للص أن يسرق عقائدنا ) :
    مقولة رائعة تحدث عنها الأستاذ المخلافي في خطبة له فكان مما قاله : لن نسمح للص أن يسرق عقائدنا مطلقاً ولو زخرف أمامنا الزخارف ، وحلى مبادئه بالحرير وبالملابس اللامعة ،فإننا سوف ندرك بأن إسلامنا هو حياتنا .. بأن إسلامنا هو مماتنا .. بأن إسلامنا هو الذي سوف يقودنا إلى الله عز وجل.

    ( الدعوة لا تحتاج إلى الشخصيات المرقعة ) :
    كلمة اجتزأت من رسالة أرسلها الأستاذ المخلافي إلى أحد تلامذته في الكويت ، وأوصاه فيها بالجد والمثابرة في دراسته ، وأن يبرز في مجاله حتى يكون أحد الدعاة المؤثرين . ثم بين له أن دعوة الله تعالى لا تحتاج إلى الشخصيات الضعيفة المهلهلة ، فإن من لا يحسن الاختيار لنفسه لا يحسن الاختيار لغيره ، وفاقد الشيء لا يعطيه .

    طريق كسب القلوب وتآلفها :
    كان الأستاذ المخلافي يردد كثيراً على مسامع إخوانه من الدعاة إلى الله تعالى ، أن الطريق لكسب قلوب الآخرين يمر عبر دروب من المبالغة في احترامهم ، والقيام بخدمتهم ، وحبهم ومع الرفق بهم والحكمة في دعوتهم والصبر على ما يصدر منهم .
    ومن عرف الأستاذ المخلافي عن كثب لا شك أنه لاحظ هذه الصفات التي ذكرها وأكد عليها وكانت أخلاقاً وصفاتً عملية يتحلى بها المخلافي في تعامله مع الناس .


    مما قيــل عن الأستاذ المخلافي

    ( أدركوا البنا الثاني )
    لما علم حاكم مصر أن المخلافي فاتهم في مصر أولاً .. ثم في اليمن ثانياً .. حنق على أتباعه وأذياله فقال لهم : أدركوا البنا الثاني .
    فهو يعلم كما يعلم زبانيته مدى تأثير المخلافي على الطلاب جميعاً في الأزهر، وعلى الطلاب اليمنيين بصفة خاصة ، وكيف لا يعرفون تأثير المخلافي وهم الذين كانوا يرصدون حركاته وسكناته ، ويسجلون عليه كل شاردة وواردة ، ولهذا فهؤلاء هم أعرف الناس بالمخلافي .
    ولهذا وصفه بأنه كالإمام حسن البنا ( رحمه الله تعالى ) في تأثيره ، والبنا غني عن التعريف .

    ( الزبيري الصغير )
    والمقصود بالزبيري أبو الأحرار الشهيد/ محمد محمود الزبيري وهو شاعر اليمن وخطيبها ، وهكذا ـ بهذه الصفة ـ عرفه جميع اليمنيين ، وكلمة ( الزبيري الصغير ) قالها رئيس المجلس الوطني السابق الشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر يصف بها الأستاذ/ المخلافي ، لما سمعه يخطب في أعضاء المجلس الوطني ،ومما يذكر أن الأستاذ المخلافي وصل إلى اليمن بعد استشهاد الزبيري بحوالي أربعة أشهر .

    ( رائداً ممتازاً )
    وصفه الأستاذ/ زيد بن علي الوزير في كتابه ( محاولة لفهم المشكلة اليمنية) فقال :( … رائداً ممتازاً من رواد الحركة الإسلامية ) .

    من كلمات المخـــــلافي :
    ( إننا لا نعادي أشخاصاً .. ولا نعادي حكومات .. وإنما نعادي الألوهية لغير الله .. ونعادي التقديس لغير الله .. نعادي أن يراد لنا عبودية للإنسان من دون الله ) .
    ( نحن لسنا ضد أشخاص .. ولسنا ضد ثقافة معينة .. إنما نحن ضد انحراف في الفكر .. ضد انحراف في الرأي .. ضد انحراف في العقل .. ضد انحراف في المفاهيم .. ضد انحراف في فهم واقعنا وحياتنا التي نعيشها على أساس من الإسلام .. والتي قالت عنها ثورتنا في أول يوم من أيامها إن من أهدافها الأولى العودة إلى الشريعة الإسلامية الحقة ).
    ( أنتم الجماهير .. وأنتم الذين ينطق باسمكم .. لا بد أن يكون هذا البند أو هذا الهدف هو مطلبكم من أجل العودة إلى شريعة الإسلام الحقة ).
    وفي صحيفة ( الجمهورية ) وتحت عنوان ( دين بلا كهانة ) وفي الحلقة الثانية من دين بلا كهانة قال :
    ( الإسلام بكل ما فيه من تعاليم وإرشادات وأحكام وتوجيهات يعني التحرر بأوسع معانيه ، وأدق تفصيلاته مع أحكم وأحسن مفاهيمه ابتداءً من داخل النفس الإنسانية التي تتحرر بالإسلام من كل أهوائها ، وشهواتها الضارة .. وتتخلص بصلتها بالله من كل عوامل الضعف ، والذل ، والقلق ، والاضطراب .. وانتهاء إلى معترك الحياة بمجالاتها المختلفة .. وقواها المتعددة المتصارعة التي يوجب الإسلام على معتنقه أن يخوضها مقتحماً بوعي كل مجالاتها ، مقابلاً بحكمه .. كل هواها .. مستفيداً دائماً من كل تقلباتها .. مستعيناً على كل ذلك بقوة صلته المباشرة بالله الذي بيده كل شيء .. وإليه مصير كل شيء ..القائل : ( ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ) وكلما تعمقت عبودية الإنسان لله كلما أحس بكمال تحرره ... )
    وفي هذه الحلقة يصف الإنسان المسلم بقوله :
    ( وهو قبل هذا ذو نفس صافية وقلب طاهر نقي ، وعقل نابه يقظ ، وحساسية إيمانية مرهفة ، لا ينخدع ببريق الشعارات ، ولا تنطلي عليه بهارج التضليلات .. يحارب الدجل ، والشعوذة ، والتسول باسم الدين .. ويمقت الحذلقة الكاذبة .. والمظاهر الزائفة ، والادعاءات الواهية الباطلة ، وهذه بعض من صفات التحرير الذي يغرسه الإسلام في نفوس معتنقيه ….. إلخ ) .

    استشهــــــــاد المخـــــلافي :
    في يوم الأحد من شهر مايو سنة 1389هـ/ 1969م كان الأستاذ/ المخلافي عائداً من صنعاء إلى تعز ، وبرفقته صديقه الطيب (عضو المجلس الوطني) صادق منصور بن نصر، وزوجة الأستاذ/ صادق ، ومع الأستاذ/ المخلافي طفلته (خديجة) وأخ زوجته - وكان طفلاً صغيراً- وبرفقتهم شخصية معروفة من صنعاء، وسائق السيارة الذي كان زميلاً للمخلافي في المجلس الوطني .
    وكانت السيارة من نوع فرنسي يسمى ( بيجو ) أي الأسد ، ولها رقم حكومي، ووقع لهم حادث لا يزال مجهولاً إلى اليوم في مكان متوسط بين مدينة ذمار ومدينة معبر .
    ولم يصب في الحادث المجهول ـ غير الأستاذ المخلافي وصديقه الأستاذ/ صادق ، ونجا الآخرون جميعاً وأسعف الاثنان إلى مدينة صنعاء .. وهناك لفظا أنفاسهما الأخيرة رحمهما الله تعالى .

    يوم حــزن :
    نزل نبأ استشهاد المخلافي على مسامع الصالحين ، وعلى مسامع الشعب اليمني كله كما تنزل الصاعقة.
    وبكاه الصالحون كما لم يبكوا أحداً من قبله ، بكوه بأرواحهم وأفئدتهم كما بكوه بعيونهم .
    هل سمعتم عن بكاء الروح والقلب ؟ إنه بكاء وإنه حزن لا يعرفه إلا من فقد في لحظة واحدة مفاجئة .. الأخ الناصح .. والأب الشفيق .. والأم الرؤوم .. والصديق العزيز الوفي ، والمعلم المحب .. والمربي الحكيم .
    وكيف لا يبكون ولا يحزنون عليه حزناً عظيماً لا يوصف ؟ وهم فقدوا ـ بموت المخلافي ـ رجلاً قل نظيره في الناس .. بل قل نظيره في الرجال .. يفقدونه وهو في ربيع عمره .. وفي ريعان شبابه .. لقد حزنوا عليه حزناً عظيماً .. لأنهم افتقدوا بموته رجلاً أحيا الأمل في نفوسهم .. ودفعهم للعمل في الدعوة إلى الله تعالى .. ورسخ في أذهانهم مفاهيم إسلامية غابت عنهم دهراً.
    وكيف لا يحزنون حزنهم العظيم وهم يلتفتون يمنة ويسرة فلا يجدون ربان سفينة الدعوة الذي قادها وسط الأمواج العاتية .. وشق الطريق الوعر أمامها .. وعرف كيف يقودها بحكمة وثبات ويقين .

    قصيدة رثاء للشهيد المخلافي
    للشاعر/ عبد الهادي سعيد عبده :

    أسلم الروح للرؤوف الرحيم يالهول المصــاب فقد زعيم
    وأصبح العز بائساً كاليتيم غاب ( عبده ) فشل مجد بناه
    يرفع الشأن لكتاب الحكيم يا زعيماً إلى المعالي تفــانى
    باتئاد ونور عقل سليم كنت تبني صرحاً لدين حنيف
    وسعيت على هدى مستقيم ذًدت عنه مناصراً لــهداة
    لجحود أتى برأي سقيم ما وهنت وما ألنت قنــاة
    وأصيبا برزء خطب جسيم يتم العز والفضيلة ثكــلى
    فرحلت إلى نعيم مقيم يوم غبت عن السعيدة شاباً
    يستضاء بنوره في البهيم كيف لا وأنت مشعل نـور
    لم تبال بكيد خصم خصيم قمت بالحق داعيـاً مستميتاً
    فطعنت أعداءه في الصميم ثرت لله غيرة واحتســاباً
    عربياً ببطن أًم رؤوم وتواريت رافع الرأس شهماً
    جسداً وروحك في النعيم طيب الله تربـةً أنت فيـها
    جاءها باسماً بوجه وسيم إن (صنعاء) توسمت فيك إلف
    وطوتك مع صديق حميم فهوتك صنعــاء حياً وميتاً
    فتغاري على حبيب قديم لستِ (صنعاء) بِضُرة ( لتعز
    فجأة بين ( معبر ) ويريم رام وصلاً فعالجته المنايــا
    فاحزني يا تعز ثم هيمي قدر حال دون خير لقــا
    ففداك بألف جلف ذميم ليت جبريل شافع عند ربي
    لشفيت صدورنا من غيوم آه لو عشت بعدها لحظات
    من بلاء بعصر يوم شؤوم ؟ ليت شعري ماالذي قد دهاكم
    إصطدتك بفخ طاغٍ أثيم ؟ إنقلاب سيارة أم ذئــاب
    فالكلاب تحب أكل اللحوم لا جدال وليس ذا ببعيـد
    ليذوقوا عذاب نار الجحيم قتلوك وأنت مرشد جيـل
    كل عين فخل عين اللئيم ظلم الكون معنوياً فأبكى
    وبلاهم بريح سبع عقيم قطع الله حبلهم ورجاهم
    مستظلاً بظل رب كريم فإلى الخلد يا كريم السجايا



    من إصدارت دائرة الاعلام والثقافه للتجمع اليمني للاصلاح
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-03-15
  3. البأف

    البأف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-02-22
    المشاركات:
    1,614
    الإعجاب :
    0
    شهيد القرآن عبده بن محمد المخلافي





    لمحة عن بعض مآثر شهيد القرآن
    عبده بن محمد المخلافي - رحمه الله



    المقدمة :

