القلم الرشاش. . والكلمة الرصاصة

الكاتب : الليث الأسمر   المشاهدات : 527   الردود : 2    ‏2006-03-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-11
  1. الليث الأسمر

    الليث الأسمر عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-30
    المشاركات:
    1,372
    الإعجاب :
    0
    القلم الرشاش. . والكلمة الرصاصة


    ......إنّ أوّل ما خلق اللّه القلم، قال: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة...

    ......ومما كتب القلم بأمره الصراع بين الحقّ والباطل، صراعا تتميّز خلاله النّفوس والصفوف، وتحفظ محارم اللّه {ولولا دفاع اللّه النّاس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} [الحج].

    ......في هذا الصّراع المحتوم، قدّر اللّه دور الكلمة.. دوراً جهاديّاً لا يخفى على عاقل لبيب، الكلمة التي تبني وتهدّم، تجمع وتفرّق.. والناس معادن كمعادن الذهب والفضة {والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا}.. وأنت تقرأ كتاب اللّه -عزّوجل- يشدّ انتباهك قسم اللّه بالقلم والكتابة، في سورة سمّيت بسورة القلم {ن * والقلم وما يسطرون}، والقسم بالكتابة تعظيم لقيمتها وتوجيه إليها في وقت كانت الكتابة في أمّة العرب متخلّفة ونادرة، في الوقت الذي كان دورها المقدّر لها في علم اللّه يتطلّب نمو هذه المقدرة وانتشارها فيها، لتقوم بنقل العقيدة الصّحيحة وما يقوم عليها من مناهج الحياة إلى أرجاء الأرض، لتنهض هذه الأمّة بقيادة البشرية قيادة رشيدة.. وما من شك أن الكتابة عنصر أساسي للنهوض بهذه النهضة - الدينية والدنيوية - الكبرى..

    ......كما ترى القرآن ذكر القلم في أوّل ما نزل منه {علّم بالقلم}، لأنّ القلم كان ولا يزال أوسع وأعمق أدوات التّعليم أثرا في حياة الإنسان والأمّة..

    ......ولعلم اللّه بقيمة القلم أشار إليه في أوّل لحظة من لحظات الرسالة الأخيرة إلى البشرية، فالقلم جندي في سبيل اللّه {وما يعلم جنود ربك إلا هو}، ينشر التوحيد والسنّة، ويعلّم الفضيلة.. يحرّك النفوس النائمة ويحشد القوى ويرصّ الصفوف، ويكشف ويدحض زيف وهراء المثبّطين...

    ......في هذا الصراع، يقابل القلم المسلم القلم الكافر …و الكلمة الطيّبة تدحض الكلمة الخبيثة، ويصارع السّيف البتّار سيوف الأشرار {وكذلك نفصّل الأيات ولتستبين سبيل المجرمين}، إذ ساحة الوغى تسع الكلمة والرصاصة وكل ميسّر لما خلق له.

    ......إنّ المتتبّع لسيرة النبّي -صلى الله عليه وسلم- يراه يولّي إهتماماً لنشر العلم الصّحيح بين الصحابة -رضي الله عنهم- ونشر علم الكلمة، كان إذا أسلم الرّجل دفعه إليهم ليعلّموه دينه، فيحسن إسلامه، وأطلق من أسرى بدر مقابل تعليم أبناء الصحابة القراءة والكتابة.. كما يدرك المتأمّل في أحداث سيرته -صلى الله عليه وسلم- فعل الكلمة، إنّ إشاعة مقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحد - وهي كلمة - كادت تفتّ عزائم الصّحابة، وتخذيل نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- يوم الخندق - وهي كلمة - مزّقت شمل الأحزاب، وصيحة العبّاس -رضي الله عنه- لأصحاب الشّجرة يوم حنين - وهي كلمة - جمعت الصّحابة بعد تشرذمهم..

    ......للكلمة دورها في بناء النّفوس وتعبئتها " إنّ من البيان لسحرا "، ولها دورها في تحطيم معنويات الأعداء، ولولا أنّه قال -صلى الله عليه وسلم-: (اهجوا بالشعر، إن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده كأنما تنضحوهم بالنبل).

    ......وهو القائل لحسّان بن ثابت -رضي الله عنه-: (أهجوهم وروح القدس معك)، وعقد البخاري: (باب هجاء المشركين).. وهو القائل -صلى الله عليه وسلم-: (أرموا فإن أباكم كان رامياً)، والقائل: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم)، والقائل: (الآن حمي الوطيس شدوا على أعداء اللّه)، وهو الذي جعل أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وقرن صاحبها بسيد الشهداء حمزة.

    ......كان له -صلى الله عليه وسلم- أمراؤه وقادته في ساحة النزال.. وله خطباؤه وشعراؤه في ساحة المقال، كان له فرسان البنان وفرسان البيان بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم - .

    ......إن الكلمة الطيبة في الإسلام كائن حيّ مؤثّر، حريّ بنا كثرة التنبيه إلى أهميتها والتنويه بها، تساهم إلى حدّ بعيد في إحياء الأمّة وخاصّة إذا تسرّبت إلى القلوب واستقرّت بها.. فالكلمة الصادقة الصّادرة من القلب تثير عواطف النفوس وتحيي ذوات القلوب، وتدفع إلى النفير بإذن اللّه..

