أمين عام الاشتراكي: إخفاقات الدولة الوطنية وحدت الداخل والخارج لمكافحة الإرهاب

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 460   الردود : 2    ‏2006-03-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-13
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    أمين عام الاشتراكي: إخفاقات الدولة الوطنية وحدت الداخل والخارج لمكافحة الإرهاب عبر الديمقراطية

    صنعاء - نيوزيمن:

    مصطلح "الإصلاح" ليس مصطلحاً حديثاً كما يتبادر إلى الذهن، والذي يذهب معناه إلى الفعل الإرادي الذي يرتب نتيجة مقصودة أو متوخاة من القيام به تستلزمها الحاجة إلى ترميم شيء معطوب أو تهيئته وبإعداده لعمل أو مهمة أكبر مما صمم لها.
    وقدر ورد في القرآن الكريم "وأصلح بالهم" وهي تختلف في معناها عما قصده المشرع العظيم بقوله "وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" ذلك أن أصلحوا هنا تذهب بمعناها إلى قيمة أخرى وهي "المصالحة" وهي تختلف في مضمونها عن "الإصلاح" فالمصالحة هي التوافق بمضمون أو محتوى يعكس السكوت، أما الإصلاح وإن اتجه في معناه أحياناً إلى معنى قريب من التوافق لكن بمضمون مختلف تماماً ، مضمون يعكس الحركة والدينامية.
    والإصلاح إذا اتجه نحو المصالحة فقد قيمته ومعناه، أي أنه يتراجع عن إنتاج الشروط التي تكسبه صفة التغيير ويتجه إلى التصالح مع ماهو قائم، وحتى إذا قبلت بعض شروطه فإنما لإكساب هذا القائم منعة ضد التغيير ودون أن يؤثر ذلك على جوهره.
    والوحدة اليمنية التي تحققت يوم 22 مايو 90 كانت بمثابة إصلاح كبير بمحتواه الذي استهدف انقلابا جذرياً في حياة اليمنيين السياسية وما يستتبعها من تحولات جذرية على كافة الأصعدة الأخرى.
    غير أن هناك من أرادها أن تكون مصالحة بين نظامين لتنتهي إلى نفس المأزق والذي وصلا إليه بإعادة إنتاج أزمتها.
    وفي هذا السياق تكالبت العوامل المقاومة للإصلاح، والتي راح نتيجتها الواقع الموضوعي -في صور شتى بما في ذلك الحرب- ليرغمها على التخلي عن مشروعها الإصلاحي وتكييف نفسها مع بني سياسية واجتماعية سابقة لهذه العملية الموضوعية التاريخية لتتصالح مع الواقع بشروطه المقاومة للإصلاح وصارت جزءاً منه.
    لقد نظر الثوريون في مرحلة ما إلى "الإصلاح" على أنه تصالح مع منظومة القيم السائدة، فهاجموا دعاة الإصلاح بحجة أنهم إنما يهدفون إلى تمييع الحالة الثورية التي تفرض التغيير الجذري لمنظومة القيم تلك، وهي الحالة التي تنشأ عن تناقض القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة مع التطور الاقتصادي والمادي حيث يتدخل المصلحون لحل هذا التناقض بأدوات تعطل هذا التفاعل الثوري وتفعل شروط حل إشكالية هذا التناقض بما يسمحالدعوة لإصلاح الثورات بعد فترة من قيامها دليل على غياب الإرادة الشعبية في علمية التغيير



    بالانتقال إلى طور جديد من النظام الاجتماعي أي بتعبير علماء الرياضيات مواصلة التحرك على نفس المنحنى بدلاً من الانتقال إلى منحنى أعلى.
    والإصلاح بنظر هؤلاء لا يقود إلى التغيير ولكنه ينتج آليات تعمل لصالح القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة، فالنخب المهيمنة سياسياً واقتصادياً أقدر من غيرها على تمييع توجهات الإصلاح بمساومات تقضي في نهاية المطاف إلى تصالح من نوع ما، ويستدلون على ذلك بأن دعوات الإصلاح التي انتظرت موافقة النخب الحاكمة والمهيمنة قد أبتلعها الزمن ولم ترتب أثرا يذكر في مسيرة حياة الشعوب بعد أن طويت مسبباتها في مخطوطات حرم تداولها وأعفي العقل من الإطلاع عليها بفرمانات استنجدت بالمقدس في أسوأ توظيف لهذا المقدس لصالح غير المقدس الذي هو صنيعة الإنسان والعقل البشري.