    الحمد لله الذي أفاض علينا سوابغ نعمه الجسام ، وصلى الله وسلم على صفوته من خلق محمد وآل بيته الطاهرين وصحابته الراشدين وبعد :
    فهذه لمحة فرض علينا أن ننوه بها وفاءً لبعض ما علينا من واجب نحو أخ لنا اختصه الله بصفات أهلته وهو في ريعان الشباب ومقتبل العمر لحمل أعباء الدعوة إلى الله ، وهو الأخ الصالح المصلح عبده محمد المخلافي - رحمه الله وأسكنه رحاب جنته الواسعة - وكم يحلو لي الحديث عن عبده محمد لأنه من أبرز وأعظم الأخوة الذين تربطني بهم آصرة الحب في الله ، وقد شكرت الأخ الدكتور نجيب غانم رئيس الدائرة الإعلامية بالأمانة العامة للتجمع اليمني للإصلاح على كرم عواطفه حين طلب مني تحرير مقدمة لما تكرمت به الدائرة من نشر بعض صفحات مشرقة من حياة شهيدنا المرحوم ، الذي ترك في نفسي آثاراً لا أنساها حينما أتيحت لي مزاملته بضع سنين من أول 1963م إلى أن اختاره الله إلى جواره شهيداً مرضياً في أول عام 1970م تقريباً .
    وكانت معرفتي به في القاهرة فقد اتصلت به عن طريق الهاتف ، فوافاني إلى حيّ الدقّي حيث التقينا في رحاب الله على حبه ،ومنذ تلك اللحظات فرضت شخصيته المحبوبة المؤثرة عليّ حبه والتعلق به ، لأنه من معدن نادر الوجود ، وقد اكتشفت بمعرفتي له أعظم وأغلى كنـز كنت أبحث عنه ، فقلت في نفسي عقب اللقاء الأول به : لعله سيكون لهذا الشاب أثر في نفسي ، متميزاً ، تتوصل به إلى آفاق إيجابية عملية في مجال الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى . لقد كان شهيدنا رحمه الله متميزاً بالقدرة في التأثير على معاريفه ، ومن يعاشرهم ، ممن جمعهم الله على الاستجابة لنور هدايته ، ومما أكد هذه الحقيقة أن شهيدنا عمل على نمو علاقتي به ، بأكثر من وسيلة ، منها تحديد موعد للقائي به إما في محل سكننا في الدقي أو في محل سكنه بمدينة البعوث الإسلامية - هذا جانب - ومن الجوانب الأخرى اهتمامه في تهيئة أجواء كنا نجتمع فيها ببعض شباب تلك الأيام ، مثل الأخ الدكتور عبد الغني قاسم الشرجبي وعبد السلام خالد ، وغيرهما ، كما كان له فضل في تزويدي ، بألوان من زاد المعرفة الثقافية الإسلامية النافعة ، وذلك بحضورنا في عدد من اللقاءات والمحاضرات ، التي كان يلقيها كوكبة من رواد الفكر الإسلامي ، مثل: الشيخ محمد الغزالي في مسجد أسد بن الفرات ،والدكتور عيسى عبده في المساجد وبعض الكليات ، والشيخ محمد أبو زهرة ، وبعد أن توطدت بيننا علاقة الإخاء المتميز كنت لا أستطيع مخالفة أي مقترح للأخ/ عبده محمد ، فقد تركت شخصيته وأخلاقه في نفسي آثاراً جعلتني أحس بأنه أصبح من عوامل اليقظة التي كنت في حاجة إلى تعمق مفاهيمها في أعماق نفسي ، حتى تحولت من فرد معجب بالدعوة والدعاة إلى فرد مؤمن بوجوب الحصول على كل وسيلة تؤهلني لخدمة الدعوة ، بحسب إمكاناتي المحدودة ، ومن بركة هذه الدعوة أنها محور الارتقاء بالجنس البشري بكل من أيَّد وجنَّد نفسه لخدمتها ، وخلال صلتي بأخي عبده محمد المخلافي أكرمني الله بالتعرف إلى فاتح أبواب الرقي الدعوي الشهيد/ سيد قطب رحمه الله تعالى الذي ترددت لزيارته نحو عام من أواسط 1964م إلى نهاية شهر مايو 1965م ، فانتقل بنا إلى تيار جاذبيته المؤثرة من مجرد معجب بالدعاة والدعوة إلى مسلم واعٍ يحس بوجوب إسهامه في خدمة الدعوة بحسب ما رزقه الله من المواهب ، وقد كنت أذهب لزيارته وزيارة الشيخ محمد قطب قبل أن أُعلم الأخ عبده محمد فلما أعلمته أصرَّ عليَّ في المرافقة فرافقته ، والتقيت أنا وهو بالشهيد في بعض أيام رمضان من نفس العام في منزله بحلوان ، وكما يقال في المثل أنَّ أحداً لا يعجبه أن يكون أحدٌ أكمل منه إلا الأب الحنون بأولاده ، فكذلك فإن أقوى رابطة وأقوى حنان ما يودعه الله في قلوب الأخوة المتحابين فيه ، فقد سألني الشهيد/ سيد قطب بانفراد عن الأخ/ عبده محمد الذي يزورهم لأول مرة فقلت على الفور هذا أفضلنا ، وخير من أنجبته اليمن إلى الآن من الشباب الإسلامي المستنير ، وقد كنا نذهب لزيارة الشهيد حسب مواعيد لنا نحددها ، وعند زيارة الأخ عبده محمد للشهيد في آخر مايو 1965م التقيت به في رحاب الشهيد على غير موعد ، وكانت جلسة انتقلت بنا من عصر جاهلية القرن العشرين إلى حضارة عصر النبوة ، فكنت أشاهد أبا بكر رضي الله عنه وهو يتحدى عالم الشرك والوثنية بمثل قوله: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ذلك ، ومما دار في خلدي أثناء تلك الزيارة تأكيد الشهيد سيد قطب لنا بقوله : إن المذاهب الهدامة لن يطول بها الوقت وإنها مشرفة على الانقراض وعلى رأسها الشيوعية التي ستنهار خلال 25 سنة

    وصول الشهيد إلى اليمن وبعض أنشطته:

    بعد أن ألقت السلطات الناصرية القبض على الشهيد سيد قطب ، فوجئ الأخ/ عبده محمد بإلقاء القبض عليه لأنه كان مرصوداً من قبل مباحث التعسف الناصرية ، وبإغراء من حثالات الشيوعيين المنتسبين إلى اليمن ، وقد فوجئت به ، واقفاً على باب وزارة التربية والتعليم وهو لا يعرف غير أخيه حسن الذاري، وقد رجحنا أن نلتقي بوزير التربية قاسم غالب أحمد ، الذي كان من أعمدة تسلط النظام الناصري لأن صلتنا الشخصية به كانت سليمة ، لأنه كان يأمل في تأييدنا له ، رغم تباين الاتجاهات وتنكره للأستاذ الزبيري ، وتشبثه بإخوانه كما كان يقول ، وقد حاولنا ستر موضوع اعتقال الأخ/ عبده ووصوله مطروداً ، وقلنا إنه قد أكمل دراسة المرحلة الثانوية بالأزهر، ويفضل أن يخلد إلى راحة يعد فيها نفسه للمرحلة الجامعية ونرجوا أن يُصدر به إلى إدارة التربية في تعز ، وتعيينه مدرساً فوافق على ذلك ، وفي تعز بدأ الشهيد يواصل مسيرته الدعوية ، وخلال بقية عام 1965م لفت أنظار المتربصين بنشاطه وإقبال الناس عليه ، وحين اشتدت وطأة الإرهاب الناصري على اليمن ، واليمانيين سنة 1966م تعرض الشهيد للإيذاء والاعتقال ، وزرته بمرافقة الأخ/ هيال فرحان عبد السلام وهما معتقلان في حبس وزارة الداخلية بصنعاء ، ولكن معنوياتهما عالية ، وقد خففت عليهما بقولي : إن التعرض للأذى في سبيل الله هو الضريبة التي لا بد أن يؤديها ويصبر عليها الدعاة فلا يضركم الأذى .
    وبعد انقشاع الغمة سنة 1967م وفشل الناصريين وهزيمتهم على أيادي أعداء الإسلام " اليهود " ومن ساندوا ويساندوا كل الناقمين والحاقدين على الإسلام ، بعد ذلك حدثت تطورات أطاحت بالنفوذ الناصري وتنفست اليمن الصعداء ، وتم تعيين الأخ/ عبده محمد مديراً عاماً للتربية في تعز ، ثم عين عضواً في مجلس الشورى بعد انقلاب 5 نوفمبر سنة 1968م إلى أن استشهد … وقد شهدت له الساحة حضوراً متميزاً توسعت به دائرة الدعوة وهزت به أعمدة العناصر المعادية للإسلام والمسلمين .


    ضرورة الاهتمام بنشر تاريخ وآثار إخواننا الراحلين رحمهم الله :

    ومن الأهمية بمكان أن تتظافر جهودنا جميعاً للكتابة والنشر عن إخواننا الراحلين من العلماء والدعاة لا سيما الذين أثرَّت حياتهم في إصلاح المجتمع مثل الشهيد/ محمد محمود الزبيري ، والعالم الرباني الشيخ/ محمد سالم البيحاني ، والقاضي العلامة/ يحيى بن لطف الفسيل ، ويحيى الأشول .. ومن العلماء الذين ساهموا في التدريس بالمعاهد .. الأخ العلامة الأواب/ محمد مشعوف الأسلمي -رحمه الله- صاحب المواقف الشجاعة ، والعلامة أحمد بن أحمد سلامة ، والشهيد المؤثر/ عبده محمد المخلافي ، وغيرهم من السلف ، والمجدد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير ، والإمام محمد بن إسماعيل الأمير ، والإمام محمد بن علي الشوكاني ، والعلامة أحمد بن عبد الوهاب الوريث رئيس تحرير مجلة الحكمة اليمانية ، والشهيد زيد بن علي الموشكي وغيرهم ،لأن في إحياء ذكراهم دروساً وعبراً وموعظة وأسوة تستفيد منها الأجيال لاستمرار مواكب الدعوة تصديقاً بقول الحق سبحانه ]وآخرون منهم لما يلحقوا بهم( . وأود الصفح ، فقد أطلنا ولي مع الشهيد مواعيد أخرى
    .
    حسن بن يحيى بن علي الحسني الذاري


    صباه ونشأته الأولى في القرية :
    نشأ الشهيد منذ نعومة أظفاره على الكدر والتعب وشظف العيش فقد ماتت أمه وهو في بداية صباه .
    وكان والده فقيراً فلم يقدر على تعليم ابنه ، واعتمد الوالد على ابنه في رعي الأغنام ،وكانت حياة الطفل في تلك الأيام تبدأ من بعد صلاة الفجر يومياً حين يؤديها مع والده ، ثم يأخذ أغنامه ويتجه بها إلى المرعى ولا يعود بها إلا مع الغروب ، وعلى هذه الوتيرة سارت حياة الطفل .
    ولكن الطفل كان طموحاً ولم يقنع بالحال التي هو فيها فقد كان يتطلع للتعليم ، وكم كان يحز في نفسه ويتألم من أعماقه حينما يشاهد أطفال القرية يروحون ويغدون إلى معلم القرية فيتوق أن يكون مثلهم ، وكأن لسان حاله يقول : إنني لم أخلق لرعي الغنم فقط .. ولكن لرعي الأمم أيضاً .
    وأخذ الولد يلح على أبيه طالباً منه أن يتيح له الذهاب إلى معلم القرية ، وعلى الأقل أسوة بأطفال القرية ممن هم في سنه ، ولكن الوالد يمنع ولده من ذلك معللاً منعه بالفقر .. وظل الأمر كذلك .. حتى قيض الله تعالى أحد الأقارب فأخذ الطفل ودفعه إلى معلم القرية وظل الطفل يتعلم على يد المعلم فترة من الوقت ، ثم عاد إلى الرعي من جديد.. ثم درس في المعلامة" كُتًّاب القرية ".


    النبوغ المبكر :
    مكث الشهيد في المعلامة حوالي أربع سنوات تعلم فيها القرآن الكريم وشيئاً من أوليات العربية والحساب ، وتلقى في هذه الفترة قراءة القرآن الكريم كله ، وحفظ خمسة عشر جزءاً منه عن ظهر قلب.
    وإذا كان المثال يوضح المقال .. فإنني هنا أقارن بين الشهيد وبين أترابه لنعرف نبوغه المبكر . إن أقرانه وأترابه يصير أحدهم بعد أربع سنوات من دخوله المعلامة متقناً لبعض السور القصار من جزء عم، قراءة وحفظاً ، وقليل منهم من يصل بقراءته للقرآن الكريم إلى نهاية جزء تبارك .
    أما الشهيد فقد كان طرازاً آخر من الأطفال ، ولهذا وجدناه خلال فترة أربع سنوات يستوعب ويفهم أكثر ما يستوعبه طفل آخر في نفس المدة .
    وقد بدأ القدر بالشهيد منذ نعومة أظفاره بداية عجيبة تدل على ما سيكون له من مستقبل عظيم ، فالبدايات تحدد النهايات ، والمثل الشعبي اليمني يقول : الديك الفصيح يصيح من البيضة - أي يكأكأ - وهو لما يزل في داخل البيضة.
    وما أعظمها من حياة تفتتح بالقرآن الكريم فيكون هو أول ما يرسخ في الذهن والذاكرة ، ومن هنا تتفتح وتثمر ثماراً صالحة وطيبة ، وما ينبغي للقرآن الكريم إلا أن يصنع كذلك . وليت الآباء يحفظون أبناءهم القرآن الكريم منذ نعومة أظفارهم ، فهو الذي نفتتح به سائر أعمالنا .. في كل يوم .. وفي كل مناسبة .. فإن عاشوا .. عاشوا وهم سعداء .. وإن ماتوا .. ماتوا على خير حال وأسلمه
    ..
    ينبوع العبقرية :
    منذ أن عرف الشيهد نفسه في صباه عرفها وهو يتيم لا ينال ما يناله أترابه .. عرفها وهو فقير .. يفتح عينه ويغلقها على منظر واحد هو منظر الغنم التي كلف برعيها .
    فهو إذاً في تعب وكد ومشقة .. لا يعرف اللعب واللهو كما يعرفه أقرانه .. وأنى له ذلك ؟ ولقد كانت هذه الحياة الفقيرة مع ما واكبها من تدين فطري .. ثم تعلم القرآن الكريم .. ثم مواظبة وحرص على القيام بتعاليم الإسلام ، وعلى ذلك نشأ وترعرع .. فكانت هذه الحياة – لطفولته في القرية – بتلك الكيفية هي التي أهلته للحياة المستقبلية .. ووضعت فيه الصفات والخصال التي أوصلته إلى مصاف العظماء والعباقرة .

    هجرته إلى مكة المكرمة :
    بدافع العوز والحاجة والفقر اضطر والد الشهيد أن يدفع بابنه إلى طريق الهجرة طلباً للرزق، وهكذا جرت العادة ومازالت عند كثير من أهل اليمن .. وخرج الشهيد مع قافلة من أبناء قريته متجهة إلى مكة المكرمة في عام 1373هـ 1953م .. وصحب الوالد ولده .. وخرج مع القافلة ليودعه بعيداً عن القرية كما كان يفعل الأهل والأقارب عند توديع أهلهم وأقاربهم.

