قصيدة ((ذات المقام الرفيع)) للشاعر الدكتور عيدروس نصر النقيب اليافعي

الكاتب : krkrgml   المشاهدات : 607   الردود : 0    ‏2006-03-12
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-12
  1. krkrgml

    krkrgml عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-25
    المشاركات:
    161
    الإعجاب :
    0
    أهديكم هذه القصيدة الجميلة للشاعر الدكتور عيدروس نصر
    وأرجو منكم إبداء أرائكم من خلال الردود


    ((ذات المقام الرفيع))


    فتشت عن ذات المقام الأرفعِ

    وبحثت عنها في الفضاء الأوسعِ

    معشوقةً محجوبةً أسرارها


    "وهي التي سفرت ولم تتبرقعِ"

    أنثى بلا جسمِ ولا لونٌ لها

    وجميلة فوق الجمال الأبدعِ

    إني أغامر في هواها مغرماً

    وأهيم في عشقي لها وتطلعي

    أهفو إليها في صبابةِ مولعٍ

    وأذوب في شوقي وجمر تولُّعي

    "أنا لست بالحسناء وحدي طامعاً"

    كم راغبٍ في وصلها كم طامعِ

    يتسابقون إلى رضاها كلّما

    لاحت من الآفاق بعض توقُّعِ

    حتى إذا ما شهادوا أطيافها

    وتوهّموا قرب اللقاء الممتعِ

    زادت غموضاً رائعاً وتدلّلاً

    وترفّعت في الوصل أي ترفُّعِ

    ***
    ولقد سألت الضوء عنها والدجى

    فإذا هما متحيران لمطمعي

    لم يدركا ما مقصدي ماغايتي

    لم يفصحا عن أي ردٍّ مقنعِ

    وبحثت عنها في السماء مفتشا

    بين الكواكب والنجوم السطَّعِ

    فإذا النجوم تناثرت أضواؤها

    تسعى لجمع حصيلة لم تجمعِ

    ولكم سألت البحر عنها حائرا

    وركضت ركض اللاهث المتتبعِ


    فتضاحكت أمواجه من مطلبي

    واستنكرت شطآنه ما أدعي

    ورجعت أبكي خيبتي ومرارتي

    والبحر يلهو ساخرا من مرجعي

    ***
    وبحثت عنها في القصور منقباً

    وسالت في الأكواخ دون تورِّعِ

    وهرعت في الغابات عنها باحثاً

    ونشدتها في الدارسات الأربعِ

    فإذا الذي القصر يلهو عابثاً

    وإذا الذي في الكوخ مثلي لا يعي

    وإذا الذي في الغاب مثلي حائرٌ

    وإذا الرياح تهزني من موضعي

    ولقد شممت من الزهور عبيرها

    فظننتها في عطرها المتضوعِ


    وزعمت أني في الكؤوس جرعتها

    فإذا خلاف الوهم لم أتجرِّعِ

    وعجبت من سجع الطيور فخلتها

    فيه فلم تَكُ في غناء السجَّعِ

    ولمحت في ماء الجداول طيفها

    فحسبتها في الجدول المترعرعِ

    فإذا المياه تساءلت محتارةً

    عنها وعن إسفارها المتقنِّعِ

    وبحثت عنها في المنام فلم أفز

    إلاّ بحظّ الواهم المتضعضعِ

    أمعنت في صوت الرعود تحرّياً

    عنها وفي ضوء البروق اللمّعِ

    فإذا الرعود تنوح مثلي حيرةً

    وإذا البروق كأنها لم تلمعِ

    ذهب الربيع ولم تكن في زهرهِ

    والصيف في أضوائهِ لم تسطعِ

    وأتى الخريف ولم تكن في ريحهِ

    ومضى الشتاء وطيفها لم يطلعِ

    ***
    ولقد زهدت من الحياة تبتّلاً

    في حبها المغري بغير تمنّعِ

    فوأدت أهوائي بدون تردّدِ

    ومضيت في درب التقاة الخشّعِ

    "وهجرت أقداحي وقلبي ظامئٌ

    وأبيت من قوتي ولّما أشبعِ"

    وحجبت عن خضر الروابي مقلتي

    وحبست عن صوت الأغاني مسمعي

    وحرمت من طعم السعادة مهجتي

    وسلخت آمالي التي في أضلعي

    وعزفت عن وهم الغرام تعفّفاً

    وسلكت درب الزاهد المتورّعِ


    أرنو إليها وهي تدنو غضّةً

    مني وألمسها بلمس الإصبعِ

    وأظنني قد صرت من ملاّكها

    وبأنها قربي بذات الموقعِ

    فإذا الدنو يزيد من جهلي بها

    وإذا ملاكي لم تعد في الموضعِ

    ***
    لما حسبت بأنني قد نلتها

    وفرشت روحي للعناق المزمعِ

    ألفيتني ما نلت إلا ظلّها

    من بعد ما قد خلتها كانت معي

    ووجدتني ما ذقت إلا علقماً

    منها ولم أظفر سوى بتصدّعي

    قد كنت أحسب أنني عانقتها

    فإذا الملحية تختفي من مضجعي


    ((لما حلمت بها حلمت بصهوةٍ

    لا تمتطى وبقمةٍ لم تطلعِ))

    أسعى إليها طامعا في بعضها

    أو كلها فكأنني لم أطمعِ

    من كان ينوي الانفراد بوصلها

    خسر الرهان بحلمه المتقوقعِ

    ((لم يجدني فيها شبابٌ طائشٌ

    لم يدنني منها ذكاء الألمعي))

    ((فتزعزعت في الوصل أحلامي بها

    وهي التي من قبل لم تتزعزعِ))

    فبلعت مأساتي وطلّقت المنى

    ومضيت أحسو شكوتي وتضرّعي

    غمر الأسى روحي وزادت لوعتي

    وغرقت في يأسي وفاضت أدمعي

    ***

    وعلمت بعد اليأس أن حبيبتي

    موجودةٌ ملء الوجود الأوسعِ

    موجودةٌ في الشهد والُصبَّار في

    صوت الأغاني والنحيب المفجعِ

    في كل شيء ظاهرٍ أو باطنٍ

    في الشامخ السامي وفي المتواضعِ

    وبأنها مثل الهواء مباحةٌ

    ومشاعةٌ مثل النهار الطالعِ

    تأتي لمن يسعى إليها صادقاً

    ويصونها في رهبةٍ وتخشّعِ

    نمضي الحياة تسابقاً في وصلها

    ونغيب عنها كالقطار المسرعِ

    وتظل خالدةً كنهرِ دافقٍ

    بوميضها المتألق المتدافعِ

    أزليةٌ مثل الوجود وجودها

    أبديةٌ بعد الفناء المفزعِ

    جزئيةٌ كالكون في أجزائهِ

    كليةٌ كالدهر لم تتوزّعِ

    ملء المكان بصمتها وضجيجها

    ملء الزمان بوهجها المتشعشعِ
     

مشاركة هذه الصفحة