اليمن: الهروب الجماعي والخطر الإقليمي !!

الكاتب : عتاب   المشاهدات : 237   الردود : 0    ‏2006-03-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-06
  1. عتاب

    عتاب عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-25
    المشاركات:
    109
    الإعجاب :
    0
    اليمن: الهروب الجماعي والخطر الإقليمي
    عبد العزيز بن عثمان بن صقر، نقلا عن الشرق الأوسط

    لا يسع من يدرك حقيقة خطر الإرهاب وما يفرضه من تحديات تهدد الأمن والاستقرار وما ألحقه ويلحقه من خسائر بشرية ومادية، إلاّ أن يشعر بالقلق الشديد وخيبة الأمل إزاء حادثة هروب ثلاثة وعشرين عنصراً من تنظيم القاعدة من سجن الأمن السياسي في اليمن. فهذه المجموعة تضم عناصر قيادية إرهابية خطيرة سبق لها أن خططت وأشرفت وشاركت في تنفيذ عمليات إرهابية كبيرة مثل عمليتي الهجوم على المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في عام 2000 وناقلة النفط الفرنسية ليمبرغ في عام 2002. إن هذه الحقائق تؤكد جملة من المعطيات التي تفاقم من خطورة الحدث وأهميته. فهذه المجموعة تمتلك الخبرة والمعرفة وتتمتع بقدرات قيادية، ولها اتصالات واسعة مع قيادة تنظيم القاعدة وكوادره داخل المنطقة وخارجها. أضف إلى ذلك أن هذه العناصر لا تعرف طريقاً لتحقيق ذاتها وتبرير وجودها وضمان استمرارية بقائها سوى القيام بالعمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين الأبرياء وتنشر الرعب في المجتمعات الآمنة.
    وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هُوية هذه العناصر ومدى خطورتها وقدراتها أصبحت معروفة وستكون مطاردة من جهات أمنية يمنية وغير يمنية عدة، ندرك عندها أن هذه العناصر تعلم جيداً أن جميع المنافذ أمامها مسدودة وأن خياراتها لا تتعدى الاعتقال أو القتل، وبالتالي فهي تعيش الآن حالة من اليأس التي قد تدفعها لتنفيذ عمليات إرهابية يائسة في محاولة منها لتجنب الوقوع في الأسر مرة ثانية وربما لرد الاعتبار لقدرة القاعدة على تنفيذ العمليات الإرهابية. إن نجاح أجهزة الأمن في المملكة العربية السعودية في إيقاع أشد الخسائر بالجماعات الإرهابية وإحباط محاولاتهم المتكررة لتنفيذ عمليات على أرض المملكة يعزز هذا الاعتقاد. فليس من المستبعد أن تكون هذه المجموعة قد بادرت إلى توزيع نفسها لتشكل أربع أو خمس خلايا يتألف كل منها من أربعة أو خمسة إرهابيين وتوجهت كل منها إلى منطقة لتنفيذ مهام محددة قد تتعدى الساحتين اليمنية والسعودية لتطال دولاً أخرى في المنطقة.
    أمام هذا الوضع المؤسف، لا يسعنا إلاّ أن نؤكد بعض المعطيات والحقائق لنستفيد من التجربة ومنع تكرار هذا الإهمال من ناحية، ولوضع أفضل المقترحات لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب من ناحية أخرى.
    إن حادثة هروب منظم وناجح بهذا الشكل الذي تمت به هذه العملية، ما كان لها أن تحدث من دون وجود درجة عالية من التنظيم والتنسيق والتخطيط والاتصال بين المعتقلين الفارين وبين عناصر من تنظيم القاعدة في الخارج قامت هي بدورها بتسهيل ودعم العملية في جميع مراحلها. فاختفاء العناصر الفارة بهذه السرعة يؤكد وجود شبكة متكاملة تتمتع بإمكانيات هائلة واتصالات جيدة وعلى مستوى عالٍ من الكفاءة والتنظيم.