    المعاناة الأليمة :
    وفي مكة المكرمة حط الشهيد رحاله مع رفقته في السفر .. وحط معهم الجوع رحاله ، بل ولازمهم ملازمة الظل لصاحبه .
    ولا تسل عن الأيام التي طووها على الجوع ، حتى إن أحدهم ليخال الرغيف على البعد هلالاً .. ولم يكن أمامهم غير ماء زمزم وحده .. فكان لهم قوتاً وغذاءً بل وكل شيء في حياتهم .. وأخذ الشهيد يبحث عن عمل -أي عمل كان- فما خرج مهاجراً إلا لطلب الرزق .. ووصية والده ما تزال تلوح في نفسه .. وما يزال صوت والده يرن في أذنيه أن يجمع مالاً ليشتري به بندقية من نوع اشتهر قبل الثورة في اليمن .. كانوا يسمونه بندق أبو ناظور .. وما أدراك ما السلاح في اليمن .. إنه يعد من الضروريات .. وقد يصبر اليمني على أي شيء لا يقدر على امتلاكه حتى الطعام نفسه .. ولكنه لا يصبر عن السلاح أبداً .. لأن السلاح هو الدليل على رجولته وشجاعته .. وبه يتباهى ويتفاخر أمام الناس .. وهناك أمر آخر أوصى به الوالد ابنه وهو أن يجمع مبلغاً آخر من المال لينفقه على زواجه .. وعامة أهل اليمن يزوجون أبناءهم مبكراً .. وهي عادة طيبة ثبت واقعياً حتى الآن أن محاسنها أكثر من مساوئها بكثير .
    وقد واصل الشهيد بحثه عن أي عمل ولما لم يجد عملاً في مكة المكرمة .. أخذه فاعل خير مع بعض رفقته إلى جدة .. وهناك عمل في البناء ونقل أدوات البناء .. وسرعان ما ترك عمله هذا .. وعاد إلى مكة المكرمة .. لأن الشهيد في قرارة نفسه كان يأمل بأمر آخر تماماً .. وهو أمر لا علاقة له بوصايا والده التي كانت مسايرة للواقع ومن باب الاضطرار .
    لقد أخفى الشهيد ما كان يأمله في قرارة نفسه .. ولم يبح بهذا الأمر لأحد .. ولكنه ظل يعتلج في نفسه ، حتى تغلب هذا الأمر على كل ما عداه ، فما هو هذا الأمر ؟

    طلب العلم :
    لقد كان الشيهد يتوق إلى طلب العلم ويحن إليه شوقاً كما تشتاق الأرض المجدبة للمطر .. ويحزن لفقده كما تحزن الأم الثكلى لفقدان ولدها الوحيد .
    وأخرج الشهيد ما كان يخفيه في قرارة نفسه باحثاً عن سبيل إلى العلم فكان من توفيق الله تعالى له أن حصل على مكان بين طلاب العلم في الرباط اليماني في الحرم المكي .. ثم انفتحت أمامه الأبواب المغلقة .. وجاءه الحظ يسعى .
    فقد التحق الشهيد بدار الحديث .. ثم التحق في العام التالي بمدرسة ليلية .. الدراسة فيها مجانية .. في الصف الرابع الابتدائي .. وحافظ على أعمال أخرى ستذكر بعد قليل - إن شاء الله .

    الواجبات أكثر من الأوقات :
    ومنذ أن تبسم له الحظ وواتته الفرص ، نراه لا يضيع لحظة واحدة دون عمل ما أو قراءة واطلاع .. فقد شغل أوقاته كلها .. ولم يبق لديه فراغ مطلقاً .. وكلمة الفراغ لا توجد في لغة أصحاب الهمة ، فلا يوجد فراغ .. أولا يشكو من الفراغ في حياته إلا عديم الهمة أو ضعيفها .. وأما الشهيد فأنى له أن يفرغ ! وكيف يفرغ أمثاله ممن يحملون الهموم بآلامها وشدتها !؟
    والشهيد حمل من الهموم عظيماً وكثيراً فمنها : همَّ الغربة عن وطنه .. وهمَّ طلب العلم .. وهمَّ توفير الحد الأدنى من الرزق لأهله .. ثم همَّ الهموم ألا وهو إبلاغ الناس دعوة الله تعالى وتعليمهم أمور دينهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولقد كان الشهيد منذ بدايات حياته في مكة المكرمة يحس إحساساً قوياً – ترجمه واقعاً كما سنرى بعد قليل – بأن أمر إبلاغ الناس وتعليمهم والقيام بأمر الإسلام قد يكون نفلاً وندباً على سواه من الناس، أما عليه فهو فرض عين وواجب محتم .
    ومع أنه كان يومها ضعيف البنية نحيلاً ، ولكنه يحمل بين جنبيه نفساً ذات همة عالية وعزيمة صارمة .
    وإذا كـانت النفـوس كبـاراً تعبت في مرادها الأجسام
    وكأن لسان حاله يقول :
    ومن عرف الحقائق مات هماً وإن طـلب الإقالة لا يقال
    لقد جمع الشهيد عدة أعمال في وقت واحد .. والعجيب أنه لم يخلّ بأحدها على حساب آخر .
    وان كان المثل الشعبي اليمني يقول : صاحب الحرفتين كاذب -أي من يجمع بين عملين فهو كذاب - لأنه ليس باستطاعة إنسان أن يجمع بين عملين في وقت واحد .. وهذا المعنى صحيح إذا كنت تخاطب عامة الناس .. أما إذا كنت تخاطب شخصية من طراز الشهيد ،أو تتحدث عنه فالأمر يختلف عنده وعند أمثاله من أرباب الهمم العالية - على ندرتهم - وهم الذين تتكسر القواعد بين أيديهم ،وتتغير الآراء والمفاهيم الصحيحة .. لأن أرباب الهمم العالية لديهم طراز خاص من مقامهم ومستواهم من القواعد والآراء والمفاهيم.
    وقد جمع الشهيد بين هذه الأعمال :
    1- الدراسة بدار الحديث صباحاً .
    2- بعد الظهر درس في الحرم على يد بعض المشائخ .. ومنهم : الشيخ /علي سعيد الغيلي الذي درس على يديه كتاب التحفة السنية بشرح الآجرومية .. وفي الفقه درس متن أبو شجاع .. كما تعلم شيئاً من الفرائض على يد الشيخ نفسه .
    3- درس بالمدرسة الرحمانية مساءً .
    4- عمل مراسلاً في نفس هذه المدرسة .
    5- أمَّ الناسَ في مسجد " العتيبية " بمكة المكرمة .

    المشاركة بأعمال أخرى :
    وبالإضافة إلى ما سبق شارك الشهيد بكتابة المقالات في بعض الصحف السعودية مثل صحيفتي ( حراء ،والندوة ) ونجد مقالاته الصحفية في هاتين الصحيفتين خاصة في الأعداد الصادرة منها في الأعوام 75،76،1377هـ.
    كما أنه كان مشاركاً فعالاً ومؤثراً في الاحتفالات والمناسبات التي كانت تقيمها مدرسته الليلية " الرحمانية " .

    ( في القــــــــــاهــــــــــرة )
    الشهيد في القاهرة :
    لو أن شخصاً آخر غير الشهيد مكث تلك السنوات الخمس بعيداً عن موطنه وأهله وأحبابه ، لكان أول ما يخطر على باله هو أن يعود إلى وطنه ليتزوج وليبدأ في تكوين أسرة له .. ويعود إلى وطنه حاملاً ما غلى ثمنه وخف حمله .
    وهذا أمر واقعي ومعقول جداً فكل مهاجر لا بد أن يعود والحنين إلى الوطن - كيفما يكون - أصيل في النفوس .. ولو لا حب الأوطان لخربت البلدان .
    ولكن نفس الشهيد لم تكن تعرف ذلك ، لأنها نفس تطمح إلى المعالي وتكره سفاسف الأمور .. بل ولا تحب ما يحبه عامة الناس من مألوفات ومحبوبات في الدنيا .. فهو مثل عمر بن عبد العزيز في طموحه وتطلعه فقد طمح للزواج من الفتاة الصالحة فاطمة بنت عبد الملك فتزوجها .. ثم طمحت نفسه إلى الخلافة فوليها .. ثم تاقت نفسه إلى الجنة - أحسب أنه فيها ولا أزكي على الله أحداً .
    وأعود إلى صاحب الترجمة فأقول إنه تطلع إلى إكمال دراسته في القاهرة .. وبعد وقت قصير نجح الشهيد في الوصول إلى القاهرة وسافر إليها بالباخرة عبر جدة ثم بور سعيد .

    في مدينة البعوث الإسلامية :
    التحق الشهيد بالأزهر في الصف الثالث الابتدائي حسب نظام الأزهر القديم وهو يعادل الصف الأول الإعدادي .. ولبس الملابس التقليدية للطلبة الأزهريين وهي الجبة والطربوش الأحمر والعمة .
    ثم بعد شهور من التحاقه بالأزهر سنحت له الفرص أن يسكن في مساكن الطلاب بمدينة البعوث الإسلامية ، وكان الشهيد يحصل على منحة شهرية من الأزهر الشريف ومقدارها أربعة ونصف جنيه مصري ( ج.م ) وعاش عليها .
    ثم حصل على منحة من السفارة اليمنية مقدارها خمسة (ج.م) ، وبعد الثورة في اليمن اعتمدت لجميع الطلاب اليمنيين منح شهرية وزاد المبلغ الممنوح لكل واحد منهم فكان كل طالب منهم يحصل على واحد وعشرين (ج.م) وهي جملة ما كان يأخذه الفرد منهم من الأزهر أو من اليمن .
    وفي الأزهر مكث الشهيد يطلب العلم طوال ست سنوات تقريباً فنال فيها الشهادة الإعدادية الأزهرية .. وكاد يحصل على الثانوية الأزهرية لولا الأحداث المأساوية التي ستُذكر قريباً إن شاء الله تعالى .

    مع العلماء والمفكرين والزعماء :
    كانت الفترة التي قضاها الشهيد في القاهرة فترة مخاض، فيها تشكلت نفسيته ، ونضجت مداركه ، واستقام عوده ، وقوي خلقه .. وفيها ترسخت مفاهيم أساسية في ذهنه وأضحت دستوراً لتعامله مع الناس .. وباختصار فقد كانت تلك الفترة فترة تغيرات جذرية ، وتحولات كبيرة في نفسه وروحه وعقله .
    ولأن الشهيد كان ذا نفسية أليفة مألوفة محببة إلى كل من يلقاه أو من يعرفه ، فقد أقام الشهيد علاقات واسعة مع مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين والزعماء المعروفين آنذاك والمتواجدين في القاهرة أو الذين يزورونها سواء كانوا من أبناء مصر أو من أبناء العالم الإسلامي .
    وكان الشهيد يزورهم في منازلهم أو في أماكن أعمالهم أو يتتبعهم في محاضراتهم ودروسهم .. وسرعان ما يربط معهم علاقات وثيقة كانت مثار دهشة زملائه وإخوانه.. إذ كيف يستطيع طالب في المرحلة الإعدادية أن يقيم علاقات قوية مع كبار العلماء والمفكرين والزعماء .. وأي جرأة امتلكها الشهيد حتى يقوم بذلك!؟
    ومن العلماء المصريين الذين أقام معهم علاقات ودية وكان يزورهم باستمرار الشيخ/ محمد الغزالي ، الشيخ/ محمد أبو زهرة ، والشيخ/ سيد سابق ، والشيخ/ أحمد حسن الشرباصي، والأستاذ/ عبد اللطيف دراز، والأستاذ/ محمد قطب، والشيخ/ صلاح أبو إسماعيل عضو مجلس الشعب المصري الأسبق ، والدكتور/ عبد الحميد سعيد ، ثم اللواء/ محمد صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين ، والشيخ/ محمد بخيت المطيعي صاحب المجموع - أكمل كتاب المجموع الذي بدأ الإمام النووي في تأليفه ومات قبل أن يكمله .
    ومن مصر أيضا الأستاذ/ عبد الصبور شاهين والأستاذ/ البهي الخولي .. وغيرهم .
    ومن اليمن عرف العلماء والزعماء والمفكرين اليمنيين الذين عاشوا في القاهرة أو زاروها آنذاك ومنهم : الشهيد/ محمد محمود الزبيري ، والشيخ/ محمد سالم البيحاني رحمه الله تعالى الذي زاره مراراً في مقر إقامته في فندق (جراند هوتيل) في شارع فؤاد .
    ومنهم أيضا القاضي/ عبد الرحمن الإرياني رئيس المجلس الجمهوري الأسبق .. ومنهم أيضا الشيخ/ النقيب سنان أبو لحوم ، والأستاذ/ قاسم غالب أحمد .
    ومن الجزائر : عرف المفكر الإسلامي مالك بن نبي رحمه الله تعالى .. وكانت بينهما علاقات ودية .. وزاره مراراً في منزله . ومن العراق : عرف الأستاذ/ عبد الرحمن البزاز - كان يومها أستاذاً محاضراً في معهد جامعة الدول العربية - وكان يأخذ منه محاضراته أولاً بأول ، ومن سوريا الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري.
    ومن الباكستان العلامة الإمام أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى .. وزاره عدة مرات في مقر إقامته بالقاهرة لما زارها الأخير .
    ومن الهند عرف الأستاذ الأديب أبو الحسن الندوي .. أطال الله في عمره ، وعلى كثرة العلماء الذين التقى بهم أو سمع عنهم أو قرأ لهم الشهيد .. إلا أنه تأثر بأربعة منهم تأثراً بالغاً ، غير مجرى حياته وهؤلاء هم :
    1- الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله تعالى :
    فقد سمع عنه كثيراً من تلامذته في فترات متفرقة وكأنها ومضات في ليل بهيم يومض فيها النور .. كما أنه قرأ عنه برغم القيود الرهيبة التي كبل بها الإخوان المسلمون يومها .. كما كبلت أفكارهم وعلومهم .
    وتأثُر المخلافي بالشهيد البنا أمر بديهي ، فمن الذي يسمع بمجدد القرن الرابع عشر الهجري ولا يتأثر به !؟ ومن الذي لا يتأثر بشخصيته وهو الذي أجمع كل من قابله على صدقه وإخلاصه ، وشهادتهم له بإجماع –يعز عن النظير- أنه جمع شخصيات كثيرة في شخصية واحدة ، فهو المربي الخبير .. وهو الخطيب المصقع .. وهو الفقيه الفهامة .. وهو العالم المتفنن .. وهو السياسي البارع .. وهو القائد المحنك .
    2-الشهيد سيد قطب :
    صاحب الظِلال والمعالم ، والرجل الذي قدم روحه فداءً للقرآن الكريم .. وقد التقى المخلافي بالشهيد سيد قطب عدة مرات في منزله في الشهور القليلة التي أخرج فيها من السجن عام 1385هـ1965م بوساطة الرئيس العراقي عبد السلام عارف رحمه الله تعالى ، ولكن الشهيد سيد قطب أُعيد من جديد إلى السجن ليعدم بعد قليل من إعادته إليه .
    وكان المخلافي يمكث مع الشهيد سيد قطب أوقاتاً طويلة في منزله يسمع منه ويحاوره ، ثم تسلم منه نسخة من كتابه معالم في الطريق .. وقام بنشرها بين الطلاب اليمنيين الصالحين .. وذات مرة سأله الشهيد سيد قطب هل قرأت المعالم .. فأجاب المخلافي : نعم .. فقال سيد : إنك لن تفهمه أو تستوعبه حتى تقرأه ست مرات .
    مراقبة الخالق أو المخلوق :- ومن المواقف المؤثرة بينهما أن سيد قطب في تلك الفترة التي أخرج فيها من السجن .. وضعوا له أمام منزله مباشرة مخبراً سرياً لمراقبته على الدوام .. وكان المخبر يزاول ظاهراً كي الثياب (مكوجي) ومع ذلك كان سيد يخرج من منزله مرات كثيرة .. وذات مرة قال المخلافي للشهيد سيد قطب : أنت تعلم أنك مراقب ومع ذلك نراك تخرج كثيراً من منزلك فكيف تعرض نفسك للخطر ؟ فقال سيد رحمه الله تعالى : " إن الإنسان إذا راقبك فمن الممكن أن تتخلص منه ومن مراقبته .. أما الله تعالى فلا يمكن ذلك أبداً " .
    وقد كان سيد يعمل حيلاً عجيبة ليخدع بها المخبر فيخرج من منزله ويعود دون أن يشعر به .
    3-الإمام أبو الأعلى المودودي رحمه الله تعالى :
    والرجل الثالث الذي تأثر به الشهيد المخلافي هو المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان ، وبنجلادش ، وقد تأثر به من خلال قراءته لكتبه ، ثم من مقابلته وزيارته له في القاهرة حين زارها .
    4-الأستاذ الفاضل أبو الحسن الندوي :
    رئيس ندوة العلماء في (لكهنؤ- الهند) ، وقد التقاه في القاهرة لما زارها الندوي في نهاية الخمسينيات من هذا القرن الميلادي .
    ومن العلماء الذين تأثر بهم كثيراً وإن كان لا يرقى إلى درجة تأثير الأربعة السابقين .. الشيخ/ محمد الغزالي .. فقد قرأ الشهيد كتبه كلها .. وكان يستعيرها من مكتبة دار العروبة بالقاهرة .