    ولم يكن الثوريون في نقدهم للإصلاح أوفر حظا في إنتاج الآليات المناسبة لالتقاط اللحظة الثورية وإنتاج الشروط الضرورية للتغيير وفق منهج يقود في نهاية المطاف إلى إكساب عملية التغيير صفتها الثورية، فقد كانت الدعوة لإصلاح الثورات بعد فترة من قيامها دليلاً على غياب ركن من أركان نجاح علمية التغيير وهو الإرادة الشعبية وعدم إفساح الفرصة الكافية لها لتأخذ مكانها في هذه العملية التاريخية المعقدة وبالتالي فهي لم تختلف كثيراً بنتائجها عما حذرت منه في حالة تصدي "الإصلاح" لعملية التغيير.
    إن هذه المساجلة بين الإصلاحيين والثوريين في العالم العربي لا تقدم دليلاً على صحة أي من الحجتين، فلا دعوات الإصلاح عبرت عن مضمون حقيقي للإصلاح على النحو الذي شهدته تجارب إنسانية أخرى. ولا التجارب الثورية استطاعت أن تجسد الفعل الثوري الحقيقي على النحو الذي نشاهد منجزاته الكبرى في تجارب مختلفة.
    لقد كون الإصلاح الذي شهدته تجارب إنسانية أخرى بمجموع عناصره ونتائجه حركة تغيير تاريخية تفاعلت بعواملها الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تقترب من الفعل الثوري، بل كانت هي الفعل الثوري بشحمه ولحمه، وكانت رافعتها الإرادة الشعبية الناهضة على قاعدة العقد الاجتماعي (كإطار سياسي وقانوني) من ناحية وتطور القوى المنتجة التي دفعت بتطور مصاحب في العلاقات والقيم السائدة من ناحية أخرى.
    وفيما أنتج هذا النوع من الإصلاح والذي ساد في أوربا، الدولة الديمقراطية فإن تجاربنا بشقيها الإصلاحي والثوري قد أفسحت الطريق لإعادة إنتاج الدولة المستبدة.
    وفيما يشبه الحركة الدائرية المولدة لشروط الأزمة الثورية لم تكن الدولة المستبدة سوى بمثابة المحرك الأساسي لدولاب هذه الحركة، حيث راحت تعيد إنتاج أزمتها البنيوية في صور شتى من عوامل التخلف والقهر الاجتماعي والسياسي والفساد وتفقد فيما أنتج الإصلاح الذي ساد أوربا، الدولة الديمقراطية فإن تجاربنا بشقيها الإصلاحي والثوري قد أفسحت الطريق لإعادة إنتاج الدولة المستبدة، بما فيها تلك التي تحررت من الاستعمار وتسلمت السلطة فيها نخب وطنية عسكرية أو مدنية، عبر انقلابات عسكرية أو كفاح مسلح



    بالتالي شروط استمراريتها كمنظمة لحركة المجتمع نحو التطور والتقدم.
    وكان هذا واضح المعالم في عدد كبير من البلدان العربية، بما فيها تلك التي تحررت من الاستعمار وتسلمت السلطة فيها نخب وطنية عسكرية أو مدنية، عبر انقلابات عسكرية أو كفاح مسلح أو غير ذلك مما اتفق على تسميته بالثورات.
    وبغض النظر عما أحدثته هذه العمليات الموضوعية من تغيرات بنيوية هامة على صعيد الدولة المستبدة فإنها لم تلبث أن أعادت إنتاج الإستاد على نحو لم يختلف كثيراً عن النظام الذي ثارت عليه وكان أبرز صور الدولة المستبدة تلك المتلفعة بالأيديولوجيا (الدوغما).