    تجدر الإشارة إلى أن بعض عناصر هذه المجموعة التي نجحت في الفرار، منها على وجه التحديد جمال بدوي، الذي نفذ عملية فرار سابقة ومماثلة مع تسعة من رفاقه من سجن عدن في عام 2003 عندما تمكنوا من حفر نفق تحت الأرض. أضف إلى ذلك أن تسعة من العناصر الهاربة تم تسليمهم من قبل أجهزة الأمن السعودية إلى اليمن كثمرة مباشرة للتعاون والتنسيق الأمني القائم بين الدولتين. إن عملية القبض على هذه العناصر كلّفت العديد من الأرواح والكثير من الجهد الذي بذلته جميع الدول التي ساهمت في اعتقال وتسليم هذه العناصر. ويحدونا الأمل في ألاّ تؤدي هذه الحادثة إلى زعزعة الثقة بين أجهزة الأمن المعنية، وألاّ تؤدي إلى تجميد هذا التعاون والتنسيق.
    لا مجال للإنكار أو حتى لتجاهل أن هروب هذا العدد من الإرهابيين الخطِرين ما كان ليحدث من دون تقصير مُفرط في أداء الأجهزة الأمنية المسؤولة وإدارة السجون في اليمن. لقد كان خطأً فادحاً أن يحتجز هؤلاء الإرهابيين في سجن واحد ويسمح لهم بالتواصل والتنسيق وربما وضع خطط مستقبلية في حال نجاح عملية الفرار. لقد أعلن الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أن عملية الهروب كانت نتيجة إهمال «وربما تواطؤ» من حرس السجن. ومع إدراكنا أن الفرق شاسع بين «الإهمال» و«التواطؤ»، فإنه لا بد من معالجة أوجه القصور التي أدت إلى الإهمال. أما إذا كان احتمال التواطؤ وارداً، فإنه لا بد من تحديد مستوى هذا التواطؤ ومحاسبة المسؤولين عنه حتى لا تتكرر مثل هذه الأعمال في المستقبل. ولكن الأهم من ذلك هو العمل على وضع التصورات والمقترحات الكفيلة باستمرار التعاون الأمني وتعزيزه بين جميع دول المنطقة، وخصوصاً أن هذا التعاون أدى إلى اعتقال العشرات من الإرهابيين وإحباط العديد من العمليات حتى الآن.
    إن حماية الجهد الجماعي من الهدر والتصميم على تراكم الإنجازات ومحاربة الإرهاب والإرهابيين أينما وجدوا لتوطيد الأمن والاستقرار في دول المنطقة كافة، لا يمكن أن يقف عند حدود الاعتراف «بالإهمال» أو «التواطؤ». إن هول المخاطر والتحديات التي يمثلها الإرهاب يجعلنا نقف أمام استحقاقات لا يمكن تأجيلها أو تجاهلها. وانطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن مكافحة الإرهاب تستلزم تعاوناً إقليمياً وجماعياً وتضافراً لجميع الجهود، نرى أن اقتراح إنشاء مركز إقليمي أو دولي لمكافحة الإرهاب والذي دعى له الملك عبد الله بن عبد العزيز خلال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب، يبقى ضرورة ملحة لنجاح الجهود المبذولة ووضعها في إطار مؤسساتي منظم، يضع الآليات الكفيلة بتبادل الخبرات والمعلومات وتنسيق الجهود لاستئصال شأفة الإرهاب، وليكون هذا المركز في الوقت نفسه جسراً بين النشاطات الإقليمية والدولية للقضاء على كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن أو المساس بحياة المواطنين الأبرياء. كما لا بد أن تستمر أجهزة الأمن في يقظتها، لا سيما أن الحدود شاسعة ومخاطر الإرهاب لا تزال قائمة.

    * كاتب سعودي ورئيس مركز الخليج للأبحاث
    sager.grc.ae
     

مشاركة هذه الصفحة