    في صفوف الإخوان المسلمين :
    في الفترة التي قضاها الشهيد في القاهرة التحق بصفوف جماعة الإخوان المسلمين في الوقت الذي كان فيه أفراد الجماعة كلهم في السجون والمعتقلات ، والقلة منهم ممن لم يعثر عليهم تحت المطاردة .
    وفي هذا الجو المشحون بالظلم والسجن والمتابعة والقتل لجماعة الإخوان نجد الشهيد المخلافي ينضم إلى صفوفهم ، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على رجولة المخلافي وهمته وشجاعته ، ففي هذا الوقت يهرب الناس منهم إما خوفاً أو جبناً أو طلباً للسلامة والراحة ، أما هو فيعزم على الالتحاق بهم مهما كانت التضحيات ومهما كانت الأهوال والعقبات في الطريق .
    وقد كان للشهيد الزبيري أثر بالغ في استقطاب المخلافي إلى جماعة الإخوان المسلمين -لأن الشهيد الزبيري كان إخوانياً قديماً بايع الإمام الشهيد البنا نفسه - وقد مكث الاثنان معاً يعملان في جماعة الإخوان المسلمين دون أن يرتبطا عضوياً بالإخوان في مصر- كما يبدو - بسبب الظروف السيئة التي أحاطت بالإخوان حينها إلى أن سافر الشهيد/ الزبيري مع الشيخ/ عبد المجيد الزنداني إلى اليمن بعد قيام (ثورة 26 سبتمبر ) .
    وبعد ذلك مدت الحبال مع الإخوان المسلمين عن طريق الأستاذ/ عـبـده محـمد الـمخـلافـي نـفسـه عـند لقائه المتكرر كما تقدم مع الشهيد سيد قطب ، وبذلك وضع المخلافي حجر الأساس لبناء الإخوان المسلمين اليمنيين .

    مع الشهيد أبي الأحرار الزبيري :
    كان الشهيد الزبيري أباً روحياً ووطنياً لجميع أبناء اليمن وخاصة من كان منهم في مصر آنذاك ، وكان الزبيري يلتقيهم جميعاً بدون استثناء بحكم أنه أب للجميع - ولأن قضية الظلم والطغيان الإمامي المستبد قضية الجميع .. والتقى عليها الكثيرون من اليمنيين .. بالرغم من تباين اتجاهاتهم السياسية .. واختلاف ميولهم وآرائهم .. إلا أن علاقة الزبيري بالشباب المتدين خاصة كانت علاقة قوية ووثيقة بسبب اتجاهه الإخواني كما أسلفت .
    وكثيراً ما كان هؤلاء الشباب يعقدون لقاءات مطولة في بيت الشهيد الزبيري نفسه ، وكان بعضها يمتد إلى الحادية عشرة ليلاً ، وكان الشهيد المخلافي أحد أولئك الفتية المتدينين .
    وكان الزبيري يصطحب الشهيد في بعض جولاته في أنحاء القاهرة ومعهما بعض الشباب اليمني .. ويتجه الزبيري بهم إلى المقابر الواسعة في القاهرة حيث تقطن كثير من الأسر المصرية .. ويعلل لهم سبب اصطحابه لهم إلى هذه الأماكن بقوله :
    ( أكثروا من زيارة هذه الأماكن وأكثروا من الترداد عليها حتى تتعودوا عليها .. فإذا عدتم إلى بلدكم فلن تصطدموا حين تجدوا أشباهها هناك ) .

    مع الطلبة اليمنيين في القاهرة :
    تحرك الشهيد بين صفوف الطلاب اليمنيين .. وكان يزورهم في منازلهم ، وأستطيع أن أقول بثقة -إن شاء الله- إن الشهيد زار جميع الطلاب اليمنيين الذين كانوا في القاهرة إلى منازلهم وكان هذا شغله الشاغل ، وكان يشارك في الرحلات التي يقوم بها الأزهر ، وفي المخيمات أيضا ، وبديهي أن يشترك فيها بعض الطلاب اليمنيين فتكون فرصة للشهيد أن يربط علاقاته معهم .
    وحرص الأستاذ المخلافي على إقامة العلاقات بوسائل عدة ، ومن تلك الوسائل أذكر الآتي :
    الزيارات - كما تقدم - إلى المساكن والمنازل .
    المراسلة - وخاصة لمن بعدت المسافة إليه - وإرسال بطاقات التهنئة بمناسبة العيد ونحوه .
    حضور تجمعاتهم ومنتدياتهم .
    دعوتهم للحضور والتجمع في الندوات والمحاضرات العامة والاحتفالات ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم .
    التعاون في حل قضاياهم ومشاكلهم والعقبات التي تعترض طريق دراستهم وطلبهم للعلم .
    استقبال القادمين منهم لطلب العلم في أرض المطار (مطار القاهرة) .
    واختط الشهيد خطاً مميزاً للدعوة إلى الله تعالى بين صفوف الطلاب اليمنيين ، وأذكى شعلة الإيمان في نفوسهم ، وبث فيهم الحماس .. وأعاد الأمل إلى نفوسهم التي تحطمت على صخرات الواقع السيئ .. واستيقظ الكثير منهم فكانت صحوة إسلامية عارمة ضربت جذورها في أعماق نفوس الطلاب اليمنيين هناك ، وامتد أثرها إلى يومنا هذا .. وستظل -ان شاء الله تعالى- وقد انتقلت تلك البذور الأولى في القاهرة إلى اليمن وأتت ثمارها فيها .. بفضل الله تعالى .
    وقد لخص أحد الطلاب اليمنيين المعاصرين لتلك الفترة وممن أصبح له شأن رفيع في وطنه اليوم ، فقال عن الفترة التي قضاها الشهيد مع الطلاب اليمنيين في القاهرة ( إنها تمثل انبثاق فجر بعد ليل دامس فقد بدأت الأفكار الإسلامية تتحرك بين صفوف الطلاب اليمنيين وتجد لها أرضية قوية ثابتة ) .

    مع الطلاب من أنحاء العالم الإسلامي :
    ولم تقتصر علاقات المخلافي مع الطلاب اليمنيين فقط بل شملت علاقاته الوثيقة طلاباً كثيرين في مدينة البعوث الإسلامية ، وأقام الشهيد شبكة واسعة من العلاقات مع طلاب من الباكستان ، وافغانستان ، والفلبين ، وسوريا ، والأردن ، وماليزيا ، وفلسطين ، وجزر المالديف ، وغيرها .
    واليوم أضحى أولئك الطلاب قادة وإداريين في بلدانهم ، ومازالوا يذكرون الشهيد المخلافي بخير، وما من أحد منهم يلتقي في الخارج برجل من اليمن إلا ويسأله عن المخلافي وأين هو ؟ وماذا صنع ؟ فما يزال بعضهم لا يعلم بموته .

    في العطلة الصيفية :
    لم يكن لدى الشهيد وقت فراغ كما عرفنا عنه في مكة المكرمة ، وفي القاهرة كان الأمر كذلك .. وكانت العطلة الصيفية عنده فرصة سانحة للقيام بما لم يستطعه أثناء العام الدراسي .. وكان المخلافي يقضي العطلة الصيفية في الرحلات أو المخيمات الصيفية .. فإذا عاد منها قضى بقية العطلة في زيارات وربط علاقات مع الطلبة اليمنيين وغيرهم .
    والعطلة الصيفية بالنسبة للشهيد المخلافي لم تكن كما يعرفها ويفهمها بعض الطلاب أنها فترة فراغ (وتسكع) بل كانت فترة عمل دؤوب - وقد استفرغت الحديث عن ذلك - وكانت إحدى العطل هي بداية المرحلة الإسلامية العضوية في حياة الشهيد ، ففي مخيم أقامه الأزهر في عام 1378هـ1959م تقريباً في الاسكندرية التقى الشهيد في أثناء أيام المخيم بشاب فلسطيني من الإخوان المسلمين واستعار منه كتاب : شبهات حول الإسلام للأستاذ/ محمد قطب فأخذه الشهيد فرحاً جذلاناً .. وعاد ليقرأه مع زميل له في القاهرة .. وقرأه بلهفة ونهم غريبين ، ثم لما استوعبه ذهب يناقش وينافح عن الإسلام ويجادل به بعض الشباب الجامعي من اليمن وممن كانت لهم ميول يسارية أو قومية علمانية .. وهم بدورهم كانوا يحاولون استمالته إلى صفوفهم .. ولكنهم لم ينجحوا معه بل أفحمهم بحجته برغم أنه كان حينها في بداية المرحلة الإعدادية .. ولم يقرأ من الكتب الإسلامية التي ترد على الشبهات المثارة حول الإسلام غير كتاب محمد قطب الآنف الذكر .

    الندوة :
    مما يدل على تأثر المخلافي بالأستاذ/ الندوي أن الأول أسس مع إخوانه في القاهرة ندوة إسلامية على غرار ندوة العلماء في لكهنؤ بالهند التي يرأسها الندوي نفسه .
    وقد احتوت الندوة على عدة أنشطة وهي :
    •النشاط الثقافي والتربوي .
    •النشاط الاجتماعي .
    •النشاط المكتبي والإعلامي .
    •النشاط المالي .
    •العلاقات العامة .
    وكانت هذه الأنشطة بمثابة لجان متخصصة يرأس كل لجنة شاب ومعه مجموعة من الشباب يعاونونه في عمل اللجنة ، وكان الشهيد المخلافي يرأس الندوة كلها ، وكان نائبه فيها هو الأستاذ ياسين عبد العزيز حسن القباطي والذي قدم إلى القاهرة للدراسة في أواخر عام 1962م .

    تفاعل ومشاركة مع قضايا اليمن :
    تفاعل الشهيد مع إخوانه وزملائه الطلاب عموماً في قضايا اليمن وبالذات القضايا التي تمس حياتهم كطلاب أو حياة شعبهم وأمتهم .
    وأذكر موقفاً واحداً للتدليل على ذلك فقد حدث قبيل الثورة اليمنية في أواخر أيام العهد المباد أن حرض الشهيد الزبيري وغيره من الأحرار الطلاب اليمنيين فتحرك الطلبة - وشاركهم الأستاذ المخلافي - واحتلوا سفارة اليمن المتوكلية في القاهرة وظلوا فيها أحد عشر يوماً .. وكان ذلك في عام 1382هـ1962م. وكانت مطالبهم تتلخص في توفير المنح لهم ، والاحتجاج على الأوضاع السيئة في البلاد ، وأما الطلاب الذين لم يعتصموا في السفارة وظلوا خارجها فقد كانوا يقومون بإيصال الطعام والشراب والأشياء الضرورية إلى زملائهم المعتصمين ، وكان الأستاذ المخلافي من ضمن المعتصمين في السفارة .
    إحياء المناسبات الإسلامية :
    كان الشهيد يترقب مرور المناسبات الإسلامية وقدومها فإذا حان ميعاد قدوم مناسبة سارع للاحتفاء والاحتفال بها ، ودعا الطلاب لحضورها ودعا العلماء والخطباء للحديث عنها .
    وكانت المناسبات الأكثر إحياءً هي: يوم الهجرة ، ويوم مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ويوم الإسراء والمعراج ، ويوم بدر الكبرى .

    عقبات ومشاق في الطريق :
    استاء الطغيان وانزعج أيما انزعاج لما صنعه الشهيد المخلافي في ندوته ، وما حققه مع إخوانه من أعمال طيبة بين صفوف الطلاب .. وبعد مراحل من التضييق والمتابعة ومحاولات إلصاق التهم الملفقة نفد صبر الطغيان - وإن لم يكن له صبر في الحقيقة - وأصدر أوامره في ليلة - كعادته في إصدار القرارات ليلاً من ليالي سبتمبر سنة 1385هـ1965م وتقضي الأوامر باعتقال الأستاذ المخلافي مع ثلة من إخوانه الكرام .
    وتم حجزهم واعتقالهم ، وتركوا في زنازين فردية ، ثم فُتشت مساكنهم وغرف نومهم في مدينة البعوث الإسلامية .
    وقاموا بوضع الشمع الأحمر على باب غرفة الأستاذ المخلافي ، ثم عادوا مرة أخرى وفتحوها وصادروا كل ما فيها ولم يبقوا فيها شيئاً .
    أخي أخذوك على إثرنا وفوج على إثر فوجٍ جديد
    فإن أنا مت فإني شهيد وأنت ستمضي بنصر أكيد
    ومكث الأستاذ المخلافي بين أيديهم حوالي عشرين يوماً في زنزانة انفرادية بالقلعة .. وبين سب وإهانة وتحقيقات لا أول لها ولا آخر،ثم تم طرده وتسفيره من القاهرة وأركبوه باخرة منطلقة من ميناء بور سعيد وألقت مرساها في ميناء الصليف في اليمن .