    صحيح أن هذه الدولة انفتحت على قاعدة اجتماعية أوسع إلا أنها لم تستطيع أن تمنح هذه القاعدة الحرية الكافية لإنتاج تعبيراتها السياسية والفكرية المناسبة، ولم تتمكن المنجزات الاجتماعية من تفويض الحاجة الفكرية والسياسية التي نمت على نحو متسارع على هامش هذه الدولة وبعيداً عن عيونها، ثم لتطوقها بعد ذلك بعدد من الاختلالات الناجمة عن الإرادة المفرطة لتشكيل المجتمع سياسياً واجتماعياً وثقافياً دون الأخذ بعين الاعتبار، تأثير العوامل الموضوعية في هذه العملية، الأمر الذي افقد هذه الدولة شروط مواصلة إنتاج المنجزات التي تمحورت حول فكرتها وبدأ الخارج يملي عليها شروط الإصلاح الذي أخذ عنواناً اقتصادياً، لكن مضمونه الحقيقي سياسي–اجتماعي، وكان من نتيجته أن تخلت هذه الدولة عن وظيفتها الاجتماعية فقط، دون أن تتقدم أي خطوة على طريق الإصلاح الاقتصادي، وتحملت الطبقات الفقيرة التي كانت في الأساس قاعدتها الاجتماعية كامل العبئ الذي نشأ عن تلك الإصلاحات.
    كانت الإصلاحات على النحو الذي تم هي نقطة البداية في تصفية هذه الدولة، فالتي لم تشهد انقلاباً عسكرياً شهدت تحولات سياسية درامية. كلا الطريقين جاءا بنخب سياسية وعسكرية حاكمة تمثلت نموذجاً للحكم استلهمته من حاجة الخارج الذي كان يجهز دولاً بأنظمة خاصة لمواجهة حاسمة على الصعيد الدولي.
    لقد اتجهت هذه الدولة، بدعم من الخارج لإصلاحاتها نحو الاقتصاد وعلى النحو الذي أنتج الفئات والأنشطة الطفيلية بما تمخض عنها من بنى فوقية في الحقوق والقانون والسياسة أقل ما توصف به أنها مائعة وغير مؤسسة لقيام دولة وطنية قادرة على مواجهة تحديات البناء الاقتصادي والاجتماعي؛ التحديات التي أشهرت في وجه الدولة المنقلب عليها.
    وكانت أكبر المظاهر ميوعة قد برزت في العنصر السياسي من البناء الفوقي حيث رفعت هذه النخب شعارات الديمقراطية دون أن تحدث أي تعديلات جوهرية في النظام الحقوقي الذي اتجه نحو مزيد من تقييد الحريات السياسية والثقافية وغيرها من القيود المكبلة للحقوق المدنية.
    وكان هذا النوع من الديمقراطية هو المعادل الموضوعي لطبيعة الإصلاحات الاقتصادية التي كانت الخصخصة واحدة من علاقاتها الدولة الوطنية انفتحت على قاعدة اجتماعية أوسع إلا أنها لم تستطع منح الحرية الكافية لإنتاج تعبيراتها السياسية والفكرية المناسبة



    المعبرة عن تصفية الطابع الاجتماعي للدولة المنقلب عليها. دون وجود أي مؤشر على أن الدافع الرئيسي لذلك كان هو إحداث تغييرات هيكلية جوهرية في مكونات عمليات التنمية الشاملة بقدر ما كان استجابة لضغوط خارجية هدفها تصحيح المسار السياسي بأدوات اقتصادية.
    لقد تلقفت نخب الحكم هذه الروشته وأعلنت حرية التجارة وحرية السوق تحت عنوان أكبر، مشوش المعنى وهو الحرية الاقتصادية ودون أن تمهد لذلك بانتقال حقيقي يضمن إنتاج شروط داخلية ولو بحدها الأدنى تجعل من الحرية الاقتصادية عنواناً لمرحلة جديدة من التحول السياسي والاجتماعي يؤمن تناغمها حقيقياً بين الحرية الاقتصادية والحرية السياسية.
    الذي حدث هو أن الحرية الاقتصادية جرى إعادة بنائها في إطار أنظمة شمولية مما أفقدها تأثيرها في أطلاق أنشطة إبداعية على صعيد العملية الاقتصادية برمتها، فالحرية الاقتصادية لا تدار بالأوامر الإدارية، وإنما تقوي السوق وأدواته المالية والنقدية والاقتصادية والتي لم تكن قد تكونت على النحو الذي يؤمن لهذه الحرية تحقيق أهدافها، وعوضاً عن ذلك فقد كرست بنية اقتصادية مشوهة طغى عليها النشاط الطفيلي وكان أن طفت على سطح الحياة الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم السياسية فئات وشرائح من المجتمع تسيطر على الجزء الأكبر من الدورة النقدية التي تتم خارج الاقتصاد الوطني وتمارس عليه الضغوط المتضخمة في صورة أنماط استهلاك امتصت موارده مما أدى إلى إفقار القاعدة الأوسع من المجتمع. وتمكنت هذه الشرائح والفئات من السيطرة التدريجية على مراكز القرار السياسي بأشكال مختلفة وتحت عناوين كبيرة أبرزها ديمقراطيتها الخاصة الشكلية غير المعربة عن الإرادة الشعبية.
