أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الحلقة (22)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 498   الردود : 0    ‏2002-05-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-05-01
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    أثر التربية الإسلامية في أمن المجتمع الإسلامي(22)

    المبحث السادس: العلم بالملائكة ووظائفهم

    إن الذي يعلم أن لله تعالى مخلوقات ملأت السماوات، وأحاطت بالعرش، وانتشرت في الكون كله تنفذ أمر الله ولا تعصي له أمراً، وأن من وظائفها العناية بهذا الإنسان والاهتمام به منذ أن أراد الله خلقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل إنهم ليتلقونه في الآخرة، وهم الذين يفتحون لأهل الجنة أبوابها، ولأهل النار أبوابها، وخزنة الجنة ملائكة وخزنة النار ملائكة.

    إن الذي يعرف ذلك إجمالا،ً ليكاد ترتعد فرائصه من شدة الخوف من هؤلاء الذين يلازمونه في كل أحواله، ويكتبون كل أعماله وحركاته، فيلقى كل ما يكتبونه محضراً عند لقاء ربه، فكيف إذا عرف ذلك بالتفصيل الذي أذن الله به؟

    ويكفي أن نذكر شيئاً من وظائفهم المتعلقة بهذا الإنسان مع النصوص الدالة عليها باختصار، لنرى الأثر الذي يحدثه العلم بالملائكة والإيمان بهم في نفس المؤمن.

    أولاً:
    دوام عبادتهم وعدم عصيانهم مطلقاً، كما قال تعالى: ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) [فصلت: 38].

    وقال تعالى: ( يا أيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) [التحريم: 6].

    جمع في هذه الآية بين ثلاثة أمور في الملائكة:

    الأمر الأول:
    أن منهم من وظيفته القيام على شئون النار.

    الأمر الثاني:
    أن هؤلاء القائمين على جهنم متصفون بما يناسبها، وهو الغلظة والشدة.

    الأمر الثالث:
    كمال طاعتهم لربهم وعدم عصيانه، ولهذا حذّر الله المؤمنين وأمرهم بوقاية أنفسهم من هذه النار التي عليها هؤلاء الملائكة الذين هذه صفاتهم، فإنهم لا يمكن أن توجد في قلوبهم رحمة لمن أمرهم الله بحبسه في نار جهنم.

    وإن هذه الصفة التي هي عدم المعصية، والطاعة الكاملة لله سبحانه وتعالى من أعظم ما يبعث في نفس المؤمن محاولة الارتقاء بنفسه في طاعة الله إلى أعلى مستوى يقدر عليه، وإن لم يكن تكوينه مثل تكوين الملائكة في العصمة، إلا أن الاقتداء في الاجتهاد في الطاعة حسب طاقته يرفعه إلى أعلى ما يطيقه البشر، وفي ذلك كفاية بالنسبة للإنسان.

    ثانياً:
    إن الملائكة لشدة حرصهم على طاعة الله وكونهم جبلوا على ذلك، يحبون أن يكون الكون كله معموراً بطاعة الله بحيث لا يشذّ عنها أحد من الخلق، ويكرهون أن يوجد في الكون السفلي ما يخالف الكون العلوي، بوجود عصاة وفساد، لذلك أبدوا شفقتهم وخوفهم من أن تكون هذه الأرض محل فساد من بين سائر الكواكب والسماوات، من اعتداءٍ وسفك دماءٍ وظلم، وغير ذلك.

    كما قال تعالى: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) [البقرة: 30].

    إنهم لشدة حرصهم على طهارة الكون من الشرك والظلم والاعتداء، ومحبتهم للتوحيد والطاعة والعدل والأمن والاستقرار، يود أن يكون العالم السفلي (الأرض) مثل العالم العلوي، بأن تكون مقراً لهم يعمرونها بعبادة الله وطاعته، ولكن لحكمةٍ يعلمها الله، وقدرٍ أراده، وعلم محيط بالمصالح والمفاسد، أراد تعالى أن يكون سكان هذه الأرض من جنس آخر: جنس خلقه الله من قبضته من طين ونفخة من روح، جنس يكون تكليفه اختياراً، ولا تكون العبادة والطاعة سجية له كالملائكة، بحيث لا يقدر على الخروج من فلك الطاعة في كل أحيانه، بل يكون من طبيعته أن لديه قدرة على الطاعة والمعصية، ونوع اختيار، ويكفي أن يبعث الله إليه الرسل وينزل عليه الكتب لهدايته، والملائكة ترافق هذا الإنسان من وقت علوقه برحم أمه إلى أن يدخل الجنة أو النار.

    ثالثاً:
    ولعل في جعل الله تعالى سفيره إلى رسله الهداة من البشر حبريل عليه السلام أمينه على وحيه، تكريماً منه تعالى لملائكته الحريصين على وجود الصلاح في هذه الأرض.

    كما قال تعالى: ( إنه لقول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين ) [التكوير: 19-21].

    وهم بذلك يقيمون الحجة على البشر بأنهم قد أتوهم بالهدى من عند الله الذي فيه صلاحهم، وبيان ما يجب عليهم أن يجتنبوه من الفساد.

    رابعاً:
    ولهذا جعلهم الله تعالى حراساً على البشر، يراقبون نشاطهم وأفعالهم ويكتبونها عليهم في سجلات تنشر عليهم يوم القيامة.

    كما قال سبحانه وتعالى: ( وإن عليكم لحافظين، كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون ) [الانفطار: 10-12].

    وقال تعالى: ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) [ق: 16-18].

    إن الإنسان المؤمن الذي يعلم أن حراساً أمناء كَتَبَةً، يعلمون ما يفعل، ويكتبون عليه نشاطه كله في سجلاتهم في كل لحظة من لحظات حياته، لا فرق بين خلوته وجلوته، لا بد أن يسعى جاهداً في عمل كل صلاح يقدر عليه وفي البعد عن كل فسادٍ أو شرٍ.
     

مشاركة هذه الصفحة