    خطوط عريضة في حياة الأستاذ المخلافي بالقاهرة :
    في المدة التي قضاها الأستاذ المخلافي في القاهرة وقعت أحداث هامة أجملها فيما يلي :- ( بدون ترتيب زمني )
    • اجتماع موسع في شقة قرب الهرم بجوار أبي الهول لمجموعة من الطلاب اليمنيين ، وانبثق الاجتماع عن تكوين جمعية إسلامية للطلاب اليمنيين .
    • اللقاء مع الزبيري .. وقيام جماعة إسلامية أوسع وأكبر من سابقتها .
    • تأسيس مجموعة الطليعة العربية الإسلامية .
    • الارتباط العضوي بالإخوان المسلمين .
    وفي كل هذه الأحداث وغيرها كان الأستاذ/ المخلافي أحد الرؤوس الهامة بل هو الرأس الأول المدبر والمحرك .. ويليه الأستاذ/ عبد المجيد الزنداني في ظل ورعاية الأستاذ الزبيري .. الذي لم يكن متفرغاً للعمل الإخواني لأنه كان الأب الروحي لجميع اليمنيين على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وكان الشخصية الفاعلة الأولى المؤثرة في ( الاتحاد اليمني ) في القاهرة آنذاك قبل الثورة .
    وبعد أن قامت الثورة اليمنية .. وعودة الأستاذ/ الزبيري .. ومعه الأستاذ/ الزنداني إلى اليمن .. كان إلى جانب الأستاذ/ المخلافي في قيادة العمل بالقاهرة الأستاذ/ ياسين عبد العزيز حسن القباطي حيث كان نائباً له كما تقدم .

    ملامح وخطوط عن حركة الطليعة العربية الإسلامية :
    أنشأ الأستاذ/ المخلافي في القاهرة - مع بعض إخوانه - حركة طلابية إسلامية في عام 1383هـ 1963م تقريباً .. وعرض منهاجها الميثاق على السلطات المصرية فوافقت عليه .
    وكانت أهداف الحركة تتلخص في أربعة أهداف هي :
    1- الإيمان . 2- الجهاد . 3- العدالة . 4- الوحدة .
    وقد استطاعت الحركة منذ أول بروزها أن تقتحم الميادين التي احتكرتها الروابط الطلابية الإلحادية العلمانية .
    ودخلت مجال الانتخابات فنافست القوى الأقدم منها ، وفوجئ بها الآخرون كما فوجئوا بنجاحها دونما مقدمات تاريخية تبرر نجاحها .
    واستطاعت أن تسحب البساط من تحت الحركات العلمانية والإلحادية لأنها ذات أنفاس إيمانية وإسلامية قوية .

    حركة الطليعة العربية الإسلامية من منظور أحد المعاصرين :
    تحدث الأستاذ/ زيد بن علي الوزير في كتابه ( محاولة لفهم المشكلة اليمنية ) صـ126 عن حركة الطليعة فقال عنها :
    ( إن هذه الفئة إسلامية المنطلق والغايات ، وهي قوة إسلامية ناشطة .. فالجهود لا تزال منصبة لخدمة الإسلام ، ومحاربة دعاة المبادئ الغربية والشرقية على السواء .. أي أن الطلائعيين يشكلون بالفعل تحدياً خطيراً لكل التيارات المغايرة لطبيعة الحكم في الإسلام ) .
    ونقل الوزير شيئاً من ميثاق الحركة .. وعلق عليه .. وأقتطفُ مما نقله الفقرة التالية :
    ( حركة عربية تؤمن بالعروبة وعاءاً للإسلام .. وهي حركة إسلامية لأنها تؤمن بالإسلام روحاً للعروبة ) .




    ( في اليمـــــــن من جديـــــــد )



    الأستاذ المخلافي في مدينة تعز :
    كانت مدينة تعز ـ العاصمة الثانية لليمن ( قبل الوحدة ) وهي المحط الأخير للشهيد المخلافي بعد سفره من القاهرة ، وبعد أسفاره المتواصلة .. حط المخلافي رحاله في بناية المركز الإسلامي.
    فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر
    وقد تم قبول الأستاذ المخلافي في المركز الإسلامي بموجب توجيه صادر من وزير التربية والتعليم - آنذاك - قاسم غالب أحمد وحين استقر الشهيد المخلافي في المركز الإسلامي لم يكن يملك من حطام الدنيا شيئاً غير قميصه المهترئ على بدنه .
    واتخذ من المركز قاعة للدروس والمحاضرات ، وغرفة نوم ، وداراً يأوي إليه ، حتى رق له بعض المحسنين فأمدوه
    فأمدوه بشيء من المال والملابس بما يسد الرمق ، ويحفظ ماء الوجه .
    ثم تم تعيينه معلماً في إحدى المدارس بتعز ، فحصل على مبلغ من المال مكنه من أن يستأجر منزلاً قديماً مع زميلين له وكان ينام فيه بعض الأحيان .. ويضع فيه ممتلكاته الوحيدة التي ليس له ملكاً سواها ألا وهي الكتب .. ولكن المنزل انهار بعد فترة قصيرة وسلم الله تعالى أن لم يكن أحد فيه .
    وظل الشهيد في بناية المركز الإسلامي حتى يوم زواجه .. حيث استقر في بيت عمه ( والد زوجته ) .

    الثبات والاعتصام بالحق :
    برغم تلك الظروف والأحوال السيئة التي خيمت على البلاد ، والتي واجهت الشهيد منذ أول استقراره في مدينة تعز ، برغم ذلك لم يتخلف الأستاذ المخلافي عن الدعوة إلى الله تعالى ، مع أنه كان شريداً طريداً .. فلم يكن لديه وقت للعق جراحه أو استعادة أنفاسه .. بل هو الجهاد المتواصل .
    وفي وسط تلك الظروف السيئة .. والأحوال المتقلبة .. والأجواء الملبدة بغيوم الشرور والإلحاد .. والخطر المدلهم يحيط بالداعية في كل وقت وحين .. وفي كل خطوة وكل عمل .. في حين ذلك كله انطلق الشهيد يدعو إلى الله تعالى .. واتخذ من المركز الإسلامي منطلقاً .. فكان له بمثابة دار الأرقم في حياة الجماعة المسلمة الأولى .

    الاتصال الشخصي :
    أقام الأستاذ/ المخلافي شبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية بمختلف فئات وطبقات المجتمع من علماء ، وأعيان ، ومشائخ ومسؤولين ، وتجار ، وعمال ، وطلبة ، وفلاحين ، وغيرهم ، وكان يزورهم ويتفقدهم ، ويعطي كل مقام حقه ، فهو التلميذ بين يدي العلماء ، وهو ناصح موجه أمام المسؤولين ، وهو صديق ودود مع الصالحين ، وهو معلم ومرب عطوف بين تلامذته وطلاب العلم ، وهو قائد شعبي محبوب بين الجماهير ، وناقد خبير وناصح مع المشائخ والتجار .
    وكم قدم إلى المسئولين من مطالب للأمة ، فتبناها وتحمس لها ، وكان مع كل قضية منها يبدو وكأنها قضيته الوحيدة وشغله الشاغل .. ويكاد يفرغ لها حماسه وجهده ووقته ، وخاصة إن كانت قضية جرى فيها الأمر على خلاف الشرع .
    وضمن الاتصالات الشخصية أقام علاقات واسعة في كافة المدن اليمنية تقريباً مثل : صنعاء ، والحديدة ، وإب ، وعدن ، وغيرها .
    وضمن هذا التوجه زار مناطق ( صنعاء ) و( زبيد ) و( الحديدة ) و ( النجد الأحمر ) في لواء إب ، و( ذي السفال ) ومنطقة ( الشعر ، وبعدان ) في لواء إب أيضاً .
    وكانت زيارات المخلافي المتنوعة وأهمها زيارات المرضى تعد من أهم صور توثيق العلاقات بينه وبين الآخرين أياً كانوا .
    وعموماً فقد كانت زياراته كلها مفيدة ومثمرة بل وتحس وكأنه رسم لها بدقة - وليس ذلك بصحيح - لكونه يتصرف تصرفات سلوكية تترك أثراً طيباً لا ينسى ، كما أنها تصير مثالاً يحتذى ويقتدى به .


    مؤتمر الجند :
    وضمن الاتصالات الشخصية للأستاذ/ المخلافي .. شارك في بعض المؤتمرات التي عقدت في تلك الفترة .. ولكنني لم أتأكد من مشاركته إلا في مؤتمر واحد: هو مؤتمر الجند والذي عقد عام 1366هـ /1966م تقريباً .
    وقد حضر هذا المؤتمر المشائخ ، والأعيان ، والمسئولين ، من عموم وأنحاء البلاد وفي مقدمة الجميع حضر المشير/ عبد الله السلال رئيس الجمهورية الأسبق .
    وكانت مهمة المؤتمر تنحصر في قضية واحدة .. ألا وهي تنقية الأجواء بين صفوف الجانب الجمهوري .
    وألقى الأستاذ المخلافي كلمة توجيهية رائعة على الحاضرين .. وكان لها صدى طيب وتأثير ملموس .

    في التربية والتعليم :
    عُين الأستاذ المخلافي مديراً عاماً للتربية والتعليم بلواء تعز في عام 1386هـ /1966م .. ثم امتحن بسجنه .. إذ اشتدت الأحوال السياسية في البلاد ، وتأزمت ، وعصفت بالكثير .. حتى بمن لا ناقة لهم فيها ولا جمل .
    ثم بعد الإفراج عنه ..أُعيد إلى التدريس في المدرسة الثانوية الوحيدة-آنذاك - في مدينة تعز .. ومكث فيها قليلاً ، ثم قامت حركة 5 نوفمبر 1387هـ/ 1967م .. فأعيد الأستاذ/ المخلافي مرة أخرى إلى إدارة التربية والتعليم .. وكانت إعادته بسبب مطالبة مجموعة كبيرة من العلماء ، والأعيان ، والتجار ، والمشائخ ، والجماهير الغفيرة من أنحاء اللواء .
    وقد ذهب الكثير منهم إلى صنعاء يطالبون بإعادة الشهيد مديراً عاماً لإدارة التربية .. وتمت تحركاتهم دون علم الشهيد لا من قريب ولا من بعيد .. وفوجئ الأستاذ (نفسه) بالتعيين كما فوجئ غيره .
    واستجاب المسؤولون في صنعاء لمطالب الجماهير الشعبية .. وعين الأستاذ للمرة الثانية في إدارة التربية.
    ولقد قام الشهيد - أولاً ثم أخيراً - بمهامه ومسؤولياته خير قيام وأكمله وأتمه.

    الاهتمام بالمناهج الدراسية :
    شارك الشهيد في التخطيط من أجل وضع مناهج دراسية مناسبة وملائمة تربوياً وإسلامياً وعلمياً .
    وحظيت مادة التربية الإسلامية بفروعها عناية خاصة من قِبَل الشهيد ، ومما يجدر ذكره أن الأستاذ المخلافي كانت له علاقات وثيقة بكثير من المسؤولين في العاصمة صنعاء كما في غيرها .. وعن طريق هذه العلاقات استطاع أن يفسح مجالاً للشيخ عبد المجيد الزنداني للعمل في وزارة التربية والتعليم وبحرية تامة .. وقام الشيخ/ عبد المجيد الزنداني بوضع مناهج مادة التوحيد التي عم نفعها وأثرت تأثيراً قوياً في صفوف الطلاب والمتعلمين والمثقفين .
    وكان للأستاذ/ المخلافي تأثير غير مباشر في وضع الخطوط العريضة التي قامت عليها مناهج التربية الإسلامية .

    الإعلام الرسمي :
    فضلاً عن المجالات الدعوية التي تحرك الأستاذ/ المخلافي من خلالها وهي : مجال المساجد .. ومجال المركز الإسلامي .. ومجال الاتصال الشخصي .. ومجال التربية والتعليم .. كان المجال الخامس هو: مجال الإعلام الرسمي .. حيث لم تكن البلاد - آنذاك - تعرف من الوسائل الإعلامية غير الصحافة والإذاعة فقط .
    ومن خلالها تحرك الأستاذ/ المخلافي .. ودعا إلى الله تعالى .. فأما في الصحافة فكان يحرر صفحة أسبوعية في الصحيفة اليومية الرسمية - في ذلك الوقت - في محافظة تعز .. وهي صحيفة الجمهورية .. وكان عنوان الصفحة التي يحررها المخلافي هو: ( الوعي الإسلامي ) ثم تحول إلى عنوان آخر هو : ( ركن الثقافة الإسلامية ) .
    وكان يظهر كل يوم جمعة من كل أسبوع .. وكانت مواد ( ركن الثقافة الإسلامية ) غالباً ما يكتبها الأستاذ المخلافي بنفسه .
    وداوم الأستاذ على كتابته تلك طيلة عامي 1386هـ/ 1966م 1388هـ/1968م ، وأما الإذاعة الرسمية في صنعاء فقد سجل لها الأستاذ/ المخلافي عدة دروس ، وكلمات قصيرة .. وكانت تذاع عند افتتاح الإذاعة في الصباح .
    وفي الإذاعة المحلية في مدينة تعز سجل الأستاذ/ المخلافي بعض الأحاديث اليومية القصيرة ، كما سجل لها إجابات على أسئلة قدمها المواطنون ، وسجل لها كذلك بعض الفتاوى .