    لقد عملت بكل قوتها وبدعم خارجي على إغلاق حلقة النظام السياسي الذي تديره عند هذه النقطة.
    لقد عبر هذا النمط من الدولة عن تراجع خطير في القيم السياسية التي مثلت على الدوام حاملاً للدولة الوطنية في مرحلة معينة وأدى تحالف الشرائح التي أنتجها الاقتصاد الطفيلي مع نخب الحكم العسكرية على وجه الخصوص إلى صياغة نظام جديد للقيم ممهدة بذلك الطريق لسياستها بتفكيك وإضعاف الإرادة الشعبية.
    لقد أجهزت في هذا السياق أولاً على مفهوم المنجز الاجتماعي التقليدي بهدف ضرب وتصفية الجذر الوطني لهذه القاعدة الشعبية، واتجهت بالحرية الاقتصادية نحو مسار مغاير تماماً بتشجيع الأنشطة الريفية وأنشطة التهريب وتفكيك الروابط الداخلية للاقتصاد، ولم يتمكن هذا النوع من الاقتصاد من تخليص الوظيفة العامة من هيمنة الدولة، فقد احتفظت الدولة بهيمنتها على الوظيفة العامة باعتبارها أداتها الفعالة في تشكيل الحياة السياسية وقمع أي محاولة التكون السياسي خارج مظلة السلطة الحاكمة، وتناقضت بهذا موضوعياً مع حديثها عن الحرية الاقتصادية، فالحرية الاقتصادية هدفها على المدى البعيد تأمين الشروط الضرورية للحرية السياسية.
    وبقدر ما تشوهت الحرية الاقتصادية، فقد تشوهت معها الحرية السياسية.
    لقد اخفق هذا النمط من الدولة في جعل الحرية الاقتصادية حافزاً لإنتاج شروط الحرية السياسية والفكرية. والحقيقة هي أنها لم تكن مؤهلة من الناحية الاجتماعية لاستيعاب شروط الحرية الاقتصادية التي حملتها تاريخياً طبقة برجوازيه صاحبة مشروع وطني يبدأ بالتصنيع لا بالإستهلاك ويتحرك على قاعدة شعبية في تفاعل متبادل من إنتاج المصالح.
    إن ما قدمته نخب هذا النمط من الدولة من دليل على تناقض أهدافها من الناحية الموضوعية مع الحرية الاقتصادية هو تخلت الدولة الوطنية عن وظيفتها الاجتماعية، دون أن تتقدم أي خطوة على طريق الإصلاح الاقتصادي، فتحملت الطبقات الفقيرة كامل العبئ



    إصرارها على قمع الإرادة الشعبية بمختلف الوسائل بما في ذلك الإفساد وتشجيع الأنشطة الطفيلية وتفكيك البنى القيمية المؤهلة لمختلف منتسبي المجتمع المدني إقامة منظماتهم المهنية والنقابية والسياسية والإبداعية وأن سمحت أحياناً تحت ضغوط معينة فإنها تفرغها لتبقى هياكل بلا روح وبلا تأثير، الأمر الذي أخرجها من دائرة الفعل السياسي وجسد على نحو مروع حقيقة "الإصلاح" الذي قبلت به الدوائر السياسية الخارجية وهي تعمل في ظروف الحرب الباردة من أجل صياغة مركز انطلاق للمواجهة (صراع القطبين) في هذه المنطقة الهامة من العالم.
    لقد كانت هذه هي الصورة للدولة العربية التي كرستها عوامل ونتائج الصراع الدولي باعتبارها الإفراز الطبيعي لسياسة خارجية أخذت على عاتقها مسئولية تسييل المشاريع الوطنية في صراع الأقطاب على النحو الذي لم تستطع معه الأنظمة أن تجد في نتائجه قدراً من الدليل على أنها لم تكن صياغة مؤقتة فقدت معه هويتها وراحت تتخبط بين مواجهة التزامات هذا الخارج الذي بات يطالبها باستحقاقات جديدة مختلفة عن ظروف الحرب الباردة من ناحية والاحتقانات الاجتماعية السياسة الداخلية الناشئة عن فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتدهور الحياة المعيشية للناس، ناهيك عن قمع الحريات السياسية والفكرية من ناحية أخرى.