    ......فالكلمة من قائلها هي بمعناها في نفسه لا بمعناها في نفسها، شأنها شأن الصارم البتار حين يحمله الشجاع وحين يحمله الجبان {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه}.

    ......إن حاجة الأمّة إلى الكلمة الحقّة الصادقة النّظيفة البنّاءة أعظم من حاجتها إلى طعامها وشرابها، إن الأمّة ممثّلة في جيلها المتديّن، أصبحت صاغية لكلمات الأوفياء الخيّرين، ولطالما سئمت الهراء والهذيان الذي عافته القلوب، ولفظته النّفوس، وأهل السنّة يقولون الحقّ، ويرحمون الخلق.

    ......قال يحي بن معاذ: (أحسن شيء كلام رقيق يستخرج من بحر عميق على لسان رجل رفيق)، ونبيّنا -صلى الله عليه وسلم- نبيّ الملحمة والمرحمة والضحوك القتّال،إن افتقاد الكلمة الطيّبة يفقد الدعوات روحها وتأثيرها، ويؤدّى إلى التفكّك والانهيار {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إنّ الشيطان ينزغ بينهم}.

    ......إنّ المتأمّل في حال أمّة الإسلام يرثى لأمرها ويبكى لحالها، في هذا الظرف المبكي والوقت المؤلم ننتظر العمل والبناء لنقيم الصرح ونجمع الشمل، ننتظر الكلمة التي توحد بين الإخوة والأحبة، الكلمة التي تعرّي الباطل وأهله، وتقذف بالحق صيحة مجلجلة في ربوع العالمين {قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قل جاء الحق وما يبدأ الباطل وما يعيد}، ونحن والحمد للّه نرى في أهل الخير والإيثار والوفاء مع قلتهم من يقوم بهذا خير قيام، ولكننا نرى وللأسف من يتسلل لواذا بقيل وقال أو يفعل ذلك جهاراً، نرى ألسنة تهدم وتهدم ونحن أشد ما نحتاج إلى البّناء، وإن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط اللّه لا يلقى لها بالا يهوى بها في النار سبعين خريفا {فأما الزبّد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}، إن الكلمة هي جوهر الإنسان، ولسانه هو الذي يحوّل هذا الجوهر إلى معدن صاف أو سمّ قاتل وأمّا الذين حبستهم ألسنتهم فيستحقون منّا أن نفتح لهم أبوابنا وقلوبنا، وأما الذين ساءت ألسنتهم فحسبهم من الإحتقار أنّهم إخوان الشياطين {إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين}.

    ......ألا إن فرسان الكلام والأقلام كفرسان النزال والعراك في كثير من الخصائص.. فيا طلائع الزحوف وأئمة الصفوف، سلام عليكم بما صبرتم، إنما أنتم حراس دروب، ومرابطة ثغور، فاصبروا واثبتوا، أنتم جنود العلم والكلمة، وفرسان الحسام والملحمة، الجندي معنى يبعث الروعة، ويوحى بالإحترام، ويجلب الشرف ويغلي القيمة، لأنه في غاية معناه حارس مجد وحافظ أمانة وقيم أمة، لذلك كان من واجبات الجندي الصبر على المكاره، والثبات عند الشدائد والأزمات، فإذا إسترسل الجندي في الجزع والشكوى أو فاته الصبر فلاذ بالضّجر أخطأ النصر وأضاع الثغر.

    وأخيراً:
    ......إنّما يقوم الدين بالكتاب الهادي والسيف النّاصر، والسيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة يستعين بهما على أمره، والممالك التي تبنى على السيف، بالسيف تهدم، وما يشاد على القوة، فبالقوة يؤخذ، وإنما أعلى الممالك وأثبتها ما بني على العلم وحمي بالسيف وإنما يبلغ السيف وطره ويؤثر أثره إذا كان العلم وراءه، فيا للروعة والبهاء،، والعظمة والسناء حين يختلط ضجيج المطابع بدوي المدافع، وصريف الأقلام بقعقعة السلاح، ويتمزج مداد العلماء بدماء الشهداء ويتعانق اليراع والرشاش وتدوي الكلمة والرصاصة، لإحقاق الحق وإبطال الباطل.. لإرضاء رب العالمين ولإسخاط الشياطين.. واللّه لا يضيع أجر المحسنين و{إنّما يتقبل اللّه من المتقين}.

    بقلم؛ أبي الحسن غريب
    عن مجلة الجماعة
    العدد الأوّل / ربيع الثّاني 1425هـ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-03-12
  3. علي المآربي

    علي المآربي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-10
    المشاركات:
    5,835
    الإعجاب :
    0
    الخط يبقى زمانا بعد كاتبه :::وصاحب الخط تحت الأرض مدفونا


    طيب الله ثراك أخي الكريم



    وبارك الله فيك وجمع الله قلوبنا تحابت فيه

    أخي الكريم

    بروكت وسلمت يداك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-03-12
  5. الليث القندهاري

    الليث القندهاري قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-06-06
    المشاركات:
    2,829
    الإعجاب :
    0
    بوكت اخي الكريم الليث الأسمر

    بيّض الله وجهك وحيّا ما سطرته اناملك

    ولربما كان للقلم والكلمة في احياناً كثيرة وقع على النفوس اكثر من السيف والرمح
     

مشاركة هذه الصفحة