    المحن والآلام في طريق الشهيد :
    كان لتأثير المخلافي وإخوانه الدعاة على عامة الناس وخاصتهم ضريبته ، إذ تكالبت عليهم مختلف القوى العلمانية التي كانت تغص بها الساحة- آنذاك - وأخذت توجه أسلحتها في وجه المخلافي .. وكان منها الدعايات .. ومما قيل عن الأستاذ/ المخلافي : -
    أن لديه في منزله الكبير أكبر ثلاجة لبيع الخمور وأنه يدمن الخمرة إدماناً لا مثيل له، وكذبوا ، إذ أن الأستاذ/ المخلافي لم يمتلك في حياته كلها حتى بقايا منزل .. ومات ( رحمه الله تعالى ) ولم يخلف شيئاً من حطام الدنيا .
    أنه عميل للسعودية وأمريكا .. خائن للوطن والثورة .. ويقبض الأموال الطائلة مقابل عمالته .
    أنه رجعي تآمري يقف مع الملكيين ضد الجمهورية وهذا كذب .
    أنه وهابي يحارب الوحدة اليمنية ، وهذا كذب أيضاً .
    أنه كذاب دجال يخالف قوله فعله ، وهذه وقاحة منهم .
    وهذه من افتراءاتهم التي يكيلونها للدعاة لغرض صرف الناس عنهم ، والأستاذ/ المخلافي من القلائل الذين خدموا دينهم وأمتهم ووطنهم .. بصدق وتجرد .. وكان رحمه الله تعالى من طبقة الزبيري وإخوانه الأبرار .
    والرد على هذه الأكاذيب الأخيرة تجده في هذه الترجمة التي بين يديك عن الأستاذ/ المخلافي ، وسأضرب مثالاً واحداً على دعاياتهم التي أنزلوها حينذاك فقد قالوا ذات مرة إن الأستاذ/ المخلافي يقول في خطبته ( إن فيصل رسول الله .. وجونسون حاج بيت الله ) ألا لعنة الله على الكاذبين .
    ومثل هذا الزعم .. ومثل هذا الكذب كان ينتشر بين العوام كانتشار النار في الهشيم .. لأن العوام أرضية جاهزة لتقبل أي شيء دون تروٍ ودون تمحيص لجهلهم ولفقدانهم معايير الانتقاء والاختيار ، ولأن الأجواء في تلك الأيام كانت مناسبة جداً لينشر من كان من الناس ما شاء من أفكار .
    فقد كان الجديد - أي جديد كان - له قابلية خاصة وغريبة لظروف خاصة باليمن .. وقد ألمحت إلى بعضها في كتابي " شهيد القرآن " .

    موقف الأستاذ المخلافي من الدعايات :
    هو أولاً موقف المؤمن الصابر الواثق بربه وبنفسه ، وهو موقف الرد العملي بتبصير الجاهل الأمي .. وتوضيح ما استغلق عليه .. وإيضاح الدليل والبرهان لصاحب الثقافة القليلة .
    ثم هو موقف مقارعة الحجة بالحجة .. والبرهان بالبرهان .. وما أكثر ما كان يدعو أعداءه ليناقشوه ويحاججوه على مسمع ومرأى من الجماهير في المساجد، والمنتديات ، ولكنهم كانوا يعلمون - سلفاً - أن لا حجة لهم أبداً وأنهم سيُغلَبون ويفتضحون بالتأكيد ، ولذلك تحاشوا مواجهة المخلافي وجهاً لوجه ، ولم يحدث - ولو مرة واحدة - أن ناقشه أحد منهم أمام الجماهير .
    وموقف ثالث اتخذه الأستاذ/ المخلافي إزاء الدعايات ويتمثل في الهجوم عليهم وتعريتهم على حقيقتهم ، وبيان ما تنطوي عليه نفوسهم الخبيثة من كيد ومكر وحقد ضد الإسلام والمسلمين واليمن واليمنيين .

    السجن والتضييق والمتابعة :
    ظل الأستاذ المخلافي يلقى عنتاً ومشقة في طريقه ، فضيق عليه في رزقه وأحصوا أنفاسه وحركاته وسكناته وكان ذلك بأمر من مخابرات صلاح نصر التي جثمت على مصر واليمن حينذاك .
    وتوجهت تلك الأعمال الإجرامية الظالمة بالاعتقال والسجن ففي جماد الآخر عام 1386هـ/ 1966م ترامى إلى سمع الأستاذ المخلافي ورفاقه الأبرار بأن الملأ يأتمرون بكم ليسجنوكم وربما ليقتلوكم فاخرجوا إني لكم من الناصحين ، وهكذا أوصل بعض المخلصين الخبر إلى الأستاذ وإخوانه ، فما تراه فعل ؟
    لقد لاذ إخوان المخلافي بالفرار إلى عدن والأرياف وليس هذا عار عليهم فقد فر موسى- عليه الصلاة والسلام – من قبضة الطاغية فرعون قال تعالى :] ففرت منكم لما خفتكم[ سورة الشعراء آية 21 .
    وأما الأستاذ/ المخلافي فآثر البقاء على الفرار .. وما أسرع ما وصلوا إليه - وهم سريعون هنا بطيئون أمام اليهود - فألقوا عليه القبض مع حوالي ثمانين شخصاً من مدينة تعز وحدها ، وأخذوا في تجميعهم على مدى ثلاثة أيام واحتجزوهم في المبنى المسمى اليوم بـ( المجمع الحكومي ) لمدينة تعز واللواء كله .
    ثم رحل الجميع إلى صنعاء وسجنوا في سجن القلعة الرهيب ، وأما التهم الموجهة إليهم فكانت جاهزة ومعدة كما جرت العادة عند صلاح نصر ومخابراته ، وبديهي أنها لم تخرج عن نطاق ما يقال في الدعايات التي أنزلوها ، وقد كانت التهمة هي أنهم عملاء لأمريكا .. وعملاء للسعودية .. خونة للثورة والوطن و .. و.. إلى آخر اتجاه الريح في تلك الأيام .

    تأثير فترة السجن على الأستاذ المخلافي :
    أفرج عن رفاق الأستاذ بعد شهرين ، أما هو فقد منحوه من فيض بركاتهم فأغدقوا عليه بزيادة شهر واحد عن أصحابه ،وطيلة فترة السجن ظل الأستاذ المخلافي في زنزانة انفرادية وظل معزولاً عن غيره من المساجين لخوفهم من تأثيره عليهم .
    وقد أوصل بعض المخلصين أخباراً غير سارة للأستاذ المخلافي فقد نقل إليه أن فرداً أو أكثر يخرج يومياً من السجن إلى ساحة الإعدام .
    وكان الأستاذ المخلافي يظن أنهم سيقتلونه - وقد صح ظنه فيما بعد - فقتل ولكن بطريقة أخرى .. وبعد الإفراج عنه بحوالي عامين .

    محاولة تسفيره :
    وبعد خروجه من السجن ضاعف من أعماله الدعوية ، وضاعفوا هم من محاولاتهم الرامية لقتله بطرق تبدو طبيعية ، فكانوا يفتعلون معه الحادث تلو الحادث .. ولكنهم بحمد الله تعالى كانوا يبوءون بالفشل .
    ولما يئسوا من أن يزحزحوا الشهيد في مواقفه ولم يقووا على اغتياله ، وبعد فشل مجهوداتهم أخذوا يقنعون الأستاذ المخلافي بأن يقبل عرضهم ، وقد عرضوا عليه وعلى مستوى عال ورسمي في البلاد ليكون سفيراً لليمن في أثيوبيا ( الحبشة ) ورفض الأستاذ المخلافي العرض ، ورد على العرض بأنه لا يرغب في الأعمال الرسمية أياً كانت ، بل يتمنى أن يسمح له بفتح مدرسة خاصة لنشر العلم ، فهو داعية قبل أي شئ آخر .
    وواضح أن هذا الأمر - تعيينه كسفير- يقصد به طرده خارج اليمن ، ولكن بأسلوب ظاهره لا غبار عليه .

    مع المقاومة الشعبية :
    في أيام حصار أعداء الثورة للعاصمة صنعاء الذي زاد عن شهرين وانتهى في 8 فبراير1968م كادت العاصمة تسقط في أيديهم ، وحينها هبَّ الشعب اليمني بكل طوائفه يدافع عن الثورة ، وكونت المجاميع الشعبية من كل المدن اليمنية لحماية مناطقهم أولاً ثم ليكونوا تحت الطلب عند الحاجة إلى صنعاء ثانياً .
    ولما كان الأستاذ/ المخلافي يعلم أن من أهم أهداف الثورة العودة إلى الإسلام الحق والأصيل لا كما زيفه العهد المباد ، فقد انضم في صفوف المقاومة ، أو قل ضموه إلى صفوف المقاومة لتاريخه الجهادي من أجل الدين ومن أجل الشعب اليمني ،ونظراً لشعبية الأستاذ المخلافي بين صفوف الجماهير فقد عين نائباً لقائد المقاومة الشعبية في لواء تعز ، إلا أنه لم يؤثر من موقعه هذا فقد وضعوه ليستفيدوا من شعبيته فقط وكان منصباً فخرياً ليس إلا .
    ولكن الأستاذ المخلافي حاول أن يستدرك ما أمكن فألقى بعض المحاضرات على جموع المقاومة الشعبية في ميدان الشهداء بمدينة تعز
    .
    الأستاذ عضواً في المجلس الوطني :
    إلى نهاية عام 1288هـ/ 1968م لم يكن دستور البلاد الدائم قد وضع بعد، وكانت الحاجة ضرورية وهامة لإقامة مؤسسة تشريعية قانونية لوضع دستور دائم للبلاد .
    وتم تعيين أعضاء المجلس الوطني لذلك الغرض وكان منهم الأستاذ المخلافي ، وعلى الفور قدم الأستاذ المخلافي استقالته من إدارة التربية والتعليم حيث خلفه فيها الأستاذ/ الفاضل ياسين عبد العزيز .. واتجه الأستاذ المخلافي إلى صنعاء ، وباشر مسؤولياته الجديدة في المجلس .
    وافتتح المجلس أعماله لأول مرة في 1389هـ مارس 1969م ، ولمكانة الأستاذ المخلافي بين أعضاء المجلس فقد طلبوا منه أن يقرأ القرآن الكريم ليفتتح به أعمال المجلس ، ثم ألقى الأستاذ المخلافي كلمة في الحاضرين فوضع بها النقاط على الحروف .. وبين لهم ما مهمة المجلس ،وأنها مهمة عظيمة وشاقة ويجب أن يتهيئوا لها .
    ثم وضح في كلمته مسؤولية كل فرد من الحاضرين أمام الله تعالى ، وأن كل واحد منهم مطالب بأن يستشعر ثقل المسؤولية على عاتقه ، فيجب أن يخلص فيها ويعمل لها جاهداً ومستفرغاً جهوده من أجلها ، ثم عرج بهم إلى الشخصية التي ستنتخب لترأس المجلس .. والتي يجب أن تكون من أقوى الشخصيات القادرة على حماية الدستور الذي نحن بصدد وضعه .. وتلك هي مهمة المجلس .

    لجنة صياغة الدستور :
    اختار أعضاء المجلس الوطني من بينهم لجاناً أوكل إلى كل منها عملاً محدداً تقوم به وتحاسب عنه أمام المجلس .
    وقد دخل في معارك كلامية حامية الوطيس مع بعض أعضاء المجلس ،ووصل الأمر إلى درجة المشادات والمهاترات ،وكان الأمر يستحق ذلك الجهد لأنه أمر يتعلق بروح ولب دستور البلاد الدائم ألا وهو عبارة نصها :
    ( إن الشريعة الإسلامية أحد المصادر الرئيسية للقوانين ) وهذه عبارة خاطئة وغير صحيحة أبداً ، وكان خصوم الأستاذ المخلافي في المجلس يصرون على وضعها في الدستور بينما كان هو على صواب في عبارته التي دونت في الدستور بعد ذلك ونصها - وهي المادة الرابعة – ( الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعاً ) والبون شاسع بين العبارتين فبينهما كما بين الكفر والإيمان .. وكما بين الثرى والثريا .
    ولأن هذا الأمر في غاية الأهمية فقد جعل منه الأستاذ المخلافي مسألة حياة أو موت فكان لسان حاله يقول :
    ( إما أن تثبت العبارة الدستورية أو أموت دونها ) ، ولما عجزوا عن زحزحته في موقفه هددوه بالقتل ، ثم ثبتت العبارة في الدستور ،وطار المخلافي من بينهم.


    دعوته في صنعاء :
    استقر الأستاذ المخلافي في صنعاء مع زوجته تبعاً لعمله في المجلس الوطني هناك.
    وكانت أوقاته من بعد عمله الرسمي في المجلس الوطني يقضيها في إلقاء المحاضرات والندوات والدروس في صفوف الجيش وثكناته ، وفي المساجد بين المغرب والعشاء وكعادته دائماً ربط علاقات واسعة ووطيدة مع الزعماء والمشائخ والأعيان والعلماء من عموم أهل اليمن الذين هم في صنعاء ، ومنهم الشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر ، والقاضي/ غالب بن راجح ،والشيخ/ سنان أبو لحوم وغيرهم من مشائخ اليمن ، وقضاتها ، ووجهائها ، وعلمائها .