    أصبحت هذه "الدولة" في نظر حليفها القديم عبئاً عليه، بعد أن استنفذت وظيفتها التاريخية من منظور حاجته إليها في معارك الحرب الباردة، وأضحت من وجهة نظره مصدر تهديد دائم لأمنه القومي باعتبارها منتجة للإرهاب ولم يعد في وضع يسمح له بالدفاع عن فسادها وإخفاقاتها وأزماتها المنذرة بصدامات اجتماعية وحروب وانقسامات بل وربما بثورات تأتي إلى الحكم بقوى نقيضة، تهدد مصالحة في هذه المنطقة.
    ويمكن القول أن هذا الافتراق شكل واحداً من شروط الإصلاح الحقيقي لهذه الدولة ونظمها السياسية في المنطقة العربية. ذلك أن الخارج الذي ظل يحميها ويحمي استبدادها وفسادها أخذ يتفق مع القوى الديمقراطية ودعاة الإصلاح. ولأول مرة يلتقي الطرفان في تقييمهما للمأزق الذي وصلت إليه، وعدم قدرتها على مواصلة السير دون إصلاح سياسي يمهد لإصلاحات وطنية شاملة.
    لقد أثبتت الإصلاحات التقليدية التي تمت برعاية الدولة المستبدة وفي صورها التي عكست هروباً من معالجة المشكلة الحقيقية والكامنة في بنية النظام السياسي إلى العناصر الجزئية للمشكلة، أثبتت أنها لم تؤدي سوى إلى إنتاج مزيد من عناصر تعقيد المشكلة، وكان أسوأ ما أنتجته هذه الإصلاحات الشكلية هو الفساد وتبييته في جسم الدولة. وصارت له آلياته التي تعمل بشروط وقواعد الأنشطة الطفيلية التي استطاعت أن تدفع بقواها إلى مراكز القرار السياسي في أكثر من مكان.رفعت النخب شعارات الديمقراطية دون أن تحدث أي تعديلات جوهرية في النظام الحقوقي الذي اتجه نحو مزيد من تقييد الحريات السياسية والثقافية




    كان واضحاً أن جذر المشكلة كامن في مكان آخر غير الاقتصاد أو الإدارة فالإصلاحات في هذا الميدان لن تولد أكثر مما تسمح به الإرادة السياسية، والإرادة السياسية في هذه البلدان قد تشابكت بمصالح قوية مع البنية الاقتصادية والإدارية القائمة في عملية دائرية أشبه بالحلقة الشريرة (المفرغة) وهذا يعني أنه لكي تصلح هذا الموضع لابد من دخول هذه الحلقة من النقطة الرئيسية التي تتحكم في بقية حلقات الدائرة.
    إن النظام السياسي بآلياته المنتجة لهذه الحلقة المفرغة هو النقطة الرئيسية التي يجب البدء منها.
    ونحن هناك لانتحدث عن كسر الحلقة بلغة الثوريين ولكن عن تفكيكها بلغة دعادة الإصلاح.
    ولكن لا تتكرر مشكلة "الأزمة الثورية" ومعالجتها بالانقلابات والمجيء بنخب تعيد إنتاج الاستبداد، فقد توافقت الضرورات السياسية على أهمية السير في طريق الإصلاح من منطلق أنه يعيد الاعتبار للإرادة الشعبية ووضعها في مكانها الصحيح بين منظومة العناصر المكونة للدولة الحديثة الديمقراطية.
    وهو هدف مشترك لكل القوى السياسية الديمقراطية، وميدانه الحقيقي هو العمل السياسي والبرامج السياسية والاجتماعية وصناديق الاقتراع عبر انتخابات حرة ونزيهة يتقرر فيها مستقبل النظام السياسي والتداول السلمي للسلطة ومستقبل التعددية السياسية والفكرية وحرية الرأي وحرية الصحافة.
    والإصلاح من هذا النوع يتم من داخل المنظومة السياسية والدستورية ولكن بأدوات سياسية وفكرية وقانونية مشتقة من الحاجة الموضوعية لإصلاح النظام السياسي كحلقة مركزية في الإصلاح الشامل كما يراه دعاة الإصلاح، وعليهم من أجل ذلك النضال السلمي الديمقراطي مع الجماهير من أجل تحقيقها.