    صفاته وأخلاقه :
    اجتمعت في شخص الأستاذ المخلافي صفات كثيرة فهو خطيب مصقع ، وواعظ مؤثر ، وحكيم جريء ، ومفكر مجرب ، وسياسي بارع ، وقائد محنك ، ومرب فاضل ، يمتلك لغة يحدها أدب ، وأمل يحوطه حذر ،وطموح يقيده تخطيط ، وشجاعة يحكمها عقل .
    يحب الوضوح والصراحة ، ويكره النفاق والرياء والنميمة .
    وكان ظاهره كباطنه ، وبذلك عرفه إخوانه وأصدقاؤه ومعارفه وحتى خصومه ، إذ أجمعوا أنهم لم يعرفوا عنه نزوة من نزوات الشباب برغم الأجواء المحيطة به وخصوصاً في القاهرة ، وكان مع تلك الصفات مولعاً بالقراءة واسع الاطلاع سريع الفهم ، حاضر البديهة ، شجاع الرأي لا يخاف في الله لومة لائم .
    وسأتحدث بشيء من التفصيل عن بعض صفاته وخصاله فيما يلي :

    الشجاعة :
    الشجاعة أم الفضائل وقرينة الكرم ، وخلق عظيم ،وهي عند الأستاذ المخلافي مكتسبة فطرية منذ طفولته بحكم تربيته الأولى ونشأته في مناطق ريفية.
    ولكنها ازدادت ونمت في نفسه مع الأيام ، فغذاها الإيمان والثقة بالله تعالى والتوكل عليه ، ونال الأستاذ الشهيد من الشجاعة أوفرها .
    ولكن شجاعته تلك لم تتجاوز إلى حد التهور والطيش .. بل كانت شجاعته المتناهية ممزوجة برحمة ، وعطف ، ولين جانب ، ولعله - ولهذا السبب - لم تعرف له خصومة شخصية مع أحد في الفترة التي قضاها في مكة المكرمة ،ثم في القاهرة ،أو حتى في اليمن .

    تواضعه وبساطته :
    كان الأستاذ/ المخلافي بسيطاً في كل أموره .. متواضعاً في سلوكه وأخلاقه .. متواضعاً في ملبسه وزيه ومظهره .
    ولم يكن تواضعه تكلفاً وتصنعاً .. بل كان خلقاً وسجية .. وطبعاً غرسه الإيمان في قلبه ونفسه .. ثم زكاه ونماه .. وصقلته الأيام والتجارب حتى صار تواضعه طبعاً وسجية .
    ومن أمثلة تواضعه أنه كان يقوم بإعداد الشاي لتلامذته في المركز الإسلامي ، وفي رحلاته معهم ، وكان يخدمهم أكثر مما يخدمونه .
    وفي القاهرة كان يصنع الشاي لإخوانه ويستضيفهم في غرفته - وكان يجيد طبخ الشاي بصورة أثارت انتباه إخوانه - ويخدمهم ، وأحياناً يستضيف أحد زملائه في غرفته فإذا جاء وقت النوم ترك الأستاذ/ المخلافي سريره الوحيد ونام على الأرض لينام ضيفه على السرير .

    تأثيره :
    وعن تأثيره حدث عن البحر ولا حرج فكم من شباب ، وكم من علماء ، وكم من مثقفين ، وكم من جماهير أثر فيهم الأستاذ/ المخلافي ودفعهم للعمل من أجل الإسلام ونصرة الدعوة الإسلامية .
    وتأثير الأستاذ/ المخلافي في الناس ما زالت آثاره واضحة وقوية في الألوف من الرجال والشباب والمثقفين الذين يملأون الساحة اليمنية اليوم ، لقد كان تأثيره قوياً جارفاً فكأنه مغناطيس قوي يجذب إليه معادن الرجال الأقوياء والمخلصين .
    والعجيب أن الأستاذ المخلافي مارس عملياً مراحل الدعوة الحكيمة ونجح فيها نجاحاً باهراً ، دون سابق تجربة ودون تدريب ، ونجح من أول مرة زاول فيها الدعوة ،ويبدو تأثير الأستاذ المخلافي في حالة خطابه .. فإذا خطب وتكلم فهو الخطيب المصقع والمفوه الذي ينقل السامعين من حال إلى حال ، ويقنعهم بقوله قناعة عجيبة تجعلهم في أعلى درجات الحماس .
    ومهما أطال في خطبته فلا يمل خطابه بل يظل الحاضرون متلهفين ويتمنون أن لا يتوقف .

    همته العالية :
    كان المخلافي طرازاً فريداً من الرجال ، طراز يتربى بين يدي الإسلام فيربي فيهم الأخلاق والصفات العملاقة ويبلغ بهم مداها ، حتى ليصدق في أحدهم ـ بهمته العالية ـ المثل القائل : رب همة أحيت أمة .
    إن ذلك الطراز من الرجال هم الذين يتحول مسار التاريخ على أيديهم ، وبهم يغير القدر دنيا الناس تغييراً نحو الأفضل والأحسن والأصلح .
    إنهم عمالقة تعلو قاماتهم ، وترتفع جباههم نحو السماء ، وهم يسيرون في الدروب ويسير الناس من خلفهم زرافاتٍ ووحداناً متأسين بهم ومقتدين بأفعالهم ،ومهما وصف المخلافي بهمته فلن يوفى حقه .

    اعتزازه بالقرآن الكريم والسنة النبوية :
    واعتزاز الأستاذ المخلافي بالقرآن الكريم أمر لا يحتاج إلى أدلة أو أمثلة لأن الأستاذ نذر حياته له ، وبه افتتحت حياته في القرية حين حفظ نصفه وهو لا يزال صغيراً ، وبالقرآن الكريم اختتمت حياة المخلافي لأنه مات من أجله ،فقد كان اليوم التالي لوفاته هو يوم افتتاح دار القرآن الكريم - التي ما زالت قائمة إلى اليوم - ولست بصدد ضرب الأمثلة حول ذلك ، وإنما أذكر أمراً شاهده كل من زار إدارة التربية والتعليم وما من شك أن الكثيرين تأثروا به وأذكره للذكرى فقط فما هو ذلك الأمر؟
    لقد كانت هناك لوحة كبيرة أمر بكتابتها الأستاذ نفسه معلقة فوق مكتب المدير مباشرة ،وعلى اللوحة رسم مصحف كبير يبدو مفتوحاً للقراءة والأنوار تشع منه ، وتحته كتب بيتان من الشعر وهما :
    من هاهنا شمس المعارف تشــرق وتمزق الغسق اللعين وتسحق
    أبـداً على رغم الحقود فإنـهـا ستظل في كبد السمـا تتألـق
    ظلت هذه اللوحة سنوات طويلة بعد وفاة الأستاذ المخلافي حتى أزالها من أزالها لا جزاه الله خيرا .
    والسنة النبوية كان لها حظ عظيم في مكتب الأستاذ المخلافي يدل على ذلك شراؤه لكل كتاب صدر في جمعية أنصار السنة المحمدية ،وأهمها سلسلة كتب الشيخ/ محمد حامد الفقي ( رحمه الله تعالى ) ،وكانت مكتبة الأستاذ المخلافي تحتوي على السلسلة كاملة ،وكان يضعها في مكتبته في مكان بارز بعد أن يقرأها .
    وتلك المكانة العالية للسنة النبوية في نفس المخلافي تؤكدها الأفعال قبل الأقوال،وتؤكدها المواقف قبل العواطف ،وتؤكدها الآثار المشاهدة الملموسة قبل أن تؤكدها الترتيبات والرسوم المدروسة .
    وخير الأمثلة على هذا اهتمامه الكبير بإصلاح المساجد وحماسه لها ، مما أحدث تغييرات واسعة ،وتحسينات ضرورية ، وترميمات لا بد منها في مبانيها وفي مواقفها ، وفي أغراضها وغاياتها ، وشملت كل ما من شأنه أن يجعل المسجد قائماً بدوره ورسالته في حياة المجتمعات الإسلامية .
    ومن ذلك إحياء السنة النبوية المندثرة أو المنسية ،مثل حلقات العلم والذكر ، وخطب الجمعة ، ودروس الوعظ والإرشاد ونحو ذلك .

    شدته في الحق :
    كان الأستاذ المخلافي شديداً في الحق لا يحابي ولا يجامل على حساب الحق أو على حساب الدعوة أو على حساب العمل .
    وكانت شخصيته مألوفة ، محببة .. شخصية هاشة باشة .. سهل الأخذ والعطاء ، بسيط المخبر والمظهر ، وشخصية هذه صفاتها يفترض في صاحبها أن يوصف بالتساهل في الأمور وربما وصف بالمجاملة على حساب الحق ولكن المخلافي كان على عكس ذلك تماماً .
    فرغم يسره وبساطته ورحمته إلا أنه كان شديداً في الحق .. صلباً عنيداً لا يتنازل عن موقفه - إذا رآه حقاً - وكانت صفته هذه ظاهرة للعيان ، وملموسة في معاملاته اليومية لما صار مديراً للتربية والتعليم .. وذلك برغم الإهمال والتسيب والفوضى التي كانت تخيم على البلاد بأسرها ، وعلى إدارة التربية والتعليم بشكل خاص كأثر من آثار الماضي قبل الثورة .
    ومن الصور الدالة على شدته في الحق ما حدث له مع صديقين عزيزين حميمين قريبين إلى قلبه ،وكانا معه تحت إدارته المباشرة وكان الصديقان في زيارة رسمية للعاصمة صنعاء لتنفيذ بعض المعاملات الرسمية ، وحدث يومها في صنعاء أن زيدت مرتبات جميع العاملين في سلك التربية ، وعلم الصديقان بذلك فدخلا على وزير التربية .. واستصدرا منه أمراً خاصاً بهما لصرف الزيادة والتي لن تصل إلى جميع أعضاء سلك التدريس والموظفين إلا بعد حوالي شهرين .. ومعنى هذا أن الصديقين سيحصلان على علاوات شهرية قبل الآخرين .. ولما عادا إلى عمليهما في إدارة التربية والتعليم بتعز ، وقدما مذكرتهما إلى الأستاذ المخلافي لينفذ الأمر ما كان منه إلا أن رفض وبإصرار أن يصرف لهما أي مبلغ قبل غيرهما ، وذلك بالرغم مما بينه وبينهم من مودة ، وحب ، ورضخ الصديقان مكرهين لأمر الأستاذ .
    ومن صور شدته في الحق أيضاً الرشاوي التي كانت تقدم له وهو مدير عام التربية والتعليم ، وذلك باسم هدايا أو إكرامية أو مساعدة أو أي اسم آخر ، وما أكثر ما جاءته هذه الرشاوي وبطرق ملتوية .
    وكان موقف الأستاذ المخلافي منها جميعاً موقفاً واحداً ، وهو الجواب الحاسم والقوي فيأمر بحبس الرائش والراشي إن كان موجوداً أو قريباً منه .
    وعرف من لم يعرف أنه أمام عملاق عفيف اليد .. كما هو عفيف اللسان ولا يمد يده أبداً حتى في شبهة قوية .
    ومثال ثالث يدل على شدته في الحق : فذات مرة صرف له أحد الموظفين في إدارته بالتربية مبلغاً من المال ، وبرر له الموظف أن هذا من حقه وليس زيادة عما يستحقه ولكن المخلافي رفض المبلغ بإباء ، وأراد أن يعاقب هذا الموظف ، فعمد الموظف إلى بعض أصدقاء الأستاذ المخلافي ليقنعوه بقبول المبلغ ، وكان الأستاذ يومها فقيراً معدماً ، وكان هذا غالب أحواله ولكنه أصر على موقفه ورفض المبلغ رفضاً قاطعاً لأنه من مالية إدارة التربية التي هو مديرها وقال لهم:
    ( لا أقبل كثيراً ولا قليلاً لأنني أحس أن من ورائه أشياء وأشياء ).


    رجل عامة :
    لقد أهلته تلك الصفات ليكون رجل عامة ، يلتف الناس ويتجمعون حوله فحيثما علموا بوجوده تقاطروا عليه واحتشدوا حوله ، فما قاله قبلوه ، وما أمر به سمعوه ونفذوه ، وعاش بين العامة كواحد منهم يتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم ، وما عرف الأستاذ المخلافي إلا وحوله الناس مجتمعون ،وقلما رآه أحد على غير ذلك ، ويشمل تجمعهم حوله حتى في المنزل وفي وقت راحته ، وجدير بمثله أن لا يجد راحة وما راحته الحقيقية إلا في تعبه .

    حلمه ورحابة صدره :
    والحلم ورحابة الصدر خلق جميل اتصف به الرعيل الأول من السلف الصالح ، وقل من يتصف به اليوم من الرجال ، ولقد كان الأستاذ المخلافي من هذا القليل .
    ويمكن ملاحظة هذا الخلق في شخصيته من خلال سلوكه وتصرفاته وتعاملاته واحتكاكاته اليومية مع جميع من يحيط به في عمله ووظيفته .. وفي مقيله واستراحته ، وفي خطبه ومحاضراته .. وفي دروسه وتعليمه .
    وأوضح الأمثلة والمواقف الدالة على ذلك أذكر منها ما يلي :
    عدم تضجره أو تأففه من إيذاء بعض الموظفين ، أو من تكرار الأخطاء ، واستخدام الكلمات السيئة المثيرة للأعصاب من قبل بعضهم ، فتراه يتحمل الإساءة ، ويصفح عن الخطأ وعن تجاوز الحدود .
    وسع تلامذته ومريديه بأخطائهم المتكررة ، وبأخلاقهم التي لا بد من تربيتهم على التخلي عن سيئها ، ثم التحلي بأحسنها ، وهذا أمر يحتاج لتفرغ كامل ، ويتطلب معايشة ومخالطة مستمرة لمن يربيه ويعلمه ، ويتطلب توجيهاً مستمراً فقد يردد الأمر الواحد عشرات المرات لكي يعيه من يربيه ويعلمه .
    ثم يحتاج أيضاً لحلم وسعة صدر تستوعب التباينات الفردية في الصفات والأخلاق بين من يربيهم ويعلمهم ، فلا يغضب ولا يحتد حتى لا يفقد توازنه بين طلابه فيضيع الأثر التربوي المرجو ، ومع أن الأستاذ المخلافي لم يكن متفرغاً لتلاميذه إلا أنه أشرف على تربيتهم تربية عالية لا تزال آثارها مشاهدة وملموسة فيهم إلى اليوم .
    زياراته للمرضى ممن عادوه وجاهروا بعداوته ، ومع ذلك يزورهم عندما يمرضون ، دون غضاضة ، ودون حرج ، فلا يرى عليه أثراً للتكلف أو التصنع بل كان يشاهد أثناء الزيارات طبيعياً جداً .