    والعقل الذي سيحمل مشروع الإصلاح على هذا النحو لا بد أن يتمتع بالحرية الكافية كشرط ضروري لضمان السير بهذه العملية حتى النهاية، وبالتالي فإنه لا بد من تحريره من كل ما من شأنه أن يعطل وظيفة كحامل لهذا المشروع التاريخي.
    إن العقل الخائف لا يستطيع أن يصلح، والخوف هنا ليس من سطوة أجهزة القمع المادي فحسب ولكن من مراكز الإرهاب الفكرية والمعنوية أيضاً. وهي أكثر أنواع القمع استهتاراً بالعقل وأشدها تدميراً لقدراته الإبداعية.
    والعقل المثقل بجمود التعاطي مع كل موروث يقيم حاجزاًُ سرمدياً بينه وبين المستقبل يتعثر بمسئولياته في بداية الطريق.
    إن الانطلاق نحو الإصلاح السياسي يحتاج إلى رافعة فكرية يمهد لها إصلاح هذا العقل من داخله لا من خارجه.
    لقد كان شرط الإصلاح في اليمن هو توافق القوى السياسية على قاعدة الانتصار للخيار الديمقراطي الذي مثل قاسماً مشتركاً لكافة القوى الداعية للإصلاح وهذا هو الشرط الذي أخذ يتشكيل في قلب عملية النضال السياسي اليومي لهذه القوى من منطلق الحاجة لميزان تنتظم في إطاره الحرية السياسية المتجهة صوب الحياة الديمقراطية، كما أن أحياء روح المشروع الإصلاحي للوحدة هو غاية نضالية لا يمكن النظر إليها إلا بأنها امتداد لكفاح الحركة الوطنية التي قدمت التضحيات الجسمية من أجل هذا الهدف النبيل.
    ولما كانت المنابت الفكرية لهذه القوى قد شكلت مناهجها السياسية في مراحل سابقة من الحياة السياسية اليمنية وهي المناهج التي غلب عليها الطابع الأيدلولوجي الاقصائي فإن أول إصلاح حققته هذه القوى قد عالج المسألة الفكرية المرتبطة بقضية الخيار الديمقراطي والحريات والقبول بالأخر، والتعايش على قاعدة التنوع والتعددية السياسية والفكرية. ومن الطبيعي أن يكون الانتقال السياسي أسرع من الانتقال الفكري، إلا أن العناصر الحاسمة في هذه العملية قد سجلت على صعيد الواقع العملي حراكاً إلى الأمام لقاطرة الانتقال من الخنادق الأيديولوجية إلى الحياة السياسية بإيقاعات الناظم الديمقراطي، وهذا يعني أن القوة المؤثرة في عملية الانتقال قد حسمت لصالح الديمقراطية الأمر الذي أثار حفيظة السلطة الحاكمة لأسباب تتعلق بالموقف من الديمقراطية.
    وطابع المفارقة في الموقف هنا جدلي في الأساس، ونقد الموقف لا يحمل إدانة من أي نوع بقدر ما يعني تفكيكه إلى عناصره الأساسية ليتسنى لنا تحليله بموضوعية ونحن نتحدث عن أهمية الإصلاح السياسي.
    إن السياسي الذي يضع رغباته موضع الحقائق هو سياسي صالونات، هناك يستطيع كيف شاء أن يسقط الواقع على رقعة رغباته التي تتسع وتضيف وفقاً للحالة الذهنية التي يكون عليها، أما النضال في الواقع فله شروط مختلفة تماماً.
    من هنا يصبح تحليل هذا الواقع بموضوعية شرط حاسم في اختيار أدوات النضال، فالدولة ونظامها السياسي في اليمن بما يزخر به من ضيق بالديمقراطية ليست استثناء عندما يتعلق الأمر بنشوء الدولة العربية والعوامل التي تحكمت في هذه العملية، كما أن عدم الاستقرار الذي صاحب هذه الدولة العربية يعود في الأساس إلى عدة أسباب منها أن طابعها انتقالي لم يتأسس على شرعية ثابتة مستمدة من الإرادة الشعبية وأن وظيفتها بسبب ذلك لم يستقر على حال فقد كانت تنحو بسبب الروابط الخارجية الناشئة عن استحالة استمرار النظام السياسي بدون دعم خارجي إلى إبهات الطابع الوطني لهذه الوظيفة استجابة لرغبة الخارج، أما مراكز الحكم فقد كانت الشرعيات الانتقالية تمنحها صلاحيات مطلقة ولا تعنى بمحاسبتها، مما يوفر شروطاً مغرية للتآمر على الحكم باعتباره مغنماً لا يقابله أي مغرم.