    كرامة وعناية :
    في مسجد الغفران في مدينة تعز وقف الأستاذ المخلافي مرة يحاضر جموع المصلين الذين اكتظ بهم المسجد وغص بهم فيما بين المغرب والعشاء ،وكان عنوان المحاضرة : ( الإسلام وغزو الفضاء ) وقد أعلن عن المحاضرة قبل ميعادها وذلك لأهمية الحديث عن مثل هذه الأمور في تلك الأيام ، ولا يعرف أهمية ذلك إلا من عرف تلك الفترة وعايش الناس فيها ، وفهم ملابسات الواقع .
    وبينما كان الأستاذ مسترسلاً في محاضرته ، كان هناك من يتحرك في الظلام ، إذ جاء مجرم يتلصص من باب خلفي صغير للمسجد ووقف في الظلام بحيث يرى هدفه بوضوح ولا يراه أحد .
    وعلى بعد أمتار قليلة صوب المجرم فوهة بندقيته السريعة الطلقات نحو الأستاذ المخلافي ، وكان الناس منصتين له ، وكأن على رؤوسهم الطير - ولا يلوون على شيء - وجاءت العناية الربانية ووقعت الكرامة إذ سقطت البندقية من يد المجرم .. فأخذها قبل أن تقع على الأرض وصوبها من جديد فسقطت للمرة الثانية .. وأخذها قبل أن تقع على الأرض .. وتكرر هذا عدة مرات .. حتى حانت التفاته غير مقصودة من أحد الحاضرين فرآه على تلك الحال فأشار لشاب قوي البنية من تلامذة المخلافي .. فما أسرع ما تحرك إليه ، وقبض عليه ، وسلمه للجهات المختصة .


    ( من أقوال الأستاذ ومواقفه )

    ( لن نسمح للص أن يسرق عقائدنا ) :
    مقولة رائعة تحدث عنها الأستاذ المخلافي في خطبة له فكان مما قاله : لن نسمح للص أن يسرق عقائدنا مطلقاً ولو زخرف أمامنا الزخارف ، وحلى مبادئه بالحرير وبالملابس اللامعة ،فإننا سوف ندرك بأن إسلامنا هو حياتنا .. بأن إسلامنا هو مماتنا .. بأن إسلامنا هو الذي سوف يقودنا إلى الله عز وجل.

    ( الدعوة لا تحتاج إلى الشخصيات المرقعة ) :
    كلمة اجتزأت من رسالة أرسلها الأستاذ المخلافي إلى أحد تلامذته في الكويت ، وأوصاه فيها بالجد والمثابرة في دراسته ، وأن يبرز في مجاله حتى يكون أحد الدعاة المؤثرين . ثم بين له أن دعوة الله تعالى لا تحتاج إلى الشخصيات الضعيفة المهلهلة ، فإن من لا يحسن الاختيار لنفسه لا يحسن الاختيار لغيره ، وفاقد الشيء لا يعطيه .

    طريق كسب القلوب وتآلفها :
    كان الأستاذ المخلافي يردد كثيراً على مسامع إخوانه من الدعاة إلى الله تعالى ، أن الطريق لكسب قلوب الآخرين يمر عبر دروب من المبالغة في احترامهم ، والقيام بخدمتهم ، وحبهم ومع الرفق بهم والحكمة في دعوتهم والصبر على ما يصدر منهم .
    ومن عرف الأستاذ المخلافي عن كثب لا شك أنه لاحظ هذه الصفات التي ذكرها وأكد عليها وكانت أخلاقاً وصفاتً عملية يتحلى بها المخلافي في تعامله مع الناس .


    مما قيــل عن الأستاذ المخلافي

    ( أدركوا البنا الثاني )
    لما علم حاكم مصر أن المخلافي فاتهم في مصر أولاً .. ثم في اليمن ثانياً .. حنق على أتباعه وأذياله فقال لهم : أدركوا البنا الثاني .
    فهو يعلم كما يعلم زبانيته مدى تأثير المخلافي على الطلاب جميعاً في الأزهر، وعلى الطلاب اليمنيين بصفة خاصة ، وكيف لا يعرفون تأثير المخلافي وهم الذين كانوا يرصدون حركاته وسكناته ، ويسجلون عليه كل شاردة وواردة ، ولهذا فهؤلاء هم أعرف الناس بالمخلافي .
    ولهذا وصفه بأنه كالإمام حسن البنا ( رحمه الله تعالى ) في تأثيره ، والبنا غني عن التعريف .

    ( الزبيري الصغير )
    والمقصود بالزبيري أبو الأحرار الشهيد/ محمد محمود الزبيري وهو شاعر اليمن وخطيبها ، وهكذا ـ بهذه الصفة ـ عرفه جميع اليمنيين ، وكلمة ( الزبيري الصغير ) قالها رئيس المجلس الوطني السابق الشيخ/ عبدالله بن حسين الأحمر يصف بها الأستاذ/ المخلافي ، لما سمعه يخطب في أعضاء المجلس الوطني ،ومما يذكر أن الأستاذ المخلافي وصل إلى اليمن بعد استشهاد الزبيري بحوالي أربعة أشهر .

    ( رائداً ممتازاً )
    وصفه الأستاذ/ زيد بن علي الوزير في كتابه ( محاولة لفهم المشكلة اليمنية) فقال :( … رائداً ممتازاً من رواد الحركة الإسلامية ) .

    من كلمات المخـــــلافي :
    ( إننا لا نعادي أشخاصاً .. ولا نعادي حكومات .. وإنما نعادي الألوهية لغير الله .. ونعادي التقديس لغير الله .. نعادي أن يراد لنا عبودية للإنسان من دون الله ) .
    ( نحن لسنا ضد أشخاص .. ولسنا ضد ثقافة معينة .. إنما نحن ضد انحراف في الفكر .. ضد انحراف في الرأي .. ضد انحراف في العقل .. ضد انحراف في المفاهيم .. ضد انحراف في فهم واقعنا وحياتنا التي نعيشها على أساس من الإسلام .. والتي قالت عنها ثورتنا في أول يوم من أيامها إن من أهدافها الأولى العودة إلى الشريعة الإسلامية الحقة ).
    ( أنتم الجماهير .. وأنتم الذين ينطق باسمكم .. لا بد أن يكون هذا البند أو هذا الهدف هو مطلبكم من أجل العودة إلى شريعة الإسلام الحقة ).
    وفي صحيفة ( الجمهورية ) وتحت عنوان ( دين بلا كهانة ) وفي الحلقة الثانية من دين بلا كهانة قال :
    ( الإسلام بكل ما فيه من تعاليم وإرشادات وأحكام وتوجيهات يعني التحرر بأوسع معانيه ، وأدق تفصيلاته مع أحكم وأحسن مفاهيمه ابتداءً من داخل النفس الإنسانية التي تتحرر بالإسلام من كل أهوائها ، وشهواتها الضارة .. وتتخلص بصلتها بالله من كل عوامل الضعف ، والذل ، والقلق ، والاضطراب .. وانتهاء إلى معترك الحياة بمجالاتها المختلفة .. وقواها المتعددة المتصارعة التي يوجب الإسلام على معتنقه أن يخوضها مقتحماً بوعي كل مجالاتها ، مقابلاً بحكمه .. كل هواها .. مستفيداً دائماً من كل تقلباتها .. مستعيناً على كل ذلك بقوة صلته المباشرة بالله الذي بيده كل شيء .. وإليه مصير كل شيء ..القائل : ( ومن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً ) وكلما تعمقت عبودية الإنسان لله كلما أحس بكمال تحرره ... )
    وفي هذه الحلقة يصف الإنسان المسلم بقوله :
    ( وهو قبل هذا ذو نفس صافية وقلب طاهر نقي ، وعقل نابه يقظ ، وحساسية إيمانية مرهفة ، لا ينخدع ببريق الشعارات ، ولا تنطلي عليه بهارج التضليلات .. يحارب الدجل ، والشعوذة ، والتسول باسم الدين .. ويمقت الحذلقة الكاذبة .. والمظاهر الزائفة ، والادعاءات الواهية الباطلة ، وهذه بعض من صفات التحرير الذي يغرسه الإسلام في نفوس معتنقيه ….. إلخ ) .

    استشهــــــــاد المخـــــلافي :
    في يوم الأحد من شهر مايو سنة 1389هـ/ 1969م كان الأستاذ/ المخلافي عائداً من صنعاء إلى تعز ، وبرفقته صديقه الطيب (عضو المجلس الوطني) صادق منصور بن نصر، وزوجة الأستاذ/ صادق ، ومع الأستاذ/ المخلافي طفلته (خديجة) وأخ زوجته - وكان طفلاً صغيراً- وبرفقتهم شخصية معروفة من صنعاء، وسائق السيارة الذي كان زميلاً للمخلافي في المجلس الوطني .
    وكانت السيارة من نوع فرنسي يسمى ( بيجو ) أي الأسد ، ولها رقم حكومي، ووقع لهم حادث لا يزال مجهولاً إلى اليوم في مكان متوسط بين مدينة ذمار ومدينة معبر .
    ولم يصب في الحادث المجهول ـ غير الأستاذ المخلافي وصديقه الأستاذ/ صادق ، ونجا الآخرون جميعاً وأسعف الاثنان إلى مدينة صنعاء .. وهناك لفظا أنفاسهما الأخيرة رحمهما الله تعالى .

    يوم حــزن :
    نزل نبأ استشهاد المخلافي على مسامع الصالحين ، وعلى مسامع الشعب اليمني كله كما تنزل الصاعقة.
    وبكاه الصالحون كما لم يبكوا أحداً من قبله ، بكوه بأرواحهم وأفئدتهم كما بكوه بعيونهم .
    هل سمعتم عن بكاء الروح والقلب ؟ إنه بكاء وإنه حزن لا يعرفه إلا من فقد في لحظة واحدة مفاجئة .. الأخ الناصح .. والأب الشفيق .. والأم الرؤوم .. والصديق العزيز الوفي ، والمعلم المحب .. والمربي الحكيم .
    وكيف لا يبكون ولا يحزنون عليه حزناً عظيماً لا يوصف ؟ وهم فقدوا ـ بموت المخلافي ـ رجلاً قل نظيره في الناس .. بل قل نظيره في الرجال .. يفقدونه وهو في ربيع عمره .. وفي ريعان شبابه .. لقد حزنوا عليه حزناً عظيماً .. لأنهم افتقدوا بموته رجلاً أحيا الأمل في نفوسهم .. ودفعهم للعمل في الدعوة إلى الله تعالى .. ورسخ في أذهانهم مفاهيم إسلامية غابت عنهم دهراً.
    وكيف لا يحزنون حزنهم العظيم وهم يلتفتون يمنة ويسرة فلا يجدون ربان سفينة الدعوة الذي قادها وسط الأمواج العاتية .. وشق الطريق الوعر أمامها .. وعرف كيف يقودها بحكمة وثبات ويقين .

    قصيدة رثاء للشهيد المخلافي
    للشاعر/ عبد الهادي سعيد عبده :

    أسلم الروح للرؤوف الرحيم يالهول المصــاب فقد زعيم
    وأصبح العز بائساً كاليتيم غاب ( عبده ) فشل مجد بناه
    يرفع الشأن لكتاب الحكيم يا زعيماً إلى المعالي تفــانى
    باتئاد ونور عقل سليم كنت تبني صرحاً لدين حنيف
    وسعيت على هدى مستقيم ذًدت عنه مناصراً لــهداة
    لجحود أتى برأي سقيم ما وهنت وما ألنت قنــاة
    وأصيبا برزء خطب جسيم يتم العز والفضيلة ثكــلى
    فرحلت إلى نعيم مقيم يوم غبت عن السعيدة شاباً
    يستضاء بنوره في البهيم كيف لا وأنت مشعل نـور
    لم تبال بكيد خصم خصيم قمت بالحق داعيـاً مستميتاً
    فطعنت أعداءه في الصميم ثرت لله غيرة واحتســاباً
    عربياً ببطن أًم رؤوم وتواريت رافع الرأس شهماً
    جسداً وروحك في النعيم طيب الله تربـةً أنت فيـها
    جاءها باسماً بوجه وسيم إن (صنعاء) توسمت فيك إلف
    وطوتك مع صديق حميم فهوتك صنعــاء حياً وميتاً
    فتغاري على حبيب قديم لستِ (صنعاء) بِضُرة ( لتعز
    فجأة بين ( معبر ) ويريم رام وصلاً فعالجته المنايــا
    فاحزني يا تعز ثم هيمي قدر حال دون خير لقــا
    ففداك بألف جلف ذميم ليت جبريل شافع عند ربي
    لشفيت صدورنا من غيوم آه لو عشت بعدها لحظات
    من بلاء بعصر يوم شؤوم ؟ ليت شعري ماالذي قد دهاكم
    إصطدتك بفخ طاغٍ أثيم ؟ إنقلاب سيارة أم ذئــاب
    فالكلاب تحب أكل اللحوم لا جدال وليس ذا ببعيـد
    ليذوقوا عذاب نار الجحيم قتلوك وأنت مرشد جيـل
    كل عين فخل عين اللئيم ظلم الكون معنوياً فأبكى
    وبلاهم بريح سبع عقيم قطع الله حبلهم ورجاهم
    مستظلاً بظل رب كريم فإلى الخلد يا كريم السجايا



    من إصدارت دائرة الاعلام والثقافه للتجمع اليمني للاصلاح
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-03-15
  5. aborayed

    aborayed قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-08-03
    المشاركات:
    7,186
    الإعجاب :
    0
    رحم الله كل الطيبين المخلصين في عملهم وعباداتهم
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-03-16
  7. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    نعم للامانة كان للاخوان المسلمين في اليمن السبق في احايء السنة وقمع الفتنة والشواهد كثيرة على ذلك ويكفي ان اهل اليمن اغلبهم الان سنة وللمعاهد ودور والمناهج دور كبير في ذلك ...وكله بتأثير الاخوان المسلمين ..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-04-12
  9. البأف

    البأف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-02-22
    المشاركات:
    1,614
    الإعجاب :
    0
    شكراااااااااااعلى مرورك


    أخي ABORAYEDشكرااااااااااعلى مرورك
    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,وسلمتم
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-04-12
  11. البأف

    البأف عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-02-22
    المشاركات:
    1,614
    الإعجاب :
    0
    شكراااااااااااعلى مرورك


    أخي أبو خطاب مهما أدعى المدعون لكن لن يبقى الا الحق
    والشكر لك موصول
    ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,وسلمتم
     

مشاركة هذه الصفحة