    ولذلك فقد ظلت مراكز الحكم موضوع صراعات داخلية وانقلابات دموية وتآمرات أرهقت الشعوب واستنزفت مواردها وعطلت طاقاتها وإبداعها، وتوقفت عملية التطور من مستويات متدنية بما لا يسمح بتوليد فرص عملية إعادة إنتاج موسعة تستوعب ولو القدر اليسير من الحاجات المتجددة للناس مما أدى إلى اتساع الفجوة بين القدرة الكلية للاقتصاد وحاجة المجتمع، ناهيك عن تسارع الاستقطاب الطبقي بين الفقر والغنى وثلاشي الطبقة الوسطى باعتبارها حامل مشروع التسوية الاجتماعي الذي لا غنى للمشروع السياسي الديمقراطي عنه. من زاوية أنه المنظم الفعلي للحراك الاجتماعي بعيداً عن دائرة الصراع التي من الممكن أن يقود إليها مثل هذا الاستقطاب.
    لقد كان كل هذا كفيلاً بإيصال المجتمع إلى حالة من الجمود بل والتراجع عن الحد الأدنى لمعايير قياس الكفاءة والأداء التي تستخدمها المنظمات الدولية.
    إن مركز الحكم بطبيعته الاستثنائية في الدولة العربية عموماً يلعب الدور الأعظم في المجرى العام لعملية التطور الاقتصادي والاجتماعي، ولذلك فإنه يصبح من المستحيل عند تخيل واقع هذه العملية واتجاهاتها وما وصلت إليه من طريق مسدود، إهمال هذا العنصر الحاسم وهو ما يعني أن الحديث عن الإصلاح يصبح لا معنى له إذا لم يبدأ من هذا المركز من خلال إعادة بنائه موضوعياً في الإطار العام لفكرة الإصلاح أولاً ومشروعه ثانياً، وهذا في حقيقة الأمر ما عكسه مشروع الإصلاح السياسي والوطني للقاء المشترك والذي تناول هذه المسألة من الناحية الموضوعية.

    * نص ورقة د.ياسين سعيد نعمان لندوة التداول السلمي. التي نظمتها صحفيات بلا قيود أمس.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-03-14
  3. عتاب

    عتاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-25
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    لقد نظر الثوريون في مرحلة ما إلى "الإصلاح" على أنه تصالح مع منظومة القيم السائدة، فهاجموا دعاة الإصلاح بحجة أنهم إنما يهدفون إلى تمييع الحالة الثورية التي تفرض التغيير الجذري لمنظومة القيم تلك، وهي الحالة التي تنشأ عن تناقض القيم والعلاقات الاجتماعية السائدة مع التطور الاقتصادي والمادي حيث يتدخل المصلحون لحل هذا التناقض بأدوات تعطل هذا التفاعل الثوري وتفعل شروط حل إشكالية هذا التناقض بما يسمحالدعوة لإصلاح الثورات بعد فترة من قيامها دليل على غياب الإرادة الشعبية في علمية التغيير
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-03-17
  5. عبد الحكيم الفقيه

    عبد الحكيم الفقيه شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2003-08-05
    المشاركات:
    10,676
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس السياسي 2007
    رائع هو التفريق بين الإصلاح والصلح والمصالحة وكذلك التباين النسبي بين الفعل الثوري والتغيير أو الإصلاح
    وكانت زبدة موضوع الدكتور ياسين هي في الخاتمة والإمساك على جمرة الداء وفتح شواقيص الأمل التغييري والإصلاحي وهو لابد من إصلاح إدارة الحكم ( مركز الحكم) كونه الفاعل الأساسي في التثبيط أو التغيير في إنموذج الدولة العربية.
    الإرادة الشعبية وضرورتها ودورها في عملية التغيير. أنى لها ذلك في ظل ظروف مؤسسات لإدارة دولة مميعة فعلا؟
     

مشاركة هذه الصفحة